قِصَّةُ يُونُسَ - الْجُزْءُ الثَّامِنَ عَشَرَ: [حَقِيقَةُ الْأُلُوهِيَّةِ وَعِلْمُ الْأَوْتَادِ]
اللهْ:
فِرْعَوْنْ:
السُّؤَالُ: [دَلَالَةُ "إِنِّي" فِي الْخِطَابِ الْإِلَهِيِّ]
لِمَاذَا جَاءَتْ مُفْرَدَةُ "إِنِّي" فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَحَدَّثَ بِهَا الْإِلَهُ عَنْ نَفْسِهِ (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) وَ (إِنِّي أَنَا اللَّهُ)، بَيْنَمَا لَمْ تَرِدْ مِثْلُ هَذِهِ الْمُفْرَدَةِ عِنْدَمَا نَسَبَ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ الْأُلُوهِيَّةَ، فَجَاءَ النَّصُّ هَكَذَا: أَنَا رَبُّكُمُ؟
قَوَاعِدُ تَقْلِيدِيَّةْ: غَالِبًا مَا تَغَنَّى أَهْلُ اللُّغَةِ بِالْفَائِدَةِ مِنْ وُجُودِ مُفْرَدَةِ "إِنَّ" فِي النَّصِّ اللُّغَوِيِّ، فَنَسَبَ جُلُّهُمُ الْغَايَةَ مِنْ وُجُودِ هَذِهِ الْمُفْرَدَةِ إِلَى مَعْنَى التَّوْكِيدْ، فَظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْمُفْرَدَةَ تُسْتَخْدَمُ لِأَغْرَاضِ تَوْكِيدِ الْقَوْلْ.
لَكِنَّنَا سَنَطْرَحُ السُّؤَالَ التَّالِيَ عَلَى كُلِّ مَنْ ظَنَّ بِأَنَّ "إِنَّ" تُسْتَخْدَمُ لِأَغْرَاضِ التَّوْكِيدْ: لِمَ يَحْتَاجُ اللَّهُ أَنْ يُؤَكِّدَ أَنَّهُ هُوَ الرَّبُّ (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) أَوْ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)؟
وَلِمَ لَمْ يَحْتَاجَ فِرْعَوْنُ أَنْ يُؤَكِّدَ ذَلِكَ وَاكْتَفَى بِالْقَوْلِ (أَنَا رَبُّكُمُ)؟ أَلَيْسَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ بِحَاجَةٍ أَنْ يُؤَكِّدَ مَا يَقُولُهُ لِكَيْ يَقْتَنِعَ الْآخَرُونَ بِكَلَامِهِ؟ نَحْنُ فَقَطْ نَسْأَلْ.
وَلَوْ كَانَتْ "إِنَّ" تُفِيدُ تَوْكِيدَ الْقَوْلِ، لَكَانَ فِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَعْتَقِدُ) أَحْوَجَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَفِرْعَوْنُ هُوَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَخْدَعَ الْآخَرِينَ بِكَلَامِهِ، وَهُوَ مَنْ بِحَاجَةٍ أَنْ يُؤَكِّدَ كَلَامَهُ لِكَيْ تَنْطَلِيَ الْحُجَّةُ الْكَاذِبَةُ عَلَى مَنْ هُمْ حَوْلَهُ.
السُّؤَالُ: [مَا فَائِدَةُ اسْتِخْدَامِ "إِنَّ" فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ إِذَنْ؟]
فَلَوْ تَتَبَّعْنَا جَمِيعَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَرِدُ فِيهَا هَذِهِ الْمُفْرَدَةُ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُقَرِّرُ حَقِيقَةً لَا يُمْكِنُ الْمُجَادَلَةُ فِيهَا. فَالْمُتَكَلِّمُ الَّذِي يَسْتَخْدِمُ مُفْرَدَةَ "إِنَّ" يَنْقُلُ إِلَى السَّامِعِ مَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، فَهَذَا يُوسُفُ يَنْقُلُ الْحَقِيقَةَ التَّالِيَةَ لِوَالِدِهِ:
وَهَا هُوَ يُقَرِّرُ الْحَقِيقَةَ التَّالِيَةَ لِأَخِيهِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ:
وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ يُوصِلُ الرِّسَالَةَ التَّالِيَةَ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ لِابْنِهِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهُ:
وَالْحَقَائِقُ الْوَارِدَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَمَا صِيغَتْ بِاسْتِخْدَامِ هَذِهِ الْأَدَاةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، نَذْكُرُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالْ:
سُؤَالٌ مُرْبِكٌ: [إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ]
إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، لِمَ قَالَ فِرْعَوْنُ (وَمَنْ مَعَهُ) عَنْ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ أَنَّهُمَا سَاحِرَانِ بِالصِّيغَةِ التَّالِيَةِ:
لَاحِظْ عَزِيزِي الْقَارِئَ الْحَرَكَةَ الْإِعْرَابِيَّةَ الَّتِي اشْتَغَلَ بِهَا الْكَثِيرُونَ حَيْثُ جَاءَ اسْمُ إِنْ مَرْفُوعًا بَدَلَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا، وَقَدْ عَزَى بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ جَاءَ بِصِيغَةِ إِنْ (الْمُخَفَّفَةِ كَمَا يُحِبُّ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ الْعَرَبِيِّ أَنْ يُسَمُّونَهَا) بَدَلَ إِنَّ (الْمُشَدَّدَةِ)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا اسْتُخْدِمَتْ إِنْ الْمُخَفَّفَةُ وَلَيْسَتْ إِنَّ الْمُشَدَّدَةُ فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟ أَلَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِ فِرْعَوْنَ (وَمَنْ مَعَهُ) أَنْ يَقُولُوا "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" مَثَلًا؟ أَوْ أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَيْنِ؟
فَفِرْعَوْنُ يَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ لَيْسَا بِسَاحِرَيْنِ وَلَكِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَ غَيْرَهُ بِهَذَا الِاتِّهَامِ الَّذِي هُوَ لَا شَكَّ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَكِنَّ الْمُدَقِّقَ فِي كَلَامِ الرَّجُلِ يَعْرِفُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّهُ لَا يُقَرِّرُ بِذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْيِ الْمُتَكَلِّمِ فَقَطْ.
لِذَا لَمَّا لَمْ يَأْتِ كَلَامُهُ فِي بَابِ تَقْرِيرِ حَقِيقَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَخْدِمْ إِنَّ الْمُشَدَّدَةَ وَاسْتَخْدَمَ إِنْ الْمُخَفَّفَةَ، مُتَلَاعِبًا بِاللَّفْظِ كَمَا تَلَاعَبَ بِعُقُولِ مَنْ حَوْلَهُ.
فَاسْتَخْدَمَ إِنْ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَقْصِدُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ وَاقِعًا فِي بَابِ تَقْرِيرِ حَقَائِقَ هُوَ مُؤْمِنٌ بِهَا، وَلَكِنَّهَا فَقَطْ اتِّهَامَاتٌ هُوَ يَنْسِبُهَا لِغَيْرِهِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، رُبَّمَا تَبَيَّنَ لَاحِقًا فَيَنْكَشِفُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ الْأَمْرُ.
وَلَنْ يَسْتَطِيعَ الْآخَرُونَ أَنْ يُقِيمُوا الْحُجَّةَ عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ سَيَسْتَطِيعُ التَّنَصُّلَ مِنْ ذَلِكَ بِكُلِّ سُهُولَةٍ وَيُسْرٍ، فَهُوَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنِّي لَمْ أَقُلْ لَكُمْ "إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَيْنِ" وَلَكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ، وَكَفَى..
السُّؤَالُ: [عِلْمُ فِرْعَوْنَ وَالْقُرُونُ الْأُولَى]
لِمَاذَا هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ اللُّغَوِيَّةُ رُبَّمَا غَيْرُ الضَّرُورِيَّةِ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا. مَا عَلَاقَةُ هَذَا الْكَلَامِ بِمِحْوَرِ حَدِيثِنَا عَنْ عِلْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي حَازَهُ (كَمَا افْتَرَيْنَا الْقَوْلَ سَابِقًا) مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى؟
لِيَكُونَ غَايَةُ كَلَامِنَا هُنَا هُوَ الِافْتِرَاءُ التَّالِي: مَا أَنْ رَأَى فِرْعَوْنُ بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا فَعَلَتْ عَصَا مُوسَى بِحِبَالِ السَّحَرَةِ وَعِصِيِّهِمْ حَتَّى أَدْرَكَ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ هَذِهِ آيَةٌ كُبْرَى يَسْتَحِيلُ أَنْ يُنَازِلَهَا مُبَاشَرَةً، فَحَاوَلَ تَأْجِيلَ اللِّقَاءِ إِلَى مَوْعِدٍ آخَرَ حَتَّى يَنْظُرَ فِي الْأَمْرِ مِنْ جَدِيدٍ، فَجَاءَ كَلَامُهُ وَكَلَامُ الَّذِينَ نَاصَرُوهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَكَلَامُهُمْ هَذَا (بِحُضُورِ فِرْعَوْنَ) لَمْ يَكُنْ لِيَقَعَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) فِي بَابِ إِقْرَارِ حَقِيقَةٍ هُمْ مُؤْمِنُونَ بِهَا جَمِيعًا، بَلْ فِي بَابِ الظَّنِّ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى الدَّلِيلِ أَوْ لِنَقُلْ فِي بَابِ الرَّأْيِ الْقَابِلِ لِلصَّوَابِ وَالْخَطَأِ.
وَرُبَّمَا يُؤَكِّدُ زَعْمَنَا هَذَا مَا جَاءَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، حَيْثُ بَدَأَ النِّزَاعُ يَأْخُذُ طَرِيقَهُ بَيْنَهُمْ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَمَا كَانَ الْأَمْرُ سَيُحْسَمُ إِلَّا بِالْمُنَازَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- الْآيَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَوْ رَاقَبْنَا خِطَابَ فِرْعَوْنَ كَمَا وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ يَخْلُو تَمَامًا مِنْ إِثْبَاتِ الْحَقَائِقِ، وَأَنَّ جُلَّهُ يَعُودُ عَلَى مَا يَظُنُّ الرَّجُلُ بِصِحَّتِهِ، وَلَا يَجْزِمُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ بِعَيْنِهِ. فَعِنْدَمَا قَالَ لَهُمُ الرَّجُلُ أَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى:
لَمْ يَسْتَخْدِمِ الرَّجُلُ "إِنَّ" الَّتِي تَدُلُّ عَلَى إِقْرَارِ حَقِيقَةٍ يَصْعُبُ الْمُجَادَلَةُ فِيهَا كَأَنْ يَقُولَ "إِنِّي أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى"، وَلَكِنْ جَاءَ كَلَامُهُ مِنْ بَابِ عِلْمِهِ الشَّخْصِيِّ بِالْأَمْرِ، فَمَا وَقَعَ كَلَامُهُ فِي غَيْرِ بَابِ الظَّنِّ (غَيْرِ الْحَقِّ) الْمُسْتَنِدِ عَلَى عِلْمِهِ الشَّخْصِيِّ بِالْأَمْرِ:
فَالْكَلَامُ إِذَنْ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمِ فِرْعَوْنَ بِالْأَمْرِ وَكَفَى (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي).
إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُعِيدُنَا عَلَى الْفَوْرِ إِلَى بَابِ عِلْمِ فِرْعَوْنَ، لِنَطْرَحَ السُّؤَالَ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يُوقِعَ كُلَّ مَنْ حَوْلَهُ فِي شِرَاكِهِ؟ وَكَيْفَ أَقْنَعَ جُنُودَهُ بِالِاصْطِفَافِ حَوْلَهُ وَمُطَارَدَةِ مُوسَى حَتَّى الْبَحْرِ بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا قَدَّمَهُ لَهُمْ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ الْمُبْصِرَاتِ؟
إِنَّ هَذَا الطَّرْحَ يُثِيرُ فِي جَوَانِبِهِ تَسَاؤُلَاتٍ كَبِيرَةً جِدًّا نَذْكُرُ مِنْهَا:
- لِمَاذَا أَصَرَّ فِرْعَوْنُ عَلَى مَوْقِفِهِ؟
- لِمَاذَا اسْتَمَرَّ الْجُنُودُ فِي تَأْيِيدِهِ؟
- لِمَ أَصَرَّ فِرْعَوْنُ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي الْمُوَاجَهَةِ؟
- لِمَاذَا تَبِعَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْبَحْرِ؟
- لِمَ لَمْ يَدَعْ فِرْعَوْنُ مُوسَى يَرْحَلُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ أَرْضِ مِصْرَ وَكَفَى؟
- أَلَمْ يَكُنِ الْأَسْلَمُ لِلطَّرَفَيْنِ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْمُوَاجَهَةِ؟
- وَهَلْ فِعْلًا هَرَبَ مُوسَى مِنَ الْمُوَاجَهَةِ؟
- أَلَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ آيَةُ اللَّهِ الْكُبْرَى؟
- لِمَ حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ عِنْدَ الْبَحْرِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ؟
- لِمَ لَمْ تَحْصُلْ مِنْ ذِي قَبْلُ فِي الْيَابِسَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ؟
- لِمَاذَا أَقْدَمَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ عَلَى الْخَوْضِ فِي الْبَحْرِ عِنْدَمَا رَأَوْا مَا فَعَلَتْ عَصَا مُوسَى بِذَلِكَ الْبَحْرِ؟
- أَلَيْسَ فِي خَوْضِهِمُ الْبَحْرَ وَرَاءَ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مُجَازَفَةٌ كَبِيرَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةِ النَّتَائِجِ؟
- أَلَمْ يُصْبِحْ وَاضِحًا لَهُمْ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَهُ عَصَا مُوسَى هَذِهِ بِهِمْ؟
- وَإِذَا كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أَصَرَّ عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا فِي الْبَحْرِ (بَعْدَ أَنِ انْفَلَقَ بِفِعْلِ عَصَا مُوسَى)، فَلِمَ تَبِعَهُ الْجُنْدُ؟
- أَلَيْسَتْ تِلْكَ مُجَازَفَةً حَمْقَاءَ؟
- الخ.
هَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ تَبَيَّنَ (مَتَى مَا أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا) بَعْدَ أَنْ نَتَبَيَّنَ مَاهِيَّةَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَمْلِكُهُ فِرْعَوْنُ، وَكَذَلِكَ مَصْدَرَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَغْتَرِفُ مِنْهُ.
فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَظُنُّ أَنَّ بِيَدِهِ مُقَوِّمَاتِ الْمُوَاجَهَةِ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهَا، وَلَرُبَّمَا كَانَ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِرْعَوْنُ هُوَ أَنْ يَذَرَ مُوسَى وَقَوْمَهُ يَرْحَلُونَ عَنْ أَرْضِ مِصْرَ بِهُدُوءٍ وَدُونَ إِحْدَاثِ جَلَبَةٍ هُوَ فِي غِنًى عَنْهَا مَادَامَ أَنَّ مُوسَى قَدْ رَحَلَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَآثَرَ الْخُرُوجَ مِنْ مِصْرَ تَارِكًا الْبِلَادَ لِأَهْلِهَا، مُقِرًّا لِفِرْعَوْنَ بِمُلْكِهِ عَلَى مِصْرَ.
فَهَذِهِ كَانَتْ رِسَالَةُ مُوسَى الْوَاضِحَةُ إِلَى فِرْعَوْنَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، أَلَا وَهِيَ إِرْسَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، تَارِكًا مِصْرًا لِأَهْلِهَا الْحَقِيقِيِّينَ، وَهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا إِذَنْ لَمْ يُلَبِّ فِرْعَوْنُ دَعْوَةَ مُوسَى هَذِهِ مُنْذُ أَنْ شَعَرَ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ قَدْ تَنْتَهِي لِصَالِحِ مُوسَى؟ وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَحْنُ نَسْأَلُ: لِمَ لَمْ يُرْسِلْ فِرْعَوْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ مُوسَى وَكَفَى؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ فِرْعَوْنُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَجْعَلُهُ يُؤْمِنُ بِقُدُرَاتِهِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ.
السُّؤَالُ: مَا مَصْدَرُ عِلْمِ فِرْعَوْنَ؟ وَمَا هُوَ عِلْمُهُ أَصْلًا؟
بَابُ مَصَادِرِ عِلْمِ فِرْعَوْنَ
حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ تَمْرِيرَ افْتِرَاءَنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ الْوَرِيثُ الْأَكْبَرُ لِمَا كَانَ مِنْ عِلْمِ الْقُرُونِ الْأُولَى خَاصَّةً عَادٍ وَثَمُودَ، وَالرَّابِطُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَطْرَافِ الثَّلَاثَةِ وَاضِحٌ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
فَهُنَاكَ أَطْرَافٌ ثَلَاثَةٌ هُمْ مَنْ أَكْثَرُوا فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وَهُمْ مَنْ صَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ، وَهُمْ مَنْ كَانَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، أَلَا وَهُمْ:
- عَادٌ (قَوْمُ هُودٍ)
- ثَمُودُ (قَوْمُ صَالِحٍ)
- فِرْعَوْنُ بِشَخْصِهِ
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ الَّتِي سَنُحَاوِلُ الدِّفَاعَ عَنْهَا تَالِيًا هِيَ أَنَّ فِرْعَوْنَ بِشَخْصِهِ كَانَ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْقُرُونُ الْأُولَى، أَيْ عَادٌ (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) وَثَمُودُ (الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ). لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأِ أَنَّهُ قَدْ تَحَصَّلَ لِفِرْعَوْنَ مِنْ عُلُومِ الْقُرُونِ الْأُخْرَى مَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ.
الدَّلِيلُ: [الْعِلْمُ الْمُشْتَرَكُ وَالْعِلْمُ الْخَاصُّ]
بِدَايَةً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْعِلْمِ الَّذِي اخْتَصَّ فِرْعَوْنُ بِهِ نَفْسَهُ وَالْعِلْمِ الَّذِي شَارَكَهُ بِهِ غَيْرُهُ. فَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْفَتْرَةَ الزَّمَنِيَّةَ الَّتِي عَاشَ بِهَا فِرْعَوْنُ كَانَتْ تَتَمَيَّزُ بِالْعِلْمِ بِدَلِيلِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ قَارُونَ وَهَامَانَ مِنْ جِهَةٍ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَارُونَ وَمُوسَى وَصَاحِبِ مُوسَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
لَكِنَّ مَا نَوَدُّ أَنْ نَجْلِبَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ لَهُ هُوَ أَنَّهُ فِي حِينِ أَنَّ الْكَثِيرِينَ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ إِلَّا أَنَّ فِرْعَوْنَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) كَانَ أَكْثَرَهُمْ عِلْمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ هُوَ مَنْ تَمَيَّزَ بِالصِّفَةِ الَّتِي نَعَتَهُ اللَّهُ بِهَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ صِفَاتِ الْقُرُونِ الْأُولَى، فَكَانَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)
- وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)
- وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)
وَهُمْ جَمِيعًا مَنِ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفَاتُ التَّالِيَةُ: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُجْهِدُ أَنْفُسَنَا لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- عُلُومٌ يَشْتَرِكُ بِهَا كَثِيرُونَ
- وَعُلُومٌ اخْتَصَّ بِهَا فِرْعَوْنُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُلُومِ الَّتِي شَارَكَ فِيهَا فِرْعَوْنُ غَيْرَهُ، فَلَمْ تَكُنْ حِكْرًا عَلَى فِرْعَوْنَ بِشَخْصِهِ، فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ مُتَوَافِرًا فِي زَمَنِهِ لِفِرْعَوْنَ وَلِآخَرِينَ غَيْرِهِ، كَعِلْمِ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ مَثَلًا.
فَفِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا بَعْدَ أَنْ يُوقِدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ مُسَاعَدَتَهُ فِي بُلُوغِ الْأَسْبَابِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُومَ الْأَخِيرُ (هَامَانُ) بِبِنَاءِ صَرْحٍ يُمَكِّنُ الْأَوَّلَ (فِرْعَوْنُ) مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ. لِيَكُونَ هَامَانُ إِذَنْ يَمْلِكُ مِنْ مُقَوِّمَاتِ هَذَا الْعِلْمِ مَنْ يَجْعَلُهُ يُقَدِّمُ الْمُسَاعَدَةَ لِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ. وَلِيَكُونَ عِلْمُ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ فِي بَعْضِ جَوَانِبِهِ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى فِرْعَوْنَ مَادَامَ أَنَّ هَامَانَ قَدْ سَاهَمَ فِيهِ.
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي الْأَمْرِ قَلِيلًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يُشْبِهُ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ سُلَيْمَانَ الَّذِي سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ:
وَيْكَأَنَّ هَامَانَ (مَنْ أَنْجَزَ مُهِمَّةَ الْبِنَاءِ لِفِرْعَوْنَ) إِذَنْ بِمَثَابَةِ الشَّيَاطِينِ اللَّذَيْنِ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لِسُلَيْمَانَ لِيَبْنُوا لَهُ الصَّرْحَ. وَهَذِهِ الْمُقَارَنَةُ (نَحْنُ نَظُنُّ) ضَرُورِيَّةٌ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ (بِالْإِضَافَةِ لِفِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلِهِ) هُوَ الْوَحِيدُ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ مَنْ كَانَ لَهُ صَرْحًا، فَهَلْ هَذِهِ إِذَنْ مَحْضُ مُصَادَفَةٍ؟
وَلِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهَا الْآنَ هِيَ أَنَّ عِلْمَ بِنَاءِ الصُّرُوحِ هُوَ مِنَ اخْتِصَاصِ الشَّيَاطِينِ، فَمَا كَانَ يَسْتَطِيعُ هَامَانُ فِعْلَهُ هُوَ مَا كَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَادِرَةً عَلَيْهِ.
لَكِنْ نَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا هُنَا مُلَاحَظَةُ أَمْرٍ نَظُنُّ أَنَّهُ غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ أَلَا وَهُوَ التَّالِي: عَلَى الرَّغْمِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ (نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الْقَوْلَ) هِيَ مَنْ بَنَتِ الصَّرْحَ لِسُلَيْمَانَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَّ:
لِذَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَنْ يَسْتَطِيعُ بِنَاءَ الصَّرْحِ (كَـ هَامَانَ وَالشَّيَاطِينِ) وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَخْدِمَ ذَلِكَ الصَّرْحَ لِأَغْرَاضٍ خَاصَّةٍ بِهِ (كَفِرْعَوْنَ وَسُلَيْمَانَ):
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ الصَّرْحَ هُوَ فَقَطِ الْأَدَاةُ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يُمْكِنُ بُلُوغُ الْأَسْبَابِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَامَانَ كَانَ قَادِرًا عَلَى بِنَاءِ الصَّرْحِ لَكِنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الِارْتِقَاءِ فِي الْأَسْبَابِ، فَلَوْ كَانَ هَامَانُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا وَاحِدَةً مِنَ السِّينَارِيُوهَاتِ التَّالِيَةِ:
- أَنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ مِنْهُ شَخْصِيًّا أَنْ يَبْلُغَ الْأَسْبَابَ
- أَنْ يَرْتَقِيَ هَامَانُ بِنَفْسِهِ فِي الْأَسْبَابِ حَتَّى دُونَ طَلَبٍ مِنْ فِرْعَوْنَ
لَكِنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مِسَاحَتِهِ يَخْلُو (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) مِنَ الدَّلِيلِ الَّذِي قَدْ يُؤَيِّدُ أَيًّا مِنْ هَذَيْنِ السِّينَارِيُوهَيْنِ الِافْتِرَاضِيَّيْنِ. وَجُلُّ مَا نَجِدُهُ هُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى بُلُوغِ الْأَسْبَابِ وَالْإِطْلَاعِ عَلَى إِلَهِ مُوسَى:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ عِلْمَ الِارْتِقَاءِ فِي الْأَسْبَابِ – نَحْنُ نَظُنُّ- لَمْ يَكُنْ حِكْرًا عَلَى فِرْعَوْنَ، فَغَيْرُهُ رُبَّمَا يَسْتَطِعُ ذَلِكَ:
وَلَوْ أَمْعَنَّا فِي التَّرَابُطِ النَّصِّيِّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ عِلْمَ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ هَذَا هُوَ مِنْ عِلْمِ الْقُرُونِ الْأُولَى (كَعَادٍ وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ ذُو الْأَوْتَادِ). انْظُرِ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ جَيِّدًا مَرَّةً أُخْرَى مِنْ هَذَا الْجَانِبِ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْخِطَابَ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الظَّنَّ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ بَرَعَ فِي هَذَا الْعِلْمِ (عِلْمِ الِارْتِقَاءِ فِي الْأَسْبَابِ) هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَى الدَّوَامِ يَتْبَعُ سَبَبًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: كَانَ عِلْمُ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي حَازَتْ عَلَيْهَا الْقُرُونُ اللَّاحِقَةُ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى. وَقَدْ تَحَصَّلَ لِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (كَـ هَامَانَ) مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَا مَكَّنَهُمْ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ بِبِنَاءِ الصُّرُوحِ وَمِنْ ثَمَّ الْإِطْلَاعِ إِلَى إِلَهِ مُوسَى.
تَلْخِيصُ مَا سَبَقَ: لَمَّا كَانَ عِلْمُ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ مُتَوَافِرًا فِي أَرْضِ مِصْرَ حِينَئِذٍ، طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا عَلَّهُ يَبْلُغُ مِنْ خِلَالِهِ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَلَمَّا كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ هَامَانَ هُوَ مَنْ قَامَ بِبِنَاءِ هَذَا الصَّرْحِ بِطَلَبٍ مُبَاشِرٍ مِنْ فِرْعَوْنَ، فَرُبَّمَا يَحِقُّ لَنَا الْخُرُوجُ الِافْتِرَاءَاتِ الْمُسْتَنْبَطَةِ التَّالِيَةِ:
- كَانَ عِلْمُ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ مُتَوَافِرًا حِينَهَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَمِنْ غَيْرِ الْمَعْقُولِ أَنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ أَصْلًا
- كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ مُتَاحًا بِسُهُولَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَامَانَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي تَنْفِيذِ طَلَبِ فِرْعَوْنَ هَذَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَامَانُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ لَرُبَّمَا تَلَكَّأَ فِي تَنْفِيذِ طَلَبِ فِرْعَوْنَ، وَلَرُبَّمَا تَسَاءَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ فِعْلِ ذَلِكَ، أَوْ لَرُبَّمَا أَبْدَى الرَّجُلُ عَجْزَهُ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ.
- مَادَامَ أَنَّ عِلْمَ بِنَاءِ الصُّرُوحِ الَّتِي تُمَكِّنُ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ كَانَ مُتَوَاجِدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ وَلَمْ يَكُنْ حِكْرًا عَلَى فِرْعَوْنَ بِذَاتِهِ، لِذَا لَا نَسْتَغْرِبُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَشِرًا فِي أَرْضِ مِصْرَ، ظَانِّينَ أَنَّ هُنَاكَ صُرُوحًا كَثِيرَةً مُتَوَاجِدَةً حَتَّى السَّاعَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ مَادَامَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ هَامَانُ هُوَ بِنَاءُ صَرْحٍ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ:
فَلَا غَرَابَةَ إِذَنْ أَنْ نَجِدَ بَقَايَا آثَارِهَا حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا لِتَكُونَ دَلِيلًا وَافِرًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْقُرُونِ الْأُولَى الَّتِي لَا شَكَّ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنَّا أَوْلَادًا وَأَكْثَرَ آثَارًا وَأَشَدَّ قُوَّةً.
- الخ.
السُّؤَالُ: أَيْنَ هِيَ تِلْكَ الصُّرُوحُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْعِلْمِ فِي أَرْضِ مِصْرَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: انْظُرْ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ: بَابُ الصَّرْحِ، حَيْثُ الْحَدِيثُ مُنْصَبًّا عَلَى ذَلِكَ الصَّرْحِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ سُلَيْمَانُ:
وَلَا تَسْتَطِيعُ الْجِنُّ مِنَ الِاقْتِرَابِ مِنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا عَنْ مَوْتِ سُلَيْمَانَ إِلَّا عِنْدَمَا خَرَّ:
السُّؤَالُ: وَهَلْ فِعْلًا بَنَا هَامَانُ لِفِرْعَوْنَ صَرْحًا؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا. أَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّ هَذَا يَقَعُ فِي بَابِ الْكَلَامِ وَكَفَى؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ "بِتْخَوَّثْ" (بِاللَّهْجَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الدَّارِجَةِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنَ الْأَوْلَى أَخْذُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِالْجِدِّيَّةِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، فَالْمُتَكَلِّمُ هُوَ فِرْعَوْنُ (صَاحِبُ الْقَرَارِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ فِي أَرْضِ مِصْرَ) وَالْمُخَاطَبُ هُوَ وَزِيرُهُ هَامَانُ (الَّذِي لَنْ يَسْتَطِيعَ إِلَّا أَنْ يُنَفِّذَ أَمْرَ فِرْعَوْنَ) وَالطَّلَبُ هُوَ أَنْ يَقُومَ هَامَانُ بِتَنْفِيذِ مُرَادِ فِرْعَوْنَ بِبِنَاءِ الصَّرْحِ. فَهَلْ فِي هَذَا مَجَالٌ لِلتَّلَاعُبِ؟
وَالْأَهَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ أَنَّهُ لَوْ رَاقَبْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ، لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ نَفْيٌ لِقِيَامِ هَامَانَ بِالْمُهِمَّةِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ. فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْكَلَامِ الْفَارِغِ، وَالنَّصُّ الْقُرْآنِيُّ لَمْ يُخْبِرْنَا بِأَنَّ هَامَانَ لَمْ يُنَفِّذْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ، لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: قَامَ هَامَانُ بِبِنَاءِ صَرْحٍ لِفِرْعَوْنَ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى:
السُّؤَالُ: [هَلْ رَأَى فِرْعَوْنُ اللَّهَ؟]
إِذَا كَانَ هَامَانُ قَدْ بَنَا صَرْحًا لِفِرْعَوْنَ، فَهَلْ فِعْلًا اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى كَمَا قَالَ؟
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا تَزْعُمُ؟ يَقُولُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ لَنَا مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لَحْظَةَ أَنْ أَدْرَكَهُ اغَرَقُ رُبَّمَا تُثْبِتُ (كَمَا نَفْهَمُهَا بِالطَّبْعِ) افْتِرَاءَنَا هَذَا:
السُّؤَالُ: وَهَلْ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدِ اطَّلَعَ فِعْلًا إِلَى إِلَهِ مُوسَى؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ دَقَّقْنَا فِيمَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ بِلِسَانِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ يَنْفِي الْأُلُوهِيَّةَ عَنْ أَيِّ مَصْدَرٍ آخَرَ غَيْرِ ذَاكَ الْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ:
... قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
السُّؤَالُ: وَمَا الْغَرِيبُ فِي ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْهَمُ الْكَلَامَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ وَاعٍ تَمَامًا لِمَ يَقُولُ، فَهُوَ يَعْلَمُ تَمَامًا مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَهٌ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَهٌ. فَهُوَ أَسَاسًا مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْأُلُوهِيَّةَ مِنْ قَبْلُ:
وَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَدِّدَ مُوَاصَفَاتِ مَنْ هُوَ فِعْلًا إِلَهٌ. وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لَحْظَةَ أَنْ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ سَنَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِتْبَاعِ (أَيِ التَّقْلِيدِ). وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي النَّصِّ مَرَّةً أُخْرَى:
... قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَدْ جَاءَ مِنْ بَابِ الْإِتْبَاعِ الْأَعْمَى، لَرُبَّمَا جَاءَ قَوْلُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
... قَالَ آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) قَدْ جَاءَ نَتِيجَةَ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ، فَقَدْ نَفَى الرَّجُلُ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِلَهٌ آخَرُ غَيْرَ ذَاكَ الْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ:
... قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
السُّؤَالُ: كَيْفَ عَلِمَ فِرْعَوْنُ أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَهٌ غَيْرَ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَحْنُ نَسْأَلُ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ نَفْسَهُ لَيْسَ بِإِلَهٍ، أَلَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِلَهٌ آخَرُ غَيْرَهُ أَوْ غَيْرَ ذَاكَ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟ فَلِمَاذَا حَصَرَ فِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَسْأَلُ) الْأُلُوهِيَّةَ كُلَّهَا بِإِلَهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَطْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ كَلَامَ فِرْعَوْنَ جَاءَ مِنْ بَابِ مَنْ يَعْلَمُ الْآنَ مَا يَقُولُ، فَهُوَ مَنِ اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى بَعْدَ أَنْ بَلَغَ الْأَسْبَابَ بِوَاسِطَةِ الصَّرْحِ الَّذِي بَنَاهُ لَهُ هَامَانُ، وَهُنَاكَ وَجَدَ مُوسَى الْإِلَهَ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَقِيقِيًّا، وَهُنَاكَ وَجَدَ الرَّجُلُ أَنَّ هَذَا الْإِلَهَ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ إِلَهٌ آخَرُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ.
السُّؤَالُ: هَلْ كَلَامُكَ هَذَا يُثْبِتُ أَنَّهُ فِعْلًا اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ قَدْ جَاءَ مِنْ بَابِ الظَّنِّ؟
رَأْيُنَا: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا. فَيَجِبُ أَنْ نُرَاقِبَ كَلَامَ فِرْعَوْنَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ حَتَّى النِّهَايَةِ.
لَاحِظْ أَوَّلًا - عَزِيزِي الْقَارِئَ- مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى:
أَلَا تَجِدُ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ (أَيْ قَبْلَ بِنَاءِ الصَّرْحِ) يَظُنُّ بِأَنَّ كَلَامَ مُوسَى يَقَعُ فِي بَابِ الْكَذِبِ (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)؟
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: قَبْلَ بِنَاءِ الصَّرْحِ جَاءَ كَلَامُ فِرْعَوْنَ الْخَاصُّ بِإِلَهِ مُوسَى يَتَّسِمُ بِالظَّنِّيَّةِ (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، أَيْ عَدَمِ التَّيَقُّنِ مِنْ حَقِيقَةِ الْخَبَرِ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي تَغَيَّرَ عِنْدَمَا أَقَرَّ فِرْعَوْنُ بِأَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَحْظَةَ أَنْ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ:
... قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
لِذَا عِنْدَمَا جَاءَهُ مُوسَى بِالرِّسَالَةِ وَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى، بَدَا الشَّكُّ يُسَاوِرُ الْيَقِينَ عِنْدَهُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْزِمُ بِالْأَمْرِ، وَفِعْلًا أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، وَهُنَاكَ جَهَرَ فِرْعَوْنُ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُمْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا قَالَ فِرْعَوْنُ لِلْقَوْمِ بِأَنَّهُ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى؟ أَلَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ ن يَقُولَهُ لَهُمْ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ وَكَفَى؟ فَلِمَ قَالَ الرَّجُلُ بِأَنَّهُ هُوَ الْأَعْلَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ وَرَاءَ ذَلِكَ رُبَّمَا يَكْمُنُ فِي الِافْتِرَاءِ بِأَنَّهُ أَصْبَحَ هُنَاكَ مَنْ يُنَافِسُهُ عَلَى هَذَا الْمَنْصِبِ (الْإِلَهِ)، لِذَا كَانَ عَلَى فِرْعَوْنَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ مَكَانَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ مُقَارَنَةً بِهَؤُلَاءِ الْآلِهَةِ الْآخَرِينَ، خَاصَّةً الْإِلَهَ الَّذِي تُؤْمِنُ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ نَصَّبَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ هُوَ الرَّبُّ الْأَعْلَى:
وَيْكَأَنَّ فِرْعَوْنَ (نَحْنُ نَظُنُّ) يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ حَوْلَهُ بِأَنَّهُ حَتَّى لَوْ كَانَ هُنَاكَ آلِهَةٌ أُخْرَى غَيْرِي وَهُوَ مَا لَا أَعْلَمُهُ لَكُمْ حَتَّى السَّاعَةِ:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ...
إِلَّا أَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْآلِهَةِ الْأُخْرَى لَنْ يُقَلِّلَ مِنْ شَأْنِي لِأَنِّي أَنَا الْأَعْلَى مِنْ بَيْنِهِمْ جَمِيعًا:
وَحَتَّى نَقْطَعَ الشَّكَّ بِالْيَقِينِ، فَدَعْنَا (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ فِرْعَوْنَ يَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ) نَطَّلِعُ إِلَى ذَلِكَ الْإِلَهِ الَّذِي يَتَحَدَّثُ مُوسَى عَنْهُ، فَلَابُدَّ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى هُنَاكَ، وَلَكِنَّ هَذَا الذَّهَابَ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى بِنَاءِ الصَّرْحِ (وَهُوَ مَا يَسْتَطِيعُ هَامَانُ فِعْلَهُ)، وَبُلُوغِ الْأَسْبَابِ (وَهُوَ مَا اسْتَطِيعُ أَنَا أَنْ أَقُومَ بِهِ بِنَفْسِي)، فَدَعْنَا نَقُومُ بِالْمُهِمَّةِ عَلَى الْفَوْرِ.
فَجَاءَ خِطَابُهُ فِي حُضُورِ مَلَئِهِ مُوَجَّهًا إِلَى هَامَانَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا 1: كَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى عِلْمٍ عَظِيمٍ يُمَيِّزُهُ عَنْ كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا 2: كَانَ هَذَا الْعِلْمُ مِنَ الْخُطُورَةِ بِمَكَانٍ أَنْ جَعَلَتْ فِرْعَوْنَ يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْأَعْلَى.
الدَّلِيلُ: [إِصْرَارُ فِرْعَوْنَ وَتَبَعِيَّةُ الْقَوْمِ]
إِذَا كَانَ كَلَامُنَا السَّابِقُ هَذَا غَيْرَ قَطْعِيٍّ لِإِثْبَاتِ مَكَانَةِ فِرْعَوْنَ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّنَا قَدْ نَجِدُ الدَّلِيلَ فِي مَكَانٍ آخَرَ بَعْدَ طَرْحِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي: إِذَا كَانَ فِرْعَوْنُ هَذَا قَدْ وَصَلَ إِلَى دَرَجَةِ الْجُنُونِ بِأَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْأُلُوهِيَّةَ فَصَدَّقَ نَفْسَهُ، أَلَيْسَ مِنْ غَيْرِ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَقْتَنِعَ كُلُّ مَنْ حَوْلَهُ بِمَا يَقُولُهُ فِرْعَوْنُ لَهُمْ خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لَهُمْ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ مَا كَانَتْ كُلُّ آيَةٍ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا؟
وَإِذَا كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا عَلَى إِقْنَاعِهِمْ لِفَصَاحَةِ لِسَانِهِ، فَهَلْ أَعْيَتِ الْحُجَّةُ مَنْ شَهِدَ لَهُ مُوسَى بِالْفَصَاحَةِ فَكَانَ رَسُولًا آخَرَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ:
فَلِمَ لَمْ تُجْدِ فَصَاحَةُ هَارُونَ نَفْعًا أَمَامَ ادِّعَاءَاتِ فِرْعَوْنَ "الْكَاذِبَةِ" هَذِهِ؟
ثُمَّ، أَلَمْ يُقَدِّمْ مُوسَى لَهُمُ الْآيَاتِ التِّسْعَةَ، حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ أُخْتِهَا، فَلِمَ كَانَ رَدَّةُ فِعْلِ الْقَوْمِ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْهَا يَضْحَكُونَ؟
ثُمَّ، لِمَ أَصَرَّ فِرْعَوْنُ عَلَى مَوْقِفِهِ بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْآيَاتِ الَّتِي رَأَهَا بِأُمِّ عَيْنِهِ؟ أَلَمْ تَكُنْ رَدَّةُ فِعْلِهِ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ كَذَّبَ وَأَبَى؟
ثُمَّ، أَلَمْ تَحْصُلِ الْمُنَازَلَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى فِي مَكَانٍ سُوًى، أَلَمْ تَلْقَفِ الْعَصَا مَا كَانُوا يَأْفِكُونَ؟
أَلَمْ يَقَعِ الْحَقُّ هُنَاكَ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؟
أَلَمْ يَنْسَحِبْ فِرْعَوْنُ بِكُلِّ ذَكَاءٍ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ مُؤَجِّلًا الْحَسْمَ بَيْنَهُمْ إِلَى مَرَّاتٍ قَادِمَةٍ، فَتَوَعَّدَ السَّحَرَةَ بِتَقْطِيعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ وَالتَّصْلِيبِ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ؟
السُّؤَالُ الْحَتْمِيُّ: لِمَ إِذَنْ بَقِيَتِ الْغَالِبِيَّةُ الْعُظْمَى مِنْ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَجُنُودِهِ فِي صَفِّهِ؟ هَلْ فِعْلًا كَانَ فِرْعَوْنُ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِمْ بِالْكَلَامِ وَكَفَى؟ أَمْ هَلْ كَانَ يُؤَثِّرُ عَلَيْهِمْ بِالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ فَقَطْ؟
رَأْيُنَا: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لِيَصْمُدَ أَمَامَ فَصَاحَةِ هَارُونَ (لَوْ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ مُجَرَّدَ كَلَامٍ)، وَلَمْ يَكُنْ وَعِيدُ فِرْعَوْنَ لِيَنْفَعَ مَادَامَ أَنَّ السَّحَرَةَ قَدْ تَحَدَّوْهُ مُبَاشَرَةً:
السُّؤَالُ: لِمَ لَمْ تَكُنْ رَدَّةُ فِعْلِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ؟
السُّؤَالُ: لِمَ لَمْ تَكُنْ رَدَّةُ فِعْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا اسْتَمَرَّ مَلَأُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ بِتَأْيِيدِهِ ضِدَّ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَنْ رَأَوْهُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبْصِرَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا لَهُمْ مُوسَى وَأَخُوهُ هَارُونُ؟
الدَّلِيلُ: [الِاسْتِكْبَارُ فِي الْأَرْضِ]
دَعْنَا نَفْهَمُ بِدَايَةً مَا حَصَلَ فِعْلًا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ كَمَا نَتَخَيَّلُهُ بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا الْمُفْتَرَى لِلسِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْقِصَّةِ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَاذَا لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ تَنْفِيذَ وَعِيدِهِ فِي الْحَالِ بِحَقِّ السَّحَرَةِ اللَّذِينَ أُلْقُوا سَاجِدِينَ؟
فَهَذَا الَّذِي جَرَى عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ لَيْسَ (حَسَبَ عِلْمِ فِرْعَوْنَ) مِنْ صَنِيعِ الْبَشَرِ الْعَادِيِّينَ، وَلَابُدَّ مِنْ وُجُودِ قُوَّةٍ خَارِقَةٍ تُؤَيِّدُ الطَّرَفَ الْآخَرَ (أَيْ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ).
لِذَا كَانَتِ الْخُطَّةُ التَّالِيَةُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ هُوَ أَنْ يَتَبَيَّنَ بِنَفْسِهِ مَاهِيَّةَ تِلْكَ الْقُوَّةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي تُؤَيِّدُ خَصْمَهُ ضِدَّهُ، فَكَانَ لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَطَّلِعَ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ إِلَى إِلَهِ مُوسَى لِيَتَأَكَّدَ مِمَّا يَقُولُ الرَّجُلُ.
وَبِالْفِعْلِ، يَأْمُرُ فِرْعَوْنُ هَامَانَ بِأَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَفِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) لَا زَالَ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ أَمْيَلَ إِلَى الظَّنِّ أَنَّ مَا يَقُولُهُ مُوسَى يَقَعُ فِي بَابِ الْكَذِبِ:
فَيَقُومُ هَامَانُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) بِتَنْفِيذِ مُرَادِ فِرْعَوْنَ فِي الْحَالِ، فَيَبْنِي لَهُ صَرْحًا يُمَكِّنُهُ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ، أَيْ أَسْبَابِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَيَطَّلِعُ فِرْعَوْنُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، فَيَجِدُهُ، وَعِنْدَهَا يُدْرِكُ فِرْعَوْنُ أَنَّ هَذَا إِلَهٌ عَظِيمٌ.
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ مَا تَقُولُهُ صَحِيحًا، فَلِمَ لَمْ يَتَرَاجَعِ الرَّجُلُ عَنْ مَوْقِفِهِ؟ لِمَ لَمْ يُؤْمِنْ إِذَنْ بِالرِّسَالَةِ الَّتِي جَاءَتْهُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: إِنَّهُ الْكِبْرُ.
نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكِبْرَ الَّذِي كَانَ مُتَوَاجِدًا فِي نَفْسِ فِرْعَوْنَ هُوَ مَا مَنَعَهُ حَتَّى السَّاعَةِ مِنْ أَنْ يُقِرَّ بِالْأُلُوهِيَّةِ لِهَذَا الْإِلَهِ بَعْدَ أَنِ اطَّلَعَ إِلَيْهِ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي السِّيَاقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ اطِّلَاعُ فِرْعَوْنَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى لِتَجِدَ أَنَّ الِاسْتِكْبَارَ حَاضِرًا فِي الْمَشْهَدِ:
وَلَوْ رَاقَبْنَا الْآيَةَ الَّتِي تَبِعَتْ آيَةَ الِاطِّلَاعِ إِلَى إِلَهِ مُوسَى لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنِ اسْتِكْبَارِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَصَرِيحُ اللَّفْظِ يُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ اسْتِكْبَارَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ فِي الْأَرْضِ كَانَ اسْتِكْبَارًا بِغَيْرِ الْحَقِّ (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). لِنَطْرَحَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
- لِمَاذَا اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ؟
- لِمَاذَا كَانَ اسْتِكْبَارُهُمْ بِغَيْرِ الْحَقِّ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: عِنْدَمَا اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَجَدَ أَنَّهُ فِعْلًا إِلَهٌ، لَكِنَّهُ رَفَضَ بِأَنْ يُقِرَّ لَهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ عَلَى الْأَرْضِ، ظَانًّا أَنَّهُ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ هُنَا، فَكَانَ اسْتِكْبَارُهُ فِي الْأَرْضِ:
وَرُبَّمَا يُؤَكِّدُ زَعْمَنَا هَذَا مَا نَفْهَمُهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ). فَفِرْعَوْنُ الْآنَ يَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ فِي مَكَانٍ آخَرَ (غَيْرِ الْأَرْضِ) إِلَهٌ غَيْرُهُ، لَكِنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ هُوَ وَجُنُودُهُ.
فَهُوَ إِلَهٌ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ فِرْعَوْنَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ وَلِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ جُنُودِهِ) لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِنَا كَمَا أَنَّهُ لَا عَلَاقَةَ لَنَا بِهِ، فَنَحْنُ لَنْ نَرْجِعَ إِلَيْهِ مَادَامَ أَنَّهُ هُوَ لَنْ يَرْجِعَ إِلَيْنَا، فَكَانَ ذَلِكَ ظَنَّهُمْ بِرَبِّهِمُ الَّذِي أَرْدَاهُمْ:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ اسْتِكْبَارَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَصْدَرُهُ هُوَ ظَنَّهُ بِاللَّهِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: بَعْدَ أَنِ اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، أَصْبَحَ الرَّجُلُ يُقِرُّ بِأَنَّ هُنَاكَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْفَسِيحِ إِلَهٌ غَيْرُهُ، لَكِنَّ هَذَا الْإِلَهَ لَيْسَ الْإِلَهَ الْأَحَدَ الصَّمَدَ، لِذَا فَإِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كُلَّهُ لِهَذَا الْإِلَهِ، ظَانًّا بِأَنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، فَأَصْبَحَ ظَنُّ فِرْعَوْنَ بِإِلَهِ مُوسَى هُوَ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: أَصْبَحَ جِدَالُ فِرْعَوْنَ مُنْذُ أَنِ اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى لَا يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِ هَذَا الْإِلَهِ أَمْ عَدَمِ وُجُودِهِ، فَفِرْعَوْنُ الْآنَ يُدْرِكُ تَمَامًا وُجُودَ هَذَا الْإِلَهِ، لِذَا أَصْبَحَ الْجِدَالُ يَخُصُّ صَلَاحِيَّاتِ هَذَا الْإِلَهِ مُقَابِلَ صَلَاحِيَّاتِ الْآلِهَةِ الْأُخْرَى غَيْرِهِ مِثْلَ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ. فَأَصْبَحَ ظَنُّ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ أَنَّهُمْ مُسْتَقِلُّونَ عَنْ هَذَا الْإِلَهِ تَمَامًا وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ لَا يَرْجِعُونَ.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ مُسْتَكْبِرًا فِي الْأَرْضِ، يَقُولُ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ:
وَأَصْبَحَ فِرْعَوْنُ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ مِمَّنْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ سُنَنُ اللَّهِ فِي اللَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ مِثْلَ الْقُرُونِ الْأُولَى:
تَلْخِيصُ مَا سَبَقَ مِنَ الِافْتِرَاءَاتِ: مَا أَنِ اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهُ فِعْلًا إِلَهٌ عَظِيمٌ، لَكِنَّ اسْتِكْبَارَهُ فِي الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ أَنْ يُقِرَّ لِمُوسَى بِالتَّبَعِيَّةِ مُبَاشَرَةً، فَأَجَّلَ الْقَرَارَ إِلَى إِشْعَارٍ آخَرَ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ أَنَّبَهُ عَلَى هَذَا التَّأْخِيرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فِرْعَوْنُ عِنْدَمَا أَقَرَّ بِالتَّبَعِيَّةِ لَحْظَةَ الْغَرَقِ:
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الرَّدَّ الْإِلَهِيَّ عَلَى مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لَحْظَةَ أَنْ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ عِنْدَمَا أَقَرَّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِهَذَا الْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ:
... قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْعَالِمِ بِحَالِ بِفِرْعَوْنَ مِنْ ذِي قَبْلُ، فَقَالَ تَعَالَى (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا جَاءَ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَرَى (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) بِأَنَّ الرَّدَّ الْإِلَهِيَّ جَاءَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أَدْرَكَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ قَبْلَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، أَيْ مِنْ قَبْلِ آلآنَ بِأَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ الَّذِي لَا يَجِبُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ أَحَدًا.
وَلَكِنَّ اسْتِكْبَارَهُ فِي الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ يُؤَجِّلُ الْإِقْرَارَ بِهَا. فَفِرْعَوْنُ قَبْلَ لَحْظَةِ الْغَرَقِ كَانَ مُدْرِكًا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ، وَأَنَّ مَا دُونَهُ هُمْ آلِهَةٌ مُزَيَّفُونَ، كَفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ الَّذِي أَدَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ لِنَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ.
السُّؤَالُ: مَتَى أَدْرَكَ فِرْعَوْنُ أَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ هَامَانُ الصَّرْحَ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ فَيَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ مُوسَى مِنَ الْكَاذِبِينَ:
وَلَكِنْ بَعْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي اطَّلَعَ فِيهَا فِرْعَوْنُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ تَمَامًا، فَقَدْ أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ يُدْرِكُ أَنَّ مُوسَى مِنَ الصَّادِقِينَ. وَأَنَّ هُنَاكَ إِلَهٌ أَوْحَدُ هُوَ الَّذِي اطَّلَعَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْأَسْبَابَ، لَكِنْ بَقِيَتْ مُشْكِلَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وَهِيَ الْإِقْرَارُ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ "الَّتِي رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَرْغَبُ أَنْ تَثْبُتَ لَهُ". فَمَا الَّذِي سَيَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَتْ لَهُ؟
- أَنْ يَصْدُقَ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِ، فَيُخْبِرَهُمْ بِحَقِيقَةِ مَا وَجَدَهُ عِنْدَمَا اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
- أَنْ يَسْكُتَ عَنْ (أَوْ يَتَحَايَلَ عَلَى) مَا وَجَدَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ، فَيَسْتَمِرَّ فِي خِدَاعِ مَنْ حَوْلَهُ حَتَّى النِّهَايَةِ
السُّؤَالُ: فَأَيُّ الطَّرِيقَيْنِ سَيَسْلُكُ فِرْعَوْنُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا مَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ هَذَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَبِمُوسَى وَقَوْمِهِ لَوَجَدْنَا فِيهِ الْعَجَبَ. فَفِرْعَوْنُ هُوَ الرَّجُلُ صَاحِبُ السُّلْطَانِ الَّذِي لَا يُرَدُّ لَهُ قَوْلٌ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى قَتْلِ مُوسَى:
فَتَدَبُّرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يُثِيرُ التَّسَاؤُلَ التَّالِيَ عَلَى الْفَوْرِ: لِمَ يَحْتَاجُ فِرْعَوْنُ أَنْ يَطْلُبَ الْإِذْنَ مِمَّنْ حَوْلَهُ حَتَّى يَقْتُلَ مُوسَى؟ لِمَ لَا يَأْمُرُ بِقَتْلِ مُوسَى فِي الْحَالِ، وَكَفَى؟
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ سَمَحَ لِمُوسَى أَنْ يُقَدِّمَ لِلنَّاسِ الْآيَاتِ:
لَا بَلْ فَلَقَدْ تَرَكَ فِرْعَوْنُ مُوسَى يَتَبَوَّأُ وَقَوْمَهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ بُيُوتًا جَاعِلِينَهَا قِبْلَةً لَهُمْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا تَرَكَ فِرْعَوْنُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ هَكَذَا دُونَ اتِّخَاذِ قَرَارٍ حَاسِمٍ بِشَأْنِهِمْ؟ وَلِمَاذَا كَانَ دَائِمَ التَّأْجِيلِ لِاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْحَاسِمَةِ. وَانْظُرْ إِنْ شِئْتَ مَا قَالَهُ الاملأا لِفِرْعَوْنَ بِخُصُوصِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ:
ثُمَّ انْظُرْ قَرَارَ فِرْعَوْنَ بِخُصُوصِ الْأَمْرِ فِي تَتِمَّةِ الىية نَفْسِهَا:
- أَيَسْلُكُ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ وَيَتَرَاجَعُ عَنْ كُلِّ فَسَادِهِ السَّابِقِ وَيَتَنَازَلُ عَنْ مَكَانَتِهِ كَإِلَهٍ فِي عُيُونِ قَوْمِهِ، وَبِالتَّالِي يَخْسَرُ كُلَّ هَذِهِ الْمَكَاسِبِ بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ بِالتَّبَعِيَّةِ مِنْ جَدِيدٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِ مُوسَى، وَالْأَهَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ الْإِقْرَارُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟
- أَمْ يُتَابِعُ السَّيْرَ فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهَا فَيَسْتَمِرُّ فِي خِدَاعِ مَنْ حَوْلَهُ وَهُمُ اللَّذِينَ صَدَّقُوا أَنَّهُ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى، فَآثَرُوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْفَرَحَ فِيهَا، وَمِنْ ثَمَّ تَكْذِيبَ آيَاتِ اللَّهِ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةْ: فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) وَجَدَ فِرْعَوْنُ نَفْسَهُ وَاقِعًا. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) كَانَ اللَّهُ قَدْ وَجَدَهُ مِنْ قَبْلُ، فَطَلَبَ مِنْ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ الذَّهَابَ إِلَيْهِ وَمُخَاطَبَتَهُ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ عَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى:
فَاحْتِمَالِيَّةُ أَنْ يَتَذَكَّرَ فِرْعَوْنُ أَوْ أَنْ يَخْشَى كَانَتْ وَارِدَةً تَمَامًا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا كَانَتْ تِلْكَ هِيَ "الرَّغْبَةُ" الْإِلَهِيَّةُ بِحَقِّ فِرْعَوْنَ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الْمُفْسِدِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ حَتَّى بَعْدَ أَنْ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللَّهِ فَكَذَّبَ بِهَا وَاسْتَكْبَرَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا حَصَلَ هَذَا مَعَ فِرْعَوْنَ؟
وَفِي ذَلِكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ جِدًّا، فَالْبَاحِثُ عَنِ اللَّهِ هُوَ مَنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِهِدَايَتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ ضَالًّا، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا حَصَلَ مَعَ مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ. فَاللَّهُ هُوَ مَنْ وَجَدَ مُحَمَّدًا ضَالًّا، فَكَانَ اللَّهُ هُوَ مَنْ هَدَاهُ:
وَقَدْ فَعَلَ مُوسَى فَعْلَتَهُ عِنْدَمَا كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَا ضَيْرَ أَنْ تَكُونَ ضَالًّا أَوْ أَنْ تَكُونَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ هِيَ سِيرَةُ الْأَنْبِيَاءِ أَنْفُسِهِمْ كَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ تَكَفَّلَ بِهِدَايَةِ مَنْ كَانَ ضَالًّا شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ بَاحِثًا عَنِ الْهِدَايَةِ.
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ إِنْ وَجَدْتَنِي ضَالًّا فَاهْدِنِي صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، فَأَنْتَ مَنْ خَلَقْتَنِي وَفَطَرْتَنِي وَأَنْتَ مَنْ تَهْدِينِي إِلَيْكَ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ – آمِينَ)
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ كَانَ فِرْعَوْنُ ضَالًّا، بَاحِثًا عَنِ الْهِدَايَةِ، لَهَدَاهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّالَّ هُوَ – بِرَأْيِنَا- مَنْ كَانَ يَبْحَثُ عَنِ الطَّرِيقِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ تَكَفَّلَ بِهِدَايَةِ مَنْ يَشَاءُ الْهِدَايَةَ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِرْعَوْنُ مِنْ قَبْلِ هَذَا مِمَّنْ يَشَاءُونَ الْهِدَايَةَ، لَهَدَاهُ اللَّهُ. وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُقِرَّ بِالْأُلُوهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ لِهَذَا الْإِلَهِ إِلَّا لَحْظَةَ أَنْ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُقِرَّ بِالْأُلُوهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِهَذَا الْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَطْ (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، وَلَكِنَّهُ أَقَرَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا أَقَرَّ فِرْعَوْنُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَبْلَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا. بَلْ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. انْظُرِ الْآيَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فِي لَحْظَةِ الْغَرَقِ أَدْرَكَ فِرْعَوْنُ أَنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَ مَوْقِفَيْنِ اثْنَيْنِ:
- أَنْ يُقِرَّ لِلْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، لِذَا قَالَ: آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ
- أَنْ يَتَرَاجَعَ عَنْ سِيرَتِهِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ الْإِفْسَادُ، وَيَسْتَبْدِلَهَا بِأَنْ يُسْلِمَ وَجْهَهُ لِرَبِّ الْعَالَمِ، فَاتَّبَعَ كَلَامَهُ قَائِلًا: وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
السُّؤَالُ: لِمَاذَا أَقَرَّ فِرْعَوْنُ بِالْأُلُوهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلَّهِ لَحْظَةَ الْغَرَقِ؟
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الشَّخْصَ الَّذِي نَصَّبَ مِنْ نَفْسِهِ نِدًّا عَنِيدًا لِلْإِلَهِ نَفْسِهِ عِنْدَمَا ظَنَّ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ كَمَا صَاحَ فِي مَلَئِهِ:
وَلَمَّا كَانَ ظَنُّهُ أَنَّهُ هُوَ الْأَعْلَى بَعْدَ أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هُنَاكَ آلِهَةً أُخْرَى غَيْرَهُ:
كَانَ فِي ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَظِيمَةٌ لِكُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَكَانَ لَهُ قَبْلٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. فَهَذَا فِرْعَوْنُ (بِمَا يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ وَالنُّفُوذِ وَالْأَدَوَاتِ) يُقِرُّ بِمِلْءِ فِيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَكَيْفَ لِغَيْرِهِ (وَهُوَ لَا شَكَّ أَقَلُّ شَأْنٍ مِنْهُ مَكَانَةً وَعِلْمًا) أَنْ لَا يُقِرَّ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَعْيَتْ كُلَّ مَنْ حَاوَلَ أَنْ يَقِفَ ضِدَّهَا فَأَطَاحَتْ بِهِمْ فَكَانُوا مَثَلًا وَسَلَفًا لِلْآخَرِينَ؟
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّكَ أَنْتَ بِي بَصِيرًا – آمِينَ).
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
كَانَتِ الْغَايَةُ الْمَنْشُودَةُ مِنْ هَذَا النِّقَاشِ هُوَ إِثْبَاتُ افْتِرَائِنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ شَخْصٌ عَلَى عِلْمٍ عَظِيمٍ. وَحَاوَلْنَا أَنْ نُعَالِجَ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
- مَاهِيَّةُ عِلْمِ فِرْعَوْنَ؟
- مَصَادِرُ عِلْمِ الرَّجُلِ؟
وَكَانَ النِّقَاشُ حَتَّى اللَّحْظَةِ مُنْصَبًّا عَلَى التَّحَقُّقِ مِنَ الِافْتِرَاءِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ شَخْصًا عَلَى مَكَانَةٍ عَالِيَةٍ جِدًّا مِنَ الْعِلْمِ، قَدْ لَا يُدَانِيهِ فِيهَا غَيْرُهُ. وَإِذَا مَا صَحَّ هَذَا الِافْتِرَاءُ يَنْتَقِلُ النِّقَاشُ فَوْرًا إِلَى مُعَالَجَةِ السُّؤَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَلِنَبْدَأْ بِالسُّؤَالِ الْأَوَّلِ الْخَاصِّ بِمَاهِيَّةِ عِلْمِ الرَّجُلِ.
بَابُ عِلْمِ فِرْعَوْنَ: [وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ]
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ فِيمَا قَالَهُ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ لِتَجِدَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْقُرُونِ الْأُولَى حَاضِرًا فِي الْمَشْهَدِ بِقُوَّةٍ، رُبَّمَا لِنَفْهَمَ أَنَّ النَّهْلَ مِنْ مَعِينِ تِلْكَ الْأُمَمِ مِنَ الْعِلْمِ كَانَ مُتَوَافِرًا فِي زَمَنِ فِرْعَوْنَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ.
لَكِنَّ هَذَا يَطْرَحُ السُّؤَالَ نَفْسَهُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِمَنْ يَسْمَعُ حُجَّةَ هَذَا الرَّجُلِ أَنْ لَا يَتَدَبَّرَهَا؟ وَلِمَ تَجَاهَلَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ كُلَّ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ وَالْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى يَدِ رَسُولَيْنِ كَرِيمَيْنِ مُعَزَّزَيْنِ بِثَالِثٍ:
السُّؤَالُ الْكَبِيرُ: مَا السِّرُّ الَّذِي كَانَ يَمْلِكُهُ فِرْعَوْنُ حَتَّى اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَخِفَّ بِقَوْمِهِ اللَّذِينَ هُمْ أَيْضًا – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- عَلَى دَرَجَةٍ مِنَ الْعِلْمِ رُبَّمَا عَزَّ نَظَرِيهَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عِنْدَ قَارُونَ وَهَامَانَ؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا صَدَّقَ الْقَوْمُ دَعْوَاهُ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَثِقُونَ بِمَا عِنْدَ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعِلْمِ
الدَّلِيلُ: [ثِقَةُ الْقَوْمِ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ]
لِنَنْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ فِيمَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لَهُمْ بِنَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى:
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، لَوَجَدْنَا (حَسَبَ فَهْمِنَا رُبَّمَا الْمَغْلُوطِ) أَنَّ الْقَوْمَ رُبَّمَا اسْتَشَارُوا فِرْعَوْنَ فِي الْأَمْرِ، وَهُمْ مُقْتَنِعُونَ أَنَّ الْقَوْلَ الْفَصْلَ هُوَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، فَهُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ مِنْ بَيْنِهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَتَّخِذَ الْقَرَارَ النِّهَائِيَّ بِالدَّعْوَى الَّتِي أَطْلَقَهَا مُوسَى (أَيْ وُجُودُ إِلَهٍ وَاحِدٍ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ).
وَيْكَأَنَّ الْقَوْمَ (نَحْنُ نَدَّعِي الْفَهْمَ) يَقُولُونَ لِفِرْعَوْنَ: انْظُرْ مَاذَا تَرَى فِيمَا يَقُولُهُ مُوسَى، ثُمَّ قَدِّمْ لَنَا الْمَشُورَةَ. فَيَأْتِي الرَّدُّ مِنْ فِرْعَوْنَ بِالْقَوْلِ (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ثُمَّ يُرْدِفُ الرَّجُلُ دَعْوَاهُ هَذَا بِالْبُرْهَانِ الْعَمَلِيِّ فَيَطْلُبُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ.
ظَانًّا فِي الْبِدَايَةِ أَنَّ مُوسَى مِنَ الْكَاذِبِينَ. انْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ –إِنْ شِئْتَ- السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ نَفْسَهُ مَرَّةً أُخْرَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ يَثِقُونَ تَمَامًا بِالْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَ فِرْعَوْنَ، لَمَا صَدَّقُوا مَا قَالَ الرَّجُلُ لَهُمْ فِي الْحَالِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ الدَّلِيلَ عَلَى قُدْرَتِهِ إِثْبَاتَ دَعْوَاهُ هَذِهِ، لَمَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ الْأَسْبَابَ.
وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ يَسْتَطِيعُ بُلُوغَ الْأَسْبَابِ لَرُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَصْبَحَ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ نَاشِبَةٌ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عِنْدَهُمُ الْقُدْرَةُ عَلَى بُلُوغِ الْأَسْبَابِ وَالْإِطْلَاعِ عَلَى إِلَهِ مُوسَى. لِنَخْلُصَ إِلَى النَّتَائِجِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةِ:
- كَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى عِلْمٍ عَظِيمٍ
- كَانَ الْقَوْمُ يَثِقُونَ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ
- كَانَ غَيْرُ فِرْعَوْنَ كَـ هَامَانَ يَسْتَطِيعُ بِنَاءَ الصَّرْحِ
- لَكِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ فَقَطْ مَنْ يَسْتَطِيعُ اسْتِخْدَامَ ذَلِكَ الصَّرْحِ مِنْ أَجْلِ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ وَالْإِطْلَاعِ عَلَى إِلَهِ مُوسَى
- كَانَتِ الصُّرُوحُ تُسْتَخْدَمُ لِغَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَكَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْغَايَاتِ هِيَ بُلُوغُ الْأَسْبَابِ
- كَانَ لَابُدَّ مِنْ تَوَافُرِ الْعِلْمِ عِنْدَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ تِلْكَ الصُّرُوحَ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْغَايَةِ
- كَانَ ذَلِكَ عِلْمًا عَظِيمًا لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ يَرَاهُ بِأُمِّ عَيْنِهِ أَنْ يَتَحَدَّاهُ إِلَّا إِذَا كَانَ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَفُوقُهُ
- كَانَ فِرْعَوْنُ مُتَفَوِّقًا عَلَى كُلِّ قَوْمِهِ وَمَلَئِهِ
- لَمْ يَنْجُ مِنْ كَيْدِ فِرْعَوْنَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ كَتَمَ إِيمَانَهُ عَنِ الْقَوْمِ
- كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَالِمًا بِمَا حَلَّ بِالْقُرُونِ الْأُولَى كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ
- عَلِمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَتَجَاوَزُ مَا كَانَ مُتَوَافِرًا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى
- كَانَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ نِهَايَةَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ لَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ نِهَايَةِ تِلْكَ الْقُرُونِ الَّتِي سَبَقَتْهُمْ
- الخ
التَّسَاؤُلَاتُ: [لِمَاذَا انْخَدَعَ الْقَوْمُ؟]
- مَنْ هُوَ هَذَا الرَّجُلُ؟
- لِمَاذَا لَمْ تَنْطَلِ عَلَيْهِ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ؟
- لِمَاذَا انْطَلَتِ الْحُجَّةُ عَلَى غَيْرِهِ؟
- وَمَا هُوَ عِلْمُ فِرْعَوْنَ الَّذِي وَضَعَهُ فِي مَكَانَةٍ يَصْعُبُ مُنَافَسَتُهَا؟
- الخ.
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا رَدَّةَ فِعْلِ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وَعِيدِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ بِتَقْطِيعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ وَالتَّصْلِيبِ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ:
إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْثِرُوهُ عَلَى مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ. انْظُرْ تَتِمَّةَ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ نَفْسَهُ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يُؤْثِرْ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ عَلَى مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ بَيْنَمَا آثَرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودُهُ فِرْعَوْنَ عَلَى مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ.
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ السَّحَرَةُ حَدِيثِي عَهْدٍ بِفِرْعَوْنَ وَمَكَانَتِهِ وَعِلْمِهِ فِيهِمْ، وَهُمْ مَنْ حَشَرَهُمْ مِنَ الْمَدَائِنِ:
لَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي أَمْرِ اللِّحَاقِ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ. لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ- لَمَّا كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَمَلَؤُهُ وَجُنُودُهُ يَعْرِفُونَ مَكَانَةَ فِرْعَوْنَ فِيهِمْ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْبَيِّنَاتُ الَّتِي قَدَّمَهَا مُوسَى تَكْفِي أَنْ تَرُدَّهُمْ عَنْ فِسْقِهِمْ، أَوْ أَنْ تُقَوِّضَ ثِقَتَهُمْ بِفِرْعَوْنَ الَّذِي يَعْلَمُونَ مَكَانَتَهُ فِيهِمْ، فَمَا أَحْدَثَهُ فِرْعَوْنُ فِيهِمْ كَانَ كَفِيلًا أَنْ يَجْعَلَهُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ.
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ عَلَى مِسَاحَتِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ جُلَّهَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي تُصَوِّرُ مَا حَصَلَ زَمَنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي أَحْدَثَهُ فِرْعَوْنُ فِيهِمْ حَتَّى كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ؟
رَأْيُنَا: إِنَّهُ رَغَدُ الْعَيْشِ وَالِاطْمِئْنَانُ إِلَى الدُّنْيَا. فَمَنْ كَانَ فَاسِقًا هُوَ الَّذِي أَرْكَنَ إِلَى مَلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَرَضِيَ بِهَا لِتَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا عِنْدَ اللَّهِ:
وَهَذَا يَنْطَبِقُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) عَلَى كُلِّ الْأَقْوَامِ الَّتِي أَرْكَنَتْ لِمَا عِنْدَهَا مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا كَقَوْمِ نُوحٍ مَثَلًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَقَدِ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُسَهِّلَ لِمَنْ حَوْلَهُ حَيَاتَهُمُ الدُّنْيَا، حَتَّى رَكَنُوا إِلَيْهَا، فَأَصْبَحُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
الدَّلِيلُ: [الْفَرَحُ وَالضَّحِكُ]
بِدَايَةً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كَانُوا فَرِحِينَ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فَرَحِ قَارُونَ نَفْسِهِ:
فَالْأَمْوَالُ كَانَتْ مُتَوَافِرَةً جِدًّا فِي عَهْدِ فِرْعَوْنَ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا طَلَبَهُ السَّحَرَةُ مِنْ فِرْعَوْنَ مِنَ الْأَجْرِ:
كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ عَنْ إِلَهِ مُوسَى الَّذِي لَمْ يُلْقَى عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَمْوَالَ كَانَتْ مُتَوَافِرَةً فِي زَمَنِ فِرْعَوْنَ بِكَثْرَةٍ، كَمَا نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبُهُ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ. فَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ الْعِلْمَ الَّذِي يُوَفِّرُ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا يَرْغَبُ وَيُرِيدُ.
ثَانِيًا، لَمْ تَكُنِ الْأَمْوَالُ وَحْدَهَا كَفِيلَةً بِتَوْفِيرِ رَغَدِ الْحَيَاةِ، بَلْ كَانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُمَكِّنُهُ مِنْ إِيقَافِ الْأَذَى الَّذِي قَدْ يُصِيبُ الْقَوْمَ، حَتَّى أَصْبَحَ الضَّحِكُ هُوَ دَيْدَنَهُمْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَجْعَلُ الْقَوْمَ فَرِحِينَ
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَجْعَلُ الْقَوْمَ يَضْحَكُونَ
تَسَاؤُلَاتٌ: [سِرُّ الْأَوْتَادِ]
- مَا هُوَ ذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ؟
- أَيْنَ كَانَ مَصْدَرُهُ؟
- لِمَ كَانَ فِرْعَوْنُ فَقَطْ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ عَلَيْهِ؟
- لِمَ لَمْ يَمْلِكْهُ غَيْرُهُ فِي زَمَنِهِ؟
- مَاذَا حَلَّ بِهَذَا الْعِلْمِ بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ؟
- وَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْآنَ؟
- الخ.
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ تَكْمُنُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ، أَلَا وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنِ امْتَلَكَ الْعِلْمَ الْمُتَوَافِرَ فِي الْأَوْتَادِ الَّتِي لَازَالَتْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا قَائِمَةً فِي أَرْضِ مِصْرَ الْخَالِدَةِ. إِنَّهُ عِلْمُ الْقُرُونِ الْأُولَى الْمَكْنُوزُ دَاخِلَ أَهْرَامَاتِ الْجِيزَةِ فِي مِصْرَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمْ يَسْتَطِعْ شَخْصٌ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ أَنْ يَنْهَلَ مِنْ مَعِينِ الْعِلْمِ الْمُتَوَافِرِ فِي دَاخِلِ هَذِهِ الصُّرُوحِ الْعِمْلَاقَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْ آثَارِ الْقُرُونِ الْأُولَى كَمَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ.
فَهُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي امْتَلَكَ الْعِلْمَ الْمَكْنُوزَ فِيهَا، فَسَخَّرَ ذَلِكَ لِخِدْمَةِ أَغْرَاضِهِ الشَّخْصِيَّةِ حَتَّى ظَنَّ مَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُ فِعْلًا رَبُّهُمُ الْأَعْلَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ الْكَنُوزَ فِي تِلْكَ الْأَوْتَادِ هُوَ مَا عَزَّزَ ظَنَّ فِرْعَوْنَ بِأَنَّهُ فِعْلًا إِلَهٌ حَتَّى خَاطَبَ الْقَوْمَ قَائِلًا:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا ظَنَّ فِرْعَوْنُ أَنَّهُ إِلَهٌ؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ ذُو الْأَوْتَادِ
لِيَكُونَ الِافْتِرَاءُ الْأَكْبَرُ الَّذِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهُ الْآنَ هُوَ أَنَّهُ قَدْ تَحَصَّلَ لِفِرْعَوْنَ بِشَخْصِهِ مَا كَانَ مُتَوَافِرًا لِعَادٍ وَثَمُودَ (وَرُبَّمَا لِقُرُونٍ أُخْرَى) بِمَجْمُوعِهِمْ، الْأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ فِرْعَوْنَ يَظُنُّ أَنَّهُ إِلَهٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَافِسَ أَيَّ إِلَهٍ آخَرَ (إِنْ وُجِدَ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّ مَنْ كَانَ إِلَهٌ فَلَابُدَّ لَهُ مِنَ الْأَوْتَادِ.
السُّؤَالُ: وَهَلْ لِلْإِلَهِ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَوْتَادٌ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ جَعَلَ الْجِبَالَ أَوْتَادًا. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي مَطْلَعِ سُورَةِ النَّبَأِ:
السُّؤَالُ: مَا عَنَى أَنْ تَكُونَ الْجِبَالُ أَوْتَادًا؟ وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَنْقُلُنَا فَوْرًا لِلْحَدِيثِ عَنْ تِلْكَ الصُّرُوحِ الْعِمْلَاقَةِ الَّتِي لَازَالَتْ قَائِمَةً فِي أَرْضِ الْجِيزَةِ بِمِصْرَ، وَالَّتِي لَازَالَ سِرُّهَا لُغْزًا لَمْ يَقْوَ عَلَى تَفْسِيرِهِ كُلُّ الْمُتَخَصِّصِينَ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الطَّرِيقَةِ وَالْوَسِيلَةِ وَالْمَقْصِدِ هِيَ أَبْرَزُ سِمَاتِ الْآرَاءِ وَالنَّظَرِيَّاتِ الَّتِي طُرِحَتْ حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ حَتَّى السَّاعَةِ. فَالتَّسَاؤُلَاتُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- مَنِ الَّذِي بَنَا هَذِهِ الصُّرُوحَ الْعِمْلَاقَةَ؟
- مَتَى بُنِيَتْ؟
- كَيْفَ بُنِيَتْ؟
- لِمَاذَا بُنِيَتْ؟
- لِمَاذَا لَمْ تَهْلِكْ حَتَّى هَذَا الْوَقْتِ؟
- مَا السِّرُّ الْمَدْفُونُ فِيهَا؟
- كَيْفَ يُمْكِنُ الْوَصْلُ إِلَى أَسْرَارِهَا؟
- وَهَلْ هَذَا مُمْكِنٌ؟
- وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُ ذَلِكَ؟
- الخ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ بِدَايَةَ النِّقَاشِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ تَنْطَلِقُ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
لِتَكُونَ أَوَّلُ الِافْتِرَاءَاتِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا سَتُوَجِّهُ النِّقَاشَ بِأَكْمَلِهِ حَوْلَ نَتَائِجَ مُحَدَّدَهٍ هِيَ التَّالِي: كَانَتْ هَذِهِ الصُّرُوحُ قَدْ بُنِيَتْ لِغَايَةٍ مُحَدَّدَهٍ أَلَا وَهِيَ الْخُلُودُ: وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
فَالْأَهْرَامَاتُ الْمُتَوَاجِدَةُ فِي أَرْضِ الْجِيزَةِ بِمِصْرَ هِيَ مَصَانِعُ اتُّخِذَتْ مِنْ أَجْلِ الْخُلُودِ. وَفِيهَا مِنَ الْعِلْمِ مَا قَدْ يُمَكِّنُ مَنْ يَفْهَمُهُ أَنْ يُطَبِّقَ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ. وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، الْأَمْرُ الَّذِي مَكَّنَهُ مِنْ تَسْوِيقِ ظَنِّهِ عَلَى كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ بِأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: هَذَا مَا سَنَخُوضُ فِيهِ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِنَا، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَنَدْعُوهُ وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي، وَأَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْهُ سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَ.
المراجع والمصادر:
- القرآن الكريم (موقع quran.com) ^
تعليقات
لان فرعون ذى الاوتاد ذكر فى اية قبل ذكر قوم هود ولوط ..