home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 13

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 19, 2015
محتويات المقال:

    أولًا: [الخلقُ في ستةِ أيامٍ وافتراءُ السبتْ]

    قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الثَّالِثُ عَشَرْ.

    "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 163]

    حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَفْنِيدَ ادِّعَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانَتْ مُهِمَّتُهُمْ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ بِأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ كَمَا هُوَ مَعْمُولٌ بِهِ فِي التَّقْوِيمِ الْجَارِيْ، وَظَنَنَّا أَنَّ هَذَا التَّقْوِيمَ قَدْ بَدَأَ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ فِي السَّبْتْ.

    وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْأَيَّامَ عِنْدَ اللَّهِ هِيَ سِتَّةٌ فَقَطْ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْعَدِيدَةْ:

    "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [الأعراف: 54]
    "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" [يونس: 3]
    "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [هود: 7]
    "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" [الفرقان: 59]
    "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ" [السجدة: 4]
    "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ" [ق: 38]
    "هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [الحديد: 4]

    وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ هَدَفَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ كَانَ مَدْفُوعًا بِالْحَاجَةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ مَأْزِقِ الْحِيتَانِ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِي الْقَرْيَةَ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ يَوْمَ سَبْتِهِمْ وَلَا تَأْتِيهِمْ يَوْمَ لَا يَسْبِتُونْ.

    وَقَدْ سَوَّقَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ افْتِرَاءَهُمْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى رَاحَةٍ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَكَانَ يَوْمُ السَّبْتْ.

    وَقَدْ سَهَّلَ عَلَيْهِمْ هَذَا الِافْتِرَاءُ الْمَكْذُوبُ عَلَى اللَّهِ - كَمَا يَظْهَرُ فِي النُّسَخِ الْمُتَرْجَمَةِ فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ وَبِدَايَةِ الْإِصْحَاحِ الثَّانِي مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ (انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ)- إِقْنَاعَ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ السَّبْتَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلْحَقُ أَيَّامَ الْخَلْقِ السِّتَّةْ.

    فَاللَّهُ قَدْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَكَانَتْ رَاحَتُهُ – حَسَبَ زَعْمِهِمْ- فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِذَا سَادَ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ مَنْطِقُهُمُ الْكَاذِبُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ بَدَلًا مِنْ سِتَّةٍ فَقَطْ.

    [موضع الصورة: صورة تعبيرية للكون والكواكب للدلالة على الخلق]
    المصدر: صور جوجل

    ثانيًا: [لماذا نقضَ أهلُ العلمِ الميثاقَ؟]

    السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: لِمَاذَا فَعَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِعْلَتَهُمْ هَذِهِ؟ أَيْ لِمَاذَا نَقَضُوا الْمِيثَاقَ الَّذِي وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ؟ هَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ اصْطِيَادِ بَعْضِ الْحِيتَانِ؟ وَهَلْ كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَشْتَغِلُونَ أَصْلًا بِمِهْنَةِ اصْطِيَادِ حِيتَانِ الْبَحْرْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ لَا نَظُنُّ بِأَنَّ هَدَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانَ اصْطِيَادَ أَوْ عَدَمَ اصْطِيَادِ الْحِيتَانِ، فَذَاكَ شَأْنُ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ. لِذَا لَابُدَّ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ (نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ) كَانَ هَدَفُهُمُ الْحَقِيقِيُّ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى هُوَ: لِمَاذَا فَعَلُوا فِعْلَتَهُمْ تِلْكَ؟

    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْعَاقِبَةُ وَخِيمَةً (وَهِيَ جَعْلُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، كَانَ الْجُرْمُ – لَا شَكَّ- شَنِيعًا لِيَتَنَاسَبَ مَعَ حَجْمِ الْعُقُوبَةْ.

    فَعَاقِبَةُ اصْطِيَادِ حَفْنَةٍ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ الَّذِي أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا صَيْدَهُ وَطَعَامَهُ حَتَّى فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" [المائدة: 96]

    قَدْ لَا تَكُونُ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- بِهَذَا الْبَطْشِ الْإِلَهِ يِّ الشَّدِيدِ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ حَقًّا أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. لِذَا لَابُدَّ (حَسَبَ مَنْطِقِنَا الْمُفْتَرَى هَذَا) مِنَ الظَّنِّ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) أَنَّ مَا فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مِنَ الْجُرْمِ كَانَ يُوَازِي حَجْمَ الْعِقَابِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ:

    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]

    ثالثًا: [تحليلُ العقابِ: القردةُ والفسقْ]

    السُّؤَالُ: فَمَا الَّذِي فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ حَتَّى اسْتَحَقُّوا هَذَا الْعِقَابَ الْأَلِيمَ مِنَ اللَّهِ؟

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" [الأعراف: 165-167]

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعِقَابِ الْإِلَهِ يِّ الشَّدِيدِ لَا يَحِلُّ بِقَوْمٍ إِلَّا إِذَا بَدَرَ مِنَ الْقَوْمِ أَنْفُسِهِمْ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ. وَهَذَا يَعْنِي بِمَنْطِقِنَا الْمُفْتَرَى أَنَّ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قَدْ فَعَلُوا فَعْلَةً نَكْرَاءَ جَعَلَتْهُمْ مَحَلَّ غَضَبِ الرَّبْ.

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْعِقَابَ الْإِلَهِ يَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ فِي سِيَاقِهِ الْأَوْسَعِ كَمَا تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَخْرُجَ بِافْتِرَاءَاتٍ جَدِيدَةٍ حَوْلَ الْمَوْضُوعْ:

    لِتَكُونَ الِافْتِرَاءَاتُ الْأَوَّلِيَّةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ ذُكِّرُوا بِشَيْءٍ مَا.
    • أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).
    • كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانَ يَنْهَى عَنِ السُّوءِ، فَحَصَلَتْ لَهُمُ النَّجَاةُ (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ).
    • كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانَ ظَالِمًا، فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ بَئِيسْ.
    • كَانَ الْفِسْقُ هُوَ سَبَبَ هَذَا الْعَذَابِ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
    • حَصَلَ أَنْ عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ (فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ).
    • كَانَ الْعَذَابُ عَلَى شَكْلِ أَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
    • حَصَلَ الْإِذْنُ الْإِلَهِ يُّ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
    • كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْعِقَابِ (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ).
    • كَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ).
    • إلخ.

    رابعًا: [الربطُ بينَ حيتانِ السبتِ وحوتِ يونسْ]

    السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ، فَمَا الَّذِي فَعَلُوهُ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قَدْ حَاوَلُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ الْحُوتُ وَصَاحِبُهُ وَهُوَ (بِرَأْيِنَا) الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِلنَّاسِ بَعْدَ أَنْ أَمَاتَهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ:

    "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [البقرة: 259]
    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرَةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ مَنْ أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) كَانَ هَدَفُهُمُ الْوُصُولَ إِلَى الْحُوتِ وَصَاحِبِهِ.

    الدَّلِيلُ: لَوْ رَاقَبْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ الْعَذَابِ وَقَعَا عَلَى الْقَوْمِ، وَهُمَا:

    • الْعَذَابُ الْبَئِيسُ الَّذِي أَصَابَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
    • عَذَابٌ أَصَابَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ بِشَكْلٍ مُحَدَّدٍ، وَهُوَ جَعْلُهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ.
    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]
    "فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [الأعراف: 166]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَذَابِ الْبَئِيسِ الَّذِي أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَعَذَابِ الْجَعْلِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ الَّذِي أَصَابَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتْ؟

    رَأْيُنَا: دَعْنَا نَتَدَبَّرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ أَوَّلًا:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 165]

    لِنَجِدَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ كَانَ يَنْهَى عَنِ السُّوءِ وَهُمُ الَّذِينَ أَنْجَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ)، لَكِنْ كَانَ هُنَاكَ بِالْمُقَابِلِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ عَذَابٌ بَئِيسٌ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).

    خامسًا: [فلسفةُ النسيانِ: الغفلةُ أمِ التجاهلُ؟]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ هَذَا كُلُّهُ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ صُدُورِ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ، كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أَنْ رَفَضَ الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ بِالسُّجُودِ لِآدَمْ:

    "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا" [الكهف: 50]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: لَمَّا كَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْسُقُونَ، لِذَا فَهُمْ مِنَ الَّذِينَ رَفَضُوا الِامْتِثَالَ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِ يّْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ رَفْضُهُمْ لِلْأَمْرِ الْإِلَهِ يّْ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِطَرِيقَةِ النِّسْيَانِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ".

    التَّسَاؤُلَاتُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُطْرَحَ الْآنَ هِيَ:

    • مَا الَّذِي ذُكِّرُوا بِهِ؟
    • وَكَيْفَ نَسُوهُ؟

    نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ مَنْ حَلَّتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ وَمَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَآتَاهُ الْحِكْمَةَ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرْ:

    "...وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: 231]

    ثَانِيًا، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ الذِّكْرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهُ رَبُّنَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ عَلَّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ:

    "فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 239]

    وَالذِّكْرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِنِعْمَةِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ الَّذِي وَاثَقَنَا بِهِ:

    "وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" [المائدة: 7]

    وَهَذَا – بِرَأْيِنَا- مَا حَصَلَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ نَجَاتِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَذَابِهِ، وَلَكِنْ حَصَلَ أَنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْمِيثَاقَ، وَذَلِكَ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ:

    "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا... فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ..." [المائدة: 12-13]

    وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّهُمْ قَدْ نَقَضُوا مِيثَاقَهُمْ (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ)، فَلُعِنُوا (لَعَنَّاهُمْ)، وَجُعِلَتْ قُلُوبُهُمْ قَاسِيَةً وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَحْرِيفِهِمْ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) وَنَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)، فَأَصْبَحَتْ حَالُهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    "فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ" [الأنعام: 43-44]

    مَادَامَ أَنَّهُمْ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ)، فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ كُلِّ شَيْءٍ (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)، فَمَا أَنْ أَصَابَهُمُ الْفَرَحُ (حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا)، حَتَّى أُخِذُوا بِالْعَذَابِ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونْ.

    السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ هَذَا الْعَذَابُ بَغْتَةً؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ بَعْضُ مَنْ جَاءَ ذِكْرُهُمْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [الأعراف: 171]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَمَا نَتَقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِيثَاقًا، جَاءَتْ بُنُودُهُ وَاضِحَةً تَمَامًا. وَكَانَ هَذَا الْمِيثَاقُ غَلِيظًا، وَكَانَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ بُنُودِهِ تَنُصُّ عَلَى أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ:

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]

    لِذَا كَانَ هُنَاكَ انْكِشَافٌ لِلْحَقَائِقِ، فَأَصْبَحُوا عَلَى عِلْمٍ بِمَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنْ قَبْلُ، وَأَصْبَحَتْ هُنَاكَ عَلَاقَةٌ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَبِّهِمْ، فَتَمَّتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَحَصَلَ أَنْ نَتَقَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ. فَكَانَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنَ التَّفْضِيلِ الْإِلَهِ يِّ لَهُمْ. لَكِنْ مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَسِيَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ مَا ذُكِّرُوا بِهِ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).

    السُّؤَالُ: كَيْفَ نَسِيَ الْقَوْمُ مَا ذُكِّرُوا بِهِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِدَايَةً لَابُدَّ مِنَ التَّأْكِيدِ بِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَعْنِي مَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ الْعَامَّةِ مِنْ مَعَانِي لِلْمُفْرَدَةِ، فَالنِّسْيَانُ (كَمَا نَفْهَمُهُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ) لَا يَعْنِي بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ غِيَابَ الْمَعْلُومَةِ عَنِ الذِّهْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ يَنْسَى. وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَسْتَشِيطَ غَضَبًا:

    "الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [التوبة: 67]

    السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَغِيبَ الْمَعْلُومَةُ عَنِ الْإِلَهِ الَّذِي نَسِيَهُمْ عِنْدَمَا نَسُوهُ (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)؟

    ثَانِيًا، لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ يُثْبِتُ إِمْكَانِيَّةَ أَنْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ:

    "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [الحشر: 19]

    السُّؤَالُ: وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) إِذَا كَانَ مَعْنَى النِّسْيَانِ هُوَ غِيَابَ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الذَّاكِرَةْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ النِّسْيَانَ (كَمَا نَفْهَمُهُ) هُوَ فِعْلٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ، فَالْإِنْسَانُ يَنْسَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَى، وَاللَّهُ نَفْسُهُ يَنْسَى لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَرَارَهُ بِنَفْسِهِ:

    "...نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" [التوبة: 67]

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ النِّسْيَانُ إِذَنْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ "تَجَاهُلُ الْأَمْرِ أَوِ الْمَوْقِفِ عَنْ قَصْدٍ" (أَوْ هُوَ "التَّطْنِيشُ" بِلُغَتِنَا الْأُرْدُنِيَّةِ الدَّارِجَةِ). فَأَنَا قَدْ أَنْسَاكَ إِذَا أَرَدْتُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَنْ "أُطَنِّشَكَ". وَيَكُونُ النِّسْيَانُ عِنْدَهَا قَرَارًا نَابِعًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي وَلَا يَعْنِي أَنَّكَ غَيْرُ حَاضِرٍ فِي بَالِي (أَيْ فِي الذَّاكِرَةِ) تَمَامًا. فَأَنَا قَدْ أَنْسَاكَ حَتَّى عِنْدَمَا تَكُونُ حَاضِرًا فِي ذَاكِرَتِي، وَهَذَا مَا سَيَحْصُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ نِسْيَانَهُمْ:

    "وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ" [الجاثية: 34]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: النِّسْيَانُ فِعْلٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ)، لِذَا الْإِلَهُ نَفْسُهُ يَنْسَى.

    فَهَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنَ النَّاسِ (نَحْنُ نَظُنُّ) لَمْ يَنْسُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَغِيبُ تَمَامًا مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ نَسُوهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِأَنَّهُمُ اخْتَارُوا أَنْ يَتَجَاهَلُوهُ "تَطْنِيشَهُ" عَنْ قَصْدٍ كُلَّمَا وَرَدَ خَبَرُهُ فِي ذَاكِرَتِهِمْ، فَكَانَ فِعْلُ النِّسْيَانِ عِنْدَهُمْ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْقَرَارُ الْإِلَهِ يُّ بِحَقِّهِمْ وَهُوَ نِسْيَانُهُمْ (الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ).

    السُّؤَالُ الْمَعْكُوسُ: مَا مَعْنَى غِيَابِ الْمَعْلُومَةِ تَمَامًا مِنَ الذَّاكِرَةِ؟ أَوْ كَيْفَ جَاءَ اللَّفْظُ الْقُرْآنِيُّ بِخُصُوصِ مَنْ غَابَتِ الْمَعْلُومَةُ تَمَامًا مِنْ بَالِهِ (فَلَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً فِي ذَاكِرَتِهِ)؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّهَا الْغَفْلَةْ:

    "وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ" [الأعراف: 205]
    "وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" [مريم: 39]
    "وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ" [الأنبياء: 97]
    "لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" [ق: 22]
    "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ" [الأعراف: 172]
    "وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ" [المؤمنون: 17]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْغَفْلَةُ تَحْصُلُ بِغِيَابِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الذِّهْنِ تَمَامًا. لِذَا فَالْإِلَهُ الَّذِي قَدْ يَنْسَى لَا يَغْفُلْ.

    الدَّلِيلُ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبُ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ (مَثَلًا) لَمْ يَغْفُلْ عَنْ يُوسُفَ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ يُوسُفَ بِتَحْرِيضٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّنَا نَعْتَقِدُ بِأَنَّ صُورَةَ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ لَمْ تُفَارِقْ مُخَيِّلَتَهُ يَوْمًا مُنْذُ أَنْ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى لَحْظَةِ "ادِّكَارِهِ بَعْدَ أُمَّةٍ" يَوْمَ أَنْ طَلَبَ الْمَلِكُ تَأْوِيلَ رُؤْيَاهْ:

    "وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ" [يوسف: 45]

    وَلَوْ رَاقَبْنَا السِّيَاقَ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ صَاحِبَ يُوسُفَ قَدِ ادَّكَرَ (وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْ).

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا ادَّكَرَ صَاحِبُ يُوسُفَ؟ وَلِمَ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ قَدْ تَذَكَّرَ مَثَلًا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَاحِبُ يُوسُفَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ يُوسُفَ لَكَانَتْ حَادِثَةُ رُؤْيَةِ الْمَلِكِ سَبَبًا لِأَنْ يَتَذَكَّرَ (بِالذَّالِ)، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ صَاحِبُ يُوسُفَ نَاسِيًا (مُطَنِّشًا) كَانَتْ حَادِثَةُ رُؤْيَةِ الْمَلِكِ سَبَبًا لَهُ لِأَنْ يَدَّكِرَ (بِالدَّالِ) كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:

    نِسْيَانٌ ← غَفْلَةٌ ← ادِّكَارٌ (ادَّكَرَ) ← تَذَكُّرٌ (تَذَكَّرَ)

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ هَذَا فِي قَضِيَّةِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ (مَوْضُوعِ حَدِيثِنَا)؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الْقَوْمُ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَهُمْ إِذًا قَدْ تَجَاهَلُوا الْأَمْرَ عَنْ قَصْدٍ وَنِيَّةٍ مُسْبَقَةٍ بِهَذَا الْقَرَارِ، لِذَا كَانَ الْعِقَابُ الْإِلَهِ يُّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ شَدِيدًا:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 165]

    سادسًا: [تسلسلُ الأحداثِ: منَ العجلِ إلى نتقِ الجبلْ]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ إِذَنْ حَصَلَتِ الْقِصَّةُ بِرُمَّتِهَا؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقِصَّةَ قَدْ حَصَلَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    - يُنْجِي اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عَلَى يَدِ مُوسَى، فَيَتَجَاوَزُ بِهِمُ الْبَحْرَ، وَيُغْرِقُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ:

    "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [يونس: 90]

    - مَا أَنْ تَجَاوَزَ اللَّهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ حَتَّى أَتَى هَؤُلَاءِ النَّاجِينَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ عَلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ الْقَوْمُ فِيهَا يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَطْلُبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةْ:

    "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ" [الأعراف: 138-141]

    - ثُمَّ يَحْصُلُ الْمِيقَاتُ الْإِلَهِ يُّ لِمُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَأْتِي مُوسَى فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ مُتَعَجِّلًا، لَكِنَّ اللَّهَ يُتِمُّ مِيقَاتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا:

    "وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" [الأعراف: 142]
    "وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ" [البقرة: 51]

    - لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، حَصَلَتْ حَادِثَةُ الْجَبَلِ، الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّهُ دَكًّا:

    "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ" [الأعراف: 143-144]

    - مَا بَرِحَ مُوسَى لِقَاءَهُ مَعَ رَبِّهِ ذَاكَ حَتَّى كَتَبَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَيَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ مُوسَى أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِأَنْ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا:

    "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ" [الأعراف: 145]

    فَيَعُودُ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، حَامِلًا الْأَلْوَاحَ، وَمَا أَنْ يَصِلَ حَتَّى يَبْدَأَ بِمُعَاقَبَةِ أَخِيهِ هَارُونَ، مُلْقِيًا الْأَلْوَاحَ، آخِذًا بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ:

    "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [الأعراف: 150]

    - لَكِنْ مَا أَنْ يَسْمَعَ مُوسَى حُجَّةَ أَخِيهِ هَارُونَ حَتَّى يَنْدَمَ عَلَى فِعْلَتِهِ، وَيَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ وَالدُّخُولَ فِي رَحْمَةِ رَبِّهِ لَهُ وَلِأَخِيهِ:

    "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" [الأعراف: 151]

    - فَيَتَوَجَّهُ مُوسَى إِلَى السَّامِرِيِّ مُخَاطِبًا لَهُ، وَيَنْتَهِي الْحِوَارُ بِقَرَارِ مُوسَى بِتَحْرِيقِ الْعِجْلِ وَنَسْفِهِ فِي الْيَمِّ:

    "قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا" [طه: 95-97]

    - مَا أَنْ يَسْكُتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ حَتَّى يَعُودَ لِيَأْخُذَ الْأَلْوَاحَ الَّتِي كَانَ قَدْ أَلْقَاهَا لَحْظَةَ عَوْدَتِهِ:

    "وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" [الأعراف: 154]

    - يَشِيعُ الْخَبَرُ فِي الْقَوْمِ أَنَّ مُوسَى قَدْ حَظِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى رَبِّهِ فِي مِيقَاتِهِ الْأَوَّلِ، فَتَثُورُ ثَائِرَةُ بَعْضِهِمْ، مُطَالِبِينَ بِالرُّؤْيَةِ الْإِلَهِ يَّةِ، مُنْكِرِينَ الْإِيمَانَ بِمُوسَى حَتَّى حُصُولِ ذَلِكَ:

    "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ" [البقرة: 55]

    وَهُنَا يَكُونُ مُوسَى قَدِ اخْتَارَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ هَذَا سَبْعِينَ رَجُلًا:

    "وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ" [الأعراف: 155]

    - وَمَا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ حَتَّى يُظَلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَيُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- السِّيَاقَ الْأَوْسَعَ لِهَذِهِ الْحَادِثَةْ:

    "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" [البقرة: 55-57]

    مَا أَنْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ حَتَّى يَنْتِقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، وَهُنَاكَ بِالضَّبْطِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ وَأَنْ يَذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونْ:

    "وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [الأعراف: 171]

    نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: فِي ظُلَّةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ الْمَنْتُوقِ فَوْقَهُمْ طَلَبَ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمْ بِقُوَّةٍ (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) وَأَنْ يَذْكُرُوا مَا فِيهِ (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

    [موضع الصورة: صورة تعبيرية لجبل الطور أو نتق الجبل]
    المصدر: صور جوجل

    وَعَادَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ، فَيَأْمُرُ الْقَوْمَ جَمِيعًا أَنْ يَأْخُذُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ. وَيُقَطِّعُهُمُ اللَّهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا بِعَدَدِ عُيُونِ الْمَاءِ الَّتِي انْبَجَسَتْ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصَاهْ:

    "وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" [الأعراف: 160]

    - فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ يَطْلُبُ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا قَرْيَةً مُحَدَّدَةْ:

    "وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ" [الأعراف: 161]

    - وَلَوْ تَتَبَّعْنَا السِّيَاقَ نَفْسَهُ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ بِالذَّاتِ حَصَلَ تَبْدِيلُ مَا قَدْ قِيلَ لَهُمْ عَلَى يَدِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:

    "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ" [الأعراف: 162]

    - وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَرْيَةُ (حَسَبَ فَهْمِنَا لِلسِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ) هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي حَصَلَتْ فِيهَا فِتْنَةُ الْحِيتَانْ:

    "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 163]

    فَانْقَسَمَ الْقَوْمُ إِلَى فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونْ:

    "وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" [الأعراف: 159]

    وَفَرِيقٌ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 165]

    التَّسَاؤُلَاتُ:

    • مَنْ هُمُ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ؟
    • كَيْفَ حَصَلَ أَنْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ؟
    • لِمَاذَا نَسُوهُ؟
    • إلخ.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ الَّذِينَ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَتَقَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ وَأَنْ يَذْكُرُوا مَا فِيهِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [الأعراف: 171]

    لَكِنْ نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لَمْ يَلْتَزِمْ بِالْمِيثَاقِ الْإِلَهِ يِّ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِمْ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ (كَمَا نَفْهَمُ الْقَوْلَ) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]

    لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الْمُفْتَرَاةُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ هُنَاكَ مَنْ رَفَعَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الطُّورْ.
    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ هَؤُلَاءِ مَنْ طَلَبَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا.
    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: كَانَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.
    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: كَانَ ذَلِكَ الْمِيثَاقُ مِيثَاقًا غَلِيظًا.

    عِنْدَمَا نَقَضَ بَعْضُهُمْ مِيثَاقَ اللَّهِ، حَصَلَ الْعَذَابُ الْإِلَهِ يُّ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]

    لَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِهَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ تَنَاوُبًا فِي الْأَلْفَاظِ يَجْلِبُ مَعَهُ الْحَيْرَةَ وَالدَّهْشَةَ. فَالْمُدَقِّقُ فِي هَذَا النَّصِّ يَجِدُ أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ وَقَعَ عَلَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    وَالْآنَ دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ فِي الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ:

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]

    لِتَجِدَ أَنَّ الْمِيثَاقَ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ (لَا تَعْدُوا) وَلَكِنَّ الْعَذَابَ قَدْ وَقَعَ عَلَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).

    تَسَاؤُلَاتٌ:

    • مَا الْفَرْقُ؟
    • لِمَاذَا كَانَ الْمِيثَاقُ عَلَى نَحْوِ أَنْ لَا يَعْدُوا (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ)؟
    • لِمَاذَا جَاءَ الْعَذَابُ عَلَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)؟
    • فَهَلِ الَّذِينَ طَلَبَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ هُمْ أَنْفُسُهُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ؟
    • إلخ.

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ، وَأَنَّ هَذَا الْمِيثَاقَ قَدْ أَخَذَهُ اللَّهُ مِنَ الَّذِينَ نَتَقَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.

    لِذَا، كَانَ هَؤُلَاءِ هُمْ عُلَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ انْكَشَفَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَنْكَشِفْ لِغَيْرِهِمْ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) عَالِمِينَ بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِ يَّةِ الَّتِي حَرَّكَتِ الطَّلَبَ الْإِلَهِ يَّ مِنْهُمْ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ. فَكَانَ مِيثَاقُ اللَّهِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ مِيثَاقًا غَلِيظًا (وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا). لَكِنْ مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ كُلُّ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقُ بِذَلِكَ الْمِيثَاقِ كَمَا وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَظَهَرَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ كَانَ ظَالِمًا، فَبَدَّلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ:

    "فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ" [الأعراف: 162]

    السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ عَذَابُهُمْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَذَابَ هَؤُلَاءِ كَانَ هُوَ الْعَذَابَ الْبَئِيسَ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فَسَقُوا عَنِ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يّْ:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 165]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، أَيْ تَجَاهَلُوهُ عَنْ قَصْدٍ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: كَانَ عَذَابُهُمْ هُوَ عَذَابٌ بَئِيسْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: كَانُوا هَؤُلَاءِ يَفْسُقُونَ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).

    السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ بِأَنْ تَجَاهَلُوهُ عَنْ قَصْدٍ، فَكَيْفَ كَانُوا ظَالِمِينَ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ ظَلَمُوا لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قَبْلُ. فَوَاحِدَةٌ مِنْ أَوْجُهِ الظُّلْمِ تَكُونُ بِكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ (الَّتِي يَعْلَمُهَا):

    "أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" [البقرة: 140]

    وَالظُّلْمُ يَكُونُ بِافْتِرَاءِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ أَوْ بِتَكْذِيبِ آيَاتِ اللَّهِ:

    "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" [الأنعام: 21]

    وَعَادَةً مَا يَحْصُلُ الظُّلْمُ مِنَ الشَّخْصِ الَّذِي جَاءَهُ الْحَقّْ:

    "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ" [العنكبوت: 68]

    وَالْغَايَةُ تَكُونُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ ضَلَالَةُ النَّاسِ الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ:

    "...فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [الأنعام: 144]

    وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا فَعَلَ آدَمُ وَزَوْجُهُ وَهُمَا اللَّذَانِ ظَلَمَا أَنْفُسَهُمَا بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ مُبَاشَرَةً مِنْ رَبِّهِمْ:

    "فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الأعراف: 22-23]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى عِلْمْ.

    السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ ظَلَمُوا، فَلِمَ كَانُوا يَفْسُقُونَ؟ أَوْ كَيْفَ كَانُوا يَفْسُقُونَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ يَفْسُقُونَ لِذَا لَابُدَّ أَنَّهُمْ قَدْ فَسَقُوا عَنِ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ الَّذِي فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ:

    "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..." [الكهف: 50]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: فَعَلَ هَؤُلَاءِ مَا فَعَلَ آدَمُ وَزَوْجُهُ بِأَنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: لَمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ قَدْ فَسَقُوا، لِذَا فَهُمْ قَدْ فَعَلُوا مَا يُشْبِهُ مَا فَعَلَ إِبْلِيسُ الَّذِي فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ إِذَنْ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ مَا حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ، كَانُوا إِذَنْ عَالِمِينَ بِنَبَأِ السَّبْتِ، وَلَكِنْ لَمَّا خَالَفُوا مَا كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَلْتَزِمُوا بِهِ كَانُوا ظَالِمِينَ (كَمَا حَصَلَ مَعَ آدَمَ وَزَوْجِهِ)، وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفُوا عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ بِأَنْ فَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَهُمْ إِذًا قَدْ خَالَفُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ لَيْسَ عَنْ رَغْبَةٍ جَامِحَةٍ عِنْدَهُمْ (كَمَا حَصَلَ مَعَ آدَمَ)، وَلَكِنْ عَنْ إِصْرَارٍ مُسْبَقٍ عَلَى ارْتِكَابِ الذَّنْبِ كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ الَّذِي أَبَى وَاسْتَكْبَرَ:

    "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" [البقرة: 34]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا وَصَلَ الْحَدُّ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَنَّهُمْ قَدْ ظَلَمُوا وَأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا فَاسِقِينَ، كَانَ الْعِقَابُ الْإِلَهِ يُّ لَا مَحَالَةَ نَازِلًا بِهِمْ. فَنَزَلَ بِهِمْ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ رِجْزٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَكَانَ عَذَابًا بَئِيسًا:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 165]

    السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ عَذَابٌ بَئِيسٌ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، فَمَنِ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ بِأَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نُؤْمِنُ إِنَّهُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ:

    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]

    السُّؤَالُ: وَهَلْ هُنَاكَ فَرْقٌ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَعَمْ، هُنَاكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ جِدًّا.

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هُمْ بَعْضُ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ السَّبْعِينَ رَجُلًا الَّذِينَ نَتَقَ اللَّهُ فَوْقَهُمُ الْجَبَلَ وَجَعَلَهُ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، وَهُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِنْهُمْ مِيثَاقَهُمْ هُنَاكَ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.

    أَمَّا الَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ بِأَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَهُمْ (نَحْنُ نُؤْمِنُ) الَّذِينَ نَفَّذُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى حِيتَانِ الْبَحْرِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ (نَحْنُ نَظُنُّ) كَانُوا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، فَهُمُ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ.

    لِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا (بِنَاءً عَلَى هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَجْمُوعَتَيْنِ مِمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ الِاعْتِدَاءِ:

    • الْمَجْمُوعَةُ الْأُولَى وَهُمُ الَّذِينَ طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا، وَهَؤُلَاءِ هُمْ – بِرَأْيِنَا- أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ كَانَ هَدَفُهُمْ ضَلَالَةَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِهِمْ لِحَاجَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ.
    • الْمَجْمُوعَةُ الثَّانِيَةُ وَهُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا، وَهَؤُلَاءِ هُمْ – نَحْنُ نُؤْمِنُ- الَّذِينَ نَفَّذُوا مَا طَلَبَهُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

    سابعًا: [الفرقُ اللغويُّ: لا تعدوا مقابلَ لا تعتدوا]

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ "لَا يَعْدُوا" الَّتِي وَرَدَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى؟

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ لَوَجَدْنَا أَنَّ النَّهْيَ هُوَ عَلَى نَحْوِ (لَا تَعْدُوا). وَهَذَا - لَا شَكَّ عِنْدَنَا - يَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنِ النَّهْيِ الَّذِي وَرَدَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ عَلَى نَحْوِ "لَا تَعْتَدُوا":

    "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" [البقرة: 190]
    "...وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ..." [البقرة: 231]
    "...وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا..." [المائدة: 2]
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" [المائدة: 87]
    "...تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [البقرة: 229]
    "وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ" [النساء: 14]

    السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي جَاءَ عَلَى صِيغَةِ "لَا تَعْدُوا" لَهُ عَلَاقَةٌ بِمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا..." [الأحزاب: 49]
    "...وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..." [الكهف: 28]
    "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ..." [الطلاق: 1]
    "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ" [التوبة: 46]
    "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ..." [الأنفال: 60]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ الَّتِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ أَنَّ النَّهْيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا تَعْدُوا)، هِيَ مَأْخُوذَةٌ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا- مِنَ "الْعُدَّةِ"، أَيِ الِاسْتِعْدَادِ، لِذَا كَانَ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ فِي قَوْلِهِ "لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ" (كَمَا نَفْهَمُهُ) نَهْيًا عَنِ التَّجَهُّزِ لِلْأَمْرِ. أَمَّا صِيغَةُ "لَا تَعْتَدُوا" فَهِيَ التَّنْفِيذُ الْفِعْلِيُّ لِفِعْلِ الِاعْتِدَاءْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ الْأَمْرُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ لِمَنْ أُخِذَ الْمِيثَاقُ مِنْهُمْ هُوَ عَلَى نَحْوِ أَنْ (لَا تَعْدُوا)، فَإِنَّ النَّهْيَ كَانَ (كَمَا نَظُنُّ) يَشْمَلُ عَدَمَ الْقِيَامِ بِأَيِّ تَجْهِيزَاتٍ (أَيْ عُدَّةٍ) يُمْكِنُ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُؤَدِّيَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ.

    فَاللَّهُ يَعْلَمُ بِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ يَقُومُوا بِالتَّحَايُلِ (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ) عَلَى الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ بِأَنْ لَا يَعْتَدُوا عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ قَدْ يَقُومُوا بِالْحِيلَةِ الَّتِي تُمَكِّنُهُمْ مِنْ تَأْخِيرِ اعْتِدَائِهِمْ إِلَى يَوْمٍ غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ، وَذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَنْ يَقُومُوا بِعَمَلِ الْمَصَائِدِ لِلْحِيتَانِ الَّتِي يَعْلَمُونَ أَنَّهَا سَتَأْتِيهِمْ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ، فَتَقَعُ تِلْكَ الْحِيتَانُ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ فِي تِلْكَ الْمَصَائِدِ الَّتِي عُمِلَتْ فِي غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ. فَمَا يَكُونُ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَصْطَادُونَهَا فِي يَوْمٍ غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ بَعْدَ أَنْ تَمَكَّنُوا مِنْهَا فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ.

    لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ الْإِلَهِ يُّ مُطْلَقًا بِمَا فِي صُدُورِهِمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، جَاءَ الِاحْتِيَاطُ مُسْبَقًا بِأَنْ لَا يَعْدُوا (لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ)، أَيْ لَا يَقُومُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعْدَادَاتِ لِلْإِيقَاعِ بِالْحِيتَانِ وَمِنْ ثَمَّ التَّذَرُّعِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ. وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَوْ جَاءَ النَّهْيُ الْإِلَهِ يُّ لَهُمْ عَلَى نَحْوِ "لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ"، رُبَّمَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ بِأَنْ يَلْتَزِمُوا بِعَدَمِ الِاعْتِدَاءِ بِالسَّبْتِ وَلَكِنَّهُمْ يَكُونُوا قَدْ أَعَدُّوا الْعُدَّةَ مُسْبَقًا لَهُ، أَيِ الْعُدَّةَ الَّتِي يُمْكِنُهُمْ مِنْ إِيقَاعِ الْحِيتَانِ فِي الْمَصَائِدِ الَّتِي جَهَّزُوهَا لَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ السَّبْتِ. فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِ يَّةُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) عَظِيمَةً بِأَنْ مَنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ "لَا تَعْدُوا"، فَمَا عَادُوا يَسْتَطِيعُونَ التَّذَرُّعَ بِمِثْلِ تِلْكَ الذَّرَائِعِ الْفَاشِلَةْ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا مَنَعَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَعْدُوا " فِي السَّبْتِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْهَدَفَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الْإِلَهِ يِّ بِالْتِزَامِهِمْ بِمِيثَاقِهِمْ أَوْ عَدَمِ الْتِزَامِهِمْ بِهِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ غَايَةٍ مُحَدَّدَةٍ وَهِيَ "الْحِيتَانُ" نَفْسُهَا.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ مِنْهُمْ (مَهْمَا صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ) تُمَكِّنُهُمْ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى تِلْكَ الْحِيتَانِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ. فَتِلْكَ الْحِيتَانُ يَجِبُ أَنْ لَا يَمَسُّوهَا بِسُوءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا خَطَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا.

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْخَطَرُ؟ مَا الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَحْصُلَ لَوْ أَنَّ الْقَوْمَ فِعْلًا قَدْ عَمَدُوا إِلَى اصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ الْقَوْمُ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى تِلْكَ الْحِيتَانِ، لَرُبَّمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْفَرُوا بِذَلِكَ الْحُوتِ "الْمُمَيَّزِ" وَصَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ تَلْبِيَةِ نِدَاءِ السَّعْيِ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ الْحُوتُ الَّذِي كَانَتْ تِلْكَ الْحِيتَانُ – بِرَأْيِنَا- تَأْتِي مَعَهُ أَسْرَابًا، احْتِفَاءً بِقُدُومِهِ، فَتَكُونُ شُرَّعًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ:

    "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 163]
    [موضع الصورة: صورة تعبيرية لحيتان البحر أو شباك الصيد]
    المصدر: صور جوجل

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَقَضَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِيثَاقَ اللَّهِ الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ طَمَعًا فِي ذَلِكَ الْحُوتِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ فِيهِ.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فِي حِينِ أَنَّ هَدَفَ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ بِقِصَّةِ هَذَا الْحُوتِ وَالسَّبَبِ الْإِلَهِ يِّ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَهَاهُمْ عَنِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ كَانَ هَدَفًا مَادِّيًّا بَحْتًا يَتَمَثَّلُ (كَمَا نَفْهَمُهُ) بِالظَّفَرِ بِاصْطِيَادِ بَعْضِ تِلْكَ الْحِيتَانِ، كَانَ الْهَدَفُ الْحَقِيقِيُّ لِأَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ سَوَّغُوا لَهُمْ فِعْلَتَهُمْ تِلْكَ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحِيتَانِ هَدَفًا عِلْمِيًّا، وَهُوَ - بِرَأْيِنَا- الظَّفَرُ بِالْغَنِيمَةِ الْكُبْرَى وَهِيَ الْحُوتُ نَفْسُهُ مَعَ صَاحِبِهِ، وَبِالتَّالِي الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِمَا.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَتْ عَاقِبَةُ كُلِّ طَرَفٍ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَانَ الْعِقَابُ الرَّبَّانِيُّ لِلَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ وَهُمُ الَّذِينَ نَفَّذُوا الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ (وَهُمُ الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ) طَمَعًا بِغَنِيمَةٍ مَادِّيَّةٍ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ عَلَى شَاكِلَةِ أَنْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ:

    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]

    لَكِنْ - بِالْمُقَابِلِ - كَانَ الْعِقَابُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ هُوَ عَذَابٌ بَئِيسٌ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 165]

    ثامنًا: [مراتبُ العذابِ: القردةُ والخنازيرْ]

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ الَّذِي نَزَلَ بِهَؤُلَاءِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَذَابَ هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْ عَذَابِ أُولَئِكَ. فَالَّذِي يَقَعُ فِي الظُّلْمِ عَنْ عِلْمٍ مُسْبَقٍ وَيَكُونُ قَدْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ هُوَ أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الَّذِي ارْتَكَبَ الْإِثْمَ لِمَطْمَعٍ دُنْيَوِيٍّ بَسِيطٍ. فَالْأَوَّلُ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- شَرٌّ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّانِي. فَعَذَابُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ، لَكِنَّ عَذَابَ الَّذِينَ سَوَّغُوا لَهُمُ الْأَمْرَ (وَهُمْ فِي ظَنِّنَا أَهْلُ الْعِلْمِ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْفَاسِقِينَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ) كَانَ - لَا شَكَّ عِنْدَنَا- أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ.

    السُّؤَالُ: مَا الْعَذَابُ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) لَهَا عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِفَحْوَى النِّقَاشْ:

    "قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ" [المائدة: 60]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ عَذَابُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ عَلَى نَحْوِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ لَعَنَهُمْ (مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ)، وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ (وَغَضِبَ عَلَيْهِ)، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ). وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ شَرٌّ مَكَانًا (أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا) وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً خَاسِئِينَ هُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ هُمُ الَّذِي جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: جَعَلَ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَالَفُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِ يَّ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ جَعَلَ مِنْهُمُ الْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ هَؤُلَاءِ هُمْ أَشَرَّ مَكَانًا وَأَضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلْ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُودُ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ اخْتَلَفُوا فِيهِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: تَحَدَّثْنَا سَابِقًا عَنِ الِاخْتِلَافِ، وَزَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ (كَمَا نَفْهَمُهُ) أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَصْبَحُوا عَلَى دِرَايَةٍ تَامَّةٍ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ بِالْقَضِيَّةِ قَيْدِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ. فَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ – مَثَلًا- يَعْلَمُونَ السِّرَّ وَرَاءَ الْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ.

    السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ فِي حُصُولِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ الْمُشْكِلَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بِالْأَمْرِ، لَرُبَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- فِي بَابِ الْخُصُومَةِ وَلَيْسَ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي سَنَجْلِبُ إِلَيْهِ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ الْآنَ هُوَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِفَ الْقَوْمُ أَوْ أَنْ يَتَخَاصَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؟

    تاسعًا: [الفرقُ بينَ الاختلافِ والخصومةْ]

    بَابُ الْخُصُومَةْ

    لَوْ تَتَبَّعْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِالْخُصُومَةِ (وَمُشْتَقَّاتِهَا) كَمَا جَاءَتْ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةْ:

    "هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ" [الحج: 19]
    "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ" [يس: 49]
    "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ" [ص: 21-22]
    "وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" [الزخرف: 58]

    لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَحْدُثُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ اتِّخَاذُ الْقَرَارِ بِفَضِّهَا. فَالَّذِينَ يَحْضُرُونَ إِلَى الْقَاضِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ هُمْ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَتَّ بِالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ هُوَ مِنْ شَأْنِ الْقَاضِي نَفْسِهِ. فَالَّذِينَ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ – مَثَلًا- كَانُوا خَصْمًا، وَهُمُ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ:

    "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ" [ص: 21]

    لَكِنْ مَا أَنْ دَخَلُوا الْمِحْرَابَ حَتَّى وَجَدُوا خَصْمَهُمُ الْآخَرَ فِيهِ، فَأَصْبَحُوا خَصْمَانْ:

    "إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ" [ص: 22]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ: بَابُ النَّعْجَةِ)

    وَلَا شَكَّ – عِنْدَنَا- أَنَّ الْخُصُومَةَ تَصِلُ إِلَى الْقَاضِي عِنْدَمَا يَبْغِي طَرَفٌ مِنْهُمْ عَلَى طَرَفٍ آخَرَ، فَيَكُونُ قَدْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ (خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ). وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ الْقَاضِي لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمَا (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ) بَعْدَ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى وَجْهِ نَظَرِ كُلِّ طَرَفٍ مِنْهُمَا، بِتَقْدِيمِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي تُثْبِتُ حُجَّتَهُ فِي الْخُصُومَةِ. وَمَا أَنْ يَنْتَهِيَ كُلُّ طَرَفٍ مِنْ تَقْدِيمِ بَيِّنَتِهِ حَتَّى تُصْبِحَ مُهِمَّةُ الْقَاضِي إِنْهَاءَ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ اتِّخَاذِ قَرَارٍ وَجَبَ عَلَى الطَّرَفَيْنِ الِالْتِزَامُ بِهِ مَادَامَ أَنَّهُمَا قَدْ حَضَرَا مَعًا طَالِبِينَ فَضَّ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى يَدِ الْقَاضِي نَفْسِهْ.

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَا أَنْ يَنْطِقَ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِي الْخُصُومَةِ حَتَّى يُصْبِحَ الْأَمْرُ بَيِّنًا لِلطَّرَفَيْنِ. عِنْدَهَا يَكُونُ الِالْتِزَامُ بِقَرَارِ الْقَاضِي إِجْبَارِيًّا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    السُّؤَالُ: مَاذَا لَوْ خَالَفَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ قَرَارَ الْقَاضِي الَّذِي نَطَقَ بِهِ لِفَضِّ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ، وَخَالَفَ الْبَعْضُ قَرَارَ الْقَاضِي الْمَنْطُوقَ فِي فَضِّ الْخُصُومَةِ، لَأَصْبَحَ ذَلِكَ يَقَعُ فِي بَابِ الِاخْتِلَافِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ قَدْ فُضَّتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْقَاضِي بِالْقَرَارِ. فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ قَدِ انْتَهَتْ وَلَكِنْ نَشَبَ الْآنَ اخْتِلَافٌ فِيمَا هُوَ بَيِّنْ. وَالْآنَ انْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي السِّيَاقَاتِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الِاخْتِلَافَ يَحْصُلُ بَعْدَ مَجِيءِ الْعِلْمْ:

    "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [آل عمران: 19]
    "وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [يونس: 93]
    "وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" [الشورى: 14]
    "وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [الجاثية: 17]

    تُبَيِّنُ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ (رُبَّمَا بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِابْتِغَاءِ التَّأْوِيلِ) بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ حَصَلَ بَعْدَمَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ. كَمَا تُبَيِّنُ أَيْضًا بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ دَائِمًا مَدْفُوعًا بِهَدَفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَغْيُ (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، فَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا بِالسَّبْتِ كَانُوا مَدْفُوعِينَ بِالْغَايَةِ نَفْسِهَا، أَيِ الْبَغْيِ بَيْنَهُمْ.

    عاشرًا: [خاتمةٌ: الذينَ عتوا عن أمرِ ربهمْ]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّهُمْ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ.

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّهُمْ قَدْ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ؟

    لَوْ حَاوَلْنَا الْبَحْثَ عَنِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ لَوَجَدْنَاهَا خَاصَّةً بِاثْنَيْنِ مِنَ الْأَقْوَامِ السَّابِقَةِ وَهُمَا:

    1. قَوْمُ ثَمُودَ (النَّاقَةُ) وَهُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ بَعْدَ أَنْ جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الْإِلَهِ يُّ بِأَنْ لَا يَمَسُّوهَا بِسُوءْ:

    "فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" [الأعراف: 77]
    "وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ" [الذاريات: 43-44]

    2. قَوْمُ مُوسَى (أَصْحَابُ السَّبْتِ):

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [الأعراف: 165-166]
    "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا" [الفرقان: 21]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ السِّيَاقَاتِ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الصَّاعِقَةَ قَدْ نَزَلَتْ بِهِمْ، فَقَدْ نَزَلَتِ الصَّاعِقَةُ بِثَمُودَ عِنْدَمَا عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ:

    "وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ" [الذاريات: 43-44]
    "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ" [فصلت: 17-18]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا نَزَلَتِ الصَّاعِقَةُ بِثَمُودَ؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّ ثَمُودَ حَاوَلُوا أَنْ يَمَسُّوا النَّاقَةَ بِسُوءْ:

    "وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [الأعراف: 73]
    "قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ" [الأعراف: 76-78]
    "وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ" [هود: 64-67]
    "وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا" [الإسراء: 59]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَزَلَتِ الصَّاعِقَةُ بِقَوْمِ مُوسَى وَلِمَاذَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ الْبَئِيسُ بَعْدَ أَنْ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّهُمْ حَاوَلُوا أَنْ يَمَسُّوا الْحُوتَ بِسُوءْ:

    بَابُ الْحُوتِ وَالنَّاقَةْ

    لَوْ دَقَّقْنَا فِي قِصَّةِ النَّاقَةِ لَوَجَدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ:

    "مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ" [الشعراء: 154-158]

    عَنْ أَبْسَطِ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْخِلَافُ عَلَى شِرْبِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَعْلُومِ. فَالْمُشْكِلَةُ كَانَتْ (كَمَا نَتَخَيَّلُهَا) الِالْتِزَامَ بِالْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي جَوْهَرِهِ – بِرَأْيِنَا- عَنْ مَا حَصَلَ بِالَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ. فَمُشْكِلَتُهُمْ كَانَتْ تَكْمُنُ بِالِالْتِزَامِ بِالْأَمْرِ الْإِلَهِ يِّ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ يَوْمُ سَبْتِهِمْ:

    "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 163]

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةْ.

    المراجع والمصادر:

    1. القرآن الكريم - موقع Quran.com ^
    (فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنْفِذَ قَوْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ لِيَ الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ، وَأَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ أَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينْ)

    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمِ الْجَرَّاحِ & عَلِيُّ مَحْمُودِ سَالِمِ الشَّرْمَانِ
    بِقَلَمِ د. رَشِيدِ الْجَرَّاحِ
    25 آذَارَ 2015
    مَرْكَزُ اللُّغَاتِ – جَامِعَةُ الْيَرْمُوكِ
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس