home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 20

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 26, 2015
محتويات المقال:

    قِصَّةُ يُونُسَ - الْجُزْءُ الْعِشْرُونْ (1)

    يَنْقَسِمُ هَذَا الْجُزْءُ الْجَدِيدُ مِنَ الْمَقَالَةِ فِي بَابَيْنِ رَئِيسِيَّيْنْ:

    حَيْثُ نُحَاوِلُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ تَقْدِيمَ الدَّلِيلِ عَلَى افْتِرَائِنَا الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ فِي الْجُزْءِ السَّابِقْ، وَالَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يَسْكُنُونَ فِي صُرُوحٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلْ، الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ فِي مِصْرَ حِينَئِذْ.

    وَقَدْ قَدَّمْنَا افْتِرَاءَنَا هَذَا بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا لِلْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ بَعْدَ رَبْطِهِمَا مَعًا:

    "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ" [الأعراف]
    "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا" [الإسراء]

    أَمَّا فِي الْبَابِ الثَّانِي، فَسَنُحَاوِلُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ أَنْ نَجِدَ الدَّلِيلَ لِتَحْدِيدِ الْمَكَانِ الَّذِي وَصَلَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ الْأَسْبَابْ، وَمِنْهُ اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، حَيْثُ رَأَى آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا بِأُمِّ عَيْنِهْ:

    "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ" [طه]
    (دُعَاءْ: فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنْفِذَ قَوْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرْ _ آمِينْ)

    الْبَابُ الْأَوَّلْ: [آلُ فِرْعَوْنَ وَسُكْنَى السَّمَاءِ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلْ]

    حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَمْرِيرَ افْتِرَاءٍ هُوَ – لَا شَكَّ - مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا مَفَادُهُ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا فِعْلًا يَسْكُنُونَ فِي الصُّرُوحِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا كَانَتْ مُنْتَشِرَةً فِي سَمَاءِ مِصْرْ، بَيْنَمَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَسْكُنُونَ الْأَرْضْ:

    "وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا" [الإسراء]

    جَاعِلِينَ بُيُوتَهُمْ قِبْلَةً:

    "وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" [يونس]

    فَكَانَ فِي هَذَا (نَحْنُ نَظُنُّ) تِبْيَانٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ بِأَنَّهُمْ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هُمْ لَهُمْ قَاهِرُونْ، وَهُوَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ فِي مَلَئِهِ الَّذِينَ حَثُّوهُ عَلَى أَنْ لَا يَذَرَ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ حَسَبَ زَعْمِهِمْ:

    "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ" [الأعراف]

    وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ بِإِمْكَانِنَا تَقْدِيمَ دَلِيلَيْنِ اثْنَيْنِ (نَحْنُ نَظُنُّ) أَنَّهُمَا رُبَّمَا يُؤَيِّدَانِ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّفْكِيرِ (رُبَّمَا الْمَغْلُوطْ) الَّذِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهْ.

    وَالدَّلِيلَانِ هُمَا:

    1. مُفْرَدَةُ التَّابُوتِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي" [طه]

    2. مُفْرَدَةُ الِالْتِقَاطِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص]

    السُّؤَالُ: [كَيْفِيَّةُ الِالْتِقَاطِ وَحَقِيقَةُ التَّابُوتْ]

    بِدَايَةً، نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ قَدْ جَاءَ وَحْيًا لِأُمِّ مُوسَى بِأَنْ تُلْقِيَ رَضِيعَهَا فِي الْيَمّْ:

    "وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ..." [القصص]

    وَقَدْ كَانَ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْذِفَهُ فِي التَّابُوتْ:

    "إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ..." [طه]
    [موضع الصورة: ظلل وأدرج صورتك هنا]

    لِتَكُونَ التَّسَاؤُلَاتُ الْمَطْرُوحَةُ الْآنَ هِيَ:

    • مَا الْحَاجَةُ إِلَى وُجُودِ التَّابُوتْ؟
    • أَلَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ أَنْ تُلْقِيَ أُمُّ مُوسَى بِرَضِيعِهَا بِالْيَمِّ وَكَفَى (إِنْ كَانَ الْأَمْرُ أَصْلًا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعْجِزَاتِ كَمَا يُرَوِّجُ عَادَةً لِهَذِهِ الْأُمُورِ سَادَتُنَا الْعُلَمَاءُ أَهْلُ الدِّرَايَةِ)؟
    • وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ ذَلِكَ التَّابُوتْ؟
    • وَكَيْفَ وَصَلَ إِلَيْهَا ذَلِكَ التَّابُوتْ؟
    • كَيْفَ قَذَفَتْهُ فِي التَّابُوتْ؟
    • كَيْفَ قَذَفَتْهُ فِي الْيَمّْ؟
    • مَا قِصَّةُ التَّابُوتِ أَصْلًا؟
    • إِلَخْ.

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: [مَصْدَرُ التَّابُوتِ وَعَلَاقَتُهُ بِالسَّكِينَةِ]

    نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ التَّابُوتَ قَدْ وَصَلَ إِلَى أُمِّ مُوسَى بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي وَصَلَ بِهَا إِلَى غَيْرِهَا. فَالتَّابُوتُ قَدْ وَصَلَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى طَالُوتَ كَآيَةِ مُلْكٍ لَهُ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي حَدِيثِهِ إِلَيْهِمْ:

    "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [البقرة]

    وَلَوْ دَقَّقْنَا بِقِصَّةِ ذَاكَ التَّابُوتِ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ مِنْ أَهَمِّ مُوَاصَفَاتِهِ هُوَ وُجُودُ السَّكِينَةِ فِيهِ (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ)

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي لَفْظِ السَّكِينَةِ عَلَى مِسَاحَةِ اللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مَصْدَرَهَا إِلَهِيٌّ، لِذَا فَهِيَ تَأْتِي بِطَرِيقَةِ الْإِنْزَالِ مِنَ اللَّهِ:

    "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" [الفتح]
    "لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" [الفتح]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: عِنْدَمَا تَأْتِي السَّكِينَةُ فَإِنَّهَا تَأْتِي بِطَرِيقَةِ الْإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ.

    السُّؤَالُ: [عَلَاقَةُ السَّكِينَةِ بِحَمْلِ الْمَلَائِكَةِ لِلتَّابُوتْ]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّكِينَةَ قَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي التَّابُوتِ (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ)، لِذَا كَانَ لَابُدَّ مِنْ وُجُودِ مَنْ يَحْمِلُ التَّابُوتَ مِنَ الْأَعْلَى (السَّمَاءْ) لِيَنْزِلَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ مَنْ تَحْمِلُهُ. انْظُرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ مَرَّةً أُخْرَى:

    "...تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [البقرة]

    فَكَانَ فِي ذَلِكَ آيَةٌ (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ)، لِيَكُونَ الِافْتِرَاءُ الْأَكْبَرُ الَّذِي نُحَاوِلُ طَرْحَهُ هُنَا هُوَ ضَرُورَةُ وُجُودِ مَنْ يَحْمِلُ ذَاكَ التَّابُوتَ، أَلَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ (تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ).

    السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيُّ: [كَيْفِيَّةُ الْوَحْيِ لِأُمِّ مُوسَى]

    كَيْفَ جَاءَ الْوَحْيُ إِلَى أُمِّ مُوسَى؟ هَلْ كَانَتْ أُمُّ مُوسَى مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ يُوحَى إِلَيْهِمْ؟ أَمْ هَلْ جَاءَهَا الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ عَنْ طَرِيقِ رَسُولٍ مِنْ رَبِّهَا كَمَا حَصَلَ مَعَ مَرْيَمَ مَثَلًا؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا. فَالنَّصُّ الْقُرْآنِيُّ لَا يَذْكُرُ وُصُولَ رَسُولٍ يُخَاطِبُ أُمَّ مُوسَى بِمَا تَفْعَلْ. وَجُلُّ مَا حَصَلَ هُوَ حُدُوثُ وَحْيٍ جَمَاعِيٍّ (أَيْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ: أَوْحَيْنَا) لِأُمِّ مُوسَى بِأَنْ تَقْذِفَ وَلِيدَهَا فِي التَّابُوتْ. انْظُرِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ كُلَّهَا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَحْيِ لِأُمِّ مُوسَى:

    "وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ..." [القصص]
    "إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ..." [طه]

    السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى: كَيْفَ إِذَنْ حَصَلَ الْوَحْيُ (إِذْ أَوْحَيْنَا) لِأُمِّ مُوسَى بِأَنْ تَقْذِفَ رَضِيعَهَا فِي التَّابُوتِ فَتَقْذِفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْيَمّْ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: يَبْلُغُ مُوسَى سِنَّ الْفِطَامِ، يُصْبِحُ الْخَوْفُ مُسَيْطِرًا عَلَى أُمِّ مُوسَى بِأَنَّ وَلِيدَهَا لَمْ يَعُدْ بِالْإِمْكَانِ التَّسَتُّرُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ لَا شَكَّ سَيَخْرُجُ مِنَ الْبَيْتِ، فَيَنْكَشِفُ أَمْرُهُ، فَمَا الَّذِي يُمْكِنُ لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ حَتَّى تَنْجُوَ بِهِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ لَا شَكَّ لَازَالُوا عَلَى عَادَةِ تَقْتِيلِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ فِي أَرْضِ مِصْرْ:

    "وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ" [الأعراف]

    تَبْقَى أُمُّ مُوسَى شَارِدَةَ التَّفْكِيرِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُهُ فَتْرَةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَنِ، تُحَاوِلُ إِيجَادَ الْمَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا شَكَّ شَغَلَ تَفْكِيرَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، لَكِنَّهَا (كَامْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ) لَا تَنْسَى لَحْظَةً وَاحِدَةً أَنَّ اللَّهَ لَا شَكَّ سَيَهْدِيهَا صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ الْغَمّْ.

