home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (7): باب العرش

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 13, 2016
محتويات المقال:

    مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (7): بَابُ الْعَرْشْ

    الْاِفْتِرَاءَاتُ السَّابِقَةْ:

    سُلَيْمَانُ يُوَجِّهُ الدَّعْوَةَ (بِالْإِرْسَالِ وَالْبَعْثِ) أَنْ يُحْشَرَ لَهُ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ.

    يُلَبِّي الْجَمِيعُ الدَّعْوَةَ بِاسْتِثْنَاءِ النَّمْلِ.

    يَظُنُّ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّمْلَ لَمْ يَنْظَمَّ إِلَى جُنُودِ سُلَيْمَانَ خُرُوجًا عَلَيْهِ.

    يَتَوَجَّهُ سُلَيْمَانُ بِجُنُودِهِ آتِيًا (الذَّهَابُ قَاصِدًا) وَادِ النَّمْلِ لِيَضُمَّهُمْ إِلَى مُلْكِهِ كَرْهًا بَعْدَ أَنْ رَفَضُوا (حَسَبَ ظَنِّهِ) الْاِنْضِمَامَ طَوَاعِيَةً.

    مَا أَنْ تُحِسَّ نَمْلَةٌ بِبَأْسِ سُلَيْمَانَ قَادِمٍ إِلَيْهِمْ حَتَّى تُطْلِقَ نِدَاءً إِلَى رَفِيقَاتِهَا بِالدُّخُولِ فِي مَسَاكِنِهِمْ اِسْتِسْلَامًا لِسُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ.

    يَفْهَمُ سُلَيْمَانُ مَنْطِقَ تِلْكَ النَّمْلَةِ، فَيَنْفَجِرُ بِالضَّحِكِ مِنْ قَوْلِهَا (مَنْطِقِهَا) لَكِنَّهُ لَا يُخَاطِبُهَا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ لِتِلْكَ النَّمْلَةِ لِسَانٌ (لُغَةٌ). فَهِيَ لَيْسَتْ أُمَمًا أَمْثَالَنَا كَالطَّيْرِ الَّذِي يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ.

    النَّمْلُ (كَالْكِتَابِ وَكَالْجُلُودِ وَكَالْأَيْدِي وَكَالْأَرْجُلِ) يُمْكِنُ أَنْ يَنْطِقَ وَلَكِنَّهُ لَا يَفْهَمُ مَنْطِقَ الْآخَرِينَ.

    يَعْلَمُ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّمْلَ لَمْ يَفْهَمْ دَعْوَتَهُ بِالْحَشْرِ إِلَيْهِ.

    يَعْلَمُ سُلَيْمَانُ أَنَّ ذَلِكَ النَّمْلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ جُنُودِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أُمَّةً مِثْلَنَا.

    يَقْضِي سُلَيْمَانُ لَيْلَتَهُ قَرِيبًا مِنْ وَادِ النَّمْلِ (فَهُوَ لَمْ يَدْخُلْهُ أَصْلًا)، فَيَحْتَفِلُ بِالنَّصْرِ بِأَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ.

    تَشْغَلُهُ مُدَاعَبَةُ النِّسَاءِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ (التَّسْبِيحِ) وَقْتَ الْعِشَاءِ.

    تَقَعُ الْفِتْنَةُ لِسُلَيْمَانَ بِأَنْ يَتِمَّ إِلْقَاءُ جَسَدٍ عَلَى كُرْسِيِّهِ.

    يُحَاوِلُ سُلَيْمَانُ أَنْ يَفْهَمَ مَا حَصَلَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ الْهُدْهُدِ.

    يَخْرُجُ بَاحِثًا عَنِ الْهُدْهُدِ مُتَوَعِّدًا إِيَّاهُ بِالذَّبْحِ أَوْ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ.

    يُقَدِّمُ الْهُدْهُدُ لِسُلَيْمَانَ الْحُجَّةَ الدَّامِغَةَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاجِدًا فِي الْمِنْطَقَةِ لَحْظَةَ أَنْ أُلْقِيَ الْجَسَدُ عَلَى كُرْسِيِّهِ.

    يُفْحِمُ الْهُدْهُدُ سُلَيْمَانَ بِالْحُجَّةِ، فَيَسْكُتُ غَضَبُهُ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّهُ يُرْسِلُهُ بِكِتَابٍ مِنْهُ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي سَبَأٍ يَدْعُوهُمْ فِيهِ أَنْ يَأْتُوهُ مُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا.

    يَذْهَبُ الْهُدْهُدُ فَيُلْقِي الرِّسَالَةَ إِلَيْهِمْ، وَهُنَاكَ تَبْدَأُ قِصَّةُ سُلَيْمَانَ مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَمْلِكُهُمْ (بِالْمُنَاسَبَةِ، هِيَ لَمْ تَكُنْ مَلِكَةً وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُهُمْ).

    (لِلتَّفْصِيلِ اُنْظُرِ الْأَجْزَاءَ السَّابِقَةَ مَعَ الرَّجَاءِ بِعَدَمِ الْاِقْتِبَاسِ، فَالنَّصُّ يُؤْخَذُ كُتْلَةً وَاحِدَةً أَوْ أَنْ لَا يُؤْخَذَ أَبَدًا، وَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ لَا يَعْفُوَ عَنْ مَنْ يَجْتَزِئُ شَيْءٌ مِنْهُ دُونَ إِذْنٍ مُسْبَقٍ مِنِّي).

    وَكُنَّا قَدْ وَعَدْنَا الْقَارِئَ الْكَرِيمَ أَنْ نُتَابِعَ النِّقَاشَ حَوْلَ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ مُبْرِزِينَ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ:

    مَا هُوَ الْهُدْهُدُ؟ وَكَيْفَ أَوْصَلَ الْهُدْهُدُ الرِّسَالَةَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَقَوْمِهَا؟ كَيْفَ عَادَ بِالرَّدِّ؟ الْخ؟

    مَنْ هِيَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ؟ وَأَيْنَ هِيَ دِيَارُهَا (سَبَأٌ)؟ وَلِمَاذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ هِيَ الَّتِي تَمْلِكُهُمْ؟ لِمَ لَمْ يَكُنِ الَّذِي يَمْلِكُهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ؟ وَلِمَ اسْتَجَابَتْ لِطَلَبِ سُلَيْمَانَ؟ وَمَا هِيَ الْهَدِيَّةُ الَّتِي أَرْسَلَتْهَا لِسُلَيْمَانَ؟ لِمَاذَا رَدَّ سُلَيْمَانُ هَدِيَّتَهَا إِلَيْهَا؟

    كَيْفَ تَمَّ إِحْضَارُ عَرْشِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ؟ وَلِمَاذَا الْعَرْشُ؟ وَمَا هُوَ الْعَرْشُ الَّذِي أُحْضِرَ؟ وَمَنِ الَّذِي أَحْضَرَهُ؟ وَمَا هُوَ عِفْرِيتُ الْجِنِّ الَّذِي تَبَرَّعَ بِإِحْضَارِ الْعَرْشِ لِسُلَيْمَانَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَقَامِهِ؟ وَمَنْ هُوَ "الَّذِي عِنْدَهُ "عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ" الَّذِي كَانَ حَاضِرًا فِي مَلَأِ سُلَيْمَانَ؟ وَكَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحْضِرَ الْعَرْشَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ لِسُلَيْمَانَ طَرْفُهُ؟

    كَيْفَ تَعَرَّفَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى عَرْشِهَا؟

    لِمَاذَا أُمِرَتْ أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحَ؟ وَمَا هُوَ ذَلِكَ الصَّرْحُ؟

    لِمَاذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ؟

    الْخ.

    دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ رَبِّ أَنْفِذْ قَوْلَكَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِي إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، وَأَسْأَلُكَ رَبِّي أَنْ تُؤْتِيَنِي كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِكَ وَأَنْ تَجْعَلَ لِي نُورًا أَمْشِي بِهِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

    أَمَّا بَعْدُ،

    الْهُدْهُدْ

    تَعَرَّضْنَا تَحْتَ عُنْوَانِ اسْتِرَاحَةٍ قَصِيرَةٍ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَى تَعْرِيفِ الْهُدْهُدِ، وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ أَنَّ وَظِيفَةَ الْهُدْهُدِ الرَّئِيسَةَ كَانَتْ تَكْمُنُ فِي نَقْلِ الرَّسَائِلِ مِنْ سُلَيْمَانَ إِلَى الْآخَرِينَ (الْإِرْسَالُ وَالْبَعْثُ)، فَلَقَدْ وَجَّهَ سُلَيْمَانُ دَعْوَتَهُ بِالْحَشْرِ:

    وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (النمل)

    وَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَقُومُ إِنْسَانٌ بِتَوْجِيهِ دَعْوَةٍ بِالْحَشْرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِاسْتِخْدَامِ آلِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَمُوسَى يَطْلُبُ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يَكُونَ حَشْرُ النَّاسِ ضُحًى:

    قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (طه)

    فَهَذَا فِرْعَوْنُ يَحْشُرُ النَّاسَ أَوَّلًا ثُمَّ يَقُومُ خَطِيبًا بِهِمْ مُنَادِيًا:

    فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24) (النازعات)

    فَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ قَامَ بِنَقْلِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ (دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ) إِلَى الْآخَرِينَ. فَالْحَشْرُ يَتِمُّ بِـ الْإِرْسَالِ:

    قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (الأعراف: 111)
    فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (الشعراء: 53)

    أَوْ بِـ الِابْتِعَاثِ:

    قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (الشعراء: 36)

    فَافْتَرَيْنَا الْقَوْلَ أَنَّ الْهُدْهُدَ هُوَ مَنْ أُوكِلَتْ لَهُ تِلْكَ الْمُهِمَّةُ، زَاعِمِينَ الظَّنَّ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْهُدْهُدِ نَفْسَهَا تَعْنِي الذَّاهِبَ الْعَائِدَ، وَكَانَ زَعْمُنَا ذَاكَ مَبْنِيًّا عَلَى مُلَاحَظَةِ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْهُدْهُدِ تَتَأَلَّفُ مِنْ مَقْطَعَيْنِ هُمَا (هُدْ—هُدْ)، فَـ "هُدْ" الْأُولَى تَعْنِي الَّذِي يَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ مَا وَ"هُدْ" الثَّانِيَةُ تَعْنِي الَّذِي يَعُودُ بِنَفْسِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا فِي ذَهَابِهِ، وَقَدْ حَاوَلْنَا تَسْوِيقَ زَعْمِنَا ذَاكَ بِالْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى التَّالِي:

    إِنَّ الْجِذْرَ الثُّنَائِيَّ "هد" الَّذِي تَتَأَلَّفُ مِنْهُ مُفْرَدَةُ الْهُدْهُدِ لَهُ عَلَاقَةٌ بِأَفْعَالِ الْهِدَايَةِ (هَدَى، يَهْتَدِي، اهْدِي، اهْدِنَ، وَنَحْوِهَا)، وَاشْتُقَّتْ مِنْهُ مُفْرَدَاتٌ عَدِيدَةٌ ذَاتُ صِلَةٍ بِالْمَوْضُوعِ نَذْكُرُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ مُفْرَدَةَ "الْيَهُودِ"، وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    جَوَابٌ: هَا هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ خَالَفُوا أَمْرَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ، فَرَفَضُوا دُخُولَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَهُمْ:

    قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (المائدة: 24)
    قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (المائدة: 25)

    فَمَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ غَيْرَ أَنْ يُحَرِّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَيَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ:

    قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (المائدة: 26)

    وَلَكِنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى رَبِّهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدِ انْحَرَفُوا عَنِ الطَّرِيقِ، فَيَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّهُمْ قَدْ "هَادُوا"، وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَصْبَحَ ذَلِكَ النَّفَرُ "التَّائِبُ الْعَائِدُ" مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُعْرَفُونَ بِاسْمِ "الْيَهُودِ":

    وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (الأعراف: 156)

    فَلَوْ اسْتَثْنَيْنَا الضَّمِيرَ الْمُتَّصِلَ "نَا" مِنْ مُفْرَدَةِ "هُدْنَا"، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْجِذْرِ "هد"، فَمُفْرَدَةُ يَهُودٍ تَعْنِي (فِي ظَنِّنَا) الْعَائِدُونَ أَوِ التَّائِبُونَ (أَيِ الرَّاجِعُونَ إِلَى الطَّرِيقِ نَفْسِهَا بَعْدَ أَنْ تَاهُوهَا)، فَهُمْ قَدْ تَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَكِنَّهُمْ تَنَبَّهُوا بَعْدَ حِينٍ (أَرْبَعِينَ سَنَةً) إِلَى سُوءِ مَا فَعَلُوا، فَاتَّخَذُوا قَرَارَهُمْ بِالْعَوْدَةِ إِلَى اللهِ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعَوْدَةِ، فَكَانُوا يَهُودًا.

    وَرُبَّمَا يُؤَكِّدُ ظَنَّنَا هَذَا مَا قَالَهُ مُوسَى نَفْسُهُ عِنْدَمَا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ، فَحَتَّى لَا يُخْطِئَ طَرِيقَهُ إِنْ هُوَ اعْتَمَدَ عَلَى ظَنٍّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ طَلَبَ مُوسَى مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهْدِيَهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ:

    وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (القصص: 22)

    وَهَا هُمُ الْقَوْمُ يَطْلُبُونَ مِنْ دَاوُودَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ:

    إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (ص: 22)

    وَنَحْنُ جَمِيعًا نَطْلُبُ مِنْ رَبِّنَا أَنْ يَدُلَّنَا عَلَى الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ حَتَّى لَا نَضِلَّ طَرِيقَنَا إِلَيْهِ:

    اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6)

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ رَبِّ إِنِّي شِئْتُ أَنْ أَتَّخِذَ إِلَيْكَ سَبِيلًا فَاهْدِنِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ لِأَقُولَ عَلَيْكَ الْحَقَّ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ يَقْعُدَ لِي إِبْلِيسُ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فَأَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَيْكَ الْكَذِبَ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ:

    لَقَدْ بَعَثَ مُوسَى بِالْهُدْهُدِ لِيَنْقُلَ دَعْوَتَهُ إِلَى وَادِ النَّمْلِ وَإِلَى غَيْرِهِمْ بِأَنْ يَأْتُوهُ مُسْلِمِينَ، فَتَأَخَّرَ الْهُدْهُدُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ. وَمَا أَنْ دَخَلَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَتَوَاجَدُ فِيهِ كُرْسِيُّهُ خِلَالَ فَتْرَةِ غِيَابِ الْهُدْهُدِ حَتَّى وَجَدَ جَسَدًا مُلْقًى عَلَيْهِ، فَتَثُورُ ثَائِرَتُهُ، ظَانًّا (بَعْدَ تَمْحِيصِ الْأَمْرِ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ فِي الْفَهْمِ) أَنَّ الْهُدْهُدَ كَانَ طَرَفًا فِي الْمُؤَامَرَةِ الَّتِي رُبَّمَا ظَنَّ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَاكُ ضِدَّهُ، فَخَرَجَ بَاحِثًا عَنِ الْهُدْهُدِ، مُتَوَعِّدًا إِيَّاهُ بِالذَّبْحِ أَوْ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ. وَلَكِنَّ فِطْنَةَ الْهُدْهُدِ تُبْقِيهِ بَعِيدًا عَنْ مُتَنَاوَلِ يَدِ سُلَيْمَانَ فِي سَاعَةِ غَضَبِهِ، فَيَحُطُّ بَعِيدًا عَنْهُ بَعْضَ الشَّيْءِ:

    فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) (النمل)

    وَيُوَجِّهُ إِلَيْهِ الْخِطَابَ التَّالِيَ عَلَى الْفَوْرِ:

    إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) (النمل)

    وَنَسْتَطِيعُ مِنْ خِلَالِ هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الْعَظِيمِ أَنْ نَخْرُجَ بِالِاسْتِنْبَاطِ الْبَسِيطِ التَّالِي: لَمْ يَمْكُثِ الْهُدْهُدُ عَنْ سُلَيْمَانَ مَسَافَةً بَعِيدَةً، وَيَكَأَنَّهَا مَسَافَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَرَى الْمُتَخَاطِبُونَ بَعْضَهُمُ الْبَعْضَ، بِدَلِيلِ مُفْرَدَةِ "غَيْرَ بَعِيدٍ"، فَعِنْدَمَا تُزْلَفُ الْجَنَّةُ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَإِنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهَا يُمْكِنُ أَنْ يَرَاهَا، حَتَّى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مُتَنَاوَلِ يَدِهِ بَعْدُ:

    وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) (ق)

    وَلَمْ يَسْتَمِرَّ "بَقَاءُ الْهُدْهُدِ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ" فَتْرَةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَنِ بِدَلِيلِ مُفْرَدَةِ "فَمَكَثَ"، فَمَنْ يَمْكُثُ فِي مَكَانٍ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَوِيلًا، فَهَذَا مُوسَى يَطْلُبُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَمْكُثُوا حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَسْتَطْلِعَ الْخَبَرَ عِنْدَ النَّارِ الَّتِي آنَسَهَا مِنْ جَانِبِ الطُّورِ:

    إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (طه: 10)
    فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (القصص: 29)

    فَلَا أَتَخَيَّلُ أَنَّ مُوسَى قَدْ تَرَكَ أَهْلَهُ وَمَكَثَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (عِنْدَ النَّارِ) فَتْرَةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَنِ. وَاللهُ قَدْ فَرَقَ الْقُرْآنَ لِيَقْرَأَهُ رَسُولُهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ:

    وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (الإسراء: 106)

    وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى يَسْتَطِيعَ الْهُدْهُدُ أَنْ يُثِيرَ حَفِيظَةَ سُلَيْمَانَ بِحُبِّ الْمَعْرِفَةِ (أَوْ مَا يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ التَّرْبِيَةِ بِالْقَلَقِ الْمَعْرِفِيِّ)، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَحَدِّي الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَ سُلَيْمَانَ قَائِلًا:

    فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ (النمل)

    وَيَزِيدُهُ رَغْبَةً فِي حُبِّ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَمَا يُحَدِّدُ لَهُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ نَبَأٌ وَأَنَّهُ مِنْ سَبَأٍ:

    وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (النمل)

    سُؤَالٌ: فَمَا هُوَ النَّبَأُ؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ النَّبَأَ هُوَ الْخَبَرُ غَيْرُ الْمَحْسُوبِ مُسْبَقًا (أَيْ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ) وَالَّذِي لَا يَخْلُو مِنْ عُنْصُرِ الْمُفَاجَأَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَابُدَّ أَنْ يُنْقَلَ إِلَيْهِ مِنْ طَرَفٍ آخَرَ.

    الدَّلِيلْ

    عَادَةً مَا يَكُونُ النَّبَأُ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَدَى مَجْمُوعِ الْقَوْمِ كَأَنْبَاءِ الْغَيْبِ مَثَلًا:

    تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) (هود)

    وَلَمَّا كَانَ الْمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِعِلْمِ الْأَسْمَاءِ، عَجَزُوا أَنْ يُنْبِئُوا اللهَ بِهَا:

    وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) (البقرة)

    نَتِيجَةٌ: أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْبِئَكَ بِشَيْءٍ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدِي عِلْمُهُ.

    وَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ آدَمُ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ اللهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا أَنَّهُ أَنْبَأَ الْمَلَائِكَةَ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ مِنْ ذِي قَبْلُ:

    قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة: 33)

    نَتِيجَةٌ: اسْتَطَاعَ آدَمُ أَنْ يُنْبِئَ الْمَلَائِكَةَ بِأَسْمَائِهِمْ لِأَنَّ عِلْمَ الْأَسْمَاءِ قَدْ تَحَصَّلَ لَهُ مِنَ اللهِ مُبَاشَرَةً مِنْ ذِي قَبْلُ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ:

    النَّبَأُ لَا يَكُونُ مَعْلُومٌ وَلَابُدَّ مِنْ طَرَفٍ آخَرَ لِيُخْبِرَ بِهِ الْآخَرِينَ عِنْدَمَا يَتَحَصَّلُ لِلْمُنْبِئِ الْعِلْمُ بِالنَّبَأِ، فَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ وَلَا قَوْمُهُ عَلَى عِلْمٍ بِأَنْبَاءِ الْقُرَى (الرُّسُلِ وَالْأَقْوَامِ) الَّتِي قَصَّهُمُ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ مَنْ قَصَّ عَلَى نَبِيِّهِ أَنْبَاءَهَا:

    تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (الأعراف: 101)
    ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (هود: 100)
    وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (هود: 120)

    وَاللهُ نَفْسُهُ هُوَ مَنْ أَنْبَأَ نَبِيَّهُ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ:

    يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التوبة: 94)

    وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ يُنْبِئُ صَاحِبَيْ سِجْنِهِ مَا سَيَأْتِيهِمَا مِنْ طَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمَا:

    قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (يوسف: 37)

    وَمِمَّا لَاشَكَّ فِيهِ أَنَّ مَنْ عَمِيَتْ عَلَيْهِ الْأَنْبَاءُ لَا يَسْأَلُ عَنْهَا:

    فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (القصص: 66)

    وَلَكِنْ مَنْ أَرَادَ الْأَنْبَاءَ، فَلَا شَكَّ سَيَبْحَثُ عَنْهَا:

    يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب: 20)

    وَقَدْ طَلَبَ اللهُ مِنَّا أَنْ نُدَقِّقَ بِصِحَّةِ النَّبَأِ إِنْ جَاءَ بِهِ أَحَدٌ إِلَيْنَا:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات: 6)

    وَلَا يُصْبِحُ الْخَبَرُ الَّذِي لَازَالَ طَيَّ الْكِتْمَانِ نَبَأً إِلَّا لَحْظَةَ أَنْ يَتِمَّ الْبَوْحُ بِهِ:

    وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التحريم: 3)

    فَالْإِنْسَانُ تَبْقَى أَخْبَارُهُ مُجْتَمِعَةً طَيَّ الْكِتْمَانِ حَتَّى يُنَبَّأَ بِهَا كُلِّهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً:

    يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (القيامة: 13)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ:

    النَّبَأُ لَا يَكُونُ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ لَابُدَّ لِلنَّبَأِ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ مُسْتَقَرٌّ:

    لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (الأنعام: 67)
    وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (ص: 88)

    وَأَكَادُ أَزْعُمُ أَنَّ مُفْرَدَةَ "النَّبَاتِ" تَحْوِي فِي ثَنَايَاهَا "النَّبَا". فَالنَّبَاتُ يَبْقَى مُتَخَفِّيًا تَحْتَ التُّرَابِ، "فَذَاكَ حَدِيثٌ قَدْ أُسِرَّ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ"، وَمَا أَنْ تُخْرِجَ الْأَرْضُ مَا أُسِرَّ فِيهَا حَتَّى تَبْدَأَ تُنْبِئُ بِمَا كَانَ مُخْتَبِئًا فِي بَاطِنِهَا:

    وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (الأعراف: 58)
    وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (نوح: 17)
    لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (النبأ: 15)

    فَتَكُونُ الصُّورَةُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ (لَا يَعْلَمُهُ الْآخَرُونَ) خَبَرٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حُسْبَانِ الْآخَرِينَ، وَمَا أَنْ تَبْدَأَ الْأَرْضُ بِإِخْرَاجِ "نَبَاتِهَا" حَتَّى تَبْدَأَ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، فَهِيَ إِذًا تُنْبِئُ عَمَّا فِيهَا. فَتَكُونُ عَمَلِيَّةُ خُرُوجِ تِلْكَ الْأَخْبَارِ هِيَ بِمَثَابَةِ أَنْبَاءٍ لِلْآخَرِينَ عَمَّا كَانَ مُخْتَبِئًا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ هِيَ عَمَلِيَّةُ خُرُوجِ الْبَشَرِ مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ يَوْمَ يَبْدَءُونَ بِالْخُرُوجِ مِنَ التُّرَابِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ هُوَ النَّبَأُ الْعَظِيمُ الَّذِي كَانُوا عَنْهُ يَتَسَاءَلُونَ:

    عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) (النبأ)

    نَبَأُ الْهُدْهُدِ إِلَى سُلَيْمَانْ

    يُقَدِّمُ الْهُدْهُدُ نَبَأً يَقِينًا إِلَى سُلَيْمَانَ:

    فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) (النمل)

    فَالْيَقِينُ هُوَ عَكْسُ الظَّنِّ:

    وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (النساء: 157)

    فَالْهُدْهُدُ يُؤَكِّدُ لِسُلَيْمَانَ بِأَنَّ مَا جَاءَهُ بِهِ مِنْ نَبَأٍ هُوَ نَبَأٌ يَقِينٌ وَلَيْسَ اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ. فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّبَأُ الدَّلِيلَ الْمَادِّيَّ الْمَلْمُوسَ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ حَادِثَةِ الْجَسَدِ، فَسُلَيْمَانُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ خَبَرُ مَلِكَةِ سَبَأٍ وَقَوْمِهَا أَصْلًا (وَرُبَّمَا لَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهَا مِنْ قَبْلُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَا أَنْ عَلِمَ بِهَا حَتَّى بَعَثَ الْهُدْهُدَ نَفْسَهُ بِرِسَالَةٍ إِلَيْهِمْ)، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّبَأُ يُشَكِّلُ أَصْلًا وَاحِدَةً مِنَ الْخِيَارَاتِ الَّتِي رُبَّمَا دَارَتْ فِي ذِهْنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَسَبَبٍ لِتَأَخُّرِ الْهُدْهُدِ، فَيُصْبِحُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ نَبَأً، أَيْ خَبَرًا تَكَشَّفَ لَهُ عِنْدَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ "الْخَبَرُ الْجَدِيدُ" أَصْلًا فِي حُسْبَانِهِ.

    وَحَتَّى لَا يَظُنَّ سُلَيْمَانُ أَنَّ تَأَخُّرَهُ كَانَ مَقْصُودًا، يَسُوقُ الْهُدْهُدُ لَهُ سَبَبَ تَأَخُّرِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ فَقَطْ بِالنَّبَأِ وَلَكِنَّهُ قَامَ بِمُرَاقَبَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَقَوْمِهَا فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ قَدِ ابْتَعَدُوا عَنْ جَادَّةِ الصَّوَابِ عِنْدَمَا سَجَدُوا لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ:

    إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ (26) (النمل)

    وَيُثِيرُ الْهُدْهُدُ حَفِيظَةَ سُلَيْمَانَ عِنْدَمَا يَذْكُرُ لَهُ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَدْ (1) أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ (2) لَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ:

    إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (النمل: 23)

    فَهَا هُوَ الْهُدْهُدُ يَتَحَدَّى سُلَيْمَانَ بِمَا وَجَدَهُ مِنْ أَمْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي جَانِبَيْنِ وَهُمَا: (1) أَنَّهَا قَدْ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ (2) أَنَّ لَهَا عَرْشًا عَظِيمًا، فَمَا هِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي يَوَدُّ الْهُدْهُدُ أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى سُلَيْمَانَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْهُدْهُدَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لِسُلَيْمَانَ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ عِنْدَهَا مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ مَا يَنْقُصُكَ أَنْتَ يَا سُلَيْمَانُ، وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    دَعْنَا لَا نَنْسَى أَوَّلًا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ أَكَّدَ أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَمَا وَرِثَ وَالِدَهُ دَاوُودَ:

    وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل: 16)

    وَيَكَأَنَّ الْهُدْهُدَ إِذَنْ يَقُولُ لِسُلَيْمَانَ: صَحِيحٌ أَنَّكَ قَدْ أُوتِيتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَدْ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَيْضًا (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)، فَأَنْتَ وَهِيَ مُتَسَاوُونَ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا تَزِيدُ عَلَيْكَ بِأَنَّ لَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ). وَسَنَرَى لَاحِقًا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ رُبَّمَا يُقَدِّمُ لَنَا إِجَابَةً عَنِ السُّؤَالِ التَّالِي: لِمَ طَلَبَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْمَلَأِ أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ عَرْشَهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟ لِمَ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُمْ أَنْ يُحْضِرُوا لَهُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الْعَرْشِ؟

    رَأَيْنَا: سُلَيْمَانُ كَانَ لَهُ كُرْسِيٌّ وَلَكِنْ لَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ عَرْشٌ. لِذَا سَنَرَى لَاحِقًا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ طَلَبَ إِحْضَارَ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَصْلًا.

    وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ يَعْلَمُ أَنَّ لِلْهُدْهُدِ لِسَانٌ (لُغَةٌ) لَمْ يَسْتَبْعِدِ احْتِمَالِيَّةَ الْكَذِبِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ حَمَّلَهُ رِسَالَةً مِنْهُ إِلَى تِلْكَ الْمَلِكَةِ، مُتَوَعِّدًا إِيَّاهُ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَبَؤُهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ صَحِيحًا:

    قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) (النمل)

    وَلَكِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ كَانَ أَكْثَرَ اهْتِمَامًا بِأَمْرِ الْمَرْأَةِ الْآنَ مِنِ انْشِغَالِهِ بِالْهُدْهُدِ نَفْسِهِ وَبِحَادِثَةِ الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ سِرَّ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَكَيْفَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى عَرْشِهَا.

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ حَوْلَ مَنْ أُوتِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا نَجِدُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَحَصَّلَ إِلَّا لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ وَهُمْ:

    1. ذُو الْقَرْنَيْنِ:

    إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (الكهف: 84)

    2. سُلَيْمَانُ (وَوَالِدُهُ دَاوُودُ)

    وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (النمل: 16)

    3. وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ

    إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (النمل: 23)

    فَمَا مَعْنَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ قَدْ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟

    رَأَيْنَا: لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ قَدْ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَهَذَا يَنْقُلُنَا عَلَى الْفَوْرِ لِلْإِجَابَةِ عَلَى التَّسَاؤُلِ التَّالِي: لِمَ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ هِيَ مَنْ تَحْكُمُ تِلْكَ الْمَمْلَكَةَ؟

    جَوَابٌ: لَوْ تَدَبَّرْنَا رَدَّةَ فِعْلِ الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهَا لَوَجَدْنَا أَنَّ إِطَاعَتَهُمْ لَهَا كَانَتْ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ لِأَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ عَنْ أَمْرِهَا:

    قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (النمل: 33)

    فَبِالرَّغْمِ أَنَّ الْقَوْمَ – كَمَا يَقُولُونَ- هُمْ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ دُونَ أَدْنَى تَرَدُّدٍ، فَيَكُونُ السُّؤَالُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لِمَ يَأْتَمِرُ رِجَالٌ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ بِأَمْرِ امْرَأَةٍ طَاعَةً تَكَادُ تَكُونُ عَمْيَاءَ؟

    رَأَيْنَا: لِسَبَبَيْنِ

    1. تِلْكَ الْمَرْأَةُ كَانَتْ صَاحِبَةَ عِلْمٍ وَبِالتَّالِي هِيَ صَاحِبَةُ رَأْيٍ سَدِيدٍ (وَهُوَ مَا سَنُرَكِّزُ عَلَيْهِ بَعْدَ قَلِيلٍ بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ، لِنَرَى كَيْفَ تَحَصَّلَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ).

    2. أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ كَانَ لَدَيْهَا مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ مَا يَفُوقُ مَا عِنْدَ الرِّجَالِ أُولِي الْقُوَّةِ وَأُولِي الْبَأْسِ مِنْ قَوْمِهَا:

    قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (النمل: 33)

    فَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُمْ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ إِلَّا أَنَّهُمْ يُرْجِعُونَ الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهَا لِتُقَرِّرَ هِيَ مَا تَرَى (فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)، فَيَطْلُبُوا مِنْهَا أَنْ تَنْظُرَ مَا تَأْمُرُ، لِيُنَفِّذُوا أَمْرَهَا دُونَ تَرَدُّدٍ. وَلَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ أُولَئِكَ الْمَلَأَ عَلَى قُوَّتِهِمْ وَبَأْسِهِمُ الشَّدِيدِ قَدْ عَارَضُوهَا فِي شَيْءٍ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

    الْبَأْسْ

    سُؤَالٌ: فَمَا هُوَ الْبَأْسُ؟ لِمَ نَعَتَ الْقَوْمُ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّهُمْ أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ بَعْدَ أَنْ وَصَفُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّهُمْ أُولُو قُوَّةٍ (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ)؟ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْبَأْسِ؟

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: الْقُوَّةُ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْأَشْيَاءِ الْمَادِّيَّةِ كَالْجَسَدِ وَالْأَسْلِحَةِ، قَالَ تَعَالَى:

    وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (الأنفال: 60)

    فَالْقُوَّةُ الْمَادِّيَّةُ مَفْهُومَةٌ مِنْ عِبَارَةِ "رِبَاطِ الْخَيْلِ"، وَلَكِنْ مَا هِيَ الْقُوَّةُ أَصْلًا الَّتِي جَاءَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ، فَاللهُ يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نُعِدَّ لِأَعْدَائِنَا شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ مِمَّا نَسْتَطِيعُ وَهُمَا:

    1. الْقُوَّةُ (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)

    2. رِبَاطُ الْخَيْلِ (وَمِنْ رِبَاطِ)

    فَمَا هِيَ الْقُوَّةُ الَّتِي أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُعِدَّهَا؟

    رَأَيْنَا: الْقُوَّةُ هِيَ الثَّبَاتُ عَلَى الْمَبْدَأِ:

    يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) (مريم)
    وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) (الأعراف)

    فَإِذَا كَانَتِ الْقُوَّةُ تَعْنِي الْقُوَّةَ الْمَادِّيَّةَ فَقَطْ (الْجِسْمِيَّةَ وَالسِّلَاحَ)، فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ يَحْيَى أَنْ يُوَفِّرَ ذَلِكَ وَهُوَ لَا زَالَ صَبِيًّا؟ وَكَيْفَ سَيَأْخُذُ مُوسَى الْأَلْوَاحَ بِقُوَّةٍ؟ مَنْ يَدْرِي!!!

    سُؤَالٌ: فَمَا هُوَ الْبَأْسُ إِذًا؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَأْسَ هُوَ فِي الْأَسَاسِ صِفَةٌ لِلهِ، فَجَاءَ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ:

    يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) (غافر)

    وَقَدْ وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ وَمَنْ يَقُومُ بِتَنْفِيذِ أَمْرِهِ، فَجَاءَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ:

    فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام: 43)
    سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (الأنعام: 148)
    وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (الأعراف: 4)

    وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُثْبِتُ أَنَّ الْبَأْسَ الشَّدِيدَ قَدْ يَتَحَصَّلُ لِلنَّاسِ أَيْضًا:

    فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (الإسراء: 5)
    قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (الفتح: 16)

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْبَأْسَ الشَّدِيدَ مَصْدَرُهُ الْحَدِيدُ:

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد: 25)

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ لِمَا كَانَ يَمْلِكُوهُ مِنَ الْحَدِيدِ (الْأَسْلِحَةِ)، وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَلِكَةَ كَانَتْ تَمْلِكُ مَا يَجْعَلُ أُولَئِكَ الرِّجَالَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ سَيْطَرَتِهَا قَيْدَ أَنْمُلَةٍ، لَا بَلْ وَيُرْجِعُونَ الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهَا لِتَنْظُرَ فِيهِ. فَمَا هُوَ الَّذِي كَانَتْ تَمْلِكُهُ تِلْكَ الْمَرْأَةُ حَتَّى قُدِّمَتْ لَهَا الطَّاعَةُ غَيْرُ الْمَشْرُوطَةِ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْبَأْسَ الشَّدِيدَ مِنَ الرِّجَالِ؟

    رَأَيْنَا: إِنَّهُ الْعِلْمُ، لَقَدْ تَحَصَّلَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ مِنَ الْعِلْمِ مَا تَخْضَعُ بِهِ رِقَابُ الرِّجَالِ أُولِي الْقُوَّةِ وَأُولِي الْبَأْسِ الشَّدِيدِ. فَمَا هُوَ مَصْدَرُ عِلْمِهَا؟ وَهَلْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَمْلِكُ أَصْلًا عِلْمًا كَمَا نَزْعُمُ؟ وَمَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟

    جَوَابٌ: نَعَمْ، كَانَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ عِلْمٌ بِدَلِيلِ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ أَكَّدَ لَهَا ذَلِكَ:

    فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (النمل: 42)

    فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ عِلْمٌ وَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ (وَوَالِدُهُ دَاوُودُ بِالتَّأْكِيدِ) قَدْ سَبَقَهَا إِلَى ذَلِكَ.

    السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ مَصْدَرُ عِلْمِهَا؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ مَصْدَرَ عِلْمِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ قَدْ جَاءَ فِي مُفْرَدَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ "نَظَرَ" وَمُشْتَقَّاتُهَا مِثْلَ "فَانظُرِي" وَ "فَنَاظِرَةٌ":

    قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (النمل: 33)
    وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (النمل: 35)

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ أَيْ كَيْفَ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَنْظُرُ؟ وَأَيْنَ كَانَتْ تَنْظُرُ؟ وَلِمَ كَانَتْ تَنْظُرُ؟

    غَالِبًا مَا خَلَطَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَيْنَ فِعْلَيْنِ مُشْتَقَّانِ مِنْ هَذَا الْجِذْرِ (ن ظ ر)، وَنَحْنُ نَدْعُو إِلَى ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مُفْرَدَتَيْنِ مُشْتَقَّتَيْنِ مِنْ هَذَا الْجِذْرِ وَهُمَا:

    1. انْظِرْ (بِكَسْرِ الظَّاءِ): وَتَحْمِلُ مَعْنَى التَّأْخِيرِ إِلَى أَجَلٍ:

    قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (ص: 79)

    2. انْظُرْ (بِضَمِّ الظَّاءِ) وَهِيَ الَّتِي تَعْنِي الْمُرَاقَبَةَ بِالْعَيْنِ:

    قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (آل عمران: 137)

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْقَوْمَ طَلَبُوا مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُومَ بِفِعْلِ النَّظَرِ:

    وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (النمل)

    الَّذِي نَزْعُمُ أَنَّهُ الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ، فَلَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَقُومُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ لِتَرَى بِأُمِّ عَيْنِهَا مَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ مِنْ قَوْمِهَا الَّذِينَ هُمْ أَصْلًا أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ أَنْ يَرَوْهُ هُمْ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ، وَلِنُدَقِّقْ بِالسِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا فِعْلُ النَّظَرِ "انْظُرْ" أَوَّلًا:

    انْظُرْ (بِضَمِّ الظَّاءِ) تَعْنَى الرُّؤْيَا وَالْمُرَاقَبَةَ بِالْعَيْنِ:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (البقرة: 104)
    أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة: 259)

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِعْلَ النَّظَرِ يَتَطَلَّبُ اسْتِخْدَامَ الْعَيْنِ (الرُّؤْيَةِ)، فَهَذَا مُوسَى يَطْلُبُ مِنَ السَّامِرِيِّ أَنْ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا سَيَحِلُّ بِإِلَهِهِ (الْعِجْلِ):

    قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (طه: 97)

    كَمَا يَتَطَلَّبُ فِعْلُ "انْظُرْ" أَيْضًا الْقِيَامَ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ يَطْلُبُ مِنِ ابْنِهِ أَنْ يَتَدَبَّرَ الْأَمْرَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ (الذَّبْحَ) لِيَحْسِمَ أَمْرَهُ فِيهِ:

    فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (الصافات: 102)

    نَتِيجَةْ:

    نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَسْتَخْدِمُ النَّظَرَ (الرُّؤْيَةَ) وَالتَّدَبُّرَ فِي فِعْلِ النَّظَرِ، فَهِيَ تَنْظُرُ فَتَرَى شَيْئًا بِأُمِّ عَيْنِهَا، وَلَكِنَّهَا لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ ذَلِكَ بَلْ تَقُومُ بِتَدَبُّرِهِ بِفِطْنَتِهَا وَحِكْمَتِهَا، وَمِنْ هُنَا جَاءَ قَوْلُ قَوْمِهَا لَهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) (النمل)

    وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَحَدَّثَتْ عَنِ النَّظَرِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا جَاءَ قَوْلُهَا عَلَى صِيغَةِ "نَاظِرَةٌ" (مَا يُحِبُّ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنْ يُسَمُّوهُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ):

    وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) (النمل)

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ سَتَقُومُ بِثَلَاثِ أَشْيَاءَ مُتَتَابِعَةٍ وَهِيَ:

    1. النَّظَرُ لِتَرَى بِأُمِّ عَيْنِهَا.

    2. تَدَبُّرُ الْأَمْرِ بَعْدَ أَنْ تَرَاهُ (رُؤْيَةٌ عَيْنِيَّةٌ مُبَاشِرَةٌ أَوْ رُؤْيَةٌ عَيْنِيَّةٌ تَصَوُّرِيَّةٌ، وَهَذَا مَا سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ لَاحِقًا).

    3. الْاِنْتِظَارُ لِتَرَى مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ.

    الدَّلِيلْ

    لَوْ تَدَبَّرْنَا الْقَصَصَ الْقُرْآنِيَّ فِي سِيَاقِهِ الْأَوْسَعِ لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَجْلِبَ الدَّلِيلَ عَلَى زَعْمِنَا هَذَا:

    قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) (النمل)

    إِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِهَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ شَيْئًا رُبَّمَا يَكُونُ غَايَةً فِي الْغَرَابَةِ وَهُوَ رَدُّ الْمَرْأَةِ عَلَى اقْتِرَاحِ الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهَا:

    قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34) (النمل)

    الْأَمْرُ الَّذِي يُثِيرُ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ:

    كَيْفَ عَرَفَتِ الْمَرْأَةُ بِمَا يَفْعَلُهُ الْمُلُوكُ؟ وَمَا هُوَ مَصْدَرُ الْمَعْلُومَاتِ لَدَيْهَا؟

    لِمَ لَمْ يَكُنِ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهَا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ؟

    كَيْفَ تَدَبَّرَتِ الْمَرْأَةُ الْأَمْرَ فَاتَّخَذَتِ الْقَرَارَ بِإِرْسَالِ الْهَدِيَّةِ؟ أَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْحِكْمَةِ وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ عِنْدَهَا؟

    وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ: أَلَمْ يَكُنْ أَمْرُ الْمَرْأَةِ أَصْلًا غَيْرَ مَعْلُومٍ عِنْدَ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ حَتَّى جَاءَهُ الْهُدْهُدُ بِنَبَإِهَا؟ فَكَيْفَ إِذًا وَصَلَ خَبَرُ سُلَيْمَانَ إِلَيْهَا؟ فَفِي حِينِ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عِلْمٍ بِهَا، كَانَتْ هِيَ عَلَى عِلْمٍ بِهِ، لَا بَلْ وَبِخَبَرِ مَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ عِنْدَمَا يَدْخُلُوا كُلَّ قَرْيَةٍ؟

    اِفْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا جِدًّا: لَقَدْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى عِلْمٍ بِكُلِّ مَا كَانَ الْمُلُوكُ يَفْعَلُوهُ، لِأَنَّهَا – نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- كَانَتْ مُرَاقِبَةً لَهُمْ فِي كُلِّ تَحَرُّكَاتِهِمْ؟ فَكَيْفَ كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟

    رَأَيْنَا: لِأَنَّهَا كَانَتْ تَنْظُرُ، فَتَرَى. فَتَتَدَبَّرُ، وَذَلِكَ هُوَ مَصْدَرُ عِلْمِهَا وَرَمْزُ قُوَّتِهَا وَسُلْطَتِهَا عَلَى قَوْمِهَا. وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    جَوَابٌ: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ نَحْنُ نَرَى لُزُومَ النَّبْشِ فِي سُؤَالٍ آخَرَ رُبَّمَا تُوصِلُنَا الْإِجَابَةُ عَلَيْهِ إِلَى مُبْتَغَانَا هُنَا، وَالسُّؤَالُ الْجَدِيدُ هُوَ: أَيْنَ كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَنْظُرُ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: فِي الْعَرْشِ.

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّ الْعَرْشَ الَّذِي كَانَتْ تَمْلِكُهُ هُوَ – فِي رَأْيِنَا- مَا كَانَ يُمَكِّنُهَا مِنْ أَنْ تَنْظُرَ فِيهِ لِتَرَى مَا يَدُورُ مِنْ حَوْلِهَا، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ. وَرُبَّمَا يُفَسِّرُ لَنَا هَذَا الزَّعْمُ لَاحِقًا لِمَ طَلَبَ سُلَيْمَانُ أَنْ يُحْضَرَ عَرْشُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ.

    الْعَرْشْ

    قَدَّمْنَا الزَّعْمَ فِي مَقَالَةِ "مَعْنَى حَرْفِ الْجَرِّ عَلَى فِي الْعَرَبِيَّةِ" أَنَّ وُرُودَ عِبَارَةٍ تَتَحَدَّثُ عَنِ اسْتَوَى الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ لَهَا دَلَالَاتُهَا الَّتِي يَجِبُ أَنْ لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. فَلَقَدْ جَاءَتْ تِلْكَ الْعِبَارَةُ فِي سِتِّ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللهِ مُتَلَازِمَةً مَعَ حَرْفِ الِانْتِقَالِ "ثُمَّ":

    إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ... (الأعراف: 54)
    إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ... (يونس: 3)
    اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ... (الرعد: 2)
    الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (الفرقان: 59)
    اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ... (السجدة: 4)
    هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ... (الحديد: 4)

    وَجَاءَتْ فِي الْمَوْطِنِ السَّابِعِ خَالِيَةً مِنْ حَرْفِ الْجَرِّ "ثُمَّ" كَمَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (طه: 5)

    وَكَانَ الزَّعْمُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ آنَذَاكَ هُوَ: أَنَّ انْتِقَالَ الْعَرْشِ حَصَلَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى انْتَهَى عِنْدَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَكَانَ ظَنُّنَا هُوَ أَنَّهُ عِنْدَمَا اكْتَمَلَ اسْتِوَاءُ الرَّحْمَٰنِ عَلَى الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ (أَيْ فِي آخِرِ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الِاسْتِوَاءِ) جَاءَ قَوْلُهُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ:

    الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (طه: 5)

    بَيْنَمَا كَانَ الِاسْتِوَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى نَحْوِ:

    ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ (متكرر)

    وَحَاوَلْنَا النَّبْشَ فِي مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَوَاجِدًا عَلَى الْمَاءِ:

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا... (هود: 7)

    فَالْعَرْشُ كَانَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- عَلَى الْمَاءِ لَحْظَةَ أَنْ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَتُشِيرُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ الرَّحْمَٰنَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ، وَمَا حَصَلَ الِاسْتِوَاءُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ بِدَلَالَةِ وُرُودِ كَلِمَةِ "ثُمَّ" الَّتِي تُفِيدُ الِانْتِقَالَ.

    وَحَاوَلْنَا حِينَئِذٍ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اسْتِوَاءِ الرَّحْمَٰنِ عَلَى الْعَرْشِ وَاسْتِوَاءِ الرَّحْمَٰنِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة: 29)
    ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) (فصلت)

    فَيَرِدُ الِاسْتِوَاءُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ (بَيْنَمَا وَرَدَ الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ بِالْمُقَابِلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ)، وَنَحْنُ نَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ إِلَى السَّمَاءِ حَصَلَ مَرَّتَيْنِ، وَهُنَا يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الِاسْتِوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ يَوْمَ أَنْ كَانَتْ كُتْلَةً وَاحِدَةً:

    ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، (فصلت)

    وَالِاسْتِوَاءُ إِلَى السَّمَاءِ لَحْظَةَ أَنْ قَضَاهُنَّ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ:

    ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (البقرة)

    فَحَصَلَ ذَلِكَ فِي يَوْمَيْنِ (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)، وَنَحْنُ نَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَ الْمَشْهَدِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    كَانَ الْعَرْشُ بِدَايَةً عَلَى الْمَاءِ وَلَكِنْ لَمَّا اسْتَوَى اللهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ كَانَ لِزَامًا انْتِقَالُ الْعَرْشِ انْتِقَالًا تَدْرِيجِيًّا، فَانْتَقَلَ أَوَّلًا إِلَى السَّمَاءِ الْأُولَى وَاسْتَوَى الرَّحْمَٰنُ عَلَيْهِ "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، ثُمَّ إِلَى الثَّانِيَةِ "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فالثَّالِثَةِ "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فَالرَّابِعَةِ "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فَالْخَامِسَةِ "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فَالسَّادِسَةِ "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَكَانَتِ الصُّورَةُ عَلَى نَحْوِ "الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ".

    لَقَدْ كَانَ اسْتِوَاءُ الرَّحْمَٰنِ عَلَى الْعَرْشِ يَحْدُثُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَنْتَقِلُ الْعَرْشُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى السَّمَاءِ التَّالِيَةِ وَذَلِكَ لِضَرُورَةِ تَثْبِيتِ الْعَرْشِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: مَعْنَى حَرْفِ الْجَرِّ عَلَى فِي الْعَرَبِيَّةِ).

    لَقَدْ كَانَ انْتِقَالُ الْعَرْشِ انْتِقَالًا تَدْرِيجِيًّا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ لِيَتِمَّ وَحْيُ اللهِ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا. فَمَا فَائِدَةُ الْعَرْشِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْغَايَةِ؟

    وَعِنْدَ التَّدْقِيقِ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ نَجِدُ لِزَامًا التَّعَرُّضَ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ، وَمِنْ ثَمَّ رَبْطَهَا بِقَضِيَّةِ اسْتِوَاءِ الرَّحْمَٰنِ عَلَى الْعَرْشِ، قَالَ تَعَالَى:

    اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق: 12)

    إِنَّ هَذَا الْفَهْمَ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا يَدْعُونَا إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ بِمَا فِي أَذْهَانِنَا مِنْ تَصَوُّرٍ لِمَاهِيَّةِ تِلْكَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَغَالِبًا مَا ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ تِلْكَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ مُتَوَاجِدَةٌ فَوْقَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَفْهَامِهِمْ لِلْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (الملك: 3)
    أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (نوح: 15)

    وَنَحْنُ نَسْتَمِيحُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّرَايَةِ الْعُذْرَ أَنْ نُخَالِفَهُمُ الرَّأْيَ بِأَنَّ مُفْرَدَةَ "طِبَاقًا" رُبَّمَا لَا تَعْنِي الْفَوْقِيَّةَ (أَيْ وَاحِدَةٌ فَوْقَ الْأُخْرَى)، وَنَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْمُفْرَدَةَ تَدُلُّ عَلَى التَّطَابُقِ (أَيْ identical بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ)، فَالسَّمَاوَاتُ فِي مُخَيِّلَتِنَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ مُتَجَاوِرَةٍ مُتَطَابِقَةٍ، وَهَذَا سَيُفَسِّرُ لَنَا بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ سَبَبَ أَنْ يَكُونَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةً عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ (وَلَيْسَ سَبْعَةً أَوْ تِسْعَةً مَثَلًا):

    وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (الحاقة: 17)

    وَلَكِنْ حَتَّى نَفْهَمَ ذَلِكَ وَنَسْتَطِيعَ تَصَوُّرَ الْمَشْهَدِ لَابُدَّ لَنَا أَنْ نَغُوصَ بِمُفْرَدَةِ الْعَرْشِ نَفْسِهَا لِنَطْرَحَ التَّسَاؤُلَيْنِ التَّالِيَيْنِ:

    1. مَا هُوَ الْعَرْشُ؟

    2. لِمَ الْعَرْشُ؟

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: الْعَرْشُ هُوَ "مَكَانُ الْحُكْمِ"، وَرُبَّمَا يُفَسِّرُ هَذَا الظَّنُّ حَتْمِيَّةَ نُزُولِهِ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ الْأَكْبَرِ:

    وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الزمر: 75)
    وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) (الحاقة)

    تُسَاعِدُنَا السِّيَاقَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ الْمُتَنَوِّعَةُ فِي تَجْلِيَةِ مَشْهَدِ اسْتِوَاءِ الرَّحْمَٰنِ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا تَصَوَّرَهَا آيَاتُ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ. فَلَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الْمُفْرَدَةُ وَمُشْتَقَّاتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَوَرَدَتْ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ بِلْقِيسَ (كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ وَأَهْلُ الدِّرَايَةِ وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَنِزَارُ قَبَّانِي):

    قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (النمل: 38)
    قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (النمل: 41)
    فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (النمل: 42)

    وَوَرَدَتْ كَذَلِكَ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ يُوسُفَ:

    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا... (يوسف: 100)

    وَهُنَا نَجِدُ لِزَامًا إِثَارَةَ التَّسَاؤُلِ التَّالِي: لِمَ وَرَدَ ذِكْرُ الْعَرْشِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ يُوسُفَ وَتِلْكَ الْمَرْأَةِ (وَإِنْ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ)؟ وَلِمَ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ الْعَرْشِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ فِرْعَوْنَ مَثَلًا؟ أَلَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ مَلِكَ مِصْرَ؟ أَلَمْ تَتَكَرَّرْ قِصَّةُ فِرْعَوْنَ عَشَرَاتِ الْمَرَّاتِ فِي الْقُرْآنِ؟ لِمَ لَمْ يَتَحَدَّثِ اللهُ عَنْ "عَرْشِ فِرْعَوْنَ" مَثَلًا؟!

    الْجَوَابُ: لِأَنَّنَا نَزْعُمُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَرْشٌ.

    - وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكَ؟ أَلَمْ يَكُنْ هُوَ حَاكِمَ مِصْرَ وَسَيِّدَهَا وَالرَّبَّ الْمُطَاعَ فِيهَا؟ فَلِمَ لَا يَكُونُ لَهُ عَرْشٌ؟

    جَوَابٌ: ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ مِنَّا فَهْمَ مَعْنَى مُفْرَدَةِ الْعَرْشِ كَمَا تُجَلِّيهَا السِّيَاقَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ.

    سِمَاتُ الْعَرْشْ

    أَوَّلًا، غَالِبًا مَا وَقَعَ فِي قَلْبِ الْعَامَّةِ (مَدْفُوعِينَ بِآرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ) أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ صِفَةٌ مُلَازِمَةٌ لِلْمُلُوكِ، فَمَنْ كَانَ مَلِكًا (هُمْ يَظُنُّونَ) يَكُونُ لَهُ عَرْشٌ بَيْنَمَا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَيْسَ لَهُ عَرْشٌ، لِذَا فَإِنَّ اللهَ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ:

    فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التوبة: 129)
    لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (الأنبياء: 22)
    قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (المؤمنون: 86)

    فَاللهُ هُوَ ذُو الْعَرْشِ لِأَنَّهُ - بِبَسَاطَةٍ- هُوَ الْمَلِكُ:

    أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (البقرة: 107)

    فَبِالرَّغْمِ أَنَّهَا سَبْعُ سَمَاوَاتٍ إِلَّا أَنَّ لِلهِ عَرْشٌ وَاحِدٌ:

    قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (المؤمنون: 86)

    فَلِلهِ عَرْشٌ وَاحِدٌ (الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وَذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ وُجُودِ الشَّرِيكِ لَهُ فِي الْمُلْكِ:

    الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (الفرقان: 2)

    فَمَتَى أَصْبَحَ هُنَاكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَرْشٌ:

    لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (الأنبياء: 22)

    وَالسَّبَبُ كَمَا تُصَوِّرُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَفْسُهَا هُوَ الْفَسَادُ، فَمَتَى أَصْبَحَ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ عَرْشٍ، ظَهَرَ الْفَسَادُ:

    لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) (الأنبياء)

    وَهَذَا يُعِيدُنَا بِالضَّبْطِ إِلَى النُّقْطَةِ الَّتِي انْطَلَقْنَا مِنْهَا وَهِيَ سَبَبُ وُرُودِ الْعَرْشِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عِنْدَمَا رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ مَلِكَةِ سَبَأٍ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْأَسْبَابِ رُبَّمَا يَعُودُ إِلَى عَدَمِ وُجُودِ الْفَسَادِ فِي حَالَةِ يُوسُفَ وَفِي حَالَةِ مَلِكَةِ سَبَأٍ، لِأَنَّ مِنْ أَسَاسِيَّاتِ وُجُودِ الْعَرْشِ هُوَ الْعَدْلُ، فَمَتَى عَمَّ الْعَدْلُ أَصْبَحَ هُنَاكَ حَاكِمٌ وَاحِدٌ وَانْتَفَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الِانْقِسَامِ.

    فَلَوْ تَدَبَّرْنَا قِصَّةَ مَلِكَةِ سَبَأٍ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُهُمْ وَمَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِهَا، فَكَانَ شَعْبُهَا شَعْبًا مُوَحَّدًا، فَشَاوَرَتْهُمْ بِالْأَمْرِ:

    قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32) (النمل)

    فَرَدُّوا عَلَيْهَا بِالْمَشُورَةِ وَالنُّصْحِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْدَمُوا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ الْقَوْلَ أَنَّ الْأَمْرَ مَنُوطٌ بِهَا كَصَاحِبَةٍ لِلْعَرْشِ، فَأَمْرُهَا مُطَاعٌ:

    قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) (النمل)

    فَاتَّخَذَتْ هِيَ الْقَرَارَ الَّذِي ظَنَّتْهُ مُنَاسِبًا، فَمَا ثَارُوا وَلَا انْتَفَضُوا ضِدَّ قَرَارِهَا:

    قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) (النمل)

    وَالْمُتَتَبِّعُ لِأَمْرِ مِصْرَ فِي زَمَنِ يُوسُفَ النَّبِيِّ يَجِدُ أَنَّ الْعَدْلَ كَانَ يَعُمُّ الْأَرْضَ، فَقَدْ بَدَأَ الْعَدْلُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ يَنْتَشِرُ مُنْذُ أَيَّامِ حُكْمِ الْمَلِكِ الَّذِي سَبَقَ يُوسُفَ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى عَدْلِ ذَلِكَ الْمَلِكِ مِمَّا فَعَلَ يَوْمَ انْتَهَى إِلَيْهِ خَبَرُ مَا فَعَلَتِ النِّسْوَةُ بِيُوسُفَ، وَكَيْفَ عَامَلَ يُوسُفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكُلِّ مَا يَتَطَلَّبُهُ الْعَدْلُ الْحَقِيقِيُّ بِالرَّغْمِ أَنَّ يُوسُفَ كَانَ غَرِيبًا عَنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ سِيرَةَ الرَّجُلِ تُبَيِّنُ أَنَّ مَمْلَكَتَهُ كَانَتْ مُوَحَّدَةً غَيْرَ مُنْقَسِمَةٍ، فَهُوَ الْحَاكِمُ الْمُطَاعُ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدْلِ الرَّجُلِ، فَمَشُورَتُهُ لِلْمَلَأِ كَانَتْ جَلِيَّةً حَتَّى فِي أَقَلِّ الْأُمُورِ أَهَمِّيَّةً، فَهَا هُوَ يُشَارِكُهُمْ حَتَّى أَحْلَامَهُ:

    وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) (يوسف)

    وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ لَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ لِذَلِكَ الْمَلِكِ عَرْشٌ وَهُوَ الَّذِي مَا انْفَكَّ يَطْلُبُ النُّصْحَ وَالْمَشُورَةَ مِنْ مَلَئِهِ. فَالْمَلِكُ صَاحِبُ الْعَرْشِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسَيْطِرًا تَمَامًا عَلَى عَرْشِهِ، وَإِلَّا لَأَصْبَحَ الْعَرْشُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ الْمَلَأُ حَتَّى يَكُونُوا سَبَبًا رَئِيسِيًّا فِي زَوَالِهِ (وَهَذِهِ لَا شَكَّ دَعْوَةٌ لِكُلِّ مُلُوكِ الْأَرْضِ لِيَفْهَمُوا أَنَّ عَرْشَهُمْ لَنْ يَدُومَ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا هُمْ مَنْ يَمْلِكُوهُ وَأَنْ لَا تَكُونَ حَاشِيَتُهُمْ مِنْ أَمْثَالِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ:

    لِكَيْ يَكُونَ هُنَاكَ عَرْشٌ لَابُدَّ مِنْ تَوَافُرِ السَّيْطَرَةِ الْمُطْلَقَةِ لِصَاحِبِ الْعَرْشِ عَلَى مُلْكِهِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ شَيْءٌ دُونَ عِلْمٍ مِنْهُ بِكُلِّ مَا يَحْصُلُ.

    وَهَذِهِ النُّقْطَةُ غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ لِنَفْهَمَ مَاهِيَّةَ الْعَرْشِ، وَسِمَاتِ حُكْمِ مَنْ كَانَ لَهُ عَرْشٌ كَمَلِكَةِ سَبَأٍ هَذِهِ الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنْهَا هُنَا وَكَحَالَةِ يُوسُفَ يَوْمَ أَنْ أَصْبَحَ عَزِيزَ مِصْرَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَيْفِيَّةُ تَحَكُّمِ (مُرَاقَبَةِ) الْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، بِالْكَوْنِ كُلِّهِ.

    وَلَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ قَائِمًا، مَا هُوَ الْعَرْشُ؟

    تُسَلِّطُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ الضَّوْءَ عَلَى مَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَهُ فِيمَا يَخُصُّ كَيْنُونَةَ الْعَرْشِ:

    وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (النحل: 68)

    فَالْعَرْشُ هُوَ بِنَاءٌ لَا يَكُونُ جُزْءًا مِنَ الطَّبِيعَةِ، وَإِنَّمَا بِنَاءٌ مُسْتَحْدَثٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَتَشَكَّلَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَيُمْكِنُ لِلنَّاسِ أَنْ يَعْرِشُوا أَبْنِيَتَهُمْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا، وَيُمْكِنُ كَذَلِكَ أَنْ يَبْلَى وَيَنْتَهِيَ كَمَا تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:

    أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا... (البقرة: 259)
    فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (الحج: 45)
    ...وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (الأعراف: 137)

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: الْعَرْشُ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ، يُمْكِنُ أَنْ يُرْفَعَ مِنْ مَوَادَّ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْأَسَاسِ، فَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ تَكُونَ الْعُرُوشُ مَصْنُوعَةً مِنْ نَفْسِ الْمَادَّةِ الْخَامِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُبْنَى مِنْهَا الْبُيُوتُ، فَالْجَنَّاتُ (الْمَزَارِعُ) يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَعْرُوشَةً وَغَيْرَ مَعْرُوشَةٍ كَمَا تُصَوِّرُهَا الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:

    وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ... (الأنعام: 141)
    وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (الكهف: 42)

    وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى زَعْمِنَا بِأَنَّ الْعَرْشَ عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ أَنَّ يُوسُفَ نَفْسَهُ قَامَ بِرَفْعِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ:

    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا... (يوسف: 100)

    وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْجَنَّاتِ لَوَجَدْنَا أَنَّ تِلْكَ الْجَنَّاتِ الْمَعْرُوشَاتِ وَغَيْرَ الْمَعْرُوشَاتِ هِيَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ.

    إِنَّ الْجَوَابَ بَسِيطٌ جِدًّا يَتَمَثَّلُ فِي تَخَيُّلِ شَجَرَةِ الْعِنَبِ مَحْمُولَةً عَلَى قَوَاعِدَ ثَابِتَةٍ بِالْأَرْضِ لِيَتَدَلَّى الثَّمَرُ، فَتَكُونَ قُطُوفُهَا دَانِيَةً:

    فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) (الحاقة)

    وَرُبَّمَا يُفَسِّرُ مِثْلُ هَذَا الْفَهْمِ كَيْفِيَّةَ نُزُولِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْحِسَابِ، وَالْمَلَائِكَةُ تَحْمِلُهُ:

    وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) (الحاقة)

    فَعَرْشُ الرَّحْمَٰنِ هُوَ بِنَاءٌ رَبَّانِيٌّ مَرْفُوعٌ عَلَى ثَمَانِيَةِ قَوَاعِدَ تُشْبِهُ صُورَتُهُ صُورَةَ جَنَّاتِ الْأَعْنَابِ الْمَعْرُوشَةِ (أَيِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى الْقَوَاعِدِ)، وَهُنَا يَتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ سُؤَالٌ مَفَادُهُ: لِمَ ثَمَانِيَةٌ؟

    رَأَيْنَا: لِأَنَّ هُنَاكَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ كَانَ هُنَاكَ سَمَاءٌ وَاحِدَةٌ وَعَرْشٌ وَاحِدٌ لَكَانَ الْعَرْشُ يَحْمِلُهُ اثْنَانِ (وَلِلهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى لِنَتَخَيَّلَ الْعَرْشَ عَلَى شَكْلِ الطَّاوِلَةِ الْمَحْمُولَةِ عَلَى رِجْلَيْنِ اثْنَتَيْنِ)، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ سَمَاءٌ أُخْرَى مُتَوَاجِدَةٌ إِلَى جَانِبِ السَّمَاءِ الْأُولَى لَأَصْبَحَ مَنْ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَلَاثَةً (فَلَا نَنْسَى أَنَّهُ عَرْشٌ وَاحِدٌ، لِذَا لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ عَرْشٍ لِكُلِّ سَمَاءٍ)، وَلَوْ زِدْنَا سَمَاءً ثَالِثَةً لَاحْتَجْنَا لِرَابِعٍ لِيَحْمِلَ الرِّجْلَ الْجَدِيدَةَ لِلْعَرْشِ، فَكُلَّمَا زَادَتْ سَمَاءٌ جَدِيدَةٌ زَادَتْ رِجْلٌ جَدِيدَةٌ لِلْعَرْشِ حَتَّى يَبْقَى عَرْشٌ وَاحِدٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ، وَهَكَذَا حَتَّى نَصِلَ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ عِنْدَهَا يَكُونُ عَدَدُ مَنْ يَحْمِلُ الْعَرْشَ 8 (أَيْ عَدَدُ السَّمَاوَاتِ+1، وَذَلِكَ لِأَنَّنَا احْتَجْنَا إِلَى رِجْلَيْنِ لِيَحْمِلَ الْعَرْشُ عَلَيْهِمَا فِي السَّمَاءِ الْأُولَى وَاحْتَجْنَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ مَعَ كُلِّ سَمَاءٍ جَدِيدَةٍ لِيَبْقَى الْعَرْشُ وَاحِدًا)، فَهِيَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ سَبْعُ سَمَاوَاتٍ بِعَرْشٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ بِلَا شَكٍّ الْعَرْشُ الْعَظِيمُ). لَكِنْ كَيْفَ يُمْكِنُ لَنَا أَنْ نَتَصَوَّرَهُ؟

    جَوَابٌ: تَتَكَرَّرُ صُورَةُ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ شَيْئًا مَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ قِصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلْنَتَفَقَّدِ الْقِصَّةَ مِنَ الْجَوَانِبِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سَابِقًا جَمِيعًا:

    أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) (البقرة)

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْقِصَّةَ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ يَطْلُبُونَ مَلِكًا، فَيَبْعَثُ اللهُ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، وَيَكُونُ هُنَاكَ دَلِيلٌ (آيَةٌ) عَلَى مُلْكِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ عِبَارَةً عَنِ التَّابُوتِ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ ذَلِكَ التَّابُوتَ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ؟

    إِنَّ صُورَةَ حَمْلِ الْمَلَائِكَةِ شَيْئًا مَا قَدْ وَرَدَتْ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فِي كِتَابِ اللهِ:

    1. صُورَةُ الْمَلَائِكَةِ تَحْمِلُ عَرْشَ الْمَلِكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَتِمَّ الْفَصْلُ وَالْقَضَاءُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ.

    2. صُورَةُ الْمَلَائِكَةِ تَحْمِلُ التَّابُوتَ لِطَالُوتَ مَلِكًا لِيُقِيمَ الْعَدْلَ بَعْدَ مَا أَصَابَ الْقَوْمَ مِنْ ظُلْمٍ.

    رُبَّمَا تُبَيِّنُ لَنَا هَذِهِ الصُّوَرُ كَيْفِيَّةَ حَمْلِ الْمَلَائِكَةِ لِعَرْشِ رَبِّنَا يَوْمَ الْحِسَابِ، فَلَوْ دَقَّقْنَا فِي مُجْمَلِ الْآيَاتِ لَوَجَدْنَا أَنَّ رَبَّ الْعَرْشِ الْكَرِيمَ سَيَكُونُ خَارِجَ نِطَاقِ الْعَرْشِ:

    وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) (الحاقة)

    فَالْمَلِكُ إِذَنْ قَائِمٌ عَلَى أَرْجَائِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَى الْعَرْشِ، لِأَنَّهُ سَيَأْتِي بِنَفْسِهِ تَصْحَبُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُتَصَوَّرِ أَنْ يَأْتِيَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ مَحْمُولًا:

    هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (البقرة: 210)
    كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) (الفجر)

    إِذَنْ، لِنَتَصَوَّرِ الْمَشْهَدَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النَّفْخَةُ الْأُولَى فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ.

    يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَيَقُومُ الْجَمِيعُ إِلَى رَبِّهِمْ.

    تَنْشَقُّ السَّمَاءُ، فَإِذَا بِالْمَلِكِ عَلَى أَرْجَائِهَا، وَيَحْمِلُ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَرْشَ الرَّحْمَٰنِ لِيُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.

    فَيَأْتِي رَبُّكَ وَالْمَلَائِكَةُ تَكُونُ حَاضِرَةً صَفًّا صَفًّا.

    تُشْرِقُ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، فَيُوضَعُ الْكِتَابُ وَيَتِمُّ حُضُورُ النَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ.

    فَتَكُونُ الْأَرْضُ قَبْضَتَهُ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٍ بِيَمِينِهِ.

    وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ نَنْفَلِتَ مِنْ عِقَالِ التَّفْكِيرِ الْمَحْكُومِ بِالنَّصِّ لَابُدَّ لَنَا أَنْ نُعَاوِدَ الْحَدِيثَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ لِنُثِيرَ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: كَيْفَ يَسْتَوِي الْإِلَهُ عَلَى الْعَرْشِ مَادَامَ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ؟

    تَطَرَّقْنَا فِي مَقَالَتِنَا تِلْكَ إِلَى مَعْنَى حَرْفِ الْجَرِّ "عَلَى" وَزَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ الْمُفْرَدَةَ تُفِيدُ النَّظْرَةَ الْمُسَيْطِرَةَ الْمُتَحَكِّمَةَ، فَمَنْ عَلَى شَيْئًا فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُهُ مِنَ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ بِالرُّؤْيَا: لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي أَنَّ اسْتِوَاءَ الرَّحْمَٰنِ عَلَى الْعَرْشِ جَاءَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) لِيُسَيْطِرَ بِالرُّؤْيَا الْمُتَحَكِّمَةِ عَلَى كُلِّ مَا فِي الْكَوْنِ، فَلَا تَغِيبُ عَنْهُ مِثَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا وَيَعْلَمُهَا:

    وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ (الأنبياء: 47)
    وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (الأنعام: 59)

    فَكَيْفَ يَتِمُّ ذَلِكَ لِلرَّحْمَٰنِ؟

    جَوَابٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَتِمُّ مِنْ خِلَالِ الْعَرْشِ، فَنَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ الْإِلَهَ يُسَيْطِرُ عَلَى الْكَوْنِ كُلِّهِ فَلَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ بِسَبَبِ وُجُودِ "الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرْشَ (وَلِلهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) وَهُوَ بِمَثَابَةِ شَاشَةِ السَّيْطَرَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ الَّتِي يَتِمُّ لِصَاحِبِهِ مِنْ خِلَالِهِ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّهُ بِمِقْدَارِ الْعَرْشِ تَكُونُ السَّيْطَرَةُ، لِذَا لَمَّا كَانَ اللهُ هُوَ رَبَّ "الْعَرْشِ الْعَظِيمِ"، كَانَ هُوَ الْمُسَيْطِرَ الْمُطْلَقَ عَلَى كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مَهْمَا صَغُرَ أَوْ عَظُمَ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ عَرْشُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ بِحَجْمِهَا، كَانَتْ تُسَيْطِرُ عَلَى جُزْءٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَهِيَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرَاقِبَ مِنْ خِلَالِ عَرْشِهَا مَا يَدُورُ حَوْلَهَا مِنْ أَحْدَاثٍ.

    وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ نُقْفِلَ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ الْمَقَالَةِ لَابُدَّ التَّأْكِيدُ عَلَى جُزْئِيَّةٍ مُهِمَّةٍ جِدًّا أَثَرْنَاهَا سَابِقًا وَرُبَّمَا سَنَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ وَالْمُتَمَثِّلَةِ بِالِافْتِرَاءِ التَّالِي: الْعَرْشُ هُوَ صِفَةُ مَنْ يَمْلِكُ لَا صِفَةُ الْمُلُوكِ. فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْقَصَّ الْقُرْآنِيَّ لِتِلْكَ الْحَادِثَةِ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الْهُدْهُدِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْهُدْهُدَ يُثْبِتُ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَمْلِكُ قَوْمَهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الْهُدْهُدُ أَنَّهَا كَانَتْ مَلِكَةً (كَمَا تَبَادَرَ لِأَذْهَانِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَامَّةِ مِنْ بَعْدِهِمْ)، وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَحَدَّثَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْ قَبْلَهُ نَعَتَتْهُمْ بِصِفَةِ الْمُلُوكِ:

    قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (النمل: 34)

    فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَلِكِ مِنْ جِهَةٍ وَالْمَالِكِ (مَنْ يَمْلِكُ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟

    جَوَابٌ: إِنَّ مَنْ يَمْلِكُ الشَّيْءَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرَاقِبَهُ فَيَدْخُلَ فِي خُصُوصِيَّاتِهِ (كَمَا زَعَمْنَا سَابِقًا)، وَلَكِنَّ الْمَلِكَ قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مِلْكِيَّتَهُ عَامَّةٌ وَلَيْسَتْ خَاصَّةً.

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ تُنَفِّذَ قَوْلَكَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ لِي بِأَنْ يَكُونَ لِي عَرْشٌ أَعْظَمُ مِنْ عَرْشِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَلَقَدْ تَحَصَّلَ لَهَا ذَلِكَ الْعَرْشُ وَهِيَ لَا تُؤْمِنُ بِكَ وَتَسْجُدُ لِغَيْرِكَ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ أَنْ تُؤْتِيَنِي ذَلِكَ الْعَرْشَ وَأَنَا لَا أَتْرُكُ السُّجُودَ لَكَ وَحْدَكَ، وَكُنْتُ مُسْلِمًا).

    وَكَذَلِكَ كَانَ عَرْشُ يُوسُفَ يُمَكِّنُهُ مِنْ جُزْءٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْعِلْمِ، فَهَا هُوَ يُشِيرُ إِلَى تَأْوِيلِ رُؤْيَاهُ لِأَبِيهِ بَعْدَ أَنْ رَفَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ:

    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا... (يوسف: 100)

    السُّؤَالُ: إِلَى مَاذَا كَانَ يُشِيرُ يُوسُفُ لِوَالِدِهِ يَعْقُوبَ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الْعَرْشِ عِنْدَمَا اسْتَخْدَمَ اسْمَ الْإِشَارَةِ هَذَا (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ)؟

    اِفْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدْ أَشَارَ يُوسُفُ إِلَى مَكَانٍ مُحَدَّدٍ عَلَى تِلْكَ الطَّاوِلَةِ (الْعَرْشِ) الَّذِي رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَيْهَا لِيُرِيَ أَبَاهُ يَعْقُوبَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا كَمَا تَظْهَرُ عَلَى عَرْشِ يُوسُفَ). فَذَلِكَ هُوَ عِلْمُ يُوسُفَ، فَذَلِكَ هُوَ عِلْمُ يُوسُفَ:

    وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (يوسف: 6)

    هَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ.


    بِقَلَمِ د. رَشِيد الْجَرَّاحْ

    21 تِشْرِينَ ثَانِي 2012


    ملاحظات الكاتب:

    انْظُرِ الْفَرْقَ بَيْنَ "مَكَثَ" وَ "لَبِثَ"، فَفِي حِينِ أَنَّ بَقَاءَ مُوسَى بَعِيدًا عَنْ أَهْلِهِ كَانَ مُكُوثًا، كَانَ بَقَاءُ نُوحٍ فِي قَوْمِهِ لُبُوثًا. لِتَدْقِيقٍ أَكْثَرَ فِي الْفُرُوقَاتِ بَيْنَ مَكَثَ مِنْ جِهَةٍ وَلَبِثَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، يُرْجَى مُرَاجَعَةُ مَا جَاءَ فِي مَقَالَتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ "كَمْ لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ؟"

    لَاحِظْ كَيْفَ عِنْدَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْ نَبَأِ حَادِثَةِ الْإِفْكِ كَيْفَ تَمَّ وَصْفُهُمْ فِي كِتَابِ اللهِ: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15). فَالَّذِي لَا يَتَبَيَّنُ النَّبَأَ الَّذِي وَصَلَهُ وَيَتَلَقَّاهُ بِأَلْسِنَةِ الْآخَرِينَ فَيُحَدِّثُ بِهِ غَيْرَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَإِنَّهُ يَقُومُ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَ فِي حُسْبَانِهِ هُوَ هَيِّنٌ إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ.

    لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: لِمَاذَا قَدَّمَ نَبِيُّ اللهِ لُوطٌ بَنَاتِهِ بَدَلًا مِنْ ضُيُوفِهِ؟

    لِلْحَدِيثِ عَنْ مَعْنَى "صَفًّا صَفًّا" انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ "كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟"

    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان