قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ التَّاسِعَ عَشَرَْ
أَمَّا بَعْدُْ،
تَحَدَّثْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَنْ شَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَ الَّذِي جَاءَهُ مُوسَى وَهَارُونُ بِالرِّسَالَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
وَكَانَتْ رِسَالَتُهُمَا الدِّينِيَّةُ إِلَى فِرْعَوْنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْيِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي بَابِ إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ الْمُطْلَقَةِ جَاءَ كَلَامُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ)ْ.
لِذَا كَانَ أَوَّلُ سُؤَالٍ تَوَجَّهَ بِهِ فِرْعَوْنُ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ هُوَ السُّؤَالُ التَّالِيْ:
وَقَدْ جَاءَ رَدُّهُمَا عَلَى هَذَا السُّؤَالِ (عَلَى مَا أَظُنُّ) عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
وَعِنْدَهَا عَزَّرَ فِرْعَوْنُ سُؤَالَهُ الْأَوَّلَ بِسُؤَالٍ آخَرَ هُوَْ:
عِنْدَهَا مَا كَانَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَنْسِبَ الْعِلْمَ بِهَا إِلَى رَبِّهِْ، رُبَّمَا لِقِصَرِ عِلْمِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِتِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ:
لِيَتَفَوَّقَ فِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) بِمَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ تِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَى عَلَى مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ مَعًاْ.
وَحَتَّى يَتَأَكَّدَ فِرْعَوْنُ مِنْ ظَنِّهِ بِأَنَّ مُوسَى مِنَ الْكَاذِبِينَ (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)ْ، طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا عَلَّهُ يَبْلُغُ بِهِ الْأَسْبَابَ عَلَّهُ يَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَىْ:
فَعَادَ فِرْعَوْنُ مِنْ هُنَاكَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) يَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ إِلَهٌ آخَرُ غَيْرُهُْ. فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ بِفِكْرٍ جَدِيدٍ غَيْرِ ذَاكَ الَّذِي ذَهَبَ بِهِْ.
فَالْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ قَدْ تَغَيَّرَ الْآنَْ، فَقَدْ أَصْبَحَ عَلَى عِلْمٍ بِوُجُودِ آلِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِهِ كَالْإِلَهِ الَّذِي تُؤْمِنُ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَْ. لَكِنَّ هَذَا الظَّنَّ لَمْ يُزَعْزِعْ ثِقَةَ فِرْعَوْنَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا إِلَهٌْ، لِيُصْبِحَ ظَنُّ فِرْعَوْنَ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الْإِلَهِ الَّذِي اطَّلَعَ إِلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: هَذَا الْإِلَهُ الَّذِي وَجَدَهُ هُوَ إِلَهٌ فِي السَّمَاءِ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِمَنْ فِي الْأَرْضِْ، فَجَاءَ اسْتِكْبَارُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّْ.
وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ – فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي مُبَاشَرَةً آيَةَ اطِّلَاعِهِ عَلَى إِلَهِ مُوسَىْ:
فَفِرْعَوْنُ الْآنَ يَعْلَمُ بِوُجُودِ هَذَا الْإِلَهِ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ إِلَى هَذَا الْإِلَهِ الَّذِي وَجَدَهُ هُنَاكَْ، ظَانًّا أَنَّ إِلُوهِيَّةَ هَذَا الْإِلَهِ مَحْصُورَةٌ بِالسَّمَاءِْ، وَلَا عَلَاقَةَ لَهُ بِمَنْ فِي الْأَرْضِْ، فَمَا ظَنَّ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ مِنْ بَعْدِهِ بِأَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى هَذَا الْإِلَهِ "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ"ْ.
لَكِنَّ هَذَا النِّقَاشَ يُثِيرُ فِي ثَنَايَاهُ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَْ:
- أَيْنَ بُنِيَ ذَلِكَ الصَّرْحُ؟
- كَيْفَ بُنِيَ ذَلِكَ الصَّرْحُ؟
- كَيْفَ اسْتَخْدَمَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ الصَّرْحَ؟
- إِلَى أَيْنَ وَصَلَ فِرْعَوْنُ بِاسْتِخْدَامِهِ ذَاكَ الصَّرْحَ؟
- أَيْنَ هِيَ أَسْبَابُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّتِي وَصَلَ إِلَيْهَا فِرْعَوْنُ بِاسْتِخْدَامِهِ ذَلِكَ الصَّرْحَ؟
- أَيْنَ وَجَدَ فِرْعَوْنُ إِلَهَ مُوسَى؟
- كَيْفَ وَجَدَهُ؟ أَيْ مَا هِيَ الْحَالُ الَّتِي وَجَدَهُ فِيهَا؟
- مَا الَّذِي رَاءَاهُ فِرْعَوْنُ هُنَاكَ بِأُمِّ عَيْنِهِ؟
- كَيْفَ عَادَ فِرْعَوْنُ مِنْ هُنَاكَ؟
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: [مَكَانُ بِنَاءِ الصَّرْحِ: فِي أَرْضِ مِصْرَ]
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: فِي أَرْضِ مِصْرَْ.
لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ سُلْطَةَ فِرْعَوْنَ كَانَتْ مَبْسُوطَةً عَلَى أَرْضِ مِصْرَْ، أَلَيْسَ هَذَا هُوَ نِدَاءُ فِرْعَوْنَ فِي قَوْمِهِ؟
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ يَعْقِدُ فِي السِّيَاقِ ذَاتِهِ مُقَارَنَةً بَيْنَهُ مِنْ جِهَةٍ وَبَيْنَ كَيْنُونَةٍ أُخْرَىْ، هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَهِينٌْ. انْظُرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ السَّابِقَةَ مَرَّةً أُخْرَى فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ التَّمْهِيدَ لَهَا هُنَا هِيَ التَّالِيْ: كَانَ فِرْعَوْنُ يَظُنُّ أَنَّهُ إِلَهٌ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ فَقَطْْ.
فَفِكْرَةُ ارْتِبَاطِ الْإِلَهِ بِمَكَانٍ مُحَدَّدٍ كَانَتْ – بِرَأْيِنَا – مِنْ صُلْبِ الْعَقِيدَةِ السَّائِدَةِ هُنَاكَ حِينَئِذٍْ، وَيُكَأَنَّ لِسَانَ حَالِ فِرْعَوْنَ يَقُولُ أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ الشَّاسِعَ تَتَقَاسَمُهُ قُوًى عِمْلَاقَةٌْ، كُلٌّ مِنْهَا هُوَ إِلَهٌ يَخْتَلِفُ عَنْ إِلَهِ الْآخَرِينَْ. فَفِرْعَوْنُ هُوَ إِلَهُ مِصْرَْ، وَكَفَىْ. وَسَنَتَحَدَّثُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ عَنْ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ لَاحِقًا إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِْ.
لِذَا عِنْدَمَا طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًاْ، كَانَ الرَّجُلُ – لَا شَكَّ – يَعْلَمُ يَقِينًا بِأَنَّ الصَّرْحَ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ هَامَانُ لِفِرْعَوْنَ هُوَ صَرْحٌ سَيُبْنَى فِي أَرْضِ مِصْرَْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
لَكِنْ مِمَّا نَظُنُّ أَنَّهُ يَجْدُرُ مُلَاحَظَتُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ (أَيْ: صَرْحًا)ْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
فَالْمُتَدَبِّرُ لِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ عَلَى مِسَاحَتِهِ يَجِدُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ هُمَا اللَّتَانِ جَاءَ بِهِمَا ذِكْرٌ لِذَلِكَ الصَّرْحِ الَّذِي طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُْ. فَجَاءَ الْخِطَابُ الْقُرْآنِيُّ بِخُصُوصِ تِلْكَ الْكَيْنُونَةِ فِي كِلَا الْآيَتَيْنِ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ (صَرْحًا)ْ.
السُّؤَالُ: [مَا أَهَمِّيَّةُ ذِكْرِ الصَّرْحِ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ؟]
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الِاسْتِنْبَاطُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِيْ: احْتِمَالِيَّةُ وُجُودِ أَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ فِي أَرْضِ مِصْرَْ.
فَلَقَدْ طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الصُّرُوحِ (فَاجْعَل لِّي صَرْحًا)ْ. دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ – فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْخَاصَّةِ بِصَرْحِ فِرْعَوْنَ مَرَّةً أُخْرَىْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ ذَلِكَ الْخِطَابَ الَّذِي جَاءَ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ فِي كِلْتَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: عِنْدَ تَفَقُّدِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالصُّرُوحِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ لَمْ نَجِدْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ ذِكْرٌ لَهَا إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أُخْرَى غَيْرِ حَالَةِ فِرْعَوْنَْ، أَلَا وَهِيَ حَالَةُ سُلَيْمَانَْ. فَلَقَدْ كَانَ لِسُلَيْمَانَ صَرْحٌْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَلَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ هِيَ أَنَّ الْمُفْرَدَةَ قَدْ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ سُلَيْمَانَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ (ادْخُلِي الصَّرْحَ)ْ.
فَمَا أَنْ جَاءَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ سُلَيْمَانَ حَتَّى طُلِبَ مِنْهَا أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحَ (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ)ْ، الْأَمْرُ الَّذِي يَدْعُونَا إِلَى اسْتِنْبَاطِ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّا التَّالِيْ: لَمْ يَكُنْ يَتَوَاجَدُ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ أَكْثَرُ مِنْ صَرْحٍ وَاحِدٍ هُوَ خَاصٌّ بِسُلَيْمَانَ وَحْدَهُْ، لِذَا جَاءَ طَلَبُ الْقَوْمِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحَ (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ)ْ، فَمَا تَرَدَّدَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَدْخُلَهُ لِأَنَّهُ هُوَ – بِرَأْيِنَا – الصَّرْحُ الْوَحِيدُ الْمَوْجُودُ فِي الْمِنْطَقَةِ مِنْ حَوْلِهَا حِينَئِذٍْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (1): كَانَ هُنَاكَ فِي أَرْضِ سُلَيْمَانَ صَرْحٌ وَاحِدٌ فَقَطْْ، فَجَاءَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ (الصَّرْحَ)ْ، فَلَوْ كُنْتَ مُتَوَاجِدًا فِي عَصْرِ سُلَيْمَانَ وَسَأَلْتَ عَنِ الصَّرْحِ لَأَشَارَ كُلُّ أَهْلِ الْمِنْطَقَةِ إِلَى كَيْنُونَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْرُوفَةٍ لَهُمْ جَمِيعًاْ، هِيَ خَاصَّةٌ بِسُلَيْمَانَ فَقَطْْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): أَمَّا فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي زَمَنِ فِرْعَوْنَْ، فَقَدْ كَانَ هُنَاكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَكْثَرُ مِنْ صَرْحٍ وَاحِدٍْ، وَقَدْ طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الصُّرُوحِ عَلَّهُ يَبْلُغُ مِنْ خِلَالِهِ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَىْ.
وَرُبَّمَا تَتَقَاطَعُ قِصَّةُ الصَّرْحِ الْخَاصِّ بِسُلَيْمَانَ مَعَ صُرُوحِ فِرْعَوْنَ فِي جُزْئِيَّةٍ أُخْرَى لَا يُشَارِكُهُمَا فِيهِ غَيْرُهُمْ وَهُوَ وُجُودُ "الْعَذَابِ الْمُهِينِ"ْ.
فَلَقَدْ اسْتَخْدَمَ سُلَيْمَانُ الصَّرْحَ حَتَّى كَانَتِ الْجِنُّ وَاقِعَةً فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الصَّرْحِ وَهُوَ سُلَيْمَانُْ، لِدَرَجَةِ أَنَّ مَوْتَهُ هُوَ فَقَطْ مَنْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ الَّذِي كَانُوا يَذُوقُونَهُ عَلَى يَدِ سُلَيْمَانَ (مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)ْ.
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا مَا كَانَ وَاقِعًا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ حَيْثُ الصُّرُوحُ مُشَيَّدَةٌ فِيهَا زَمَنَ هَذَا الْفِرْعَوْنِْ، لَوَجَدْنَا النَّتِيجَةَ ذَاتَهَاْ، أَلَا وَهِيَ الْعَذَابُ الْمُهِينُْ:
السُّؤَالُ: [صُورَةُ أَرْضِ مِصْرَ الْمُتَخَيَّلَةُ: سَمَاءٌ مَلِيئَةٌ بِالصُّرُوحِ]
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَرْضَ مِصْرَ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَقَدْ مُلِئَتْ سَمَاؤُهَا بِالصُّرُوحِ الَّتِي يُشْبِهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صَرْحَ سُلَيْمَانَْ، وَهُوَ الَّذِي حَسِبَتْهُ الْمَرْأَةُ (عِنْدَمَا رَأَتْهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ) لُجَّةًْ.
لِذَاْ، وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى قِصَّةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ لِنَتَعَرَّفَ (حَسَبَ فَهْمِنَا الْمُفْتَرَى لِلْقِصَّةِ) عَلَى مَاهِيَّةِ ذَلِكَ الصَّرْحِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ سُلَيْمَانُْ، ثُمَّ نَعُودُ مِنْ هُنَاكَ بِبَعْضِ التَّصَوُّرَاتِ الَّتِي رُبَّمَا تُسْعِفُنَا فِي فَهْمِ الصُّرُوحِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِي أَرْضِ مِصْرَ زَمَنَ فِرْعَوْنَْ.
بَابٌ: [صَرْحُ سُلَيْمَانَ مُقَابِلَ صُرُوحِ فِرْعَوْنَ]
لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَتْ سُلَيْمَانَ قَدْ خَبِرَتِ الصُّرُوحَ مِنْ قَبْلُْ، لِأَنَّهَا مَا أَنْ رَأَتِ الصَّرْحَ الَّذِي طُلِبَ مِنْهَا أَنْ تَدْخُلَهُ حَتَّى حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَاْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَقَدْ أَثَرْنَا فِي مَقَالَاتِنَا عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ تَحْتَ عُنْوَانِ "مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ" فِي بَابَيْ السَّاقِ وَالصَّرْحِ السُّؤَالَ التَّالِيَْ: لِمَاذَا كَشَفَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ سَاقَيْهَا عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ؟
وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا حِينَئِذٍ أَنَّ سَبَبَ كَشْفِ الْمَرْأَةِ عَنْ سَاقَيْهَا كَانَ بِدَاعِي السُّجُودِ كَمَا فَهِمْنَا ذَلِكَ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:
وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِوُجُودِ عَلَاقَةٍ مَتِينَةٍ بَيْنَ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ مِنْ جِهَةٍ وَالسُّجُودِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فَلَابُدَّ لَهُ – بِرَأْيِنَا – مِنْ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ سَاقِهِْ، رُبَّمَا لِيَسْتَكْشِفَ الْمِنْطَقَةَ (عَلَى الْأَرْضِ) الَّتِي سَيَنْزِلُ عَلَيْهَا بِسَاقَيْهِْ، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِيْ:
فَكَانَ ظَنُّنَا هُوَ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِأَنَّهَا هَمَّتْ بِفِعْلِ السُّجُودِ عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ وَحَسِبَتْهُ لُجَّةًْ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا رَأَى سُلَيْمَانُ أَنَّهَا قَامَتْ فِعْلًا بِفِعْلِ الْكَشْفِ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَهُمَّ بِالسُّجُودِ لِلصَّرْحِ (وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ ذِي قَبْلٍ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الْهُدْهُدِ الَّذِي نَقَلَ خَبَرَهَا لِسُلَيْمَانَ)ْ:
مَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ مَنَعَهَا مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِْ، فَصَحَّحَ لَهَا خَطَأَ ظَنِّهَا عِنْدَمَا أَخْبَرَهَا بِأَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ لَيْسَ لُجَّةً وَإِنَّمَا هُوَ فَقَطْ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَْ: "قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ"ْ.
وَلَمَّا عَلِمَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ لَيْسَ لُجَّةًْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارِيرَْ، أَدْرَكَتْ بِنَفْسِهَا عَلَى الْفَوْرِ الظُّلْمَ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ بِحَقِّ نَفْسِهَا (وَرُبَّمَا بِمَا أَلْحَقَتْ بِهِ قَوْمَهَا مِنَ الْأَذَى عِنْدَمَا كَانَتْ تَقُودُهُمْ فِي السُّجُودِ لِلشَّمْسِ)ْ: "قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي..."ْ.
لِأَنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ مَنْ يَسْجُدُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْكَيْنُونَاتِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَاهِيَّتِهَا فَهُوَ بِلَا شَكٍّ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِْ:
وَمَادَامَ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ سَتَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ بِلَا شَكٍّ كَانَتْ ظَالِمَةً لِنَفْسِهَاْ، وَعِنْدَمَا أَدْرَكَتْ خَطَأَ فَعْلَتِهَاْ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السُّجُودُ لِتِلْكَ الْكَيْنُونَاتِ مَهْمَا كَانَتْْ، فَتِلْكَ الْكَيْنُونَاتُ سَوَاءً كَانَتْ شَمْسًا أَمْ قَمَرًا (أَمْ صَرْحًا يُشْبِهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فِي طَلَّتِهِ) لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ لَهَا خَالِقٌْ.
وَعِنْدَمَا أَدْرَكَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِرَبِّ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَلَا لِلصَّرْحِْ، عِنْدَهَا فَقَطِ اهْتَدَتِ الْمَرْأَةُ وَأَسْلَمَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَْ، فَتَابَعَتْ حَدِيثَهَا قَائِلَةًْ: "... وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"ْ. (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ "مَا دَلَّهُمْ عَنْ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ: بَابُ السَّاقِ")ْ.
السُّؤَالُ: [مَاهِيَّةُ الصَّرْحِ الَّذِي حَسِبَتْهُ الْمَرْأَةُ لُجَّةً]
إِنَّ مَا يَهُمُّنَا فِي إِعَادَةِ الطَّرْحِ السَّابِقِ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى هُوَ التَّعَرُّفُ عَلَى الصَّرْحِ الَّذِي حَسِبَتْهُ الْمَرْأَةُ لُجَّةً وَكَشَفَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ سَاقَيْهَا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِْ، لِنَطْرَحَ التَّسَاؤُلَاتِ السَّابِقَةَ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَىْ:
- مَا هُوَ الصَّرْحُ؟
- وَلِمَاذَا حَسِبَتْهُ الْمَرْأَةُ لُجَّةً؟
بِدَايَةًْ، لَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ الصَّرْحَ هُوَ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ جِدًّا عَنِ الْأَرْضِْ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّرْحَ هُوَ مَا كَانَ سَيُمَكِّنُ فِرْعَوْنَ مِنْ بُلُوغِ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِْ:
فَفِرْعَوْنُ يَطْلُبُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًاْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَدَفَ فِرْعَوْنَ كَانَ بُلُوغَ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِْ، لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَىْ، فَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَقْصِدُ أَنْ يُبْنَى لَهُ بِنَاءٌ مُتَوَاضِعُ الْعُلُوِّْ، فَالْغَايَةُ عَظِيمَةٌ وَهِيَ الِاطِّلَاعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَىْ، لِذَا لَابُدَّ أَنْ يُفِيدَ الْبِنَاءُ الْمَنْشُودُ (الصَّرْحُ) فِي تَنْفِيذِ الْغَايَةِ الْمَنْوِيِّ تَحْقِيقُهَا مِنْ خِلَالِهِْ.
ثَانِيًاْ، لَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ أَيْضًا بِأَنَّ بِنَاءَ الصَّرْحِ يَكُونُ بِطَرِيقَةٍ غَايَةٍ فِي الْغَرَابَةِْ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى غَرَابَتِهِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي جَاءَتْ سُلَيْمَانَ قَدْ حَسِبَتْهُ لُجَّةًْ.
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِيمَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لِهَامَانَ عِنْدَمَا طَلَبَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ ذَلِكَ الصَّرْحَ لَوَجَدْنَا غَرَابَةَ الْبِنَاءِ وَاضِحَةً تَمَامًاْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتِمَّ الْوَقْدُ عَلَى الطِّينِ أَوَّلًا لِيَتَحَقَّقَ الْبِنَاءُ بَعْدَ ذَلِكَْ، فَفِرْعَوْنُ يَطْلُبُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يُوقِدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ أَوَّلًاْ، لِيَكُونَ الصَّرْحُ بِنَاءً فَوْقَ ذَلِكَْ:
وَفِكْرَةُ الْوَقُودِ وَاضِحَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ: "يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ..." [النور: 35]ْ. فَبِمُجَرَّدِ أَنْ يُوقَدَ الْمِصْبَاحُ الَّذِي فِي زُجَاجَةٍ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ حَتَّى تَصِلَ الْإِضَاءَةُْ.
لِذَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَا أَنْ رَأَتِ الصَّرْحَ وَقَدْ أُوقِدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ حَتَّى حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَاْ، وَكَأَنَّهَا قَدْ دُعِيَتْ إِلَى السُّجُودِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مَعَ قَوْمِهَا عِنْدَمَا كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِْ.
لِذَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ الصَّرْحَ وَيُكَأَنَّهُ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِْ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ لُجَّةًْ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ يَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ تَفَاصِيلِهِ عَنِ الشَّمْسِ السَّاطِعَةِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِْ.
السُّؤَالُ: [كَيْفَ يُمْكِنُ تَخَيُّلُ شَكْلِ الصَّرْحِ الْمُمَرَّدِ؟]
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: لَمَّا حَسِبَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ هُوَ لُجَّةٌْ، أَصْبَحَ لِزَامًا عَلَيْنَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَنْ نَفْهَمَ بِأَنَّهُ كَانَ كَيْنُونَةً مُضِيئَةً فِي كَبِدِ السَّمَاءِ يَحُفُّهَا الظَّلَامُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍْ، فَاللُّجَّةُ هُوَ الشَّيْءُ الْمُتَّقِدُ الَّذِي تَكْسُوهُ الظُّلْمَةُْ، قَالَ تَعَالَىْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ الْآنَ هِيَ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَدْ رَأَتِ الصَّرْحَ عَلَى أَنَّهُ بُنْيَانٌ عَظِيمٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِْ، وَقَدْ تَزَخْرَفَ بِطَرِيقَةٍ تَلْفِتُ الْأَنْظَارَْ، فَأَخْطَأَتِ الظَّنَّ عِنْدَمَا حَسِبَتْهُ لُجَّةًْ، وَكَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهَا تَمْيِيزُ مَاهِيَّةِ ذَاكَ الصَّرْحِ حَتَّى نَبَّهَهَا سُلَيْمَانُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارِيرَْ.
وَسَنَتَحَدَّثُ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ عَنْ تِلْكَ الْقَوَارِيرِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّ مَادَّتَهَا فِي الصِّنَاعَةِ هِيَ مَا يُشْبِهُ الزُّجَاجَ الْمُلَوَّنَْ، وَهُوَ الَّذِي لَازَالَ لُصُوصُ الْآثَارِ يَبْحَثُونَ عَنْهُ لِعِلْمِهِمْ بِقِيمَتِهِ الْمَادِّيَّةِْ.
وَسَنُحَاوِلُ (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِعِلْمِهِ) أَنْ نَفْتَرِيَ الظَّنَّ حِينَئِذٍ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ هُوَ مَا يُشْبِهُ بَيْتَ السِّنْدِبَادِ الَّتِي تُصَوِّرُهَا قِصَصُ التُّرَاثِ عَلَى أَنَّهَا مُرْتَفِعَةٌ فِي الْآفَاقِْ، وَهِيَ تَتَكَوَّنُ مِمَّا يُشْبِهُ الْقِبَابَ (الْقَوَارِيرَ) الْمُتَعَدِّدَةَْ، حَتَّى أَصْبَحَتْ تِلْكَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِمَارَةِ الْخَيَالِيَّةِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي لَا شَكَّ كَانَتْ مُلْهِمَةً لِمَنْ بَنَى صَرْحًا كَتَاجِ مَحَلَّ فِي الْهِنْدِ (كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي)ْ:
وَسَنَرَى لَاحِقًا بِأَنَّ قِصَّةَ السِّنْدِبَادِ هِيَ قِصَّةُ التُّرَاثِ الَّتِي حُرِّفَتْ تَفَاصِيلُهَا عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِْ. وَسَنُتَابِعُ هَذَا الْحَدِيثَ (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) عِنْدَ تَكْمِلَةِ مَقَالَاتِنَا الْخَاصَّةِ بِمِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَْ، فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الصَّرْحُ هُوَ صَرْحٌ مُمَرَّدٌْ، فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ فِي الْمُرُودِ عُلُوًّاْ، أَيْ ارْتِفَاعًا إِلَى الْأَعْلَىْ، وَرُبَّمَا يَدْعَمُ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ وُجُودَ نَوْعٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ هُوَ الشَّيْطَانُ الْمَارِدُ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ مِنَ الْأَعْلَىْ:
كَمَا نَظُنُّ أَيْضًا أَنَّ الْمُرُودَ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْخَفَاءِْ، فَعِنْدَمَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْطَانٌ مَارِدٌْ، فَمِنَ الصَّعْبِ رُؤْيَتُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِْ، وَكَذَلِكَ هُمْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِْ:
كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرُودَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ النَّارِْ، فَالشَّيَاطِينُ مِنْهُمُ الْمَارِدُْ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ هُمْ أَصْلًا مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ خُلِقُوا أَصْلًا مِنْ نَارٍْ: "وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ" [الحجر: 27]ْ.
لِتَكُونَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُشَكِّلَهَا عَنْ ذَلِكَ الصَّرْحِ الْمُمَرَّدِ هِيَ التَّالِيَةُْ: الصَّرْحُ هُوَ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ فِي مَكَانِهِ عَنِ الْأَرْضِْ، وَالصَّرْحُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَفَاءِْ، فَلَا يَسْتَطِيعُ النَّاظِرُ إِلَيْهِ أَنْ يُدْرِكَ مَاهِيَّتَهُ عَلَى الْفَوْرِْ، فَعُنْصُرَا الْإِتْقَانِ وَالتَّخَفِّي مَوْجُودَانِ فِعْلًا فِيهِْ.
وَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَخَّرَ لِسُلَيْمَانَ الشَّيَاطِينَ مِنْ قَبْلُْ، فَكَانَ مِنْهُمْ كُلُّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍْ:
لِذَا رُبَّمَا حَقَّ لَنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الظَّنَّ بِأَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ كَانَ مِمَّا بَنَاهُ الشَّيَاطِينُ لِسُلَيْمَانَْ [1].
وَفِي حِينِ كَانَتِ الشَّيَاطِينُ الْبَنَّاءُونَ هُمْ مَنْ شَيَّدُوا صَرْحَ سُلَيْمَانَْ، كَانَ هَامَانُ – بِالْمُقَابِلِ – هُوَ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ فِرْعَوْنُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًاْ.
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ هِيَ أَنَّ بِنَاءَ الصُّرُوحِ هُوَ عِلْمٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لَهُ أُصُولُهُ الَّتِي يَعْلَمُهَا هَامَانُْ، كَمَا فَعَلَتِ الشَّيَاطِينُ (الْبَنَّاءُونَ) لِسُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدُْ.
بَابٌ: [حَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ تَحْتَ الصُّرُوحِ]
لِتَكُونَ الصُّوَرُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نَرْسُمَهَا عَنْ أَرْضِ مِصْرَ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ هِيَ التَّالِيَةُْ: كَانَتْ أَرْضُ مِصْرَ مَسْكُونَةً مِنْ قِبَلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اللَّذِينَ اسْتَعْبَدَهُمْ فِرْعَوْنُْ: "وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ" [الشعراء: 22]ْ.
فَلَقَدْ دَأَبَ آلُ فِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلُ عَلَى تَقْتِيلِ أَوْلَادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْْ:
وَظَلَّ التَّقْتِيلُ وَاقِعًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى مَاتَ هَذَا الطَّاغِيَةُ الْكَبِيرُْ (وَهُوَ مَنْ تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُ)ْ، وَهُوَ مَنْ طَلَبَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ النَّجَاةَ مِنْهُ وَمِنْ عَمَلِهِْ.
وَمَا أَنْ مَاتَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ بِشَخْصِهَا السَّدَّ الْمَنِيعَ الَّذِي حَافَظَ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى فِي آلِ فِرْعَوْنَْ، حَتَّى وَجَدَ مُوسَى نَفْسَهُ فِي مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَمَعَ آلِ فِرْعَوْنَ اللَّذِينَ رَفَضُوا الْإِصْلَاحَ وَأَصَرُّوا عَلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِْ.
عِنْدَهَا خَرَجَ مُوسَى مِنْ أَرْضِ مِصْرَ هَارِبًا هُرُوبَهُ الْأَوَّلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِْ، وَمَا عَادَ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ إِلَّا يَوْمَ مَوْتِ ذَاكَ الطَّاغِيَةِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌْ، وَهُنَاكَ وَجَدَ مُوسَى الْمَدِينَةَ كُلَّهَا فِي غَفْلَةٍْ، فَحَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ مِنْ جَدِيدٍْ.
وَمَا أَنْ تَمَّ اخْتِيَارُ فِرْعَوْنَ جَدِيدٍ لِيَعْلُوَ كُرْسِيَّ الْحُكْمِ فِي أَرْضِ مِصْرَ حَتَّى هَرَبَ مُوسَى هُرُوبَهُ الثَّانِيَ وَلَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِاتِّجَاهِ مَدْيَنَْ.
وَخِلَالَ تِلْكَ الْفَتْرَةِ (مُنْذُ دُخُولِ مُوسَى الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) ارْتَقَى عَلَى كُرْسِيِّ الْحُكْمِ فِي أَرْضِ مِصْرَ هَذَا الْفِرْعَوْنُ الْجَدِيدُْ، وَهُوَ الَّذِي (نَحْنُ نَظُنُّ) أَوْقَفَ تَقْتِيلَ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَْ، وَانْطَوَتْ سِيَاسَتُهُ الْجَدِيدَةُ عَلَى تَعْبِيدِهِمْ فَقَطْْ.
وَمَا يَهُمُّنَا طَرْحُهُ هُوَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اشْتَغَلُوا عَبِيدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي زَمَنِ هَذَا الْفِرْعَوْنِْ.
السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا: [أَيْنَ اشْتَغَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟]
جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُْ: فِي أَرْضِ مِصْرَْ. انْتَهَىْ.
مَا شَاءَ اللَّهُ!!! يَرُدُّ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًاْ. وَهَلْ هَذَا كُلُّ شَيْءٍ؟
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ كَانَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ وَهُمْ مَنِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعِيشُونَ فِي زَمَنِ هَذَا الْفِرْعَوْنِ الْكَبِيرِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: فَوْقَهُمْْ.
كَانَ الْفَرَاعِنَةُ (أَهْلُ مِصْرَ) مُتَوَاجِدِينَ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ اللَّذِينَ كَانُوا يَعِيشُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ حِينَئِذٍْ. وَاقْرَأْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ – مَا قَالَهُ هَذَا الْفِرْعَوْنُ بِلِسَانِهِ لِلْمَلَأِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَْ:
بَابٌ: [تَحْلِيلُ مَفْهُومِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَكَانِيَّةِ]
بَعِيدًا عَنِ التَّحْلِيقِ فِي سَمَاءِ الِاسْتِعَارَاتِ وَالْمَجَازَاتِ اللُّغَوِيَّةِْ، دَعْنَا نَتَفَقَّدُ مُفْرَدَةَ (فَوْقَهُمْ) فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْعَدِيدَةِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّْ، لِنَخْرُجَ مِنْهَا بِالْفَهْمِ الْمُفْتَرَى الْبَسِيطِ التَّالِيْ: تَدُلُّ (فَوْقَهُمْ) عَلَى الِارْتِفَاعِ فِي الْمَكَانِْ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ مَسَافَةٍ بَيْنَ مَنْ هُمْ تَحْتُ (كَبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ) وَمَنْ هُمْ فَوْقُ (كَفِرْعَوْنَ وَآلِهِ)ْ.
- "وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [البقرة: 212]ْ.
- "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ" [النساء: 154]ْ.
- "لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ" [الأعراف: 41]ْ.
- "وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ" [الأعراف: 171]ْ.
- "فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ" [النحل: 26]ْ.
- "يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ" [النحل: 50]ْ.
- "يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ" [العنكبوت: 55]ْ.
- "أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا" [ق: 6]ْ.
- "أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ" [الملك: 19]ْ.
أَمَّا أَنَاْ، فَإِنِّي أَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِي أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يُصَوِّرُ حَقِيقَةَ الْمَشْهَدِ الَّذِي كَانَ سَائِدًا فِي مِصْرَ حِينَئِذٍ عِنْدَمَا قَالَ بِأَنَّهُ وَمَلَأَهُ فَوْقَهُمْ قَاهِرِينَْ.
فَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْكُنُونَ الْأَرْضَْ: "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ" [الإسراء: 104]ْ. وَمُوسَى وَأَخِيهِ يُبَوِّئَا لِقَوْمِهِمَا بُيُوتًا بِمِصْرَ جَاعِلِينَهَا قِبْلَةًْ: "وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً" [يونس: 87]ْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا (1): كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْكُنُونَ أَرْضَ مِصْرَْ، وَكَانَتْ بُيُوتُهُمْ قِبْلَةًْ، فَكَانَ مَكَانُ تَوَاجُدِهِمُ الدَّائِمِ هِيَ الْأَرْضَْ، فَسَكَنُوا الْأَرْضَْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا (2): كَانَ فِرْعَوْنُ وَآلُهُ مُتَوَاجِدِينَ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَكَانِيًّا (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)ْ.
السُّؤَالُ: [أَيْنَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يَتَوَاجَدُ بِهِ فِرْعَوْنُ وَآلُهُ؟]
جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا: فِي تِلْكَ الصُّرُوحِ الَّتِي كَانَتْ – بِرَأْيِنَا – مُنْتَشِرَةً فَوْقَ أَرْضِ مِصْرَْ.
نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ تِلْكَ الصُّرُوحَ كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِي جَوِّ سَمَاءِ مِصْرَْ، فَكَانَتْ تَتَلَأْلَأُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ حَتَّى يَحْسَبَهَا النَّاظِرُ لُجَّةًْ، لِذَا كَانَ لَابُدَّ لِتِلْكَ الصُّرُوحِ أَنْ تَكُونَ كَمَا الْبِنَاءِ الْمَعْرُوشِْ، وَكَانَتِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنْ تَحْتِ مَنْ يَسْكُنُهَا كَفِرْعَوْنَ الَّذِي وَجَّهَ الْخِطَابَ قَائِلًاْ:
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ نَادَى فِي قَوْمِهِ مُنَادَاةًْ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَسْكُنُ صَرْحًا يَعْلُو فِي مَكَانِهِ جَمِيعَ الصُّرُوحِ الْأُخْرَى الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا آلُ فِرْعَوْنَْ.
وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُنَادِيَ يَكُونُ فِي مَوْقِعٍ أَعْلَى مِنْ مَكَانِ الْمُنَادَى عَلَيْهِ مِنْ نِدَاءِ اللَّهِ نَفْسِهِ نَبِيَّهُ مُوسَىْ: "وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ..." [الشعراء: 10]ْ.
أَلَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِ الْإِلَهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ مُوسَى دُونَ مُنَادَاةٍ؟ هَلْ يَحْتَاجُ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ (أَيْ مُنَادِيًا) حَتَّى يَسْمَعَهُ مُوسَى؟ أَلَمْ يُقَرِّبِ اللَّهُ مُوسَى نَجِيًّا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْمُنَادِي (اللَّهِ) عَنِ الْمُنَادَى عَلَيْهِ (مُوسَى) مَكَانِيًّاْ.
وَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَ نِدَاءَ نُوحٍ ابْنَهُ فِي خِضَمِّ تَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِْ:
فَالْأَبُ مَوْجُودٌ فِي سَفِينَةٍ يَحْمِلُهَا مَوْجٌ كَالْجِبَالِْ، وَالِابْنُ مَوْجُودٌ فِي مَكَانٍ أَقَلَّ ارْتِفَاعًا مِنَ ارْتِفَاعِ السَّفِينَةِ الْمُتَوَاجِدِ فِيهَا وَالِدُهُْ، وَهُوَ يُحَاوِلُ الْآنَ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى الْجَبَلِ لِيَعْصِمَهُ مِنَ الْمَاءِْ. وَيُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَ السَّفِينَةَ بِحَجْمِهَا وَمَكَانِ تَوَاجُدِ مَنْ فِيهَا مُقَارَنَةً بِمَنْ لَازَالَ مُتَوَاجِدًا عَلَى بِدَايَةِ الْجَبَلِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِيْ:
وَبِمِثْلِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَفْهَمَ نِدَاءَ فِرْعَوْنَ فِي قَوْمِهِْ.
فَلَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) مُتَوَاجِدًا فِي صَرْحٍ هُوَ الْأَعْلَى مُقَارَنَةً بِالصُّرُوحِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِي سَمَاءِ مِصْرَ حِينَئِذٍْ، وَيَكُونُ فِي هَذَا فَهْمًا حَقِيقِيًّا لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ بِأَنَّهُ وَآلَهُ هُمْ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُمُ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ وَهُمْ لَهُمْ قَاهِرُونَ)ْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ اللَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الصُّرُوحَ الْعَالِيَةَ فِي جَوِّ سَمَاءِ مِصْرَ كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُبْصِرُوا الْأَنْهَارَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ صَرْحِ فِرْعَوْنَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِْ.
بَابٌ: [التَّدْمِيرُ الْإِلَهِيُّ لِمَا كَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يَعْرِشُونَ]
لِنَعُودَ فَنَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ التَّالِيَ عَلَى الْفَوْرِْ: أَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الصُّرُوحُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي كَانَتْ خَاصَّةً بِفِرْعَوْنَ وَآلِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: نَعَمْ لَنْ تَرَوْا لَهَا أَثَرًا فِي أَرْضِ مِصْرَْ، وَذَلِكَ لِلسَّبَبِ الَّذِي تُصَوِّرُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُْ:
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الصُّرُوحُ الَّتِي بَرَعَ هَامَانُ فِي بِنَائِهَا فِي أَرْضِ مِصْرَ هِيَ جُزْءٌ مِمَّا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُْ، وَهِيَ بِرَأْيِنَا مَا كَانُوا يَعْرِشُونَْ، كَانَتْ هِيَ الَّتِي لَحِقَ بِهَا التَّدْمِيرُ الْإِلَهِيُّْ، فَمَا بَقِيَتْ لَهَا مِنْ بَاقِيَةٍْ: "فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ" [الحاقة: 8]ْ.
بَابٌ: [مَا كَانَ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا يَحْذَرُونَ]
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) [القصص]ْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي كَانَ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا يَحْذَرُونَهُ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ تَتَطَلَّبُ أَوَّلًا تَدَبُّرَ الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةِ الَّتِي سَتُثِيرُ بِدَوْرِهَا عَاصِفَةً جَدِيدَةً مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ ذَاتِ الْعَلَاقَةِْ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَْ:
السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيُّ: مَتَى رَأَى فِرْعَوْنُ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا؟ أَلَمْ يُرِ مُوسَى فِرْعَوْنَ الْآيَةَ الْكُبْرَى فَقَطْ عِنْدَمَا جَاءَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى؟
فَأَصْبَحَ فِرْعَوْنُ يَعِي مِقْدَارَ الْخَطَرِ الَّذِي دَاهَمَهُ فِي عُقْرِ دَارِهِْ. فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْقَى حَذِرًا مِنْ عَدُوِّهِ وَهُوَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُْ، وَهُوَ يَحْذَرُ رَبَّ مُوسَى لِأَنَّهُ أَصْبَحَ يَرَى مِقْدَارَ قُدْرَتِهِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُشَكِّلَ خَطَرًا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِمَا رَاءَاهُ مِنَ الْآيَاتِ كُلِّهَا بِأُمِّ عَيْنِهِْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانَ يَجْمَعُهُمُ الظَّنُّ بِأَنَّ خُرُوجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ (بِتَأْيِيدٍ مِنْ هَذَا الْإِلَهِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُبِينُْ، وَبِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي رَاءَاهَا كُلَّهَا) سَيَقْلِبُ الْمَوَازِينَ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍْ، فَفِرْعَوْنُ يَعْلَمُ أَنَّ فِي وُصُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عُلُوٌّ لَهُمْْ، فَبَنُو إِسْرَائِيلَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعُلُوَّ إِلَّا فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِْ:
فَوُصُولُهُ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ سَيُمَكِّنُهُمْ مِنَ الْعُلُوِّْ، الْأَمْرُ الَّذِي سَيُشَكِّلُ تَهْدِيدًا كَبِيرًا لِعُلُوِّ فِرْعَوْنَ وَآلِهِ فِي مِصْرَْ، فَتُصْبِحُ الْمُنَافَسَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَشَدَّ وَأَخْطَرَْ. فَالْقَضَاءُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ أَسْهَلُ (فِي رَأْيِ فَمَا كَانَ مَنْ يُفَكِّرُ بِعَقْلِيَّةِ الْجُنُودِ) مِنْ مُنَازَلَتِهِمْ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِْ.
السُّؤَالُ: [لِمَاذَا أَرْضُ مِصْرَ بِالذَّاتِ؟]
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُْ: لِأَنَّهَا الْأَرْضُ الْمُجَاوِرَةُ لِلْأَرْضِ الَّتِي يَتَوَاجَدُ فِيهَا إِلَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَْ، وَهُوَ الْإِلَهُ الَّذِي وَجَدَهُ مُوسَى فِيهَا هُنَاكَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْوَادِ الْمُقَدَّسِْ:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّاْ: أَصْبَحَتِ الْمُنَافَسَةُ (بِرَأْيِ فِرْعَوْنَ) بَيْنَ إِلَهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ مَكَانًا فَوْقَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِْ، وَإِلَهِ مِصْرَ (فِرْعَوْنَ) الَّذِي يَسْكُنُ فِي صَرْحٍ تَجْرِي أَنْهَارُ مِصْرَ كُلُّهَا مِنْ تَحْتِهِْ، فَأَصْبَحَتِ الْمُنَافَسَةُ لَيْسَ فَقَطْ عِرْقِيَّةً وَإِنَّمَا جُغْرَافِيَّةً أَيْضًاْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: هَذَا مَا سَيَدُورُ النِّقَاشُ حَوْلَهُ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِْ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَاْ، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا الْحَقَّ الَّذِي نَقُولُهُ فَلَا نَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَْ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ - آمِينْ.
الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرُ:
- وَسَنَتَحَدَّثُ لَاحِقًا إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ عَنْ عَلَاقَةِ هَذَا الْأَمْرِ بِالْحَرَكَةِ "الْمَاسُونِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ" الَّتِي نَظُنُّ أَنَّ جُذُورَهَا جَاءَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، آمِين. فَالْمَاسُونِيُّ (mason) هُوَ مَنْ يَشْتَغِلُ بِحِرْفَةِ تَقْطِيعِ الْحِجَارَةِ وَبِنَائِهَا. ^



تعليقات