    وَبِالْفِعْلِ، مَا أَنْ يُوشِكَ الطِّفْلُ عَلَى الْفِطَامِ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ بِالطَّرِيقَةِ الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِيَةِ: مَا أَنْ تَكُونَ أُمُّ مُوسَى فِي فِنَاءِ بَيْتِهَا حَتَّى يَنْزِلَ ذَلِكَ التَّابُوتُ الَّذِي فِيهِ السَّكِينَةُ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ فَجْأَةً (إِذْ أَوْحَيْنَا)، فَيَنْزِلَ التَّابُوتُ وَيُكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ بِقُوَى خَفِيَّةٍ، فَتُدْرِكَ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ هَذِهِ هِيَ نَجْدَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ وَحْيٌ لَهَا بِأَنَّ هَذَا التَّابُوتَ هُوَ مُصَمَّمٌ خَصِيصًا لِمُوسَى حَتَّى تَضَعَ أُمُّهُ فِيهِ.

    الدَّلِيلُ: [الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَهْدِ وَالتَّابُوتْ]

    نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ الطِّفْلَ عَادَةً مَا يَنْشَأُ فِي الْمَهْدِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَهْدِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأُمُّهُ جَاءَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ:

    "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ..." [مريم]

    وَعِنْدَمَا تَسَاءَلَ الْقَوْمُ عَنْ مَا تَحْمِلُهُ:

    "...قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا" [مريم]

    أَشَارَتْ إِلَيْهِ لِيَتَخَاطَبُوا مَعَهُ:

    "فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ..." [مريم]

    فَجَاءَ اسْتِغْرَابُهُمْ مِنْ كَيْفِيَّةِ تَكْلِيمِهِمْ لِمَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا:

    "...قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا" [مريم]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْمَهْدُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَتَوَاجَدُ فِيهِ الصَّبِيّْ.

    السُّؤَالُ الْمُهِمُّ: لِمَاذَا لَمْ تَضَعْ أُمُّ مُوسَى طِفْلَهَا فِي الْمَهْدِ ثُمَّ تُلْقِي بِهِ فِي الْيَمّْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَهْدَ هُوَ مَا يُمْكِنُ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ أَنْ يَحْمِلَهُ، فَأَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ مَرْيَمَ (أُمَّ عِيسَى) قَدْ جَاءَتْ قَوْمَهَا تَحْمِلُ طِفْلَهَا فِي الْمَهْدِ، لِذَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى التَّعَامُلِ مَعَهُ بِنَفْسِهَا.

    أَمَّا فِي حَالَةِ مُوسَى، فَإِنَّ التَّابُوتَ لَمْ يَكُنْ لِيَقْوَى شَخْصٌ وَاحِدٌ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَهُ بِمُفْرَدِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّابُوتَ مِنَ الْحَجْمِ لِدَرَجَةِ أَنَّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ هُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَلَقَدْ أَتَى التَّابُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ طَالُوتَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ:

    "...تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [البقرة]

    الدَّلِيلُ: [مُفْرَدَةُ الْقَذْفِ وَحَجْمُ التَّابُوتْ]

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا نَجِدُ الدَّلِيلَ عَلَى افْتِرَائِنَا هَذَا الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ التَّابُوتَ هُوَ صُنْدُوقٌ كَبِيرٌ فِي الْحَجْمِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ لِأُمِّ مُوسَى، قَالَ تَعَالَى:

    "إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ..." [طه]

    إِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يُدْرِكُ عَلَى الْفَوْرِ بِأَنَّ عَمَلِيَّةَ إِدْخَالِ أُمِّ مُوسَى لِطِفْلِهَا فِي التَّابُوتِ وَمِنْ ثَمَّ عَمَلِيَّةَ إِدْخَالِ التَّابُوتِ فِي الْيَمِّ قَدْ جَاءَتْ بِاسْتِخْدَامِ فِعْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ "اقْذِفِيهِ". فَأُمُّ مُوسَى قَامَتْ بِقَذْفِ طِفْلِهَا فِي التَّابُوتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَامَتْ بِقَذْفِ التَّابُوتِ الَّذِي قَذَفَتْ فِيهِ طِفْلَهَا فِي الْيَمِّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ كَيْفَ تَمَّتْ عَمَلِيَّةُ الْقَذْفِ هَذِهِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُصَوِّرُ لَنَا الْمَشْهَدَ أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ، قَالَ تَعَالَى:

    "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ" [الصافات]

    لِتَكُونَ الصُّورَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: تَتِمُّ عَمَلِيَّةُ الْقَذْفِ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ مَكَانٍ مَا بِهَدَفِ وُصُولِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ تَتِمُّ عَمَلِيَّةُ قَذْفِ الَّذِينَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ وَذَلِكَ عِنْدَمَا يُرْجَمُونَ بِالشِّهَابْ. انْظُرِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ السَّابِقَةَ فِي سِيَاقِهَا الْقُرْآنِيِّ الْأَوْسَعْ:

    "...وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" [الصافات]

    وَتَتَرَاوَحُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ نُقْطَةِ الِانْطِلَاقِ (أَيْ الْمَصْدَرِ) فِي عَمَلِيَّةِ الْقَذْفِ وَنُقْطَةِ النِّهَايَةِ (أَيْ الْهَدَفِ) حَتَّى قَدْ تَصِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدْ:

    "وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ" [سبأ]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ إِذَنْ قَذَفَتْ أُمُّ مُوسَى طِفْلَهَا فِي التَّابُوتْ؟ وَكَيْفَ قَذَفَتِ التَّابُوتَ (الَّذِي قَذَفَتْ فِيهِ ابْنَهَا) فِي الْيَمّْ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ مَنْ تَحْمِلُ التَّابُوتَ، كَانَ التَّابُوتُ يَتَحَرَّكُ بِقُوَى خَفِيَّةٍ، فَمَا كَانَ مِنْ أُمِّ مُوسَى إِلَّا أَنْ تَقْذِفَ ابْنَهَا فِي التَّابُوتِ، فَتَمَّتْ عَمَلِيَّةُ الْقَذْفِ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (أَيْ دَاخِلَ فِنَاءِ الْبَيْتِ)، فَتَمَّتْ عَمَلِيَّةُ الْقَذْفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ عَمَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ قَذَفَتْ بِالتَّابُوتِ مِنْ فِنَاءِ بَيْتِهَا (الْمَصْدَرِ) فِي الْيَمِّ (الْهَدَفِ)، فَتَمَّتْ عَمَلِيَّةُ الْقَذْفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدْ.

    [موضع الصورة: ظلل وأدرج صورتك هنا]

    وَهَذَا الظَّنُّ يَدْعُونَا إِلَى أَنَّ أُمَّ مُوسَى قَدْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ وَهِيَ فِي بَيْتِهَا، فَأَنَا لَا أَتَخَيَّلُ بِأَنَّ أُمَّ مُوسَى قَدْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا عِنْدَمَا قَذَفَتْ بِالتَّابُوتِ فِي الْيَمِّ، لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَمَا غَفَلَتْ أَعْيُنُ آلِ فِرْعَوْنَ عَنْهَا، وَرُبَّمَا مَا غَفَلَتْ أَعْيُنُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَرُبَّمَا تَمَّ اكْتِشَافُ الْمَصْدَرِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ الطِّفْلُ (الَّذِي وَجَدُوهُ فِي الْيَمِّ) مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى.

    فَعَوْدَةُ مُوسَى إِلَى أُمِّهِ لَمْ تَكُنْ لِتَخْفَى عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ رُبَّمَا كَانُوا سَيَتَمَكَّنُونَ مِنْ إِتْبَاعِ الْأَثَرِ وَاكْتِشَافِ الْمَكْرِ الْإِلَهِيِّ مُنْذُ بِدَايَتِهْ.

    "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" [الأنفال]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ انْتَهَى الْأَمْرُ بِالطِّفْلِ فِي يَدِ آلِ فِرْعَوْنَ؟ لِمَ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ آخَرُونْ؟ لِمَ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ نَفَرٌ آخَرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا؟ أَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَارِدًا فِي حُسْبَانِ أُمِّ مُوسَى؟ مَاذَا لَوْ انْتَهَى الطِّفْلُ فِعْلًا بِيَدِ بَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَئِذٍ هَلْ كَانَ التَّدْبِيرُ الَّذِي فِي ذِهْنِ أُمِّ مُوسَى حِينَئِذٍ سَيَنْجَحْ؟

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا تَمَّ الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ لِأُمِّ مُوسَى بِأَنْ تَقْذِفَ رَضِيعَهَا فِي الْيَمّْ؟ لِمَ لَمْ تَضَعْهُ عَلَى الشَّاطِئِ أَوْ عَلَى الْيَابِسَةِ؟ أَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِ سَلَامَةٌ أَكْبَرُ لِلطِّفْلِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْوَحْيَ الْإِلَهِيَّ قَدْ جَاءَ لِأُمِّ مُوسَى بِأَنْ تَقْذِفَ رَضِيعَهَا فِي الْيَمِّ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي يَدِ نَفَرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَفْشَلَ الْخُطَّةُ بِرُمَّتِهَا.

    السُّؤَالُ: [يَقِينُ أُمِّ مُوسَى بِوُصُولِ الطِّفْلِ لِعَدُوٍّ]

    كَيْفَ عَلِمَتْ أُمُّ مُوسَى أَنَّ فِي قَذْفِهَا لِرَضِيعِهَا فِي الْيَمِّ إِحْكَامًا لِلْخُطَّةِ؟ أَيْ كَيْفَ عَلِمَتْ أَنَّ الطِّفْلَ سَيَنْ تَهِي بِيَدِ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ كَمَا جَاءَ بِالْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ لَهَا كَمَا تُبَيِّنُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ؟

    "...يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي" [طه]

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أُمَّ مُوسَى قَدْ قَذَفَتْ بِرَضِيعِهَا فِي الْيَمِّ وَذَلِكَ لِعِلْمِهَا بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي تُصَوِّرُهَا الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:

    "وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" [الزخرف]

    فَالْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ فِرْعَوْنَ (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي) وَهِيَ جَمِيعًا تَقَعُ تَحْتَ بَصَرِ آلِهِ (أَفَلَا تُبْصِرُونَ). لِذَا لَمْ يَكُنْ آخَرُونَ (كَبَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا) يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَى التَّابُوتِ الَّذِي قَذَفَتْهُ أُمُّ مُوسَى فِي الْيَمِّ دُونَ أَنْ يُبْصِرَ ذَلِكَ آلُ فِرْعَوْنَ.

    فَالْخُطَّةُ الْإِلَهِيَّةُ (نَحْنُ نُؤْمِنُ) قَدْ أُحْكِمَتْ لِتَتِمَّ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ، وَهِيَ أَنْ يَأْخُذَ مُوسَى عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوُّهْ:

    "...يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ..." [طه]

    لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُطْرَحَ الْآنَ هُوَ: كَيْفَ تَمَّتْ عَمَلِيَّةُ أَخْذِ مُوسَى مِنْ قِبَلِ فِرْعَوْنَ (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ)؟ هَلْ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ وَجَدَ مُوسَى بِنَفْسِهِ فَأَخَذَهْ؟ هَلْ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَخْرَجَ الطِّفْلَ مِنَ الْيَمِّ بِنَفْسِهْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: [آلِيَّةُ الْتِقَاطِ آلِ فِرْعَوْنَ لِلطِّفْلْ]

    نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُجِيبُ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلْ:

    "فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص]

    لِنَخْرُجَ مِنْهَا بِالِاسْتِنْبَاطَاتِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةْ:

    • كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ هُمْ مَنِ الْتَقَطُوا الطِّفْلَ مِنَ الْيَمّْ.
    • تَمَّتِ الْعَمَلِيَّةُ بِطَرِيقَةِ الِالْتِقَاطْ.
    • كَانَتْ نَتِيجَةُ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الطِّفْلُ عَدُوًّا وَحَزَنًا لِآلِ فِرْعَوْنَ.
    • كَانَ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا خَاطِئِينَ.
    • إِلَخْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَجْمِيعُ هَذِهِ الِافْتِرَاءَاتِ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: أَوَّلًا، لَمَّا كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ هُمْ مَنِ الْتَقَطُوا هَذَا الطِّفْلَ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ أَحَدٍ مِنْهُمْ (بِشَخْصِهِ) أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَالْتِقَاطُ الطِّفْلِ تَمَّ بِعَمَلِيَّةٍ جَمَاعِيَّةٍ (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    ثَانِيًا، لَمَّا كَانَ هَذَا الطِّفْلُ سَيَكُونُ عَدُوَّ وَحَزَنًا لَهُمْ (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، فَأَنَّ أَمْرَهُ – لَا شَكَّ - قَدْ أَشْكَلَ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى وَقَعُوا (نَحْنُ نَظُنُّ) فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ. فَلَا أَخَالُ أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يُحْدِثْ بَيْنَهُمْ هَرْجًا كَبِيرًا. فَلَعَلِّي أَتَخَيَّلُ مِقْدَارَ الْجَلَبَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا الْعُثُورُ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ غَيْرِ الْعَادِيَّةِ وَفِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِالذَّاتْ.

    ثَالِثًا، لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا خَاطِئِينَ (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)، فَإِنَّ خَبَرَ الْتِقَاطِ هَذَا الطِّفْلِ مِنَ الْيَمِّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَحَاوَلُوا الْبَحْثَ عَنِ الْمَصْدَرِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ هَذَا الطِّفْلُ، وَنَحْنُ نَتَخَيَّلُهُمْ وَقَدْ وَضَعُوا جَمِيعَ الِافْتِرَاضَاتِ وَالِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي تَكُونُ قَدْ خَطَرَتْ عَلَى بَالِهِمْ حِينَئِذٍ، لَكِنَّهُمْ انْتَهَوْا جَمِيعًا بِأَنْ يَكُونُوا خَاطِئِينَ (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ).

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا مِنْ مَعْرِفَةِ مَصْدَرِ هَذَا الطِّفْلْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي كَانَ لَهَا عَلَاقَةٌ بِالْأَمْرِ هِيَ عَمَلِيَّاتُ الْقَذْفِ وَالِالْتِقَاطِ الَّتِي حَصَلَتْ لِلطِّفْلْ.

    السُّؤَالُ: [تَفْصِيلُ عَمَلِيَّةِ الْقَذْفِ وَالِالْتِقَاطْ]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 1: لَمَّا كَانَتْ أُمُّ مُوسَى قَدْ قَذَفَتِ التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ، لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّهَا قَدْ دَفَعَتْ بِالتَّابُوتِ مِنْ بَيْتِهَا وَيُكَأَنَّهُ "قَذِيفَةٌ" بِاتِّجَاهِ الْيَمِّ، فَتَوَجَّهَتِ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي تَحْمِلُ التَّابُوتَ بِهِ إِلَى الْيَمِّ حَيْثُ اسْتَقَرَّ هُنَاكَ. لِذَا أَصْبَحَ مِنَ الْمُتَعَذِّرِ عَلَى الْجُنُودِ أَنْ يَقُصُّوا أَثَرَهُ، فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُحَدِّدُوا الْمَكَانَ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ التَّابُوتْ.

    وَلَوْ كَانَتْ أُمُّ مُوسَى هِيَ مَنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا بِذَلِكَ التَّابُوتِ لِتَقْذِفَهُ فِي الْيَمِّ (كَمَا صَوَّرَتْ لَنَا الْقِصَّةَ فِي كُتُبِ التُّرَاثِ) لَرُبَّمَا سَهُلَ عَلَى جُنُودِ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ أَنْ يَقُصُّوا أَثَرَهُ. فَقَصُّ الْأَثَرِ كَانَ شَائِعًا ي ذَلِكَ الزَّمَنِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ أُمَّ مُوسَى نَفْسَهَا قَدْ طَلَبَتْ مِنْ أُخْتِهِ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ أَنْ تَقُصَّهُ:

    "وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" [القصص]

    وَهَا هُوَ مُوسَى نَفْسُهُ يَرْتَدُّ مَعَ فَتَاهُ عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا:

    "قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا" [الكهف]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: مَادَامَ أَنَّ أُمَّ مُوسَى قَدْ أَرْسَلَتْ بِالتَّابُوتِ الَّذِي قَذَفَتْ فِيهِ رَضِيعَهَا إِلَى الْيَمِّ بِطَرِيقَةِ الْقَذْفِ، فَهِيَ إِذَنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا، وَإِنَّمَا جُلُّ مَا فَعَلَتْ هُوَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) دَفْعُ التَّابُوتِ مِنْ فِنَاءِ بَيْتِهَا بِاتِّجَاهِ الْيَمِّ كَـ "الْقَذِيفَةِ".

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: مُوسَى أُرْسِلَ إِلَى الْيَمِّ بِطَرِيقَةِ الْقَذْفْ.

