home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (10): باب الساق

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 16, 2016
محتويات المقال:

    مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (10): بَابُ السَّاقْ

    نُنَاقِشُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ حَوْلَ قِصَّةِ سُلَيْمَانْ:

    قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ (النمل 44)

    لِنَطْرَحْ سُؤَالاً رَئِيسِيّاً وَاحِداً، أَلَا وَهُوَ: لِمَاذَا كَشَفَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَنْ سَاقَيْهَا عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحْ؟

    مُحَاوِلِينَ مِنْ خِلَالِ تَقْدِيمِ إِجَابَتِنَا (الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا رُبَّمَا تَكُونُ صَحِيحَةً) عَلَى هَذَا السُّؤَالِ أَنْ نُنْجِزَ هَدَفَيْنِ كَانَا عَلَى الدَّوَامِ غَايَةَ أَبْحَاثِنَا الْمُتَّصِلَةِ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمْ، وَالْهَدَفَانِ هُمَا:

    1. إِلْقَاءُ ظِلَالِ الشَّكِّ عَلَى تَفْسِيرَاتِ مَنْ سَبَقَنَا مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَأَهْلِ الرِّوَايَةِ وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَالْقَارِئُ الْكَرِيمُ مَدْعُوٌّ إِلَى قِرَاءَةِ مَا قَالَهُ مَنْ سَبَقَنَا مِنْهُمْ عَنْ قِصَّةِ كَشْفِ الْمَرْأَةِ عَنْ سَاقَيْهَا، لِيَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ كَيْفَ تَمَّتِ الْإِسَاءَةُ (عَنْ قَصْدٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ) إِلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ مِثْلِ سُلَيْمَانْ، وَكَانَ ذَلِكَ - فِي ظَنِّنَا- لِأَنَّ أَهْلَ الدِّرَايَةِ لَمْ يُعْمِلُوا التَّفْكِيرَ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ جَيِّداً حِينَمَا انْقَلَبُوا لِيُصْبِحُوا أَهْلَ رِوَايَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ أَهْلَ دِرَايَةٍ، وَآثَرُوا الِانْجِرَارَ وَرَاءَ قَصَصِ يَهُودْ.

    2. تَقْدِيمُ بَدِيلٍ لِلْمَوْرُوثِ الْعَقَائِدِيِّ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ شُوِّهَ مَعَ تَقَادُمِ الْأَيَّامْ، فَاتِحِينَ (بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهْ) الْبَابَ لِلنَّشْءِ لِيُعِيدُوا طَرْحَ الْمَوْرُوثِ الْعَقَائِدِيِّ كُلِّهِ لِلْبَحْثِ وَالتَّنْقِيبِ مِنْ جَدِيدْ.

    وَنَتْرُكُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا نَقُولُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ يَرْقَى أَنْ يَكُونَ عِلْماً (إِنْ كَانَ فِيهِ أَصْلاً شَيْءٌ يَرْقَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكْ)، وَلَا يَتَرَدَّدْ أَنْ يُلْقِيَ بِمَا لَا يَصِلُ إِلَى تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ فِي سَلَّةِ الْمُهْمَلَاتِ (recycle bin) عَلَى جِهَازِ حَاسُوبِهْ. فَالْأَفْهَامُ لَا تَكُونُ مُلْزِمَةً إِلَّاّ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعْ، وَبِالْحُجَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ مَصَادِرِ الْمَعْلُومَةِ الْمَوْثُوقَةْ.

    (دُعَاءٌ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَأَنْ يُعَلِّمَنِي مِنْ لَدُنْهُ عِلْماً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِي إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمْ، وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ لَا يَعْفُوَ عَمَّنْ يَجْتَزِئُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ شَيْئاً دُونَ إِذْنٍ مُسْبَقٍ مِنَّا، وَأَسْأَلُهُ أَنْ لَا يَعْفُوَ عَنْ مَنْ يَنْقُلُ مِنْهَا شَيْئاً قَاصِداً الْإِسَاءَةْ)

    الْمَبْحَثُ الرَّئِيسْ: [عَلَاقَةُ كَشْفِ السَّاقِ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِسْلَامْ]

    سَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ أَنْ نُقَدِّمَ فَهْمَنَا لِمَعْنَى كَشْفِ السَّاقْ، مُفْتَرِينَ الظَّنَّ (بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا الْمَزْعُومْ) أَنَّ كَشْفَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ عَنْ سَاقَيْهَا كَانَ سَبَباً رَئِيسِيّاً فِي هِدَايَتِهَا وَإِسْلَامِهَا مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ. وَلَكِنْ كَيْفْ؟

    أَمَّا بَعْدُ،

    لِإِنْجَازِ هَذَا الْهَدَفْ، نَجِدُ لِزَاماً الْمُرُورَ بِمَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْعَرْضْ؛ نُحَاوِلُ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى تَقْدِيمَ الدَّلِيلِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ يَدْحَضُ بِالْكُلِّيَّةِ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ "كَشْفِ سَاقَيْهَا" مِنْ أَقْوَالِ مَنْ سَبَقُونَا مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَأَهْلِ الرِّوَايَةْ، وَنُحَاوِلُ فِي الْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ تَقْدِيمَ الْبَدِيلِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ أَكْثَرُ دِقَّةً وَتَمَيُّزاً، كَمَا نَفْهَمُهُ نَحْنُ مِنْ سِيَاقَاتِ الْكِتَابِ الْكَرِيمْ.

    الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى: [دَحْضُ الْفِكْرِ الْقَدِيمِ الَّذِي لَازَالَ سَائِداً]

    حَاوَلْنَا الْبَحْثَ فِي الْأَدَبِ السَّابِقِ عَنْ مَا قَالَهُ الْأَقْدَمُونَ عَنْ قَضِيَّةِ كَشْفِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ لِسَاقَيْهَا، فَوَجَدْنَا أَنَّ مُعْظَمَ مَا قَالُوا لَا يَخْرُجُ عَنْ إِطَارِ مَا جَاءَ فِي أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفَاسِيرْ، فَالْجَمِيعُ يُحَاوِلُ صِيَاغَةَ الْقِصَّةِ نَفْسِهَا بِمُفْرَدَاتِهْ، الَّتِي لَا تَخْلُو مِنْ جَسَامَةِ الْأَلْفَاظِ وَإِنْ لَمْ تَرْقَ أَفْكَارُهُمْ – فِي نَظَرِنَا- إِلَى مُسْتَوَى مُفْرَدَاتِهِمُ الَّتِي لَا شَكَّ تَصْعُبُ عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ مِثْلِيْ. وَلِكَيْ لَا نَسُوقَ اتِّهَامَاتِنَا الْبَاطِلَةَ بِالْحُجَّةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فَقَطْ، فَإِنَّنَا نَدْعُو الْقَارِئَ الْكَرِيمَ إِلَى النَّظَرِ أَوَّلاً بِعَيْنِ الْمُتَفَحِّصِ لِمَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ مَثَلاً عَنْ قَضِيَّةِ كَشْفِ الْمَرْأَةِ لِسَاقَيْهَا:

    وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا لَهَا قَصْرًا عَظِيمًا مِنْ قَوَارِيرَ أَيْ مِنْ زُجَاجٍ وَأَجْرَى تَحْتَهُ الْمَاءَ فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ أَمْرَهُ يَحْسُبُ أَنَّهُ مَاءٌ وَلَكِنَّ الزُّجَاجَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَاشِي وَبَيْنَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي دَعَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى اتِّخَاذِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ عَزَمَ عَلَى تَزَوُّجِهَا وَاصْطِفَائِهَا لِنَفْسِهِ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا وَحُسْنُهَا وَلَكِنْ فِي سَاقَيْهَا هَلْبٌ عَظِيمٌ وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَاتَّخَذَ هَذَا لِيَعْلَمَ صِحَّتَهُ أَمْ لَا ؟ هَكَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَتْ وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا رَأَى أَحْسَنَ النَّاسِ سَاقًا وَأَحْسَنَهُمْ قَدَمًا لَكِنْ رَأَى عَلَى رِجْلَيْهَا شَعْرًا لِأَنَّهَا مَلِكَةٌ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُذْهِبَ ذَلِكَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ الْمُوسَى فَقَالَتْ لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَكَرِهَ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ وَقَالَ لِلْجِنِّ اصْنَعُوا شَيْئًا غَيْرَ الْمُوسَى يُذْهَبُ بِهِ هَذَا الشَّعْرُ فَصَنَعُوا لَهُ النُّورَةَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتُّخِذَتْ لَهُ النُّورَةُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ثُمَّ قَالَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ لِيُرِيَهَا مُلْكًا هُوَ أَعَزُّ مِنْ مُلْكِهَا... . انْتَهَى الِاقْتِبَاسْ

    (مُلَاحَظَةٌ: نَحْنُ مَنْ وَضَعَ الْخُطُوطَ تَحْتَ الْمُفْرَدَاتِ الَّتِي لَمْ نَسْتَطِعْ فَهْمَهَا بِأَنْفُسِنَا، فَاسْتَعَنَّا بِأَهْلِ الرِّوَايَةِ لِيُفَسِّرُوا لَنَا مَا جَاءَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الدِّرَايَةْ)

    افْتِرَاءَاتُنَا: [نَقْدُ تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ وَأُصُولِهِ]

    بَعْدَ قِرَاءَتِنَا لِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي جَاءَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ، نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ:

    1. مَأْخُوذٌ جُلُّهُ عَنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلْ

    2. لَا يُرَاعِي مُفْرَدَاتِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهْ

    3. فِيهِ إِسَاءَةٌ مُبَاشِرَةٌ لِتِلْكَ الْمَرْأَةْ

    4. فِيهِ إِسَاءَةٌ كَبِيرَةٌ لِسُلَيْمَانَ نَفْسِهْ

    الدَّلِيلْ: [نَقْدُ مَصَادِرِ التَّفْسِيرِ وَإِسَاءَتِهِ لِلْمَرْأَةِ وَسُلَيْمَانْ]

    أَوَّلاً: [اعْتِمَادُ التَّفْسِيرِ عَلَى قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلْ]
    نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ مَأْخُوذٌ جُلُّهُ عَنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلْ، وَرُبَّمَا لَا يَحْتَاجُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ زَعْمِنَا هَذَا أَنْ يَبْذُلَ جُهْداً كَبِيراً لِيُثْبِتَ أَنَّ مَا جَاءَ فِي أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ مِثْلِ تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ هِيَ أَقْوَالٌ فِي مُجْمَلِهَا جَاءَتْ فِي قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ سُلَيْمَانْ، وَالْقَارِئُ الْكَرِيمُ مَدْعُوٌّ لِمُرَاجَعَةِ كُتُبِ وَمَوْرُوثَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ لِيَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ التَّطَابُقَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ (كَمَا تُصَوِّرُهَا كُتُبُ التَّفَاسِيرِ الْإِسْلَامِيَّةْ) وَرِوَايَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْجَانِبْ.

    ثَانِياً: [إِهْمَالُ مُفْرَدَاتِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ]
    نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَاكَ لَمْ يُرَاعِ اللَّفْظَ الْقُرْآنِيَّ نَفْسَهْ، فَهُمْ- فِي ظَنِّنَا- قَدْ أَدْخَلُوا فِي الْقِصَّةِ شَيْئاً لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهْ، وَحَذَفُوا مِنْهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً يَتَنَاثَرُ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا وَافِراً فِي كِتَابِ اللَّهِ كُلِّهْ، وَهَذَا مَا سَيُشَكِّلُ جُلَّ بَحْثِنَا عِنْدَمَا نُحَاوِلُ تَقْدِيمَ فَهْمِنَا لِلْقِصَّةِ نَفْسِهَا بَعْدَ قَلِيلٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهْ.

    ثَالِثاً: [الْإِسَاءَةُ الْمُبَاشِرَةُ لِلْمَرْأَةْ]
    نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَيْضاً أَنَّ فِي قَوْلِهِمْ ذَاكَ إِسَاءَةً لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ نَفْسِهَا، فَالَّذِي حَاوَلَ أَنْ يُصَوِّرَ سَاقَيِ الْمَرْأَةِ عَلَى نَحْوِ "فِي سَاقَيْهَا هَلْبٌ عَظِيمٌ وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةْ"، حَتَّى وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الظَّنْ، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ لَا يَخْتَلِفُ – فِي نَظَرِنَا- كَثِيراً عَنْ... . فَدَلُّونِي - بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ- هَلْ هُنَاكَ امْرَأَةٌ عَلَى وَجْهِ الْمَعْمُورَةِ يُمْكِنُ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ سَاقَيْهَا بَيْنَ النَّاسِ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ فِي سَاقَيْهَا "هَلْبٌ عَظِيمٌ وَمُؤَخَّرُ أَقْدَامِهَا كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةْ"؟ مَنْ يَدْرِي!!!

    أَوْ هَلْ هُنَاكَ امْرَأَةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ – دَلُّونِي بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ- يُمْكِنُ أَنْ تَكْشِفَ بِنَفْسِهَا عَنْ سَاقَيْهَا بَيْنَ النَّاسِ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّعْرَ يَكْسُوهُمَا؟! مَنْ يَدْرِي!!!

    (سَنُنَاقِشُ هَذَا الْكَلَامَ لَاحِقاً بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهْ)

    رَابِعاً: [الْإِسَاءَةُ لِشَخْصِيَّةِ النَّبِيِّ سُلَيْمَانْ]
    وَأَخِيراً نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ فِي قَوْلِهِمْ ذَاكَ إِسَاءَةً عَظِيمَةً لِسُلَيْمَانَ نَفْسِهْ. فَكَيْفَ - بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ- يَحِقُّ لِسُلَيْمَانَ أَنْ يَقِفَ مُخْتَبِئاً فِي مَكَانٍ مَا لِيَنْظُرَ فَيَرَى سَاقَيْ امْرَأَةٍ هُوَ يَنْوِي –حَسَبَ قَوْلِهِمْ- أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَمَاذَا نَقُولُ لِشَبَابِنَا (الذُّكُورْ) فِي جَامِعَاتِنَا الْعَتِيدَةِ وَهُمْ يَسْتَرِقُونَ النَّظَرَ عَلَى سِيقَانِ فَتَيَاتٍ جَمِيلَاتْ، لَا يَكْسُوهُمَا "هَلْبٌ" وَلَا...؟ لِمَ لَا نَدَعُهُمْ يَتَّخِذُوا مِنْ سُلَيْمَانَ قُدْوَةً لَهُمْ؟ وَمَاذَا لَوْ تَذَرَّعَ أَحَدُهُمْ بِأَنَّهُ "يَنْوِي" أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ يَسْتَرِقُ النَّظَرَ عَلَى سِيقَانِهَا لِيَرَى أَنَّهُ لَا يَجِدُ عَلَيْهِمَا "هَلْبٌ عَظِيمٌ" وَلِيَتَأَكَّدَ أَنَّ "مُؤَخَّرَ أَقْدَامِهَا" لَيْسَ "كَمُؤَخَّرِ الدَّابَّةْ"؟ مَنْ يَدْرِي!!!

    الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةْ: [تَقْدِيمُ فَهْمِنَا الْبَدِيلْ]

    وَالْحَالَةُ هَذِهْ، وَجَدْنَا أَنَّهُ مِنْ وَاجِبِنَا أَنْ نَنْتَصِرَ لِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ حُرِّفَ عِنْدَمَا أُدْخِلَ فِيهِ مَا لَا يَدْعَمُهُ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَفْسِهْ، وَأَنَّهُ قَدْ حُذِفَ مِنْهُ مَا يَتَنَاثَرُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَافِراً فِي الْكِتَابْ، كَمَا نُحَاوِلُ أَنْ نَدْفَعَ التُّهْمَةَ "الْمُفْتَرَاةَ" عَنْ سُلَيْمَانَ أَوَّلاً وَعَنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ ثَانِياً، فَلَا نَظُنُّ أَنَّ دِينَ سُلَيْمَانَ وَلَا خُلُقَهُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَ النَّظَرَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْمُرِيبَةْ، وَلَا نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ مِنَ "الْغَبَاءِ" أَنْ تَكْشِفَ بِنَفْسِهَا عَنْ سَاقَيْهَا وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمَا "هَلْبٌ عَظِيمٌ" أَوْ أَنَّ مُؤَخَّرَ أَقْدَامِهَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ كَمُؤَخَّرِ أَقْدَامِ الدَّابَّةْ.

    فَدَعْنَا نُحَاوِلْ أَنْ نُقَدِّمَ بَدِيلاً لِهَذَا الْمَوْرُوثِ الْهَالِكِ (بِحَوْلِ اللَّهْ) الَّذِي أَهْلَكَ فِكْرَ الْأُمَّةِ قُرُوناً مِنَ الزَّمَنْ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ آنَ الْأَوَانُ أَنْ نُهَذِّبَهُ بِالْمَعْرِفَةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهْ، فَنُصَدِّقَ مِنْهُ مَا يُصَدِّقُهُ كِتَابُ اللَّهْ، وَنُلْقِيَ بِمَا لَا يُصَدِّقُهُ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي سَلَّةِ الْمُهْمَلَاتْ، فَذَاكَ هُوَ مَكَانُهُ الصَّحِيحْ. (وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَرْزُقَنَا الْإِخْلَاصَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلْ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا سَوَاءَ السَّبِيلْ، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا الْحَقَّ فَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبْ، وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ أَجْرَنَا مِنْ عِنْدِهْ، وَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ لَا يَرُدُّونَ مِنْ غَيْرِهِ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً)

    البَدْءُ بِالتَّحْلِيلْ: [مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ السَّاقْ؟]

    أَمَّا بَعْدْ.

    لِنَبْدَأِ النِّقَاشَ بِطَرْحِ السُّؤَالِ التَّالِي: مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ السَّاقْ؟

    جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّاقَ هُوَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الْجِسْمِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الشَّكْلِ التَّالِي:



    وصف الصورة المقترح:
    رسم توضيحي لساق الإنسان، يوضح الجزء من الكاحل إلى الركبة. (المصدر: Leg clip art)

    لِذَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ جِسْمِهَا عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ وَحَسِبَتْهُ لُجَّةً.

    سُؤَالٌ 2: كَيْفَ كَشَفَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَنْ سَاقَيْهَا؟

    جَوَابٌ: لِمَعْرِفَةِ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ فَلَابُدَّ مِنْ طَرْحِ سُؤَالٍ آخَرَ وَهُوَ: لِمَاذَا كَشَفَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَنْ سَاقَيْهَا؟

    جَوَابٌ: نَحْنُ نَنْفِي جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِتُبْدِيَ لِمَنْ كَانَ حَاضِراً عَنْ جُزْءٍ مِنْ جِسْمِهَا. فَعَقِيدَتُنَا تَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ لَمْ تَكُنْ لِتَبِيعَ جِسْمَهَا أَوْ أَنْ تُسَاوِمَ عَلَيْهِ لِقَاءَ شَيْءٍ مَا، كَمَا أَنَّ عَقِيدَتَنَا تَنْفِي جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ قَدْ نَصَبَ لَهَا "فَخّاً" لِيَرَى شَيْئاً مِنْ عَوْرَتِهَا؟ فَلِمَاذَا إِذَنْ كَشَفَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ سَاقَيْهَا لَحْظَةَ أَنْ رَأَتِ الصَّرْحَ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ (النمل 44)

    الِاسْتِدْلَالُ بِالْقُرْآنْ: [رَبْطُ كَشْفِ السَّاقِ بِالسُّجُودْ]

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ رُبَّمَا يَكُونُ مُتَوَافِراً فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونْ (القلم 42)

    دَقِّقْ - عَزِيزِي الْقَارِئْ- بِمُفْرَدَاتِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَيِّداً، لِنَطْرَحَ عَلَيْكَ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: مَا عَلَاقَةُ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ بِالسُّجُودْ؟

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ هُنَاكَ عَلَاقَةً مَتِينَةً بَيْنَ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ مِنْ جِهَةٍ وَالسُّجُودِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ سَاقِهْ.

    سُؤَالٌ: مَا مَعْنَى الْكَشْفْ؟

    نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَابُدَّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ بِفِعْلِ السُّجُودِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ سَاقِهْ، رُبَّمَا لِيَسْتَكْشِفَ الْمِنْطَقَةَ (عَلَى الْأَرْضْ) الَّتِي سَيُنْزِلُ عَلَيْهَا سَاقَيْهْ، فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَسْجُدُ لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ كِلَا السَّاقَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:

    وصف الصورة المقترح:
    صورة ظلية لشخص في وضعية القعود بعد السجود  في الصلاة الإسلامية، مع التصاق الساقين بالأرض.

    لَاحِظْ - عَزِيزِي الْقَارِئْ- كَيْفَ يَكُونُ كِلَا السَّاقَيْنِ مُلْتَصِقَانِ بِالْأَرْضِ فِي حَالَةِ السُّجُودْ.

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَنْ أَرَادَ السُّجُودَ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ سَاقِهِ لِيَسْتَكْشِفَ الْمِنْطَقَةَ الَّتِي سَيُنْزِلُ عَلَيْهَا سَاقَيْهِ عَلَى الْأَرْضْ.

    تَحْلِيلٌ لُغَوِيٌّ دَقِيقْ: [دَلَالَةُ حَرْفِ الْجَرِّ "عَنْ" فِي الْكَشْفْ]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِأَنَّهَا هَمَّتْ بِفِعْلِ السُّجُودِ عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ وَحَسِبَتْهُ لُجَّةً. وَهُنَا تَسْتَدْعِي الدِّقَّةُ مِنَّا أَنْ نَجْلِبَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ إِلَى جُزْئِيَّةٍ نَظُنُّ أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ تَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ – حَسَبَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ- لَمْ تَكْشِفْ سَاقَيْهَا وَلَكِنَّهَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، انْظُرْ حَرْفَ الْجَرِّ "عَنْ" فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا)، وَشَتَّانَ بَيْنَ هَذَا وَذَاكْ. فَلَوْ جَاءَ الْخِطَابُ – نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- عَلَى نَحْوِ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ كَشَفَتْ سَاقَيْهَا بِدُونِ حَرْفِ الْجَرِّ عَنْ (كَأَنْ تَكُونَ عَلَى نَحْوِ: وَكَشَفَتْ سَاقَيْهَا) لَرُبَّمَا ظَنَنَّا أَنَّهَا قَدْ أَظْهَرَتْ شَيْئاً مِنْ عَوْرَتِهَا، وَلَكِنْ عِنْدَمَا جَاءَ النَّصُّ عَلَى نَحْوِ أَنَّهَا قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا، فَإِنَّ السَّاقَ لَا يَكُونُ هُوَ الْمَكْشُوفَ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ الْمَكْشُوفَ عَنْهْ، فَفِي حَالَةِ حُدُوثِ فِعْلِ الْكَشْفِ هُنَاكَ عَلَى الدَّوَامِ الْمَكْشُوفُ عَنْهْ، وَهُنَاكَ الْمَكْشُوفْ، فَالْمَكْشُوفُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَالْمَكْشُوفُ شَيْءٌ آخَرُ، انْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى:

    وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ۖ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلْ (الرجز 134)

    فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْقَوْمَ (قَوْمَ فِرْعَوْنْ) هُمُ الْمَكْشُوفُ عَنْهُمْ وَأَنَّ الرِّجْزَ هُوَ الْمَكْشُوفْ، فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَكْشُوفِ عَنْهُ وَالْمَكْشُوفْ. وَلَوْ رَاقَبْنَا جَمِيعَ حَالَةِ الْفِعْلِ "كَشَفَ عَنْ" لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمَكْشُوفَ عَنْهُ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ لَا يَتَغَيَّرْ، بَيْنَمَا الَّذِي يَتِمُّ الذَّهَابُ بِهِ هُوَ الْمَكْشُوفْ، فَقَوْمُ فِرْعَوْنَ هُمْ قَوْمُ فِرْعَوْنَ قَبْلَ وَبَعْدَ الْكَشْفِ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي ذُهِبَ بِهِ هُوَ الرِّجْزُ،

    فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونْ (الأعراف 135)
    وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونْ (يونس 12)
    فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينْ (يونس 98)
    ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونْ (النحل 54)

    فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحَالَاتِ بَقِيَ الْمَكْشُوفُ عَنْهُ (وَهُمُ النَّاسْ) عَلَى حَالِهِمْ، وَتَمَّ الذَّهَابُ بِالْمَكْشُوفِ وَهُوَ الرِّجْزُ أَوِ الضُّرُّ أَوِ الْعَذَابْ.

    لِذَا فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ سَاقَيِ الْمَرْأَةِ (الْمَكْشُوفَ عَنْهُمَا) لَمْ تَكُونَا مَكْشُوفَتَيْنِ وَهُنَاكَ شَيْءٌ مَا تَمَّ كَشْفُهْ. وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ فِي حَالَةِ السُّجُودِ لَوَجَدْنَا أَنَّ السَّاقَ هُوَ مَكْشُوفٌ عَنْهُ وَلَيْسَ مَكْشُوفاً:

    يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونْ (القلم 42)

    لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ كَشَفَتْ شَيْئاً (الْمَكْشُوفْ) لِتَكْشِفَ عَنْ سَاقَيْهَا (الْمَكْشُوفِ عَنْهْ).

    سُؤَالٌ: إِذَا كَانَتَا سَاقَا الْمَرْأَةِ مَكْشُوفٌ عَنْهُمَا، فَمَا الشَّيْءُ الَّذِي كَانَ مَكْشُوفاً (أَيْ تَمَّ كَشْفُهْ) فِي حَالَةِ الْمَرْأَةْ؟

    رَأْيُنَا: إِنَّهُ مَكَانُ السُّجُودْ. فَالْمَرْأَةُ أَرَادَتْ أَنْ تَكْشِفَ الْمَكَانَ لِكَيْ تَنْزِلَ بِسَاقَيْهَا عَلَى الْأَرْضِ فِي حَرَكَةِ سُجُودٍ لَحْظَةَ أَنْ رَأَتِ الصَّرْحَ وَحَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَحْصُلُ فِي حَالَةِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى السُّجُودْ:

    يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونْ (القلم 42)

    فَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عِنْدَمَا يَتِمُّ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقْ، يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُتَوَاجِدِينَ تَلْبِيَةُ نِدَاءِ السُّجُودْ، وَعِنْدَهَا يُبَيِّنُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَلْبِيَةَ نِدَاءِ السُّجُودِ بِالرَّغْمِ مِنْ حُصُولِ عَمَلِيَّةِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ لَهُمْ. وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي سِيَاقِهَا الْقُرْآنِيِّ الْأَوْسَعِ رُبَّمَا تُشِيرُ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْفَهْمْ:

    سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)

    فَمَنْ كَانَ يَتَّخِذُ فِي الدُّنْيَا مَعَ اللَّهِ شَرِيكاً وَيَقُومُ بِعَمَلِيَّةِ السُّجُودِ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهْ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَكْشِفْ عَنْ سَاقِهِ وَيَسْجُدْ لِلَّهِ وَهُوَ سَالِمٌ، فَلَنْ يَسْتَطِيعَ السُّجُودَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الرَّهِيبِ حَتَّى وَلَوْ تَمَّ لَهُ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقْ.

    الدَّافِعُ لِلسُّجُودْ: [لِمَاذَا هَمَّتِ الْمَرْأَةُ بِالسُّجُودِ لِلصَّرْحْ؟]

    سُؤَالٌ: لِمَاذَا أَرَادَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَنْ تَسْجُدَ أَصْلاً؟ مَا الَّذِي دَعَاهَا لِلْقِيَامِ بِفِعْلِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ حَتَّى تَسْجُدْ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ هَمَّتْ بِالْقِيَامِ بِفِعْلِ السُّجُودِ لِأَنَّهَا رَأَتِ الصَّرْحَ وَحَسِبَتْهُ لُجَّةً، فَالَّذِي دَعَاهَا لِلسُّجُودِ – فِي ظَنِّنَا- هُوَ مُشَاهَدَتُهَا الْفِعْلِيَّةُ لِلصَّرْحِ وَظَنُّهَا أَنَّهُ لُجَّةٌ. وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكْ؟

    جَوَابٌ: حَاوِلْ – عَزِيزِي الْقَارِئْ- أَنْ تَرْبِطَ أَجْزَاءَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَعْضَهَا مَعَ بَعْضْ:

    قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ (النمل 44)

    تُشِيرُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ رُؤْيَةِ الْمَرْأَةِ لِذَاكَ الصَّرْحِ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- كَانَ دَافِعاً لَهَا لِلْقِيَامِ بِفِعْلِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا)، وَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ حَسِبَتْ ذَاكَ الصَّرْحَ (مُخْطِئَةً بِالطَّبْعِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَابِ الْحُسْبَانِ فَقَطْ) لُجَّةً، فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّاّ أَنْ قَامَتْ عَلَى الْفَوْرِ بِفِعْلِ الْكَشْفِ عَنْ سَاقَيْهَا، لِأَنَّهَا- نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- قَدْ أَوْشَكَتْ عَلَى النُّزُولِ إِلَى الْأَرْضِ فِي حَرَكَةِ سُجُودٍ لِذَلِكَ الصَّرْحِ الَّذِي رَأَتْهُ وَحَسِبَتْهُ لُجَّةً،

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ الصَّرْحَ حَسِبَتْهُ لُجَّةً كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِأَنَّهَا هَمَّتْ بِالسُّجُودِ لِذَاكَ الصَّرْحْ.

    وَلَكِنْ عِنْدَمَا رَأَى سُلَيْمَانُ أَنَّهَا قَامَتْ فِعْلاً بِفِعْلِ الْكَشْفِ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَهُمَّ بِالسُّجُودِ لِلصَّرْحْ، مَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ مَنَعَهَا مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرْ، فَصَحَّحَ لَهَا خَطَأَ ظَنِّهَا عِنْدَمَا أَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ لَيْسَ لُجَّةً وَإِنَّمَا هُوَ فَقَطْ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرْ:

    قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرْ

    وَلَمَّا عَلِمَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ لَيْسَ لُجَّةً، وَأَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارِيرْ، أَدْرَكَتْ بِنَفْسِهَا عَلَى الْفَوْرِ الظُّلْمَ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ بِحَقِّ نَفْسِهَا:

    قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي

    لِأَنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ مَنْ يَسْجُدُ لِمِثْلِ هَذِهِ الْكَيْنُونَاتِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَاهِيَّتِهَا فَهُوَ بِلَا شَكٍّ ظَالِمٌ لِنَفْسِهْ:

    وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُdُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونْ (فصلت 37)

    وَمَادَامَ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ سَتَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهْ فَهِيَ بِلَا شَكٍّ كَانَتْ ظَالِمَةً لِنَفْسِهَا، وَعِنْدَمَا أَدْرَكَتْ خَطَأَ فِعْلَتِهَا، وَأَدْرَكَتْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السُّجُودُ لِتِلْكَ الْكَيْنُونَاتِ مَهْمَا كَانَتْ، وَعِنْدَمَا أَدْرَكَتْ كَذَلِكَ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِرَبِّ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَلَا لِلصَّرْحْ، عِنْدَهَا فَقَطِ اهْتَدَتِ الْمَرْأَةُ وَأَسْلَمَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ:

    وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ

    الدَّلِيلُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةْ: [عَادَةُ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ لَدَى قَوْمِهَا]

    لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ مُنْذُ بِدَايَتِهَا لَرُبَّمَا وَجَدْنَا الدَّلِيلَ عَلَى زَعْمِنَا هَذَا جَلِّيّاً، فَلْنَرْقُبْ كَيْفَ جَاءَ الْهُدْهُدُ سُلَيْمَانَ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ عَنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَقَوْمِهَا:

    وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونْ (النمل 24)

    فَلَقَدْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُعْتَادَةً (وَقَوْمُهَا بِالطَّبْعْ) عَلَى السُّجُودِ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهْ، فَلَقَدْ كَانَ فِعْلُ السُّجُودِ –نَحْنُ نَجْزِمُ الظَّنَّ- مُتَجَذِّراً فِي عَقِيدَتِهَا وَقَوْمِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهَا وَقَوْمَهَا كَانُوا يَقُومُونَ بِذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهْ)، فَالْهُدْهُدُ يَنْقُلُ الْخَبَرَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ "يَسْجُدُونْ"، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنْ أَفْعَالِ الظِّلَالْ، لِيَصُدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَلَا يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينْ. وَمَا اهْتَدَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَرَكَتِ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهْ، فَأَصْبَحَتْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ أَصْلاً كَانَ قَدْ وَضَعَهَا فِي مَحَلِّ الِاخْتِبَارِ لِيَنْظُرَ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونْ:

    قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونْ (النمل 41)

    فَلَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ مُهْتَدِيَةً عِنْدَمَا قَدِمَتْ إِلَى سُلَيْمَانْ، وَلَمْ تَهْتَدِ عِنْدَمَا نَكَّرُوا لَهَا عَرْشَهَا فِي الْبِدَايَةِ بِأَمْرٍ مِنْ سُلَيْمَانْ، وَمَا اهْتَدَتْ إِلَّا لَحْظَةَ أَنْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَقُومَ بِفِعْلِ السُّجُودِ لِلصَّرْحِ الَّذِي حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَمَا مَنَعَهَا مِنَ السُّجُودِ لِلصَّرْحِ إِلَّا سُلَيْمَانُ عِنْدَمَا أَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارِيرْ، حِينَهَا فَقَطْ شَعَرَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ مَا كَانَتْ تَقُومُ بِهِ مَعَ قَوْمِهَا مِنْ فِعْلِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ وَالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ مِنْ بَابِ مَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ لِيَصُدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ حَتَّى لَا يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ إِذَنْ نَتَصَوَّرُ الْمَشْهَدَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَانَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ وَقَوْمُهَا عَلَى عَادَةِ الْكَشْفِ عَنِ السَّاقِ لِيَقُومُوا بِفِعْلِ السُّجُودْ، وَكَانُوا يَقُومُونَ بِفِعْلِ السُّجُودِ ذَاكَ لِلشَّmْسِ مِنْ دُونِ اللَّهْ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ بَابِ مَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ لِيَصُدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَلَا يَكُونُونَ مِنَ الْمُهْتَدِينْ. وَعِنْدَمَا أُمِرَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ بِدُخُولِ الصَّرْحِ بَعْدَمَا جَاءَتْ سُلَيْمَانْ، نَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى ذَلِكَ الصَّرْحِ فَظَنَّتْ مُخْطِئَةً أَنَّهُ لُجَّةٌ، فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهَا الْأُولَى عَلَى رُؤْيَةِ الصَّرْحِ إِلَّا أَنَّهَا رُبَّمَا ظَنَّتْ أَنَّهُ إِلَهُ سُلَيْمَانَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ بِالضَّبْطِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مَعَ قَوْمِهَا عِنْدَمَا كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسْ. وَلَكِنْ عِنْدَمَا نَهَاهَا سُلَيْمَانُ عَنِ الْقِيَامِ بِفِعْلِ السُّجُودِ لِلصَّرْحْ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ لَيْسَ لُجَّةً وَإِنَّمَا هُوَ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرْ، أَدْرَكَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْفَوْرِ خَطَأَ فِعْلَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَفْعَلُهَا وَقَوْمُهَا عِنْدَمَا كَانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهْ، وَرُبَّمَا أَدْرَكَتْ حِينَئِذٍ أَنَّ تِلْكَ الْكَيْنُونَاتِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْحُ الَّذِي رَأَتْهُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ أَوِ الشَّمْسُ الَّتِي كَانَتْ تَسْجُدُ لَهَا وَقَوْمُهَا هِيَ كَيْنُونَاتٌ لَا يَجُوزُ السُّجُودُ لَهَا بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالْ، وَأَنَّ هُنَاكَ رَبّاً هُوَ أَكْبَرُ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْكَيْنُونَاتِ وَهُوَ الْأَحَقُّ بِالسُّجُودِ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكَيْنُونَاتْ.

    الدَّلِيلُ الثَّانِي: [تَحْلِيلُ مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ]

    إِنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي رُبَّمَا يَدْعَمُ تَصَوُّرَنَا هَذَا لِلْمَشْهَدِ يَتَطَلَّبُ التَّدْقِيقَ فِي جَمِيعِ مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا، قَالَ تَعَالَى:

    قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ (النمل 44)

    أَوَّلاً: [تَحْلِيلُ عِبَارَةِ "قِيلَ لَهَا" وَدَوْرِ مَلَأِ سُلَيْمَانْ]
    إِنَّ الْمُتَفَحِّصَ لِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ يُدْرِكُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الَّذِي قَالَ لَهَا أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحَ لَيْسَ سُلَيْمَانَ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ مَلَأِ سُلَيْمَانَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْفِعْلَ جَاءَ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ "قِيلَ لَهَا"، فَنَحْنُ نَعْلَمُ مِنَ الْقِصَّةِ نَفْسِهَا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ طَلَبَ مِنْ مَلَئِهِ أَنْ يَتَعَامَلُوا مَعَ الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهْ، فَلْنَتَذَكَّرْ مَا أَمَرَهُمْ سُلَيْمَانُ أَنْ يَفْعَلُوهُ لَحْظَةَ أَنْ تَصِلَهُمْ تِلْكَ الْمَرْأَةْ:

    قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42)

    فَمَا أَنْ وَصَلَ الْعَرْشُ إِلَى سُلَيْمَانَ بِوَاسِطَةِ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ حَتَّى أَمَرَ الْمَلَأَ أَنْ يُنَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا كَخُطْوَةٍ أُولَى لِيَنْظُرُوا أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونْ. وَالْمُتَفَحِّصُ لِلنَّصِّ يَجِدُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ قَدِمَتْ سُلَيْمَانَ وَلَمْ تَكُنْ قَدْ أَسْلَمَتْ بَعْدُ، وَالْمُدَقِّقُ يَجِدُ أَيْضاً أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ "دِبْلُومَاسِيَّةً" (إِنْ صَحَّ الْقَوْلْ) فِي رَدِّهَا، فَهِيَ لَمْ تَنْفِ أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ عَرْشَهَا، وَهِيَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَمْ تُثْبِتْ أَنَّهُ هُوَ فِعْلاً عَرْشُهَا، فَهِيَ لَا زَالَتْ فِي حَالَةِ دَهْشَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّصْدِيقِ الْكَامِلِ أَوِ التَّكْذِيبِ الْكَامِلِ بِالْخَبَرْ، فَلَرُبَّمَا ظَنَّتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ سُلَيْمَانَ رُبَّمَا يَسْتَطِيعُ تَقْلِيدَ عَرْشِهَا أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ عَرْشاً كَعَرْشِهَا، وَلَكِنَّ وَجْهَ التَّطَابُقِ الْعَظِيمِ مَعَ عَرْشِهَا رُبَّمَا أَفْحَمَهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ تَكْذِيبَ الْخَبَرِ بِكُلِّيَّتِهْ، فَبَقِيَتْ تَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّشَابُهِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّطَابُقْ، فَجَاءَ قَوْلُهَا عَلَى نَحْوِ "كَأَنَّهُ هُوَ":

    فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42)

    وَهُنَا أَدْرَكَ سُلَيْمَانُ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِهَا تِلْكَ أَنَّهَا لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إِلَى مَرْحَلَةِ الْهِدَايَةْ، لِذَا طَلَبَ مِنَ الْمَلَأِ أَنْ يُدْخِلُوهَا فِي اخْتِبَارٍ آخَرَ وَهُوَ الصَّرْحْ:

    قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ (النمل 44)

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ حَتَّى اللَّحْظَةِ لَمْ تَرَ سُلَيْمَانْ، وَأَنَّ الْخِطَابَ مَعَهَا كَانَ مِنْ قِبَلِ مَلَأِ سُلَيْمَانْ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّفْظَ جَاءَ أَيْضًا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ "قِيلَ لَهَا". وَهُنَا مَا أَنْ رَأَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الصَّرْحَ حَتَّى حَسِبَتْهُ لُجَّةً (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً). فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهَا الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ سَاقَيْهَا لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الصَّرْحِ وَالظَّنِّ بِأَنَّهُ لُجَّةٌ (فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا).

    ثَانِياً: [مَا هُوَ الصَّرْحُ وَلِمَاذَا حَسِبَتْهُ لُجَّةً؟]
    وَهُنَا نَتَوَقَّفُ مَعَ الْمُفْرَدَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي نَوَدُّ التَّعَرُّضَ لَهَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا وَهِيَ مُفْرَدَةُ الصَّرْحْ. فَمَا هُوَ الصَّرْحْ؟ وَلِمَاذَا حَسِبَتْهُ لُجَّةً؟

    نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَوَّلاً أَنَّ الصَّرْحَ هُوَ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ جِدّاً عَنِ الْأَرْضْ.

    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)

    فَفِرْعَوْنُ يَطْلُبُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحاً، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَدَفَ فِرْعَوْنَ كَانَ بُلُوغَ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضْ، لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، فَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَقْصِدُ أَنْ يَبْنُوا لَهُ بِنَاءً مُتَوَاضِعَ الْعُلُوّْ، فَالْغَايَةُ عَظِيمَةٌ وَهِيَ الِاطِّلَاعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، لِذَا لَابُدَّ أَنْ يُفِيدَ الْبِنَاءُ الْمَنْشُودُ (الصَّرْحْ) الْغَايَةَ الْمَنْوِيَّ تَحْقِيقُهَا مِنْ خِلَالِهْ، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ طَلَبَ فِرْعَوْنَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحاً يَبْلُغُ بِهِ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الصَّرْحَ هُوَ بِنَاءٌ مُرْتَفِعٌ جِدّاً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضْ.

    ثَانِيًا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَيْضاً أَنَّ بِنَاءَ الصَّرْحِ يَكُونُ بِطَرِيقَةٍ غَايَةٍ فِي الْغَرَابَةْ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتِمَّ الْوَقْدُ عَلَى الطِّينِ أَوَّلاً لِيَتَحَقَّقَ الْبِنَاءُ بَعْدَ ذَلِكْ، فَفِرْعَوْنُ يَطْلُبُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يُوقِدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ أَوَّلاً، لِيَكُونَ الصَّرْحُ بِنَاءً فَوْقَ ذَلِكْ:

    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينْ (الصرح 38)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ بِنَاءَ الصَّرْحِ يَتَطَلَّبُ أَوَّلاً أَنْ يُوقَدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ[1]، كَأَنْ يَكُونَ الصَّرْحُ مُوقَداً تَحْتَهُ، لِذَا فَإِنَّ لَهُ وَهَجاً وَرُبَّمَا ضَوْءاً يَنْبَعِثُ مِنْ تَحْتِهِ نَتِيجَةَ مَا تَمَّ مِنْ وُقُودٍ تَحْتَهْ.

    إِنْ صَحَّ فَهْمُنَا هَذَا لِمُفْرَدَةِ الصَّرْحْ، فَإِنَّ الصُّورَةَ عِنْدَ الْمَرْأَةِ تَكُونُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ رَأَتْ بِنَاءً عَظِيماً، مُرْتَفِعًا جِدّاً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضْ، فَحَسِبَتْهُ لُجَّةً.

    ثَالِثاً: [مَعْنَى اللُّجَّةِ وَحَالَةُ عَدَمِ التَّمْيِيزْ]
    فَمَا مَعْنَى أَنْ تَحْسِبَهُ لُجَّةً؟ وَمَا هِيَ اللُّجَّةُ أَصْلاً؟

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ اللُّجَّةَ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي تَكْسُوهُ الظُّلْمَةُ (وَإِنْ كَانَ أَصْلاً مُتَوَهِّجاً أَوْ مُتَّقِداً بِالنَّارْ)، قَالَ تَعَالَى:

    أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَحْرَ اللُّجِّيَّ رُبَّمَا كَانَ مُتَلَأْلِأً مِنْ سُطُوعِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَيْهْ، وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَغْشَاهُ الْمَوْجُ الَّذِي مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ الَّذِي مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ، تَضِيعُ وَهَجُهُ ذَاكَ فِي تِلْكَ الظُّلُمَاتْ. فَالظُّلْمَةُ النَّاتِجَةُ عَنْ هَذَا الْمَشْهَدِ لَا تُمَكِّنُ مَنْ يُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ أَنْ يَرَاهَا، فَيُصْبِحُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْفَوْضَى الَّتِي يَعُبُّ مَعَهَا التَّمْيِيزُ بِسُهُولَةْ، فَالَّذِينَ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ مَثَلاً هُمْ فِي لُجَّةْ:

    وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونْ (75)

    فَمَنْ لَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ فَهُمْ بِلَا شَكٍّ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّمْيِيزْ، فَالطُّغْيَانُ هُوَ حَالَةٌ مِنْ تَرَاكُمِ الْأَشْيَاءِ فَوْقَ بَعْضِهَا الْبَعْضْ، وَيُصْبِحُ مَنْ يَقَعُ فِي الطُّغْيَانِ فِي حَالَةِ "يَعْمَهُونْ"، وَهِيَ تُشْبِهُ حَالَةَ مَنْ هُوَ فِي سَكْرَةْ:

    لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونْ (الحجر 72)

    وَلَكِنْ يَجِبُ التَّنْبِيهُ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ مِنَ التَّخَبُّطِ لَا تَكُونُ بِسَبَبِ الشَّكْلِ الْخَارِجِيِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّكْلَ الْخَارِجِيَّ رُبَّمَا يَكُونُ لَهُ بَرِيقاً وَزِينَةً:

    إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّnَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونْ (النمل 4)

    فَمَنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ "يَعْمَهُونْ" فَهُوَ – نَحْنُ نَظُنُّ- يَرَى الْأَشْيَاءَ وَقَدْ زُيِّنَتْ لَهْ، وَلَكِنَّهُ بِكُلِّ تَأْكِيدٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ طُغْيَانٍ، وَقَدْ تَرَاكَمَتِ الْأَشْيَاءُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضْ. فَلَا يَنْظُرُ إِلَّا إِلَى ظَاهِرِهَا لِتُسَبِّبَ لَهُ مَزِيداً مِنَ الطُّغْيَانِ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَعْمَهُونْ:

    اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونْ (البقرة 15)

    وَلَكِنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ عَدَمِ التَّمْيِيزْ، فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدٍ يَأْخُذُ بِيَدِهِ لِيُرِيَهُ حَقِيقَةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَلَيْسَ فَقَطْ ظَاهِرَهَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَخْدَعَ الْبَصَرْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ قَدْ شَاهَدَتِ الصَّرْحَ عَلَى أَنَّهُ بُنْيَانٌ عَظِيمٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضْ، وَقَدْ تَزَخْرَفَ بِطَرِيقَةٍ تَلْفِتُ الْأَنْظَارْ، فَأَخْطَأَتِ الظَّنَّ عِنْدَمَا حَسِبَتْهُ لُجَّةً، وَكَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهَا تَمْيِيزُ مَاهِيَّةِ ذَاكَ الصَّرْحِ حَتَّى نَبَّهَهَا سُلَيْمَانُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارِيرْ.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: يُطْلَبُ مِنَ الْمَرْأَةِ أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحْ، وَعِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَجَدَتْهُ بِنَاءًا مُرْتَفِعًا جِدّاً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ تَمَّ الْإِيقَادُ مِنْ تَحْتِهْ، فَتَحْسِبُهُ (أَيِ الصَّرْحَ نَفْسَهْ) لُجَّةً لِأَنَّ الْوُقُودَ كَانَ مِنْ تَحْتِهْ، وَلَكِنْ كَانَ هُنَاكَ حَوْلَهُ مِنَ الظُّلْمَةِ مَا يَجْعَلُهُ يُشْبِهُ الْبَحْرَ اللُّجِّيَّ عِنْدَمَا يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ، وَنَحْنُ نَتَصَوَّرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ رُبَّمَا ظَنَّتْ حِينَذَاكَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَيْنُونَةَ (أَيِ الصَّرْحْ) هُوَ "شَيْءٌ مَا" يُشْبِهُ الشَّمْسَ الَّتِي كَانَتْ وَقَوْمُهَا يَسْجُدُونَ لَهَا بِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ "شَمْسَ" هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ (أَيِ الصَّرْحَ: "الْآلِهَةْ") هُوَ لُجَّةٌ، "أَيْ لَيْسَ مُضِيءً بِنَفْسِهِ بِالشَّكْلِ الْمَعْهُودِ عَنِ الشَّمْسِ الَّتِي تَعْرِفُهَا وَقَوْمُهَا، وَلَمَّا كَانَ اعْتِقَادُهَا أَنَّ تِلْكَ الْكَيْنُونَةَ (الصَّرْحْ) هُوَ إِلَهٌ يُشْبِهُ إِلَهَهَا وَقَوْمَهَا الَّذِي كَانُوا يَسْجُدُونَ لَهْ، مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ حِينَئِذٍ إِلَّا أَنْ قَامَتْ فِعْلاً بِفِعْلِ الْكَشْفِ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَخِرَّ لَهُ سَاجِدَةً لِهَذَا الْإِلَهِ الْجَدِيدْ، رُبَّمَا ظَانَّةً أَنَّ هَذَا هُوَ نَفْسُهُ إِلَهُ سُلَيْمَانَ (الَّذِي يُشْبِهُ الْإِلَهَ الَّذِي كَانَتْ وَقَوْمُهَا يَسْجُدُونَ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهْ)، وَهُنَا فَقَطْ يَخْرُجُ سُلَيْمَانُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهَا، لِيُنَبِّهَهَا إِلَى أَنَّهَا مُخْطِئَةٌ فِي ظَنِّهَا وَأَنَّ هَذَا الصَّرْحَ لَيْسَ بِإِلَهٍ، وَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ لَهْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ صَرْحٍ مُمَرَّدٍ مِنْ قَوَارِيرْ، فَيَأْتِي الْفِعْلُ هُنَا بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ (قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ). فَكَيْفَ كَانَ الصَّرْحُ مُمَرَّدًا؟

    رَابِعاً: [مَعْنَى "مُمَرَّدْ" وَعَلَاقَتُهُ بِالصَّرْحْ]
    مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الصَّرْحُ مُمَرَّدْ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ صَرْحاً مُمَرَّدًا؟

    أَوَّلاً نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِي الْمُرُودِ عُلُوٌّ، أَيْ ارْتِفَاعاً إِلَى الْأَعْلَى، وَرُبَّمَا يَدْعَمُ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ وُجُودُ نَوْعٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ هُوَ الشَّيْطَانُ الْمَارِدُ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَرِقَ السَّمْعَ مِنَ الْأَعْلَى:

    رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) (الصافات)

    ثَانِياً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُرُودَ فِيهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْخَفَاءْ، فَعِنْدَمَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْطَانٌ مَارِدٌ، فَمِنَ الصَّعْبِ رُؤْيَتُهُ عَلَى حَقِيقَتِهْ، وَكَذَلِكَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقْ:

    وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ (التوبة 101)

    فَهُنَاكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ – حَسَبَ فَهْمِنَا لَهَا- نَوْعَانِ مِنَ الْمُنَافِقِينْ:

    1. وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونْ

    2. وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ

    وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ جَيِّداً فِي الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ مِنَ الصَّعْبِ مَعْرِفَتُهُمْ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يَعْلَمُهُمْ، وَرُبَّمَا السَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ وُجُودُ عُنْصُرِ الْإِتْقَانِ فِي نِفَاقِهِمْ.

    ثَالِثاً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُرُودَ فِيهِ إِتْقَانٌ عَظِيمٌ، فَمَنْ مَرَدَ عَلَى النِّفَاقِ فَهُوَ قَدْ أَتْقَنَ النِّفَاقَ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ النَّبِيَّ نَفْسَهُ لَا يَعْلَمُهُمْ (لَا تَعْلَمُهُمْ)، وَأَنَّ اللَّهَ وَجُنْدَهُ هُوَ مَنْ يَعْلَمُهُمْ (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)

    رَابِعاً، نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ الْمُرُودَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ النَّارْ، فَالشَّيَاطِينُ مِنْهُمُ الْمَارِدُ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ هُمْ أَصْلًا مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ خُلِقُوا أَصْلاً مِنْ نَارٍ، كَمَا أَنَّ مَآلَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ هُوَ الْعَذَابُ لِعَظِيمْ.

    سُؤَالٌ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِالصَّرْحْ؟

    رَأْيُنَا: لَقَدْ كَانَ الصَّرْحُ مُرْتَفِعاً فِي مَكَانِهْ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا بِنَاءٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ طَلَبَهُ فِرْعَوْنُ لِيَبْلُغَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَهُوَ بِالضَّبْطِ مَا يَفْعَلُ الشَّيْطَانُ الْمَارِدُ عِنْدَمَا يُحَاوِلُ الِاسْتِمَاعَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى. وَالصَّرْحُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَفَاءْ، فَلَا يَسْتَطِيعُ النَّاظِرُ إِلَيْهِ أَنْ يُدْرِكَ كُنْهَهُ عَلَى الْفَوْرْ، فَعُنْصُرُ الْإِتْقَانِ وَالتَّخَفِّي مَوْجُودٌ فِعْلاً فِيهْ، فَالْمَرْأَةُ لَمْ تُدْرِكْ كُنْهَهُ لَحْظَةَ أَنْ رَأَتْهُ حَتَّى حَسِبَتْهُ لُجَّةً. وَالصَّرْحُ أَيْضاً فِيهِ جَانِبٌ مِنَ النَّارْ، فَفِرْعَوْنُ كَانَ قَدْ طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يُوقِدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ لِيَجْعَلَ لَهُ صَرْحاً بَعْدَ ذَلِكْ، لِذَا رُبَّمَا ظَنَّتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لُجَّةٌ. وَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَخَّرَ لِسُلَيْمَانَ الشَّيَاطِينَ مِنْ قَبْلُ، فَكَانَ مِنْهُمْ كُلُّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصْ.

    فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) (ص)

    لِذَا رُبَّمَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الظَّnَّ بِأَنَّ ذَلِكَ الصَّرْحَ كَانَ مِمَّا بَنَاهُ الشَّيَاطِينُ لِسُلَيْمَانْ.


    هَذَا جُزْءٌ مِنْ رِوَايَتِنَا لِقِصَّةِ كَشْفِ الْمَرْأَةِ عَنْ سَاقَيْهَا، وَنَتْرُكُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يُقَارِنَ بَيْنَ مَا افْتَرَيْنَا نَحْنُ مِنَ الْقَوْلِ وَمَا قَالَ مَنْ سَبَقَنَا مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةْ، وَلِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ الْحَقُّ (كُلُّ الْحَقّْ) أَنْ يُصَدِّقَ مَا يَرَى الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وَافِراً فِي كِتَابِ اللَّهْ، وَأَنْ يُكَذِّبَ مَا يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ إِتِّبَاعٍ لِلظَّنِّ وَالْهَوَى، وَقَصَصٍ وَأَسَاطِيرَ مِنْ سَبَقَنَا مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يَوْماً عَنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهْ، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّنَا نَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْذَنَ لَنَا عَلَى الدَّوَامِ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهْ، كَمَا نَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أَنْ يَبْعَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَبْنَائِهَا مَنْ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لِيُهَذِّبَ مَعْرِفَتَنَا جَمِيعاً بِالدَّلِيلِ مِنْ كِتَابِ اللَّهْ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ مَا نَزْعُمُ أَوْ لِنَفْيِهْ، هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمْ.

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ


    الْمُدَّكِرُونْ: رَشِيدْ سَلِيمْ الْجَرَّاحْ & عَلِيْ مَحْمُودْ سَالِمْ الشَّرْمَانْ

    بِقَلَمْ: د. رَشِيدْ الْجَرَّاحْ

    15 كَانُونْ ثَانِي 2013


    [1] سَنُحَاوِلُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَنْ نَتَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينْ) فِي مَقَالَاتٍ قَادِمَةٍ، لِذَا فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبْ.

    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان