أولًا: [الخلقُ في ستةِ أيامٍ وافتراءُ السبتْ]
قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الثَّالِثُ عَشَرْ.
حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَفْنِيدَ ادِّعَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانَتْ مُهِمَّتُهُمْ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ بِأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ كَمَا هُوَ مَعْمُولٌ بِهِ فِي التَّقْوِيمِ الْجَارِيْ، وَظَنَنَّا أَنَّ هَذَا التَّقْوِيمَ قَدْ بَدَأَ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ فِي السَّبْتْ.
وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْأَيَّامَ عِنْدَ اللَّهِ هِيَ سِتَّةٌ فَقَطْ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْعَدِيدَةْ:
وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ هَدَفَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ كَانَ مَدْفُوعًا بِالْحَاجَةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ مَأْزِقِ الْحِيتَانِ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِي الْقَرْيَةَ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ يَوْمَ سَبْتِهِمْ وَلَا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لَا يَسْبِتُونْ.
وَقَدْ سَوَّقَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ افْتِرَاءَهُمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى رَاحَةٍ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَكَانَ يَوْمُ السَّبْتْ.
وَقَدْ سَهَّلَ عَلَيْهِمْ هَذَا الِافْتِرَاءُ الْمَكْذُوبُ عَلَى اللَّهِ - كَمَا يَظْهَرُ فِي النُّسَخِ الْمُتَرْجَمَةِ فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ وَبِدَايَةِ الْإِصْحَاحِ الثَّانِي مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ (انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ)- إِقْنَاعَ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ السَّبْتَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلْحَقُ أَيَّامَ الْخَلْقِ السِّتَّةْ.
فَاللَّهُ قَدْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ رَاحَتُهُ – حَسَبَ زَعْمِهِمْ- فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِذَا سَادَ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ مَنْطِقُهُمُ الْكَاذِبُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ بَدَلًا مِنْ سِتَّةٍ فَقَطْ.
ثانيًا: [لماذا نقضَ أهلُ العلمِ الميثاقَ؟]
السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: لِمَاذَا فَعَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِعْلَتَهُمْ هَذِهِ؟ أَيْ لِمَاذَا نَقَضُوا الْمِيثَاقَ الَّذِي وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ؟ هَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ اصْطِيَادِ بَعْضِ الْحِيتَانِ؟ وَهَلْ كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَشْتَغِلُونَ أَصْلًا بِمِهْنَةِ اصْطِيَادِ حِيتَانِ الْبَحْرْ؟
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْعَاقِبَةُ وَخِيمَةً (وَهِيَ جَعْلُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، كَانَ الْجُرْمُ – لَا شَكَّ- شَنِيعًا لِيَتَنَاسَبَ مَعَ حَجْمِ الْعُقُوبَةْ.
فَعَاقِبَةُ اصْطِيَادِ حَفْنَةٍ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ الَّذِي أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا صَيْدَهُ وَطَعَامَهُ حَتَّى فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
قَدْ لَا تَكُونُ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- بِهَذَا الْبَطْشِ الْإِلَهِ يِّ الشَّدِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ حَقًّا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. لِذَا لَابُدَّ (حَسَبَ مَنْطِقِنَا الْمُفْتَرَى هَذَا) مِنَ الظَّنِّ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) أَنَّ مَا فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مِنَ الْجُرْمِ كَانَ يُوَازِي حَجْمَ الْعِقَابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ:
ثالثًا: [تحليلُ العقابِ: القردةُ والفسقْ]
السُّؤَالُ: فَمَا الَّذِي فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ حَتَّى اسْتَحَقُّوا هَذَا الْعِقَابَ الْأَلِيمَ مِنَ اللَّهِ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعِقَابِ الْإِلَهِ يِّ الشَّدِيدِ لَا يَحِلُّ بِقَوْمٍ إِلَّا إِذَا بَدَرَ مِنَ الْقَوْمِ أَنْفُسِهِمْ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ. وَهَذَا يَعْنِي بِمَنْطِقِنَا الْمُفْتَرَى أَنَّ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قَدْ فَعَلُوا فَعْلَةً نَكْرَاءَ جَعَلَتْهُمْ مَحَلَّ غَضَبِ الرَّبْ.
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْعِقَابَ الْإِلَهِ يَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ فِي سِيَاقِهِ الْأَوْسَعِ كَمَا تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَخْرُجَ بِافْتِرَاءَاتٍ جَدِيدَةٍ حَوْلَ الْمَوْضُوعْ:
لِتَكُونَ الِافْتِرَاءَاتُ الْأَوَّلِيَّةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ ذُكِّرُوا بِشَيْءٍ مَا.
- أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).
- كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانَ يَنْهَى عَنِ السُّوءِ، فَحَصَلَتْ لَهُمُ النَّجَاةُ (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ).
- كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانَ ظَالِمًا، فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ بَئِيسْ.
- كَانَ الْفِسْقُ هُوَ سَبَبَ هَذَا الْعَذَابِ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
- حَصَلَ أَنْ عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ (فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ).
- كَانَ الْعَذَابُ عَلَى شَكْلِ أَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
- حَصَلَ الْإِذْنُ الْإِلَهِ يُّ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
- كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْعِقَابِ (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ).
- كَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ).
- إلخ.
رابعًا: [الربطُ بينَ حيتانِ السبتِ وحوتِ يونسْ]
السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ، فَمَا الَّذِي فَعَلُوهُ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قَدْ حَاوَلُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ الْحُوتُ وَصَاحِبُهُ وَهُوَ (بِرَأْيِنَا) الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِلنَّاسِ بَعْدَ أَنْ أَمَاتَهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ:
الدَّلِيلُ: لَوْ رَاقَبْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ الْعَذَابِ وَقَعَا عَلَى الْقَوْمِ، وَهُمَا:
- الْعَذَابُ الْبَئِيسُ الَّذِي أَصَابَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
- عَذَابٌ أَصَابَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ بِشَكْلٍ مُحَدَّدٍ، وَهُوَ جَعْلُهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَذَابِ الْبَئِيسِ الَّذِي أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَعَذَابِ الْجَعْلِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ الَّذِي أَصَابَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتْ؟
رَأْيُنَا: دَعْنَا نَتَدَبَّرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ أَوَّلًا:
لِنَجِدَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ كَانَ يَنْهَى عَنِ السُّوءِ وَهُمُ الَّذِينَ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ)، لَكِنْ كَانَ هُنَاكَ بِالْمُقَابِلِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ عَذَابٌ بَئِيسٌ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).
خامسًا: [فلسفةُ النسيانِ: الغفلةُ أمِ التجاهلُ؟]
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ هَذَا كُلُّهُ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ صُدُورِ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ، كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أَنْ رَفَضَ الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ بِالسُّجُودِ لِآدَمْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْسُقُونَ، لِذَا فَهُمْ مِنَ الَّذِينَ رَفَضُوا الِامْتِثَالَ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِ يّْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ رَفْضُهُمْ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِ يّْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِطَرِيقَةِ النِّسْيَانِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ".
التَّسَاؤُلَاتُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُطْرَحَ الْآنَ هِيَ:
- مَا الَّذِي ذُكِّرُوا بِهِ؟
- وَكَيْفَ نَسُوهُ؟
نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ مَنْ حَلَّتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ وَمَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَآتَاهُ الْحِكْمَةَ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرْ:
ثَانِيًا، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ الذِّكْرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهُ رَبُّنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ عَلَّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ:
وَالذِّكْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ الَّذِي وَاثَقَنَا بِهِ:
وَهَذَا – بِرَأْيِنَا- مَا حَصَلَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ نَجَاتِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَذَابِهِ، وَلَكِنْ حَصَلَ أَنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْمِيثَاقَ، وَذَلِكَ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ:
وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا مِيثَاقَهُمْ (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ)، فَلُعِنُوا (لَعَنَّاهُمْ)، وَجُعِلَتْ قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَحْرِيفِهِمْ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) وَنَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)، فَأَصْبَحَتْ حَالُهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
مَادَامَ أَنَّهُمْ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ)، فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ كُلِّ شَيْءٍ (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)، فَمَا أَنْ أَصَابَهُمُ الْفَرَحُ (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا)، حَتَّى أُخِذُوا بِالْعَذَابِ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونْ.
السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ هَذَا الْعَذَابُ بَغْتَةً؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ بَعْضُ مَنْ جَاءَ ذِكْرُهُمْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَمَا نَتَقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِيثَاقًا، جَاءَتْ بُنُودُهُ وَاضِحَةً تَمَامًا. وَكَانَ هَذَا الْمِيثَاقُ غَلِيظًا، وَكَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ بُنُودِهِ تَنُصُّ عَلَى أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ:
لِذَا كَانَ هُنَاكَ انْكِشَافٌ لِلْحَقَائِقِ، فَأَصْبَحُوا عَلَى عِلْمٍ بِمَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنْ قَبْلُ، وَأَصْبَحَتْ هُنَاكَ عَلَاقَةٌ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَبِّهِمْ، فَتَمَّتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَحَصَلَ أَنْ نَتَقَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ. فَكَانَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنَ التَّفْضِيلِ الْإِلَهِ يِّ لَهُمْ. لَكِنْ مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَسِيَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).
السُّؤَالُ: كَيْفَ نَسِيَ الْقَوْمُ مَا ذُكِّرُوا بِهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِدَايَةً لَابُدَّ مِنَ التَّأْكِيدِ بِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَعْنِي مَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ الْعَامَّةِ مِنْ مَعَانِي لِلْمُفْرَدَةِ، فَالنِّسْيَانُ (كَمَا نَفْهَمُهُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ) لَا يَعْنِي بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ غِيَابَ الْمَعْلُومَةِ عَنِ الذِّهْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ يَنْسَى. وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَشِيطَ غَضَبًا:
السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَغِيبَ الْمَعْلُومَةُ عَنِ الْإِلَهِ الَّذِي نَسِيَهُمْ عِنْدَمَا نَسُوهُ (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)؟
ثَانِيًا، لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُثْبِتُ إِمْكَانِيَّةَ أَنْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ:
السُّؤَالُ: وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) إِذَا كَانَ مَعْنَى النِّسْيَانِ هُوَ غِيَابَ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الذَّاكِرَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ النِّسْيَانَ (كَمَا نَفْهَمُهُ) هُوَ فِعْلٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ، فَالْإِنْسَانُ يَنْسَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَى، وَاللَّهُ نَفْسُهُ يَنْسَى لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَرَارَهُ بِنَفْسِهِ:
السُّؤَالُ: مَا هُوَ النِّسْيَانُ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ "تَجَاهُلُ الْأَمْرِ أَوِ الْمَوْقِفِ عَنْ قَصْدٍ" (أَوْ هُوَ "التَّطْنِيشُ" بِلُغَتِنَا الْأُرْدُنِيَّةِ الدَّارِجَةِ). فَأَنَا قَدْ أَنْسَاكَ إِذَا أَرَدْتُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَنْ "أُطَنِّشَكَ". وَيَكُونُ النِّسْيَانُ عِنْدَهَا قَرَارًا نَابِعًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَلَا يَعْنِي أَنَّكَ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي بَالِي (أَيْ فِي الذَّاكِرَةِ) تَمَامًا. فَأَنَا قَدْ أَنْسَاكَ حَتَّى عِنْدَمَا تَكُونُ حَاضِرًا فِي ذَاكِرَتِي، وَهَذَا مَا سَيَحْصُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ نِسْيَانَهُمْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: النِّسْيَانُ فِعْلٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ)، لِذَا الْإِلَهُ نَفْسُهُ يَنْسَى.
فَهَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنَ النَّاسِ (نَحْنُ نَظُنُّ) لَمْ يَنْسُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَغِيبُ تَمَامًا مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ نَسُوهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِأَنَّهُمُ اخْتَارُوا أَنْ يَتَجَاهَلُوهُ "تَطْنِيشَهُ" عَنْ قَصْدٍ كُلَّمَا وَرَدَ خَبَرُهُ فِي ذَاكِرَتِهِمْ، فَكَانَ فِعْلُ النِّسْيَانِ عِنْدَهُمْ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْقَرَارُ الْإِلَهِ يُّ بِحَقِّهِمْ وَهُوَ نِسْيَانُهُمْ (الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ).
السُّؤَالُ الْمَعْكُوسُ: مَا مَعْنَى غِيَابِ الْمَعْلُومَةِ تَمَامًا مِنَ الذَّاكِرَةِ؟ أَوْ كَيْفَ جَاءَ اللَّفْظُ الْقُرْآنِيُّ بِخُصُوصِ مَنْ غَابَتِ الْمَعْلُومَةُ تَمَامًا مِنْ بَالِهِ (فَلَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً فِي ذَاكِرَتِهِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّهَا الْغَفْلَةْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْغَفْلَةُ تَحْصُلُ بِغِيَابِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الذِّهْنِ تَمَامًا. لِذَا فَالْإِلَهُ الَّذِي قَدْ يَنْسَى لَا يَغْفُلْ.
الدَّلِيلُ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبُ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ (مَثَلًا) لَمْ يَغْفُلْ عَنْ يُوسُفَ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ يُوسُفَ بِتَحْرِيضٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّنَا نَعْتَقِدُ بِأَنَّ صُورَةَ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ لَمْ تُفَارِقْ مُخَيِّلَتَهُ يَوْمًا مُنْذُ أَنْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى لَحْظَةِ "ادِّكَارِهِ بَعْدَ أُمَّةٍ" يَوْمَ أَنْ طَلَبَ الْمَلِكُ تَأْوِيلَ رُؤْيَاهْ:
وَلَوْ رَاقَبْنَا السِّيَاقَ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ صَاحِبَ يُوسُفَ قَدِ ادَّكَرَ (وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا ادَّكَرَ صَاحِبُ يُوسُفَ؟ وَلِمَ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ قَدْ تَذَكَّرَ مَثَلًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَاحِبُ يُوسُفَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ يُوسُفَ لَكَانَتْ حَادِثَةُ رُؤْيَةِ الْمَلِكِ سَبَبًا لِأَنْ يَتَذَكَّرَ (بِالذَّالِ)، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ صَاحِبُ يُوسُفَ نَاسِيًا (مُطَنِّشًا) كَانَتْ حَادِثَةُ رُؤْيَةِ الْمَلِكِ سَبَبًا لَهُ لِأَنْ يَدَّكِرَ (بِالدَّالِ) كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ هَذَا فِي قَضِيَّةِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ (مَوْضُوعِ حَدِيثِنَا)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الْقَوْمُ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَهُمْ إِذًا قَدْ تَجَاهَلُوا الْأَمْرَ عَنْ قَصْدٍ وَنِيَّةٍ مُسْبَقَةٍ بِهَذَا الْقَرَارِ، لِذَا كَانَ الْعِقَابُ الْإِلَهِ يُّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ شَدِيدًا:
سادسًا: [تسلسلُ الأحداثِ: منَ العجلِ إلى نتقِ الجبلْ]
السُّؤَالُ: كَيْفَ إِذَنْ حَصَلَتِ الْقِصَّةُ بِرُمَّتِهَا؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقِصَّةَ قَدْ حَصَلَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- يُنْجِي اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عَلَى يَدِ مُوسَى، فَيَتَجَاوَزُ بِهِمُ الْبَحْرَ، وَيُغْرِقُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ:
- مَا أَنْ تَجَاوَزَ اللَّهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ حَتَّى أَتَى هَؤُلَاءِ النَّاجِينَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ عَلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ الْقَوْمُ فِيهَا يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَطْلُبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةْ:
- ثُمَّ يَحْصُلُ الْمِيقَاتُ الْإِلَهِ يُّ لِمُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَأْتِي مُوسَى فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ مُتَعَجِّلًا، لَكِنَّ اللَّهَ يُتِمُّ مِيقَاتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا:
- لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، حَصَلَتْ حَادِثَةُ الْجَبَلِ، الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهُ دَكًّا:
- مَا بَرِحَ مُوسَى لِقَاءَهُ مَعَ رَبِّهِ ذَاكَ حَتَّى كَتَبَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَيَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ مُوسَى أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِأَنْ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا:
فَيَعُودُ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، حَامِلًا الْأَلْوَاحَ، وَمَا أَنْ يَصِلَ حَتَّى يَبْدَأَ بِمُعَاقَبَةِ أَخِيهِ هَارُونَ، مُلْقِيًا الْأَلْوَاحَ، آخِذًا بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ:
- لَكِنْ مَا أَنْ يَسْمَعَ مُوسَى حُجَّةَ أَخِيهِ هَارُونَ حَتَّى يَنْدَمَ عَلَى فِعْلَتِهِ، وَيَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ وَالدُّخُولَ فِي رَحْمَةِ رَبِّهِ لَهُ وَلِأَخِيهِ:
- فَيَتَوَجَّهُ مُوسَى إِلَى السَّامِرِيِّ مُخَاطِبًا لَهُ، وَيَنْتَهِي الْحِوَارُ بِقَرَارِ مُوسَى بِتَحْرِيقِ الْعِجْلِ وَنَسْفِهِ فِي الْيَمِّ:
- مَا أَنْ يَسْكُتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ حَتَّى يَعُودَ لِيَأْخُذَ الْأَلْوَاحَ الَّتِي كَانَ قَدْ أَلْقَاهَا لَحْظَةَ عَوْدَتِهِ:
- يَشِيعُ الْخَبَرُ فِي الْقَوْمِ أَنَّ مُوسَى قَدْ حَظِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى رَبِّهِ فِي مِيقَاتِهِ الْأَوَّلِ، فَتَثُورُ ثَائِرَةُ بَعْضِهِمْ، مُطَالِبِينَ بِالرُّؤْيَةِ الْإِلَهِ يَّةِ، مُنْكِرِينَ الْإِيمَانَ بِمُوسَى حَتَّى حُصُولِ ذَلِكَ:
وَهُنَا يَكُونُ مُوسَى قَدِ اخْتَارَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ هَذَا سَبْعِينَ رَجُلًا:
- وَمَا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ حَتَّى يُظَلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَيُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- السِّيَاقَ الْأَوْسَعَ لِهَذِهِ الْحَادِثَةْ:
مَا أَنْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ حَتَّى يَنْتِقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، وَهُنَاكَ بِالضَّبْطِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ وَأَنْ يَذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونْ:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: فِي ظُلَّةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ الْمَنْتُوقِ فَوْقَهُمْ طَلَبَ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمْ بِقُوَّةٍ (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) وَأَنْ يَذْكُرُوا مَا فِيهِ (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
وَعَادَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ، فَيَأْمُرُ الْقَوْمَ جَمِيعًا أَنْ يَأْخُذُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ. وَيُقَطِّعُهُمُ اللَّهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا بِعَدَدِ عُيُونِ الْمَاءِ الَّتِي انْبَجَسَتْ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهْ:
- فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ يَطْلُبُ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا قَرْيَةً مُحَدَّدَةْ:
- وَلَوْ تَتَبَّعْنَا السِّيَاقَ نَفْسَهُ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ بِالذَّاتِ حَصَلَ تَبْدِيلُ مَا قَدْ قِيلَ لَهُمْ عَلَى يَدِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:
- وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ (حَسَبَ فَهْمِنَا لِلسِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ) هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي حَصَلَتْ فِيهَا فِتْنَةُ الْحِيتَانْ:
فَانْقَسَمَ الْقَوْمُ إِلَى فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونْ:
وَفَرِيقٌ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ:
التَّسَاؤُلَاتُ:
- مَنْ هُمُ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ؟
- كَيْفَ حَصَلَ أَنْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ؟
- لِمَاذَا نَسُوهُ؟
- إلخ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَتَقَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ وَأَنْ يَذْكُرُوا مَا فِيهِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
لَكِنْ نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لَمْ يَلْتَزِمْ بِالْمِيثَاقِ الْإِلَهِ يِّ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِمْ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ (كَمَا نَفْهَمُ الْقَوْلَ) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الْمُفْتَرَاةُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ هُنَاكَ مَنْ رَفَعَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الطُّورْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ هَؤُلَاءِ مَنْ طَلَبَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: كَانَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: كَانَ ذَلِكَ الْمِيثَاقُ مِيثَاقًا غَلِيظًا.
عِنْدَمَا نَقَضَ بَعْضُهُمْ مِيثَاقَ اللَّهِ، حَصَلَ الْعَذَابُ الْإِلَهِ يُّ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
لَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِهَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ تَنَاوُبًا فِي الْأَلْفَاظِ يَجْلِبُ مَعَهُ الْحَيْرَةَ وَالدَّهْشَةَ. فَالْمُدَقِّقُ فِي هَذَا النَّصِّ يَجِدُ أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ وَقَعَ عَلَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَالْآنَ دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ فِي الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ:
لِتَجِدَ أَنَّ الْمِيثَاقَ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ (لَا تَعْدُوا) وَلَكِنَّ الْعَذَابَ قَدْ وَقَعَ عَلَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
تَسَاؤُلَاتٌ:
- مَا الْفَرْقُ؟
- لِمَاذَا كَانَ الْمِيثَاقُ عَلَى نَحْوِ أَنْ لَا يَعْدُوا (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ)؟
- لِمَاذَا جَاءَ الْعَذَابُ عَلَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)؟
- فَهَلِ الَّذِينَ طَلَبَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ هُمْ أَنْفُسُهُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ؟
- إلخ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ، وَأَنَّ هَذَا الْمِيثَاقَ قَدْ أَخَذَهُ اللَّهُ مِنَ الَّذِينَ نَتَقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.
لِذَا، كَانَ هَؤُلَاءِ هُمْ عُلَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ انْكَشَفَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَنْكَشِفْ لِغَيْرِهِمْ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) عَالِمِينَ بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِ يَّةِ الَّتِي حَرَّكَتِ الطَّلَبَ الْإِلَهِ يَّ مِنْهُمْ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ. فَكَانَ مِيثَاقُ اللَّهِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ مِيثَاقًا غَلِيظًا (وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا). لَكِنْ مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ كُلُّ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقُ بِذَلِكَ الْمِيثَاقِ كَمَا وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَظَهَرَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانَ ظَالِمًا، فَبَدَّلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ:
السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ عَذَابُهُمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَذَابَ هَؤُلَاءِ كَانَ هُوَ الْعَذَابَ الْبَئِيسَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فَسَقُوا عَنِ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يّْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، أَيْ تَجَاهَلُوهُ عَنْ قَصْدٍ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: كَانَ عَذَابُهُمْ هُوَ عَذَابٌ بَئِيسْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: كَانُوا هَؤُلَاءِ يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ بِأَنْ تَجَاهَلُوهُ عَنْ قَصْدٍ، فَكَيْفَ كَانُوا ظَالِمِينَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ ظَلَمُوا لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قَبْلُ. فَوَاحِدَةٌ مِنْ أَوْجُهِ الظُّلْمِ تَكُونُ بِكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ (الَّتِي يَعْلَمُهَا):
وَالظُّلْمُ يَكُونُ بِافْتِرَاءِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ أَوْ بِتَكْذِيبِ آيَاتِ اللَّهِ:
وَعَادَةً مَا يَحْصُلُ الظُّلْمُ مِنَ الشَّخْصِ الَّذِي جَاءَهُ الْحَقّْ:
وَالْغَايَةُ تَكُونُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ ضَلَالَةُ النَّاسِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ:
وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا فَعَلَ آدَمُ وَزَوْجُهُ وَهُمَا اللَّذَانِ ظَلَمَا أَنْفُسَهُمَا بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ مُبَاشَرَةً مِنْ رَبِّهِمْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى عِلْمْ.
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ ظَلَمُوا، فَلِمَ كَانُوا يَفْسُقُونَ؟ أَوْ كَيْفَ كَانُوا يَفْسُقُونَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ يَفْسُقُونَ لِذَا لَابُدَّ أَنَّهُمْ قَدْ فَسَقُوا عَنِ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ الَّذِي فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: فَعَلَ هَؤُلَاءِ مَا فَعَلَ آدَمُ وَزَوْجُهُ بِأَنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ فَسَقُوا، لِذَا فَهُمْ قَدْ فَعَلُوا مَا يُشْبِهُ مَا فَعَلَ إِبْلِيسُ الَّذِي فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ إِذَنْ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ مَا حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ، كَانُوا إِذَنْ عَالِمِينَ بِنَبَأِ السَّبْتِ، وَلَكِنْ لَمَّا خَالَفُوا مَا كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَلْتَزِمُوا بِهِ كَانُوا ظَالِمِينَ (كَمَا حَصَلَ مَعَ آدَمَ وَزَوْجِهِ)، وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفُوا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ بِأَنْ فَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَهُمْ إِذًا قَدْ خَالَفُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ لَيْسَ عَنْ رَغْبَةٍ جَامِحَةٍ عِنْدَهُمْ (كَمَا حَصَلَ مَعَ آدَمَ)، وَلَكِنْ عَنْ إِصْرَارٍ مُسْبَقٍ عَلَى ارْتِكَابِ الذَّنْبِ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ الَّذِي أَبَى وَاسْتَكْبَرَ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا وَصَلَ الْحَدُّ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ قَدْ ظَلَمُوا وَأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا فَاسِقِينَ، كَانَ الْعِقَابُ الْإِلَهِ يُّ لَا مَحَالَةَ نَازِلًا بِهِمْ. فَنَزَلَ بِهِمْ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ رِجْزٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَكَانَ عَذَابًا بَئِيسًا:
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ عَذَابٌ بَئِيسٌ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، فَمَنِ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ بِأَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نُؤْمِنُ إِنَّهُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ:
السُّؤَالُ: وَهَلْ هُنَاكَ فَرْقٌ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَعَمْ، هُنَاكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ جِدًّا.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمْ بَعْضُ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ السَّبْعِينَ رَجُلًا الَّذِينَ نَتَقَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ وَجَعَلَهُ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْهُمْ مِيثَاقَهُمْ هُنَاكَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
أَمَّا الَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ بِأَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَهُمْ (نَحْنُ نُؤْمِنُ) الَّذِينَ نَفَّذُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى حِيتَانِ الْبَحْرِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ (نَحْنُ نَظُنُّ) كَانُوا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ.
لِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا (بِنَاءً عَلَى هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَجْمُوعَتَيْنِ مِمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ الِاعْتِدَاءِ:
- الْمَجْمُوعَةُ الْأُولَى وَهُمُ الَّذِينَ طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا، وَهَؤُلَاءِ هُمْ – بِرَأْيِنَا- أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ كَانَ هَدَفُهُمْ ضَلَالَةَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِهِمْ لِحَاجَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ.
- الْمَجْمُوعَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا، وَهَؤُلَاءِ هُمْ – نَحْنُ نُؤْمِنُ- الَّذِينَ نَفَّذُوا مَا طَلَبَهُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
سابعًا: [الفرقُ اللغويُّ: لا تعدوا مقابلَ لا تعتدوا]
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ "لَا يَعْدُوا" الَّتِي وَرَدَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ لَوَجَدْنَا أَنَّ النَّهْيَ هُوَ عَلَى نَحْوِ (لَا تَعْدُوا). وَهَذَا - لَا شَكَّ عِنْدَنَا - يَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنِ النَّهْيِ الَّذِي وَرَدَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ عَلَى نَحْوِ "لَا تَعْتَدُوا":
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي جَاءَ عَلَى صِيغَةِ "لَا تَعْدُوا" لَهُ عَلَاقَةٌ بِمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ الَّتِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ أَنَّ النَّهْيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا تَعْدُوا)، هِيَ مَأْخُوذَةٌ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا- مِنَ "الْعُدَّةِ"، أَيِ الِاسْتِعْدَادِ، لِذَا كَانَ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ فِي قَوْلِهِ "لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ" (كَمَا نَفْهَمُهُ) نَهْيًا عَنِ التَّجَهُّزِ لِلْأَمْرِ. أَمَّا صِيغَةُ "لَا تَعْتَدُوا" فَهِيَ التَّنْفِيذُ الْفِعْلِيُّ لِفِعْلِ الِاعْتِدَاءْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ الْأَمْرُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ لِمَنْ أُخِذَ الْمِيثَاقُ مِنْهُمْ هُوَ عَلَى نَحْوِ أَنْ (لَا تَعْدُوا)، فَإِنَّ النَّهْيَ كَانَ (كَمَا نَظُنُّ) يَشْمَلُ عَدَمَ الْقِيَامِ بِأَيِّ تَجْهِيزَاتٍ (أَيْ عُدَّةٍ) يُمْكِنُ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُؤَدِّيَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ.
فَاللَّهُ يَعْلَمُ بِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ يَقُومُوا بِالتَّحَايُلِ (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ) عَلَى الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ بِأَنْ لَا يَعْتَدُوا عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَقُومُوا بِالْحِيلَةِ الَّتِي تُمَكِّنُهُمْ مِنْ تَأْخِيرِ اعْتِدَائِهِمْ إِلَى يَوْمٍ غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ، وَذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَنْ يَقُومُوا بِعَمَلِ الْمَصَائِدِ لِلْحِيتَانِ الَّتِي يَعْلَمُونَ أَنَّهَا سَتَأْتِيهِمْ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ، فَتَقَعُ تِلْكَ الْحِيتَانُ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ فِي تِلْكَ الْمَصَائِدِ الَّتِي عُمِلَتْ فِي غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ. فَمَا يَكُونُ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَصْطَادُونَهَا فِي يَوْمٍ غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ بَعْدَ أَنْ تَمَكَّنُوا مِنْهَا فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ.
لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ الْإِلَهِ يُّ مُطْلَقًا بِمَا فِي صُدُورِهِمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، جَاءَ الِاحْتِيَاطُ مُسْبَقًا بِأَنْ لَا يَعْدُوا (لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ)، أَيْ لَا يَقُومُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعْدَادَاتِ لِلْإِيقَاعِ بِالْحِيتَانِ وَمِنْ ثَمَّ التَّذَرُّعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ. وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَوْ جَاءَ النَّهْيُ الْإِلَهِ يُّ لَهُمْ عَلَى نَحْوِ "لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ"، رُبَّمَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ بِأَنْ يَلْتَزِمُوا بِعَدَمِ الِاعْتِدَاءِ بِالسَّبْتِ وَلَكِنَّهُمْ يَكُونُوا قَدْ أَعَدُّوا الْعُدَّةَ مُسْبَقًا لَهُ، أَيِ الْعُدَّةَ الَّتِي يُمْكِنُهُمْ مِنْ إِيقَاعِ الْحِيتَانِ فِي الْمَصَائِدِ الَّتِي جَهَّزُوهَا لَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ السَّبْتِ. فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِ يَّةُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) عَظِيمَةً بِأَنْ مَنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ "لَا تَعْدُوا"، فَمَا عَادُوا يَسْتَطِيعُونَ التَّذَرُّعَ بِمِثْلِ تِلْكَ الذَّرَائِعِ الْفَاشِلَةْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا مَنَعَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَعْدُوا " فِي السَّبْتِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْهَدَفَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الْإِلَهِ يِّ بِالْتِزَامِهِمْ بِمِيثَاقِهِمْ أَوْ عَدَمِ الْتِزَامِهِمْ بِهِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ غَايَةٍ مُحَدَّدَةٍ وَهِيَ "الْحِيتَانُ" نَفْسُهَا.
السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ مِنْهُمْ (مَهْمَا صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ) تُمَكِّنُهُمْ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى تِلْكَ الْحِيتَانِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ. فَتِلْكَ الْحِيتَانُ يَجِبُ أَنْ لَا يَمَسُّوهَا بِسُوءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْخَطَرُ؟ مَا الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَحْصُلَ لَوْ أَنَّ الْقَوْمَ فِعْلًا قَدْ عَمَدُوا إِلَى اصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ الْقَوْمُ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى تِلْكَ الْحِيتَانِ، لَرُبَّمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْفَرُوا بِذَلِكَ الْحُوتِ "الْمُمَيَّزِ" وَصَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ تَلْبِيَةِ نِدَاءِ السَّعْيِ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ الْحُوتُ الَّذِي كَانَتْ تِلْكَ الْحِيتَانُ – بِرَأْيِنَا- تَأْتِي مَعَهُ أَسْرَابًا، احْتِفَاءً بِقُدُومِهِ، فَتَكُونُ شُرَّعًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَقَضَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِيثَاقَ اللَّهِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ طَمَعًا فِي ذَلِكَ الْحُوتِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ فِيهِ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ كُلِّ طَرَفٍ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَانَ الْعِقَابُ الرَّبَّانِيُّ لِلَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ وَهُمُ الَّذِينَ نَفَّذُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ (وَهُمُ الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ) طَمَعًا بِغَنِيمَةٍ مَادِّيَّةٍ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ عَلَى شَاكِلَةِ أَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ:
لَكِنْ - بِالْمُقَابِلِ - كَانَ الْعِقَابُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ هُوَ عَذَابٌ بَئِيسٌ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ:
ثامنًا: [مراتبُ العذابِ: القردةُ والخنازيرْ]
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ الَّذِي نَزَلَ بِهَؤُلَاءِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَذَابَ هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْ عَذَابِ أُولَئِكَ. فَالَّذِي يَقَعُ فِي الظُّلْمِ عَنْ عِلْمٍ مُسْبَقٍ وَيَكُونُ قَدْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ هُوَ أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الَّذِي ارْتَكَبَ الْإِثْمَ لِمَطْمَعٍ دُنْيَوِيٍّ بَسِيطٍ. فَالْأَوَّلُ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- شَرٌّ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّانِي. فَعَذَابُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، لَكِنَّ عَذَابَ الَّذِينَ سَوَّغُوا لَهُمُ الْأَمْرَ (وَهُمْ فِي ظَنِّنَا أَهْلُ الْعِلْمِ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْفَاسِقِينَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ) كَانَ - لَا شَكَّ عِنْدَنَا- أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ.
السُّؤَالُ: مَا الْعَذَابُ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) لَهَا عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِفَحْوَى النِّقَاشْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ عَذَابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ عَلَى نَحْوِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ لَعَنَهُمْ (مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ)، وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ (وَغَضِبَ عَلَيْهِ)، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ). وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ شَرٌّ مَكَانًا (أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا) وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ هُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ هُمُ الَّذِي جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: جَعَلَ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَالَفُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ جَعَلَ مِنْهُمُ الْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ هَؤُلَاءِ هُمْ أَشَرَّ مَكَانًا وَأَضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُودُ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ اخْتَلَفُوا فِيهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: تَحَدَّثْنَا سَابِقًا عَنِ الِاخْتِلَافِ، وَزَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ (كَمَا نَفْهَمُهُ) أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَصْبَحُوا عَلَى دِرَايَةٍ تَامَّةٍ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ بِالْقَضِيَّةِ قَيْدِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ. فَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ – مَثَلًا- يَعْلَمُونَ السِّرَّ وَرَاءَ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ فِي حُصُولِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ الْمُشْكِلَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بِالْأَمْرِ، لَرُبَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- فِي بَابِ الْخُصُومَةِ وَلَيْسَ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي سَنَجْلِبُ إِلَيْهِ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ الْآنَ هُوَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِفَ الْقَوْمُ أَوْ أَنْ يَتَخَاصَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؟
تاسعًا: [الفرقُ بينَ الاختلافِ والخصومةْ]
بَابُ الْخُصُومَةْ
لَوْ تَتَبَّعْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِالْخُصُومَةِ (وَمُشْتَقَّاتِهَا) كَمَا جَاءَتْ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةْ:
لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَحْدُثُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ اتِّخَاذُ الْقَرَارِ بِفَضِّهَا. فَالَّذِينَ يَحْضُرُونَ إِلَى الْقَاضِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ هُمْ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَتَّ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ هُوَ مِنْ شَأْنِ الْقَاضِي نَفْسِهِ. فَالَّذِينَ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ – مَثَلًا- كَانُوا خَصْمًا، وَهُمُ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ:
لَكِنْ مَا أَنْ دَخَلُوا الْمِحْرَابَ حَتَّى وَجَدُوا خَصْمَهُمُ الْآخَرَ فِيهِ، فَأَصْبَحُوا خَصْمَانْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ: بَابُ النَّعْجَةِ)
وَلَا شَكَّ – عِنْدَنَا- أَنَّ الْخُصُومَةَ تَصِلُ إِلَى الْقَاضِي عِنْدَمَا يَبْغِي طَرَفٌ مِنْهُمْ عَلَى طَرَفٍ آخَرَ، فَيَكُونُ قَدْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ). وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ الْقَاضِي لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ) بَعْدَ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى وَجْهِ نَظَرِ كُلِّ طَرَفٍ مِنْهُمَا، بِتَقْدِيمِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي تُثْبِتُ حُجَّتَهُ فِي الْخُصُومَةِ. وَمَا أَنْ يَنْتَهِيَ كُلُّ طَرَفٍ مِنْ تَقْدِيمِ بَيِّنَتِهِ حَتَّى تُصْبِحَ مُهِمَّةُ الْقَاضِي إِنْهَاءَ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ اتِّخَاذِ قَرَارٍ وَجَبَ عَلَى الطَّرَفَيْنِ الِالْتِزَامُ بِهِ مَادَامَ أَنَّهُمَا قَدْ حَضَرَا مَعًا طَالِبِينَ فَضَّ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى يَدِ الْقَاضِي نَفْسِهْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَا أَنْ يَنْطِقَ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِي الْخُصُومَةِ حَتَّى يُصْبِحَ الْأَمْرُ بَيِّنًا لِلطَّرَفَيْنِ. عِنْدَهَا يَكُونُ الِالْتِزَامُ بِقَرَارِ الْقَاضِي إِجْبَارِيًّا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: مَاذَا لَوْ خَالَفَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ قَرَارَ الْقَاضِي الَّذِي نَطَقَ بِهِ لِفَضِّ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ، وَخَالَفَ الْبَعْضُ قَرَارَ الْقَاضِي الْمَنْطُوقَ فِي فَضِّ الْخُصُومَةِ، لَأَصْبَحَ ذَلِكَ يَقَعُ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَدْ فُضَّتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْقَاضِي بِالْقَرَارِ. فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ قَدِ انْتَهَتْ وَلَكِنْ نَشَبَ الْآنَ اخْتِلَافٌ فِيمَا هُوَ بَيِّنْ. وَالْآنَ انْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي السِّيَاقَاتِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ يَحْصُلُ بَعْدَ مَجِيءِ الْعِلْمْ:
تُبَيِّنُ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ (رُبَّمَا بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِابْتِغَاءِ التَّأْوِيلِ) بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ حَصَلَ بَعْدَمَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ. كَمَا تُبَيِّنُ أَيْضًا بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ دَائِمًا مَدْفُوعًا بِهَدَفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَغْيُ (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، فَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا بِالسَّبْتِ كَانُوا مَدْفُوعِينَ بِالْغَايَةِ نَفْسِهَا، أَيِ الْبَغْيِ بَيْنَهُمْ.
عاشرًا: [خاتمةٌ: الذينَ عتوا عن أمرِ ربهمْ]
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّهُمْ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّهُمْ قَدْ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ؟
لَوْ حَاوَلْنَا الْبَحْثَ عَنِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ لَوَجَدْنَاهَا خَاصَّةً بِاثْنَيْنِ مِنَ الْأَقْوَامِ السَّابِقَةِ وَهُمَا:
1. قَوْمُ ثَمُودَ (النَّاقَةُ) وَهُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ بِأَنْ لَا يَمَسُّوهَا بِسُوءْ:
2. قَوْمُ مُوسَى (أَصْحَابُ السَّبْتِ):
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ السِّيَاقَاتِ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الصَّاعِقَةَ قَدْ نَزَلَتْ بِهِمْ، فَقَدْ نَزَلَتِ الصَّاعِقَةُ بِثَمُودَ عِنْدَمَا عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا نَزَلَتِ الصَّاعِقَةُ بِثَمُودَ؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّ ثَمُودَ حَاوَلُوا أَنْ يَمَسُّوا النَّاقَةَ بِسُوءْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَزَلَتِ الصَّاعِقَةُ بِقَوْمِ مُوسَى وَلِمَاذَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ بَعْدَ أَنْ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّهُمْ حَاوَلُوا أَنْ يَمَسُّوا الْحُوتَ بِسُوءْ:
بَابُ الْحُوتِ وَالنَّاقَةْ
لَوْ دَقَّقْنَا فِي قِصَّةِ النَّاقَةِ لَوَجَدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ:
عَنْ أَبْسَطِ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْخِلَافُ عَلَى شِرْبِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ. فَالْمُشْكِلَةُ كَانَتْ (كَمَا نَتَخَيَّلُهَا) الِالْتِزَامَ بِالْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي جَوْهَرِهِ – بِرَأْيِنَا- عَنْ مَا حَصَلَ بِالَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ. فَمُشْكِلَتُهُمْ كَانَتْ تَكْمُنُ بِالِالْتِزَامِ بِالْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ يَوْمُ سَبْتِهِمْ:
وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةْ.
المراجع والمصادر:
- القرآن الكريم - موقع Quran.com ^
تعليقات