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 2: لَمَّا كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ – بِالْمُقَابِلِ - هُمْ مَنِ الْتَقَطُوا مُوسَى مِنَ الْيَمِّ، فَإِنَّ الْعَمَلِيَّةَ قَدْ تَمَّتْ هُنَا أَيْضًا بِطَرِيقَةٍ مُحَدَّدَةٍ. لِذَا وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهَا بِكُلِّ دِقَّةٍ مُمْكِنَةٍ حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَتَخَيَّلَ الْمَشْهَدَ كَمَا حَصَلَ فِعْلًا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوحُ الْآنَ هُوَ: كَيْفَ تَمَّتْ عَمَلِيَّةُ الْتِقَاطِ آلِ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) مِنَ الْيَمّْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ مُمْكِنَةٌ شَرِيطَةَ فَهْمِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ نَفْسِهِ، أَيْ الْفِعْلِ "فَالْتَقَطَهُ" الَّذِي جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا:

    "فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ تَتِمُّ عَمَلِيَّةُ الِالْتِقَاطِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَمَلِيَّةَ الِالْتِقَاطِ يَجِبُ أَنْ تَتِمَّ مِنَ الْأَعْلَى. انْتَهَى.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الصُّرُوحَ الْمُتَنَاثِرَةَ فِي سَمَاءِ مِصْرَ فَوْقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ، اسْتَطَاعَ آلُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَرَوْا بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ ذَلِكَ التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَتَجَرَّأَ أَحَدٌ مِمَّنْ يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ حِينَئِذٍ (وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ) أَنْ يَقْتَرِبَ مِنَ التَّابُوتِ لِيَأْخُذَهُ دُونَ بَصَرِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَهُمُ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ الْأَنْهَارَ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِ فِرْعَوْنْ:

    "وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" [الزخرف]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ إِذَنْ سَيَتِمُّ أَخْذُ فِرْعَوْنَ لِهَذَا الطِّفْلِ كَمَا جَاءَ بِالْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ لِأُمِّ مُوسَى مِنْ قَبْلْ؟

    "أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ..." [طه]

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْأَمْرَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: مَا أَنْ أَبْصَرَ آلُ فِرْعَوْنَ تِلْكَ الْأَنْهَارَ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِ فِرْعَوْنَ حَتَّى رَأَوْا التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ أَدْلَوْا بِدَلْوِهِمْ، أَيْ مَا يُشْبِهُ الْحَبْلَ، لِيَرْبِطُوا بِهِ التَّابُوتَ، ثُمَّ لِيَرْفَعُوهُ إِلَى الْأَعْلَى حَيْثُ صُرُوحُهُمْ.

    السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْخَيَالِ الْمُزَيَّفِ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ تَكْمُنُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ (كَمَا نَفْهَمُهَا بِالطَّبْعِ)، وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي تُصَوِّرُ لَنَا أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ عَمَلِيَّةَ الْتِقَاطِ السَّيَّارَةِ لِيُوسُفَ الْمُتَوَاجِدِ فِي غَيَابَةِ الْجُبّْ:

    "قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" [يوسف]

    السُّؤَالُ الْآنَ: كَيْفَ تَتَخَيَّلُ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - عَمَلِيَّةَ الْتِقَاطِ يُوسُفَ مِنْ دَاخِلِ غَيَابَةِ الْجُبِّ قَدْ تَمَّتْ عَلَى يَدِ بَعْضِ السَّيَّارَةِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: [تَقَاطُعَاتُ قِصَّةِ يُوسُفَ وَمُوسَى]

    لَاحِظْ عَزِيزِي الْقَارِئَ التَّقَاطُعَاتِ التَّالِيَةَ بَيْنَ الْحَادِثَتَيْنِ:

    • أَنَّ الْمُلْتَقَطَ هُوَ فِي الْحَالَتَيْنِ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، فَيُوسُفُ هُوَ مَنِ الْتَقَطَهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ وَمُوسَى هُوَ مَنِ الْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ.
    • أَنَّ الْكَيْدَ الْإِلَهِيَّ كَانَ حَاضِرًا فِي الْحَالَتَيْنِ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ دَبَّرَ الْأَمْرَ فِي الْحَالَتَيْنِ.
    • أَنَّ عُنْصُرَ الْمَاءِ مُتَوَافِرٌ فِي الْحَالَتَيْنِ، فَيُوسُفُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَمُوسَى فِي الْيَمّْ.
    • أَنَّ عَمَلِيَّةَ الِاسْتِخْرَاجِ قَدْ تَمَّتْ بِفِعْلِ الِالْتِقَاطِ فِي الْحَالَتَيْنِ.
    • إِلَخْ.

    (لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ التَّقَاطُعَاتِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَمُوسَى، انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ يُوسُفَ ثُمَّ قِصَّةُ مُوسَى)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَتَصَوَّرُ عَمَلِيَّةَ الْتِقَاطِ آلِ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى مِنَ الْيَمِّ وَقَدْ تَمَّتْ بِنَفْسِ آلِيَّةِ الْتِقَاطِ يُوسُفَ مِنْ غَيَابَةِ الْجُبِّ، فَكَمَا أَدْلَى وَارِدُ السَّيَّارَةِ دَلْوَهُ، أَدْلَى بَعْضُ آلِ فِرْعَوْنَ مَا يُشْبِهُ الْحَبْلَ. وَمَا أَنْ تَعَلَّقَ يُوسُفُ بِحَبْلِ الدَّلْوِ حَتَّى أَعَانَ الْقَوْمُ وَارِدَهُمْ فِي رَفْعِ الْغُلَامِ مِنْ غَيَابَةِ الْجُبِّ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الِالْتِقَاطُ (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ).

    [موضع الصورة: ظلل وأدرج صورتك هنا]

    وَنَحْنُ نَتَصَوَّرُ الْمَشْهَدَ قَدْ حَصَلَ بِنَفْسِ الْآلِيَّةِ فِي حَالَةِ مُوسَى، فَمَا أَنْ رَأَى آلُ فِرْعَوْنَ التَّابُوتَ فِي الْيَمِّ حَتَّى الْتَقَطُوهُ، بِأَنْ أَدْلَوْا إِلَيْهِ مَا يُشْبِهُ الْحَبْلَ، وَمَا أَنْ عَلِقَ التَّابُوتُ بِتِلْكَ الْحِبَالِ حَتَّى رَفَعُوهُ إِلَيْهِمْ فِي صُرُوحِهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الِالْتِقَاطُ (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ).

    السُّؤَالُ: [مَا بَعْدَ الِالْتِقَاطْ]

    مَا الَّذِي تَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَا أَنْ تَمَّ رَفْعُ التَّابُوتِ (الْتِقَاطًا) إِلَى صُرُوحِ آلِ فِرْعَوْنَ حَتَّى نَظَرَ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) بَعْضُهُمْ فِيهِ، فَكَانَتِ الْبُشْرَى غَيْرُ السَّارَّةِ لَهُمْ: وُجُودُ غُلَامٍ فِي التَّابُوتِ، فَمَا صَاحَ أَحَدُهُمْ بِالْبُشْرَى كَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ يُوسُفَ:

    "وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" [يوسف]

    بَلْ - عَلَى الْعَكْسِ - كَانَ هَذَا الْغُلَامُ الْمُتَوَاجِدُ فِي التَّابُوتِ عَدُوًّا وَحَزَنًا لَهُمْ:

    "فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا لَمْ يَكُنِ الْعُثُورُ عَلَى غُلَامٍ فِي التَّابُوتِ لِيُسَبِّبَ الْبُشْرَى لِآلِ فِرْعَوْنَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ الْأَمْرَ سَيُشَكِّلُ لَهُمْ حَرَجًا كَبِيرًا أَمَامَ فِرْعَوْنَ نَفْسِهْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَا شَكَّ أَنَّ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَهَاوُنَ فِيهَا فِي زَمَنِ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِ هُوَ التَّأَكُّدُ مِنْ هُوِيَّةِ كُلِّ طِفْلٍ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ هَذَا لَا شَكَّ قَدْ عَمَدَ إِلَى تَذْبِيحِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَفْسِهِ:

    "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" [القصص]

    وَمَادَامَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ قَدِ الْتُقِطَ مِنَ الْمَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي لَا شَكَّ سَيَذْبَحُهُ فِرْعَوْنُ بِيَدِهِ. فَلَا مَجَالَ لِلْمُهَادَنَةِ فِي هَذَا. فَمَا الَّذِي سَيَفْعَلُهُ آلُ فِرْعَوْنَ عَلَى الْفَوْرِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَمْ يَكُنْ لِيَتَجَرَّأَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ عَلَى التَّكَتُّمِ عَلَى الْخَبَرِ (أَيْ الْعُثُورِ عَلَى غُلَامٍ مَجْهُولِ الْهُوِيَّةِ فِي التَّابُوتِ الَّذِي تَمَّ الْتِقَاطُهُ مِنَ الْيَمِّ)، لِذَا كَانَ لَابُدَّ مِنْ نَقْلِ الْخَبَرِ مُبَاشَرَةً إِلَى فِرْعَوْنَ، لِيَنْظُرَ بِنَفْسِهِ فِيهِ.

    السُّؤَالُ: [وُصُولُ الْخَبَرِ لِفِرْعَوْنَ وَعَمَلِيَّةُ التَّحَرِّي]

    مَا الَّذِي حَصَلَ عِنْدَمَا وَصَلَ خَبَرُ الْغُلَامِ فِي التَّابُوتِ إِلَى فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّهُ مَا أَنْ وَصَلَ خَبَرُ الْغُلَامِ فِي التَّابُوتِ إِلَى فِرْعَوْنَ حَتَّى حَضَرَ الْجُنْدُ جَمِيعًا عَلَى الْفَوْرِ، فَمَا كَانَ مِنْ فِرْعَوْنَ إِلَّا أَنْ يُصْدِرَ أَوَامِرَهُ بِتَحَرِّي أُصُولِ هَذَا الطِّفْلِ الْمُتَوَاجِدِ فِي التَّابُوتْ، وَانْظُرْ إِنْ شِئْتَ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - كَيْفَ أَنَّ ذِكْرَ الْجُنُودِ قَدْ جَاءَ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْتِقَاطِ الطِّفْلِ فِي التَّابُوتْ:

    "فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص]

    لِيَكُونَ الْمَشْهَدُ الْآنَ (كَمَا نَتَخَيَّلُهُ) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَحْضُرُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ كَمَا يَحْضُرُ هَامَانُ وَجُنُودُهُ، وَتَبْدَأُ عَمَلِيَّةُ "كُوجَاك" الشَّهِيرَةُ فِي التَّحَرِّي عَنْ أُصُولِ هَذَا الطِّفْلِ، وَهُنَا يُحَاوِلُ الْجَمِيعُ تَحَرِّي الْخَبَرِ بِطَرِيقَتِهِ.

    فَلَا شَكَّ أَنَّ الْجُنُودَ قَدْ فَتَّشُوا الْبُيُوتَ مُحَاوِلِينَ أَنْ يَقُصُّوا أَثَرَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ قَدْ رَصَدُوا كُلَّ التَّحَرُّكَاتِ الَّتِي تَمَّتْ عَلَى الْيَمِّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَخَابِرَ تَحْلِيلِ الْحِمْضِ النَّوَوِيِّ قَدْ اشْتَغَلَتْ بِكَامِلِ طَاقَتِهَا، إِلَخْ.

    لَكِنْ مَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟

    جَوَابٌ: لَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا جَمِيعًا خَاطِئِينَ:

    "...إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" [القصص]

    وَلَوْ فَتَّشْنَا عَنْ مُفْرَدَةِ "خَاطِئِينَ" عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَمَا وَجَدْنَا قَدْ وَرَدَتْ إِلَّا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ:

    "قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ" [يوسف]
    "قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ" [يوسف]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا الْآنَ هِيَ أَنَّ مَنْ كَانُوا خَاطِئِينَ هُمُ الَّذِينَ أَخْطَئُوا التَّقْدِيرَ، فَجَاءَ ظَنُّهُمْ فِي بَابِ الْحِسْبَةِ وَلَيْسَ التَّقْدِيرِ. فَهُمُ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ (فَيُخْطِئُونَ) بَيْنَمَا اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَدِّرُ (فَلَا مَجَالَ لِلْخَطَأِ).

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا أَخْطَأَ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا يَرْجِعُ إِلَى حَقِيقَةِ أَنَّ الْغُلَامَ قَدْ وُجِدَ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ لَيْسَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ كَحَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ سُكَّانِ كَبِدِ السَّمَاءِ (كَحَالِ آلِ فِرْعَوْنَ)، وَلَكِنَّهُ مِنْ سُكَّانِ مَا بَيْنَهُمَا (أَيْ الْمَاءِ). فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ فِرْعَوْنُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُمَا تَحْدِيدَ هُوِيَّتِهْ؟

    جَوَابٌ: لَقَدِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ هُوَ "مُوسَى" أَيْ طِفْلُ الْمَاءِ (مُو) وَالْيَابِسَةِ (سَى)، أَيْ الطِّفْلُ الْبَرْمَائِيُّ، الَّذِي يَصْعُبُ تَحْدِيدُ هُوِيَّتِهِ. فَلَمْ يَتَّخِذُوا لَهُ اسْمًا كَأَسْمَاءِ آلِ فِرْعَوْنَ أَوْ اسْمًا كَأَسْمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّقْلِيدِيَّةْ.

    لَكِنْ حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِرْعَوْنُ مِنْ جَمِيعِ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ، كَانَ لَابُدَّ مِنَ الْإِجْرَاءِ التَّالِي: حَشْرُ الْجَمِيعِ لِيَشْهَدُوا بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ مَا سَيَفْعَلُهُ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ بِهَذَا الطِّفْلْ.

    السُّؤَالُ: [حَشْرُ النَّاسِ وَإِفْرَاغُ فُؤَادِ أُمِّ مُوسَى]

    هَلْ فِعْلًا حَشَرَ فِرْعَوْنُ الْجَمِيعَ فِي مَشْهَدٍ يَحْضُرُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَآلُ فِرْعَوْنَ لِيَشْهَدُوا مَا سَيَفْعَلُهُ فِرْعَوْنُ بِهَذَا الطِّفْلِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نَتَخَيَّلُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ فِعْلًا لِنَرَى مَا يُمْكِنُ أَنْ تَؤُولَ إِلَيْهِ الْأُمُورُ بَعْدَ ذَلِكَ.

    السُّؤَالُ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ (إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ)؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَهُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ (كَمَا نَفْهَمُهَا بِالطَّبْعِ):

    "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [القصص]

    التَّسَاؤُلَاتُ:

    • كَيْفَ كَادَتْ أُمُّ مُوسَى لِتُبْدِيَ بِهِ؟
    • أَلَمْ يَأْتِهَا وَحْيٌ إِلَهِيٌّ بِمَا فَعَلَتْ مِنْ قَبْلْ؟
    • مَا الَّذِي يُجْبِرُهَا لِتُبْدِيَ بِهِ بَعْدَ هَذَا الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ لَهَا؟
    • أَلَمْ تَكُنِ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً تَثِقُ بِوَحْيِ رَبِّهَا؟
    • لِمَ إِذَنْ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ إِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى التَّحَمُّلِ أَصْلًا؟
    • وَمَتَى كَادَتْ فِعْلًا أَنْ تُبْدِيَ بِهِ؟
    • إِلَخْ.

    افْتِرَاءٌ 1: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ مُوسَى فِي الصُّبْحِ (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا)، أَيْ فِي صَبِيحَةِ الْيَوْمِ التَّالِي لِقَذْفِهِ فِي الْيَمّْ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا فِي الصُّبْحِ؟ لِمَ لَمْ يَفْرَغْ فُؤَادُهَا قَبْلَ ذَلِكَ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا حَصَلَ فِي الصُّبْحِ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ حَشَرَ النَّاسَ فِي الضُّحَى كَعَادَتِهْ:

    "قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى" [طه]

    فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الرَّهِيبَةِ الَّتِي حُشِرَ النَّاسُ فِيهَا لِفِرْعَوْنَ ضُحًى، خَرَجَ فِرْعَوْنُ مُخَاطِبًا لَهُمْ جَمِيعًا، فَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ هَذَا الطِّفْلِ (مُوسَى) الَّذِي الْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ مِنَ الْيَمِّ، طَالِبًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ يَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَ هُوِيَّةِ هَذَا الطِّفْلِ. وَلَا أَكَادُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ دُونَ تَهْدِيدٍ وَاضِحٍ مِنْ فِرْعَوْنَ بِقَتْلِ الطِّفْلِ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِ الْحَشْدِ مَنْ يَعْتَرِفُ لَهُ بِنَسَبِ الطِّفْلْ.

    وَنَحْنُ نَتَخَيَّلُ فِرْعَوْنَ فِي هَذَا الْمَشْهَدِ مُخَاطِبًا النَّاسَ جَمِيعًا يَقُولُ:

    آلُ فِرْعَوْنَ الْمُبَجَّلُونَ، بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمُسْتَعْبَدُونَ، اسْمَعُوا جَيِّدًا مَا أَقُولُهُ لَكُمْ الْيَوْمَ، فَالْأَمْرُ جِدُّ خَطِيرٍ، لَقَدِ الْتَقَطَ آلُ فِرْعَوْنَ فِي الْأَمْسِ هَذَا الطِّفْلَ مِنَ التَّابُوتِ، وَقَدْ تَحَرَّكَ الْجُنْدُ عَلَى الْفَوْرِ لِلْبَحْثِ عَنْ أَهْلِهِ وَتَحْدِيدِ هُوِيَّتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، لِذَا فَأَنَا الْآنَ لَا مَحَالَةَ سَأَذْبَحُ هَذَا الطِّفْلَ بِيَدِي إِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِكُمْ مَنْ يَعْتَرِفُ لَنَا بِنَسَبِ هَذَا الطِّفْلِ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَهُ. انْتَهَى.

    نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الصَّمْتَ الرَّهِيبَ يَسُودُ الْمَكَانَ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي قَالَهُ فِرْعَوْنُ فِي الْحَشْرِ، كَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَخَيَّلَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ كُلُّهُ عَلَى مَسْمَعٍ وَمَرْأَى مِنْ أُمِّ مُوسَى نَفْسِهَا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ رَدَّةُ فِعْلِ أُمٍّ تَرَى رَضِيعَهَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ الرَّهِيبْ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْخَوْفَ قَدْ وَصَلَ بِهَا إِلَى حَدٍّ لَا يَسْتَطِيعُ فُؤَادُهَا أَنْ يَتَحَمَّلَهُ، فَالْمَرْأَةُ الْآنَ فِي مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ الْوَاقِعِ: فَطِفْلُهَا بِيَدِ فِرْعَوْنَ وَقَدْ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ، فَمَا الَّذِي سَتَفْعَلُهْ؟

    جَوَابٌ: فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) كَادَتْ أُمُّ مُوسَى لِتُبْدِيَ بِهِ لَوْلَا التَّدَخُّلُ الْإِلَهِيُّ الْمُبَاشِرُ بِالرَّبْطِ عَلَى قَلْبِهَا:

    "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [القصص]

    فَسَكَتَتِ الْمَرْأَةُ لَيْسَ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشْهَدِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئًا مَادَامَ أَنَّ قَلْبَهَا قَدْ رُبِطَ بِأَمْرٍ إِلَهِيّْ.

    السُّؤَالُ: [تَدَخُّلُ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَالْكَيْدُ الْإِلَهِيّْ]

    مَا الَّذِي حَصَلَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الدَّرَامِيَّةِ الَّتِي هِيَ غَايَةٌ فِي الْخُطُورَةِ (وَرُبَّمَا التَّشْوِيقُ لِمَنْ لَا يَهُمُّهُ الْأَمْرُ)؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نُدَقِّقُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "...إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" [القصص]

    عِنْدَمَا تَأَكَّدَ لِفِرْعَوْنَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) أَنَّ أَحَدًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِنَسَبِ هَذَا الطِّفْلِ فِيهِمْ، أَصْبَحَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) أَمْيَلَ إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ هَذَا الطِّفْلَ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَا ضَيْرَ إِذَنْ مِنْ تَمْرِيرِ طَلَبِ زَوْجَتِهِ الَّذِي طَلَبَتْهُ مِنْهُ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُ، وَلَا ضَيْرَ فِي أَنْ يَتَرَبَّى فِيهِ.

    فَتَمَّتْ مَكِيدَةُ اللَّهِ بِفِرْعَوْنَ وَآلِهِ، وَمِنْ هُنَاكَ بَدَأَتْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) سُورَةُ الْقَصَصِ الْعَظِيمَةْ:

    "طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ..." [القصص]
    "...وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ" [القصص]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: هَكَذَا (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) بَدَا التَّمْكِينُ الْإِلَهِيُّ فِي الْأَرْضِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ)، وَهَكَذَا تَمَّ الْوَعْدُ الْإِلَهِيُّ بِرُؤْيَةِ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودِهِمَا مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)، فَآتَاهُمُ اللَّهُ (كَمَا أَتَى كُلَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِهِمْ) مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا:

    "هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا..." [الحشر]

    فَكَانَتِ الْمُوَاجَهَةُ بَيْنَ التَّقْدِيرِ الْإِلَهِيِّ لِلْأَمْرِ وَالْحِسْبَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ لَهُ. فَـ لِمَنْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ؟

    قَالَ تَعَالَى:

    "إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" [المجادلة]
    (دُعَاءْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ يُحَادُّونَكَ، وَأَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ فِي أَنْصَارِكَ، لِتَجْعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَتُكَ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّكَ كُنْتَ بِي بَصِيرًا – آمِينْ)

    الْبَابُ الثَّانِي: [فِرْعَوْنُ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا]

    تَطَرَّقْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى عَجَلٍ لِبَعْضِ مَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الْخَاصَّةِ بِآلِ فِرْعَوْنَ بِشَكْلٍ عَامٍّ وَبِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ خَاصّْ:

    "وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ" [القمر]
    "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ * قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ" [طه]

    وَحَاوَلْنَا تَقْدِيمَ الِافْتِرَاءَيْنِ التَّالِيَيْنِ:

    • كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ هُمْ فَقَطْ مَنْ جَاءَتْهُمْ آيَاتُ اللَّهِ كُلُّهَا، فَكَذَّبُوا بِهَا (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ).
    • كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ فَقَطْ مَنْ رَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى).

    وَحَاوَلْنَا طَرْحَ التَّسَاؤُلِ الْكَبِيرِ جِدًّا التَّالِي: مَتَى رَأَى فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا؟

    فَظَنَنَّا مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى يَدِ مُوسَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ قَدَّمَ لِفِرْعَوْنَ الْآيَةَ الْكُبْرَى فَقَطْ:

    "إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ" [النازعات]
    "فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ" [النازعات]

    وَبِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا (رُبَّمَا الْخَاطِئِ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ) افْتَرَيْنَا الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ رُؤْيَةَ فِرْعَوْنَ لِلْآيَاتِ كُلِّهَا كَانَتْ قَدْ حَصَلَتْ عِنْدَمَا بَلَغَ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُحَاوِلًا الِاطِّلَاعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى.

    فَمَا أَنْ بَلَغَ فِرْعَوْنُ بِاسْتِخْدَامِهِ ذَلِكَ الصَّرْحَ الَّذِي بَنَاهُ لَهُ هَامَانُ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الْمُبَاشِرَةُ الْأُولَى – بِرَأَيْنَا - أَنْ خَابَ ظَنُّ فِرْعَوْنَ بِأَنَّ مُوسَى مِنَ الْكَاذِبِينَ كَمَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ حَوْلَهُ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ صَرْحًا:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" [القصص]

    وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ – بِرَأَيْنَا - رُؤْيَةَ فِرْعَوْنَ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا هُنَاكَ:

    "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ" [طه]

    وَمَا أَنْ بَدَأَتْ آيَاتُ اللَّهِ تَأْتِي آلَ فِرْعَوْنَ الْوَاحِدَةَ تِلْوَ الْأُخْرَى:

    "وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ" [القمر]

    حَتَّى كَانَتْ كُلُّ آيَةٍ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا:

    "وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الزخرف]

    فَمَا كَانَ ظَنُّهُمْ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا تَقَعُ فِي بَابِ السِّحْرِ:

    "وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ" [الزخرف]

    وَمَا تَزَحْزَحَ فِرْعَوْنُ عَنْ مَوْقِفِهِ بِأَنَّ هَذَا يَقَعُ فِي بَابِ السِّحْرِ:

    "قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ" [طه]

    فَكَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَضَلَّ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى:

    "وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ" [طه]

    فَكَانَتْ هَذِهِ – بِرَأَيْنَا - وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْفُرُوقِ الَّتِي تُمَيِّزُ فِرْعَوْنَ (كَإِلَهٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ لَا يَهْدِي) عَنِ الْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّ (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ) الَّذِي لَا شَكَّ هُوَ يَهْدِي كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى فِي خِطَابِهِ الْأَوَّلِ مَعَ فِرْعَوْنَ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي الْحِوَارِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا:

    فِرْعَوْنُ: قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ [طه]

    مُوسَى: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ [طه]

    وَسَنُحَاوِلُ الْآنَ تَقْدِيمَ الدَّلِيلِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ يَدْعَمُ افْتِرَاءَنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ هَذَا قَدْ رَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا عِنْدَمَا بَلَغَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ" [غافر]

    الدَّلِيلُ: [بُلُوغُ الْأَسْبَابِ وَالْوُصُولُ لِلْآفَاقْ]

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْلَبَ بَعْدَ طَرْحِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي: إِلَى أَيْنَ وَصَلَ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنْ اسْتَخْدَمَ ذَلِكَ الصَّرْحَ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ هَامَانُ؟

    "...فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" [القصص]

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ بَلَغَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ..." [غافر]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: أَيْنَ هِيَ تِلْكَ الْأَسْبَابُ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَحْنُ نَسْأَلُ: أَيْنَ هِيَ أَسْبَابُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِعْلًا؟ فَلَوْ أَرَدْتُ أَنَا (أَوْ أَنْتَ) أَنْ نَبْلُغَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (كَمَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ) فَأَيْنَ – يَا تُرَى - يَجِبُ أَنْ نَذْهَبَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِلَى الْآفَاقْ.

    نَعَمْ، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هِيَ فِي آفَاقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَالذَّهَابُ فِي رِحْلَةٍ إِلَى أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَتَطَلَّبُ الذَّهَابَ إِلَى تِلْكَ الْآفَاقْ.

    الدَّلِيلُ: [مُقَارَنَةُ رِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَبُلُوغِ فِرْعَوْنَ]

    أَوَّلًا: مُحَمَّدٌ لَمْ يَبْلُغِ الْآفَاقْ.

    لَوْ حَاوَلْنَا تَدَبُّرَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) مَا حَصَلَ فِعْلًا مَعَ صَاحِبِنَا (مُحَمَّدٍ) فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامْ:

    "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الإسراء]

    لَخَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ الْخَطِيرِ جِدًّا التَّالِي: لَمَّا كَانَ هَدَفُ الذَّهَابِ فِي رِحْلَةٍ إِلَى هُنَاكَ هُوَ لِيُرِيَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ آيَاتِهِ (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَرَ إِذًا آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا. أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    وَلَوْ دَقَّقْنَا مَلِيًّا بِمَا حَصَلَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ، لَوَجَدْنَا النَّتِيجَةَ ذَاتَهَا: أَنَّ مُوسَى لَمْ يَرَ كَذَلِكَ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا. وَاقْرَأْ – إِنْ شِئْتَ - قَوْلَهُ تَعَالَى الْخَاصَّ بِمُوسَى:

    "لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ" [طه]

    لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ - كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ رَأَى آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا:

    "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ" [طه]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيُّ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا رَأَى مُحَمَّدٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) وَلِمَاذَا رَأَى مُوسَى مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْكُبْرَى (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) بَيْنَمَا رَأَى فِرْعَوْنُ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا)؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لَا تُصَدِّقُوهُ: لِأَنَّ مُحَمَّدًا وَمُوسَى لَمْ يَصِلَا إِلَى الْآفَاقِ بَيْنَمَا وَصَلَ فِرْعَوْنُ إِلَى الْآفَاقِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَى آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَنْ يَصِلَ إِلَى الْآفَاقِ. انْتَهَى.

    لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ بِالْآفَاقِ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَانَ هُنَاكَ:

    "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ" [النجم]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيُّ الْآنَ هُوَ: مَنِ الَّذِي كَانَ فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى؟ هَلْ هُوَ مُحَمَّدٌ؟ أَمْ هَلْ هُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ؟ أَمْ هَلْ هُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى هُوَ لَيْسَ مُحَمَّدًا، وَذَلِكَ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةْ:

    • لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى هُوَ الْمُعَلِّمُ وَلَيْسَ الْمُتَعَلِّمَ (أَيْ مُحَمَّدًا): "عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى".
    • لِأَنَّ الَّذِي كَانَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى هُوَ الَّذِي كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: "فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى".
    • وَلِأَنَّ الَّذِي كَانَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى هُوَ الَّذِي أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى: "فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ".

    (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَى كَيْفَ تَتِمُّ عَمَلِيَّةُ التَّلَاعُبِ بِمَرْجِعِيَّةِ الضَّمَائِرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْلِبَ صَفَحَاتِ كُتُبِ التُّرَاثِ لِيَرَى كَيْفَ يُرْجِعُ سَادَتُنَا أَهْلُ الدِّرَايَةِ الضَّمِيرَ إِلَى الْكَيْنُونَةِ الَّتِي يُرِيدُونَهَا مَتَى شَاءُوا وَكَيْفَمَا شَاءُوا. أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ يَعُودُ عَلَى الْكَيْنُونَةِ نَفْسِهَا: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10)، فَالْمُعَلِّمُ هُوَ "ذُو" وَالْمُتَعَلِّمُ هُوَ عَبْدِهِ)

    إِنَّ مَا يَهُمُّنَا الْآنَ فِي هَذَا الطَّرْحِ هُوَ ظَنُّنَا التَّالِي: لَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ هُوَ الْمُتَوَاجِدَ فِي الْأُفُقِ الْأَعْلَى، لَرُبَّمَا رَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ آيَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا. لَكِنْ مَادَامَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، فَهُوَ إِذًا لَمْ يَرَ إِلَّا مِنْ آيَاتِ رَبِّهْ:

    "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الإسراء]

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِي، فَـ لَرُبَّمَا تَأَكَّدَ ظَنُّنَا بِأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُتَوَاجِدَ فِي الْأُفُقْ:

    "وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ" [التكوير]

    السُّؤَالُ: مَنِ الَّذِي رَأَى مَنْ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ؟

    جَوَابٌ: مَنْ يَدْرِي؟!!!

    ثَانِيًا: فِرْعَوْنُ بَلَغَ الْآفَاقْ.

    لَكِنْ بِالْمُقَابِلِ، لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ بَلَغَ الْأَسْبَابَ، فَهُوَ إِذَنْ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَطَّلِعَ إِلَى الْأُفُقِ الْأَعْلَى، فَرَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ "آيَاتِنَا كُلَّهَا":

    "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ" [طه]

    السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ اطَّلَعَ إِلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ بِالْآفَاقِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نَجْلِبُ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ التَّالِي، لِنَرَى مَا قَدْ تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْأَفْهَامُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى:

    "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" [فصلت]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تُثِيرُ سِلْسِلَةً مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ ذَاتِ الْعَلَاقَةِ بِفَحْوَى النِّقَاشِ هُنَا، نَذْكُرُ مِنْهَا:

    • أَيْنَ هِيَ آيَاتُ اللَّهِ مَوْجُودَةٌ؟
    • هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَرَاهَا؟
    • كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَرَاهَا؟
    • لِمَاذَا سَيُرِينَا اللَّهُ آيَاتِهِ؟
    • هَلْ رُؤْيَةُ الْآيَاتِ كَفِيلَةٌ بِأَنْ تَجْعَلَنَا عَلَى الْحَقِّ؟
    • إِلَخْ.

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَخْرُجَ بِهِ مِنَ اسْتِنْبَاطَاتٍ مُفْتَرَاةٍ مِنْ هَذَا النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ هِيَ أَنَّ آيَاتِ اللَّهِ مَوْجُودَةٌ فِي مَكَانَيْنِ اثْنَيْنِ:

    • فِي الْآفَاقْ.
    • فِي أَنْفُسِنَا.

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي رَاءَاهُ فِرْعَوْنُ بِأُمِّ عَيْنِهِ؟ وَمَتَى حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَطَّلِعَ إِلَى الْآفَاقِ الَّتِي تَتَوَاجَدُ بِهَا آيَاتُ اللَّهِ، وَهُنَاكَ تَمَّتْ رُؤْيَتُهُ لِهَذِهِ الْآيَاتْ.

    السُّؤَالُ: هَلْ سَبَّبَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ هِدَايَةَ فِرْعَوْنَ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، وَذَلِكَ لِلسَّبَبِ الَّذِي يُصَوِّرُهُ السِّيَاقُ الْأَوْسَعُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ السَّابِقَةُ نَفْسُهَا:

    "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ" [فصلت]

    مَادَامَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِالرَّغْمِ مِنْ رُؤْيَتِهِ آيَاتِ اللَّهِ كُلِّهِ، فَهُوَ إِذَنْ مِنَ الَّذِينَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدْ.

    وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ هُمْ نَوْعَانِ مِنَ النَّاسِ:

    أَوَّلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ:

    "ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" [البقرة]

    ثَانِيًا، الظَّالِمِينَ الْقَاسِيَةَ قُلُوبُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّةِ الرَّسُولِ:

    "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" [الحج]

    فَيَنْقَسِمُ النَّاسُ إِلَى فِئَتَيْنِ:

    • فِئَةٌ تُخْبِتُ قُلُوبُهُمْ لِلْحَقِّ فَيُؤْمِنُوا بِهِ: "وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [الحج]
    • وَفِئَةٌ كَافِرَةٌ لَا يَزَالُونَ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ: "وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ" [الحج]

    وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ عَادَ مِنْ هُنَاكَ (بَعْدَ إِطْلَاعِهِ إِلَى الْآفَاقِ) وَهُوَ يَنْتَمِي إِلَى الْفَرِيقِ الثَّانِي، الَّذِينَ لَازَالُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ، وَمَا تَرَاجَعَ فِرْعَوْنُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى آتَاهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ عَقِيمٍ، وَهَذَا (نَحْنُ نَظُنُّ) مَا عَبَّرَ عَنْهُ مُوسَى فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْعَذَابِ الَّذِي تَوَقَّعَ حُصُولَهُ بِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ:

    "وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ" [يونس]

    خُرُوجٌ عَنِ الْمَوْضُوعِ: بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ

    أَكْتُبُ هَذِهِ السُّطُورَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِسَنَةِ 2015م، وَلَا شَكَّ أَنَّ لِشَهْرِ رَمَضَانَ خُصُوصِيَّةٌ فِي الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ مَادَامَ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ هُوَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ:

    "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [البقرة]

    وَهُوَ مَنِ ارْتَبَطَتْ بِهِ آيَاتُ إِجَابَةِ الدَّاعِ إِذَا دَعَا اللَّهِ:

    "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" [البقرة]

    وَلَعَلَّ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ قَدْ تَغَلْغَلَتْ فِيهِ فِكْرَةُ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ الْكَرِيمَ هُوَ الشَّهْرُ نَفْسُهُ الَّذِي تَتَحَصَّلُ بِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، اللَّيْلَةُ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ:

    "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ" [القدر]

    بَابُ الْحِسْبَةِ وَالْحِسَابْ

    عِنْدَمَا تَعَلَّمْنَا فِي الْمَدَارِسِ فِي كُتُبِ الْحِسَابِ "أَيْ الرِّيَاضِيَّاتِ" فِي الْأُرْدُنِّ، كَانَ الْمُعَلِّمُ يَسْتَخْدِمُ مُفْرَدَتَيْنِ رِيَاضِيَّتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ وَهُمَا قَوْلُهُ:

    • دَعْنَا نَحْسِبُ النَّتِيجَةَ.
    • دَعْنَا نُقَدِّرُ النَّتِيجَةَ.

    وَقَدْ دَرَجْنَا عَلَى التَّفْكِيرِ فِي مَدَارِسِنَا عَلَى التَّفْكِيرِ أَنَّهُ عِنْدَمَا نَقُومُ بِعَمَلِيَّةِ الْحِسَابِ (أَيْ حِسَابِ النَّتِيجَةِ)، فَإِنَّنَا نَتَوَخَّى أَقْصَى دَرَجَاتِ الدِّقَّةِ حَتَّى أَنَّنَا نَسْتَخْدِمُ الْآلَةَ "الْحَاسِبَةَ"، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    بَيْنَمَا عِنْدَمَا يُطْلَبُ مِنَّا تَقْدِيرُ الْقِيمَةِ، فَإِنَّنَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ فِي التَّقْدِيرِ هَامِشٌ مِنَ الْخَطَأِ مَسْمُوحٌ بِهِ، فَلَا حَاجَةَ إِذَنْ لِاسْتِخْدَامِ الْآلَةِ "الْحَاسِبَةِ"، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    لَكِنَّ السُّؤَالَ الْمِحْوَرِيَّ: هَلْ هَذِهِ الْأَفْهَامُ "الْمَدْرَسِيَّةُ" هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عِنْدَمَا نَقْرَأُ الْمُفْرَدَاتِ الْمُشْتَقَّةَ مِنَ الْجَذْرِ (ح- س- ب) وَالْجَذْرِ (ق – د- ر)؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا. نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُفْرَدَاتِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ هِيَ الْعَكْسُ تَمَامًا. فَالْحِسْبَةُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ هِيَ الَّتِي تَحْتَمِلُ عَدَمَ الدِّقَّةِ وَفِيهَا هَامِشٌ مِنَ الْخَطَأِ بَيْنَمَا التَّقْدِيرُ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا الدِّقَّةَ الْمُتَنَاهِيَةَ وَيَنْتَفِي فِيهَا وُجُودُ هَامِشٍ مِنَ الْخَطَأْ.

    الدَّلِيلُ: [الْفَرْقُ الْقُرْآنِيُّ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَالتَّقْدِيرِ]

    نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مُفْرَدَةَ "يَحْسَبَنَّ" وَمُشْتَقَّاتِهَا - كَمَا نَفْهَمُهَا (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ - تَعْنِي الْخَطَأَ فِي التَّقْدِيرِ، فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُقَابِلُ بَيْنَ مُفْرَدَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ وَهُمَا الْحِسْبَةُ (أَوْ الْحُسْبَانُ؟) مِنْ جِهَةٍ وَالتَّقْدِيرُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

    أَوَّلًا: الْحِسْبَةُ.

    "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم..." [البقرة]
    "...يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ..." [البقرة]
    "...وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ" [الأعراف]
    "قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا..." [النمل]

    ثَانِيًا: التَّقْدِيرُ.

    أَمَّا الْمُفْرَدَاتُ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ الْجَذْرِ (ق – د – ر)، فَإِنَّهَا تُفِيدُ الدِّقَّةَ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا خَطَأٌ، قَالَ تَعَالَى:

    "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..." [الأنعام]
    "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ..." [يونس]
    "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" [القمر]
    "وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" [الفرقان]
    "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" [القدر]

    لَعَلَّكَ أَدْرَكْتَ عَزِيزِي الْقَارِئَ بَعْدَ هَذَا السَّرْدِ لِجَمِيعِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا مُشْتَقَّاتُ الْجَذْرِ (ق – د – ر) بِأَنَّهَا جَمِيعًا تُفِيدُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ فِكْرَةَ الدِّقَّةِ الْمُتَنَاهِيَةِ الَّتِي لَا نَجِدُهَا فِي الْحِسْبَةِ.

    فَالتَّقْدِيرُ يَعْنِي الدِّقَّةَ الَّتِي لَا مَجَالَ فِيهَا لِلْخَطَأِ، فَمُوسَى جَاءَ عَلَى قَدَرٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ بِقَدَرٍ، وَالْمَوْتُ مُقَدَّرٌ (لَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ)، وَاللَّهُ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ بِقَدَرٍ، وَاللَّهُ قَدَّرَ مَنَازِلَ الْقَمَرِ تَقْدِيرًا، وَهُوَ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ بِالرَّغْمِ مِنْ عِلْمِهِ أَنَّنَا لَنْ نُحْصِيَهُ، إِلَخْ، وَلَكِنَّ النَّاسَ (بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ إِذًا أَنَّ لِلَّهِ تَقْدِيرٌ وَلِلنَّاسِ حِسْبَةٌ، فَفِي حِينِ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ حَقِيقِيٌّ صَحِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، فَإِنَّ حِسْبَةَ النَّاسِ لَا يَنْفَكُّ الْخَطَأُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مُتَجَذِّرًا فِيهَا.

    السُّؤَالُ: [لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ]

    مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟

    جَوَابٌ: دَعْنَا – عَزِيزِي الْقَارِئَ - نَتَدَبَّرُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّقَّةِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ" [القدر]

    طَارِحِينَ عَلَى الْفَوْرِ التَّسَاؤُلَ الْبَسِيطَ التَّالِي: كَيْفَ تَكُونُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تَعْدِلُ فِي خِيرَتِهَا أَلْفَ شَهْرٍ وَزِيَادَةً، فَهِيَ فِي طَرَفٍ وَأَلْفُ شَهْرٍ فِي طَرَفٍ آخَرَ، وَالْكِفَّةُ تَرْجَحُ لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:

    [موضع الصورة: ظلل وأدرج صورتك هنا]
    المصدر: الرابط المذكور في النص الأصلي (blogspot)

    فَالْكِفَّةُ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ – لَا شَكَّ - رَاجِحَةٌ عَلَى كِفَّةِ الْأَلْفِ شَهْرٍ. لِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَجْلِبَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ بَعْدَ هَذَا التَّقْدِيمِ إِلَى التَّسَاؤُلِ التَّالِي: كَمْ رَمَضَانَ يَحْصُلُ فِي الْأَلْفِ شَهْرٍ؟

    جَوَابٌ: عِنْدَمَا حَاوَلَ عُلَمَاؤُنَا الْأَجِلَّاءُ حِسْبَةَ الْأَلْفِ شَهْرٍ، ظَنُّوا أَنَّ رَمَضَانَ يَتَكَرَّرُ فِيهَا حَوَالَيْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ مَرَّةً، فَعِنْدَ تَقْسِيمِهِمْ لِلْأَلْفِ شَهْرٍ عَلَى مُدَّةِ السَّنَةِ (أَوْ الْعَامِ) وَهِيَ اثْنَتَيْ عَشَرَ شَهْرًا كَانَتِ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: (1000 / 12 = 83.333). أَيْ أَنَّ الْأَلْفَ شَهْرٍ (بِحِسْبَةِ سَادَتِنَا أَهْلِ الْعِلْمِ) تُعَادِلُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ عَامًا (سَنَةً) وَنَيِّفًا.

    السُّؤَالُ الْأَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْأَسْئِلَةِ السَّابِقَةِ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانِ هَذَا الْعَامِ مَثَلًا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ سَتَحْدُثُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِيهِنَّ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ مَرَّةً أُخْرَى؟ فَكَيْفَ إِذَنْ تَكُونُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ نَفْسِهَا أَلْفَ مَرَّةٍ مُضَافٌ إِلَيْهَا الْأَلْفُ شَهْرٍ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ مَرَّةً أُخْرَى؟

    السُّؤَالُ: مَتَى تَحْدُثُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَا تَحْدُثُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً كُلَّ أَلْفِ شَهْرٍ. وَكَفَى.

    وَهَذَا مَا سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ.

    الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرْ:

    1. مقالة "ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته" [رابط]
    2. سلسلة مقالات "قصة يوسف" [رابط]
    3. سلسلة مقالات "قصة موسى" [رابط]
    4. لا أرغب الدخول في أصل المفردة، فالعربية تميز بين الفعل الثلاثي حَسِب والفعل الثلاثي حَسَب، ولكن التداخل بين مشتقاتها يتطلب مساحة من البحث (هامش من الكاتب).
    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمِ الْجَرَّاحِ & عَلِي مَحْمُودِ سَالِمِ الشُّرْمَانِ
    بِقَلَمِ د. رَشِيدِ الْجَرَّاحِ
    21 حُزَيْرَانَ 2015
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس