home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 12

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 18, 2015
محتويات المقال:

    قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الثَّانِي عَشَرَ

    "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 163]

    افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ الْحُوتَ الَّذِي جَاءَ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قَدْ كَانَ مَصْحُوبًا بِسِرْبٍ مِنَ الْحِيتَانْ:

    "فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا" [الكهف: 61]

    وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (نَحْنُ نَظُنّْ) حُوتًا مُمَيَّزًا تَعْرِفُهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ كُلُّهَا، فَكَانَتْ تَحْتَفِلُ بِقُدُومِهِ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ كُلَّمَا غَدَا وَرَاحْ، لِذَا كَانَتْ تُرَافِقُهُ فِي رِحْلَتِهِ تِلْكْ.

    [موضع الصورة: رسم تخيلي لحوت يونس ومعه سرب من الحيتان]
    المصدر: تعبيري

    كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ، أَيْ سَبْتِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ حِينَئِذْ. وَأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الَّتِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَبِّيَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)" [الجمعة: 9-10]

    فَالْمُؤْمِنُونَ مُطَالَبُونَ بِتَلْبِيَةِ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَتْرُكُونَ أَعْمَالَهُمُ الْمُعْتَادَةَ، وَيَسْعَوْنَ لِسَمَاعِ الذِّكْرْ. وَهَذَا مَا كَانَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) يَفْعَلُهُ صَاحِبُ الْحُوتْ.

    لِذَا كَانَ الِافْتِرَاءُ الْأَخْطَرُ الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ هُوَ عَدَمُ وُجُودِ يَوْمٍ يُسَمَّى بِيَوْمِ السَّبْتِ كَأَحَدِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سِتَّةٌ فَقَطْ، وَأَنَّ السَّبْتَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يُكَرَّسَ لِلسَّعْيِ لِلصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ سَمَاعِ الذِّكْرِ مِنْ قِبَلِ كُلِّ اللَّذِينَ آمَنُوا:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)" [الجمعة: 9-10]

    وَلَمَّا كَانَ صَاحِبُ الْحُوتِ هُوَ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- وَاحِدًا مِنَ اللَّذِينَ آمَنُوا وَجَبَ عَلَيْهِ تَلْبِيَةُ الدَّعْوَةِ لِـ "ذِكْرِ اللَّهِ" عِنْدَ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةْ. فَذَهَبَ خَيَالُنَا إِلَى تَصَوُّرِ أَنَّ الْحُوتَ قَدْ جَاءَ يَحْمِلُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَضَعَهُ هُنَاكَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مِنْ أَجْلِ تَلْبِيَةِ النِّدَاءِ، وَكَانَتْ أَسْرَابُ الْحِيتَانِ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) تَتْبَعُهُ فِي رِحْلَتِهِ تِلْكَ فِي غُدُوِّهِ وَرَوَاحِهِ، وَمَا أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنْ حُوتِهِ حَتَّى يَعُودَ الْحُوتُ نَفْسُهُ إِلَى الْبَحْرِ فِي سِرْبِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا.

    أَمَّا أَصْحَابُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ فَقَدْ كَانُوا مُطَالَبِينَ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ. وَلَمَّا كَانُوا مِنَ اللَّذِينَ فَسَقُوا، جَاءَهُمُ الِابْتِلَاءُ الرَّبَّانِيُّ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ مِنْهُمْ. فَكَانَتْ حِيتَانُهُمْ تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا تَأْتِيهِمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ سَبْتِهِمْ:

    "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" [الأعراف: 163]

    وَهُنَا (نَحْنُ نَظُنُّ) حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ حِينَئِذْ. فَقَدْ وَقَعَ الْقَوْمُ – كَمَا زَعَمْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ- تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِغْرَاءِ الْمَادِّيِّ الْكَبِيرِ، أَلَا وَهُوَ اصْطِيَادُ تِلْكَ الْحِيتَانِ الْآتِيَةِ إِلَيْهِمْ شُرَّعًا. لَكِنْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ حَقِيقِيٌّ أَمَامَهُمْ يَتَمَثَّلُ بِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِأَنْ يَسْبِتُوا فَلَا يَعْدُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (أَيْ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ). فَمَا الَّذِي حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمْ يَكُنِ الْمُشَرِّعُونَ مِنْهُمْ (وُكَلَاءُ الرَّبِّ عَلَى الْأَرْضِ - كَمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُعَرِّفَهُمُ الْآخَرُونَ) لِيَذَرُوا هَذِهِ الْفُرْصَةَ تَفُوتُهُمْ، فَلَا يُدْلُوا بِدَلْوِهِمْ فِيهَا، وَهُنَا دَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ – نَحْنُ نَظُنُّ- حَوْلَ مَا يُسَمَّى بِالْمُفْرَدَاتِ الدَّارِجَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِـ "فِقْهِ الْمَصَالِحِ"، فَظَهَرَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَتْ إِرَادَتُهُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ، فَأَصْدَرَ "فَتْوَاهُ" (أَيْ صَكَّ الْغُفْرَانِ) بِتَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ بِدَاعِي الْحَاجَةْ. فَدَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَ اللَّذِينَ آمَنُوا كُلِّهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ.

    "إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [النحل: 124]

    وَفِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ أَثَرْنَا التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ حَوْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِي السَّبْتْ:

    • كَيْفَ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي السَّبْتْ؟
    • مَا هِيَ الْآرَاءُ الَّتِي كَانَتْ مَطْرُوحَةً لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمَأْزِقِ حِينَئِذْ؟
    • مَنْ هُمُ اللَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهْ؟
    • كَيْفَ انْتَهَتِ الْأَزْمَةْ؟
    • كَيْفَ حَصَلَ الْمَسْخُ الْإِلَهِيُّ لَهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينْ؟
    • مَنِ الَّذِي نَجَا مِنْهُمْ؟
    • كَيْفَ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَيْنَا؟
    • مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الَّتِي لَازَلْنَا نَتَّبِعُهَا فِي تَقْوِيمِنَا حَتَّى الْيَوْمْ؟
    • مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ أَنَّ الْأَيَّامَ عِنْدَ اللَّهِ هِيَ فَقَطْ سِتَّةٌ تَبْدَأُ بِالْأَحَدِ وَتَنْتَهِي بِالْجُمُعَةِ – كَمَا نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا؟
    • مَا تَبِعَاتُ هَذَا الظَّنِّ فِي حَيَاتِنَا الْمُعَاصِرَةْ؟
    • مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالتَّعَهُّدِ الْإِلَهِيِّ بِإِتْمَامِ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونْ؟
    • إلخ.

    لِذَا سَنُتَابِعُ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ الْمَقَالَةِ مُبْتَدِئِينَ بِالتَّسَاؤُلِ الْكَبِيرِ التَّالِي: لِمَاذَا جُعِلَ السَّبْتُ جَعْلًا؟

    "إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [النحل: 124]

    أَوَّلًا: [مَفْهُومُ الْجَعْلِ فِي الْقُرْآنِ]

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْجَعْلَ رُبَّمَا يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ أَنَّ الْمَجْعُولَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ ذِي قَبْلُ، كَمَا حَصَلَ فِي قِصَّةِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ فِي الْأَرْضِ مَثَلًا:

    "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 30]

    فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ، وَمَا تَوَاجَدَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ.

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْبَلَدَ بِحَدِّ ذَاتِهِ كَانَ مَوْجُودًا، لِذَا فَهُوَ لَمْ يُجْعَلْ، وَلَكِنَّهُ الْأَمْنُ (الْمَجْعُولُ) لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ ذِي قَبْلْ. فَاللَّهُ قَدْ جَعَلَ الْبَلَدَ آمِنًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْبَلَدَ نَفْسَهُ:

    "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" [البقرة: 126]

    وَالْمَنْطِقُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ:

    "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" [البقرة: 125]

    فَالْبَيْتُ لَمْ يُجْعَلْ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ جُعِلَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا (مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مِنْ ذِي قَبْلْ.

    وَرُبَّمَا كَانَتِ الْأَرْضُ الْوَارِدَةُ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ مُتَوَاجِدَةً مِنْ قَبْلُ إِلَّا أَنَّهَا جُعِلَتْ فِرَاشًا فِي لَحْظَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةْ:

    "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" [البقرة: 22]

    وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا كَانَ مُتَوَاجِدًا وَلَكِنَّهُ جُعِلَ بَعْدَ ذَلِكَ آيَةً لِلنَّاسِ:

    "أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [البقرة: 259]

    وَكَذَلِكَ الْجَبَلُ، فَهُوَ لَا شَكَّ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ دَكًّا:

    "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" [الأعراف: 143]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: إِذَا جَعَلَ اللَّهُ الشَّيْءَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، فَخُلِقَ مِنَ الْعَدَمِ مِثْلَ (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: إِذَا جَعَلَ اللَّهُ الشَّيْءَ شَيْئًا آخَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ أَصَابَهُ التَّغَيُّرُ مِثْلَ (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَ أَنَّ السَّبْتَ قَدْ جُعِلَ جَعْلًا، فَهُوَ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مِنْ ذِي قَبْلُ (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ). لِذَا نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ قَبْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ كَانَتْ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَقَطْ، وَمَا حَصَلَ زِيَادَةٌ إِلَّا بِسَبَبِ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي السَّبْتِ بَعْدَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي سَبَّبَتْ لَهُمُ الِاخْتِلَافَ فِي السَّبْتْ.

    ثَانِيًا: [الدَّلِيلُ عَلَى الِاخْتِلَافِ]

    بِدَايَةً لَوْ رَاقَبْنَا الْآيَةَ نَفْسَهَا لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَدُلُّنَا عَلَى حُصُولِ الِاخْتِلَافِ فِي السَّبْتِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    "إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [النحل: 124]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُطْرَحَ عَلَى الْفَوْرِ هُنَا هُوَ: مَنِ اللَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهْ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ جُمْلَةً مِنَ الِافْتِرَاءَاتِ حَوْلَ الِاخْتِلَافِ هِيَ – بِرَأْيِنَا- مُهِمَّةٌ جِدًّا فِي سِيَاقِ حَدِيثِنَا هُنَا، نَذْكُرُ مِنْهَا:

    • الِاخْتِلَافُ لَا يَقَعُ إِلَّا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمْ.
    • الِاخْتِلَافُ لَا يُصْبِحُ اخْتِلَافًا إِلَّا بِوُجُودِ الْكِتَابِ وَتَوَافُرِ الْبَيِّنَاتِ، فَيَتَوَافَرُ الْعِلْمُ فِيهَا.
    • الْمُحَرِّكُ لِلِاخْتِلَافِ هُوَ الْبَغْيُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمْ.
    • تَكُونُ نَتِيجَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ الِانْقِسَامَ إِلَى فِئَتَيْنِ: فِئَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَأُخْرَى كَافِرَةْ.

    ثَالِثًا: [أَدِلَّةُ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْكِتَابِ]

    أَوَّلًا، الِاخْتِلَافُ فِي الْكِتَابِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ:

    "ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" [البقرة: 176]
    "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [آل عمران: 19]

    ثَانِيًا، الِاخْتِلَافُ يَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِ الْبَيِّنَاتْ:

    "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [البقرة: 213]

    ثَالِثًا، الِاخْتِلَافُ يَحْصُلُ مِنْ قِبَلِ اللَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابْ:

    "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [آل عمران: 19]

    رَابِعًا، الْبَغْيُ هُوَ الْمُحَرِّكُ لِلِاخْتِلَافْ:

    "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ" [البقرة: 253]

    خَامِسًا: نَتِيجَةُ الِاخْتِلَافِ هُوَ الِانْقِسَامُ إِلَى فَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنٍ وَكَافِرْ:

    "وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [الجاثية: 17]

    وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِسَبَبِ هَذَا الِاخْتِلَافْ:

    "فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ" [مريم: 37]
    "فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ" [الزخرف: 65]

    سَادِسًا، الِاخْتِلَافُ مَنْهِيٌّ عَنْهْ:

    "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [آل عمران: 105]

    نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ فِي الِاخْتِلَافِ هَلَاكٌ لِلْأُمَّةِ وَلَيْسَ فِيهِ رَحْمَةٌ لِلْأُمَّةِ كَمَا يُحَاوِلُ أَهْلُ الدِّينِ تَسْوِيقَ فِكْرِهِمْ لِلْعَامَّةِ، وَهُمْ يَسْتَنِدُونَ عَلَى مَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَدِيثٌ (اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةٌ بِالْأُمَّةِ)، وَلَوْ رَاجَعْتَ كُتُبَ الْأَحَادِيثِ لَمَا وَجَدْتَهُ مَوْجُودًا فِيهَا أَصْلًا.

    سَابِعًا، الِاخْتِلَافُ يُوَلِّدُ الشَّكَّ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفِينَ يَتَّبِعُونَ الظَّنّْ:

    "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا" [النساء: 157]

    ثَامِنًا، لَابُدَّ لِمَنْ يَقَعُ فِي الِاخْتِلَافِ مِنْ تَقْدِيمِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا يَزْعُمُ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَلِيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةْ:

    "إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ" [الأنفال: 42]

    وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْأَصْلِ هُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ لَوْلَا الِاخْتِلَافُ الَّذِي أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهْ:

    "وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [يونس: 19]

    وَهَذَا مَا حَصَلَ مَعَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ مِثْلَ بَنِي إِسْرَائِيلْ:

    "وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [يونس: 93]

    فَهُمُ اللَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" [هود: 110]

    فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهْ:

    "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل: 64]

    لِذَا، نَحْنُ نُؤْمِنُ يَقِينًا أَنَّهُ بِالْقِرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ لِكِتَابِ اللَّهِ سَيُبَيَّنُ لَنَا "الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ"، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ اخْتِلَافِهِمْ فِي السَّبْتْ. لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الِاخْتِلَافِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا يَحِقُّ لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَتَدَخَّلَ بِرَأْيِهِ فِيهِ، مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ كُلَّ اخْتِلَافٍ يَرْجِعُ الْحُكْمُ فِيهِ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ:

    "وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" [الشورى: 10]

    دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ فَأَعْلَمُ أَنِّي أَدْعُوكَ أَنْ تُنْفِذَ قَوْلَكَ بِمَشِيئَتِكَ لِيَ الْإِحَاطَةَ عِلْمًا بِالَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِنَا بِكَلِمَاتِكَ الَّتِي تُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَتُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، لِتَجْعَلَ كَلِمَةَ اللَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَتُكَ هِيَ الْعُلْيَا، لِتُتِمَّ بِهَا نُورَكَ الَّذِي أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُتِمَّهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ – آمِينْ.

    رَابِعًا: [كَيْفَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ؟]

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالسَّبْتْ؟

    "إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [النحل: 124]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كُنَّا نَظُنُّ يَقِينًا أَنَّ اللَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ اللَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَانَ مَدْفُوعًا بِالْبَغْيِ، وَجَبَ عَلَيْنَا الْآنَ أَنْ نَطْرَحَ السُّؤَالَ التَّالِي: كَيْفَ اخْتَلَفُوا فِيهْ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمَّا وَجَدَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ أَنَّ الْإِغْرَاءَ كَبِيرٌ، فَهَذِهِ حِيتَانُهُمْ تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ وَلَا تَأْتِيهِمْ فِي يَوْمٍ لَا يَسْبِتُونَ، كَانَ لَابُدَّ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) مِنَ اسْتِشَارَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَخْذِ رَأْيِهِمْ بِمَا يَجْرِي مِنْ حَوْلِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الدَّوَامِ فَرِيقَيْنِ: مِنْهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ:

    "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" [الجاثية: 23]

    تَفَاوَتَتِ الْآرَاءُ تَبَعًا لِلْأَجِنْدَةِ الْمُسْبَقَةِ عِنْدَهُمْ. فَكَانَ الِاخْتِلَافُ مَدْفُوعًا بِالْبَغْيِ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ:

    "تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ" [البقرة: 253]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوحُ هُوَ: لِمَاذَا كَفَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمْ؟

    رَأْيُنَا: فِي حِينِ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَا يَشْتَرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا:

    "وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [آل عمران: 199]

    كَانَ هُنَاكَ بِالْمُقَابِلِ- نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- مَنْ يَشْتَرِي بِآيَاتِ اللَّهِ قَلِيلًا:

    "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [البقرة: 174]

    لَكِنْ لَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ أَكْثَرَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ قَدِ اشْتَرَى بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا:

    "إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [آل عمران: 77]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أَيْضًا ثَمَنًا قَلِيلًا كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران: 187]

    لِتَكُونَ الصُّورَةُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَأْخُذُ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِيثَاقُ مَشْرُوطًا بِالتَّالِي:

    • أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ).
    • أَنْ لَا يَكْتُمُونَهُ (وَلَا تَكْتُمُونَهُ).

    خَامِسًا: [الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ]

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، نَجِدُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ لِزَامًا التَّعَرُّضَ لِمُفْرَدَةِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، لِنَجِدَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ الْخَاصَّ بِالسَّبْتِ (مَوْضُوعُ حَدِيثِنَا) كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مِيثَاقًا غَلِيظًا:

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]
    [موضع الصورة: جبل الطور مرفوع فوق بني إسرائيل]
    المصدر: تعبيري

    افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ مُبَاشِرٌ – لَا تَنْفَكُّ عُرَاهُ- بَيْنَ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتِ مِنْ جِهَةٍ (مَوْضُوعُ حَدِيثِنَا) وَالْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    لِتَكُونَ التَّسَاؤُلَاتُ الْآنَ هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • مَا هُوَ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظْ؟
    • كَيْفَ يُؤْخَذُ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظْ؟
    • كَيْفَ يَخْتَلِفُ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ عَنِ الْمِيثَاقِ "غَيْرِ الْغَلِيظِ" (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ)؟
    • مَنِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ الْغَلِيظْ؟
    • وَمَنِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظْ؟
    • كَيْفَ هِيَ آلِيَّةُ أَخْذِ الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟
    • مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتْ؟
    • إلخ.

    أَوَّلًا، عِنْدَ الْبَحْثِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنِ الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ، وَجَدْنَاهُ قَدْ حَصَلَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فَقَطْ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِأَكْمَلِهِ، وَالْمَوَاضِعُ هِيَ:

    • "وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)" [النساء: 20-21]
    • "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]
    • "وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [الأحزاب: 7]

    لِيَكُونَ التَّسَاؤُلُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا جَاءَ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَقَطْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نُدَقِّقُ بِدَايَةً فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْأَخِيرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [الأحزاب: 7]

    أَلَا تَجِدُ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- مَا يَدْعُو إِلَى التَّدَبُّرِ؟ أَلَا تَجِدُ أَنَّ الْفَصْلَ هُنَا وَاضِحٌ بَيْنَ جَمِيعِ النَّبِيِّينَ مِنْ جِهَةٍ وَمَجْمُوعَةٍ مُحَدَّدَةٍ مِنْهُمْ وَهُمْ (مُحَمَّدٌ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟ أَلَا تَجِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخَذَ مِنْ كُلِّ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ وَهُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ مِيثَاقًا غَلِيظًا؟

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يَخْتَلِفُ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا كَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلَ وَأَيُّوبَ، إلخ مُقَابِلَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: فِي حِينِ كَانَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا مِيثَاقًا عَادِيًّا (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ) كَانَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ مِيثَاقًا غَلِيظًا (وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا).

    السُّؤَالُ: كَيْفَ تَمَّ ذَلِكَ؟ وَمَا تَبِعَاتُ الْأَمْرْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِدَايَةً أَنَّ الْمِيثَاقَ يُؤْخَذُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، وَانْظُرْ - إِنْ شِئْتَ- فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْمِيثَاقِ كُلِّهَا. فَالْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) أَنَّ الْمِيثَاقَ قَدْ تَمَّ تَوْثِيقُهُ (أَيْ كِتَابَتُهُ) بَيْنَ قَوْمَيْنِ:

    "إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا" [النساء: 90]
    "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء: 92]
    "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [الأنفال: 72]

    ثَانِيًا، كَمَا تُبَيِّنُ الْآيَاتُ التَّالِيَةُ لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) أَنَّ اللَّهَ قَدْ يَكُونُ طَرَفًا فِي الْمِيثَاقِ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ النَّاسِ اللَّذِينَ هُمُ الطَّرَفُ الْآخَرُ مِنْهْ:

    "الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [البقرة: 27]
    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 63]
    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ" [البقرة: 83]
    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ" [البقرة: 84]
    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [البقرة: 93]
    "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ" [آل عمران: 81]
    "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران: 187]
    "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا" [النساء: 155]
    "وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" [المائدة: 7]
    "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ" [المائدة: 12]
    "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [المائدة: 13]
    "وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" [المائدة: 14]
    "لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ" [المائدة: 70]
    "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" [الأعراف: 169]
    "الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ" [الرعد: 20]
    "وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ" [الرعد: 25]
    "وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [الحديد: 8]

    ثَالِثًا، وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقْ:

    "الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ" [الرعد: 20]

    رَابِعًا، لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمِيثَاقَ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مَكْتُوبًا، أَيْ يَتِمُّ تَوْثِيقُهُ:

    "وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ" [الرعد: 25]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ أَنَّهُ فِي حِينِ أَنَّ الْعَهْدَ قَدْ لَا يُوَثَّقُ (وَقَدْ يُوَثَّقُ)، فَإِنَّ الْمِيثَاقَ لَا مَحَالَةَ مُوَثَّقْ:

    "وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" [المائدة: 7]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: الْعَهْدُ قَدْ يَكُونُ شَفَهِيًّا فَلَا يَتِمُّ تَوْثِيقُهُ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: الْعَهْدُ قَدْ يَتِمُّ تَوْثِيقُهُ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: الْمِيثَاقُ لَا يَتِمُّ إِلَّا كِتَابَةً.

    السُّؤَالُ: وَأَيْنَ يُوَثِّقُ اللَّهُ (طَرَفٌ) مِيثَاقَهُ مَعَ الطَّرَفِ الْآخَرِ؟

    رَأْيُنَا: فِي الْكِتَابْ:

    "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" [الأعراف: 169]
    "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران: 187]

    خَامِسًا، مَادَامَ أَنَّهُ مِيثَاقٌ مُوَثَّقٌ (أَيْ مَكْتُوبٌ) فَلَابُدَّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ شُرُوطٌ وَاضِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ فِيهْ:

    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ" [البقرة: 83]
    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ" [البقرة: 84]

    وَالَّذِي يَنْقُضُ الْمِيثَاقَ هُوَ الَّذِي لَا يَلْتَزِمُ بِشُرُوطِهِ كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ:

    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [البقرة: 93]

    السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمِيثَاقُ (كَمَا فَهِمْنَاهُ)، فَكَيْفَ يَكُونُ غَلِيظًا؟ أَيْ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ الْمِيثَاقُ مِيثَاقًا غَلِيظًا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ سَتُسْعِفُنَا فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمِيثَاقِ مِنْ جِهَةٍ وَالْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَلَا وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْأَزْوَاجْ:

    "وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)" [النساء: 20-21]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا يُؤْخَذُ الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ اللَّذِينَ أَفْضَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: تَعَرَّضْنَا فِي مَقَالَاتِنَا الْخَاصَّةِ بِالْمَرْأَةِ لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ، وَزَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ نِكَاحِ النِّسَاءِ مِنْ جِهَةٍ وَالدُّخُولِ بِهِنَّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَنِكَاحُ الْمَرْأَةِ لَا يَعْنِي الدُّخُولَ بِهَا، فَقَدْ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ دُونَ أَنْ تُمَسّْ:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا" [الأحزاب: 49]
    "لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ" [البقرة: 236]

    وَيَتَرَتبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي نُكِحَتْ وَلَمْ تُمَسَّ تَحْصُلُ عَلَى نِصْفِ مَا فُرِضَ لَهَا فِي حَالَةِ طَلَاقِهَا:

    "وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [البقرة: 237]

    لَكِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي نُكِحَتْ وَتَمَّ الدُّخُولُ بِهَا، فَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِمَّا فُرِضَ لَهَا:

    "وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)" [النساء: 20-21]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ الْمِيثَاقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ أَصْبَحَ مِيثَاقًا غَلِيظًا.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا أَصْبَحَ الْمِيثَاقُ هُنَا مِيثَاقًا غَلِيظًا؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ قَدْ أَفْضَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 1: الْمِيثَاقُ الَّذِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي نَكَحَهَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا هُوَ مِيثَاقٌ عَادِيٌّ (غَيْرُ غَلِيظٍ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 2: الْمِيثَاقُ الَّذِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي نَكَحَهَا وَمَسَّهَا هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ.

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ مَادَامَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ قَدْ أَفْضَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الدُّخُولَ قَدْ تَمَّ إِذَنْ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا –بِرَأْيِنَا- مَا لَمْ يَحْدُثِ انْكِشَافٌ تَامٌّ لِعَوْرَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ. فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ اللَّذَانِ أَفْضَى بَعْضُهُمَا إِلَى بَعْضٍ قَدِ انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ. لِذَا أَصْبَحَ الزَّوْجُ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ سَوْءَةِ زَوْجَتِهِ، وَأَصْبَحَتِ الزَّوْجَةُ تَعْرِفُ تَفَاصِيلَ سَوْءَةِ زَوْجِهَا. فَانْكَشَفَ اللِّبَاسُ الَّذِي كَانَ يَسْتُرُ سَوْءَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَمَامَ الْآخَرِ، وَمَا عَادَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ كَانَ طَرَفًا فِي ذَلِكَ الْمِيثَاقِ، وَهُمَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ مِنْ مَجْمُوعَةٍ مِنْ رُسُلِهِ وَهُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنْهُمْ: مُحَمَّدٌ وَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى؟

    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [الأحزاب: 7]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مَا انْكَشَفَ لِهَؤُلَاءِ الرُّسُلِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مِنَ الْغِطَاءِ عَنِ السِّرِّ الْإِلَهِيِّ لَا يُمْكِنُ مُقَارَنَتُهُ بِمَا كَانَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْآخَرِينَ. لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) أَنَّ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ قَدِ انْكَشَفَ لَهُمْ مَا لَمْ يَنْكَشِفْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ الْآخَرِينَ. لِذَا كَانَ لَابُدَّ مِنْ أَخْذِ الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ مِنْهُمْ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا؟

    جَوَابٌ: لِأَنَّ مَنِ انْكَشَفَ لَهُ مِنَ السِّرِّ الْإِلَهِيِّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ، فَذَاكَ أَكْبَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ قُدْرَةِ النَّاسِ الْعَادِيِّينَ عَلَى تَحَمُّلِهِ، لِذَا جَاءَتِ الدَّعْوَةُ وَاضِحَةً لِمُحَمَّدٍ بِالصَّبْرِ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ:

    "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ" [الأحقاف: 35]

    ثَانِيًا، مَادَامَ أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ غَلِيظًا مِنْ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ، فَلَابُدَّ أَنَّهُ كَانَ مَكْتُوبًا (مُوَثَّقًا)، فِيهِ شُرُوطٌ وَاضِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ. فَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ هُمْ أَصْحَابُ الرِّسَالَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ.

    ثَالِثًا، كَانَ مُهِمَّةُ هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ:

    "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران: 187]
    "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل: 64]
    "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)" [النحل: 43-44]

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقِصَّةِ اللَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِنَقْرَأْ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]

    أَلَا تَجِدُ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنَّ الْآيَةَ تَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ؟ ثُمَّ أَلَا تَجِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مِيثَاقًا غَلِيظًا؟

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ مِيثَاقَ هَؤُلَاءِ هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ كَمَا فِي حَالَةِ الْأَزْوَاجِ:

    "وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)" [النساء: 20-21]

    أَوْ كَمَا فِي حَالَةِ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ؟

    "وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [الأحزاب: 7]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي حَصَلَ كَانَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • يُنْزِلُ اللَّهُ الْكِتَابَ.
    • يُفَصِّلُ اللَّهُ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ.
    • يَأْخُذُ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ.
    • تُصْبِحُ مُهِمَّةُ اللَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِأَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ.
    • وَتُصْبِحُ مُهِمَّتُهُمْ أَيْضًا أَنْ لَا يَكْتُمُونَهُ.
    • كَانَ عَدَمُ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتِ هُوَ أَحَدَ شُرُوطِ هَذَا الْمِيثَاقِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ طَرَفًا فِيهِ وَكَانَ اللَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ جُزْءًا مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ.
    • لَمَّا كَانَ هَذَا الْمِيثَاقُ مِيثَاقًا غَلِيظًا تَكَشَّفَ فِيهِ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ.

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ؟

    رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ عَدَمِ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتِ قَدِ انْكَشَفَتْ لَهُمْ تَمَامًا، تَبَيَّنَ لَهُمْ مَا كَانَ خَافِيًا عَلَيْهِمْ. فَقَدْ أَصْبَحَ وَاضِحًا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) لِلطَّرَفِ الْآخَرِ (وَهُمُ اللَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) تَمَامًا لِمَ وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْمِيثَاقِ، أَيْ لِمَ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ. فَمَا عَادَ الْغَرَضُ خَافِيًا عَلَيْهِمْ.

    سَادِسًا: [عَاقِبَةُ نَقْضِ الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ]

    لَوْ تَدَبَّرْنَا مَا حَصَلَ لِلْقَوْمِ عِنْدَمَا نَقَضُوا مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي تِلْكَ الْجُزْئِيَّةِ (وَهِيَ الِاعْتِدَاءُ فِي السَّبْتِ)، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ النَّتِيجَةَ كَانَتْ كَارِثِيَّةً بِكُلِّ مَا فِي الْكَلِمَةِ مِنْ مَعْنًى، فَلَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قِرَدَةً خَاسِئِينَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا مَا حَصَلَ لَهُمْ فِي سِيَاقٍ قُرْآنِيٍّ آخَرَ، لَوَجَدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُصَوِّرُ لَنَا مَا آلَتْ إِلَيْهِ حَالُهُمْ بَعْدَ نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ذَاكَ:

    "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167)" [الأعراف: 165-167]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ الْعِقَابُ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ الْإِلَهِيِّ الشَّدِيدِ؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّهُمْ نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ الْمِيثَاقُ الَّذِي وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ هُوَ مِيثَاقًا غَلِيظًا جَاءَهُمُ "الذِّكْرُ"، أَيْ كَانُوا قَدْ ذُكِّرُوا بِالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ، فَكَانَ الْأَمْرُ وَاضِحًا أَمَامَهُمْ، لِذَا كَانَ الْعِقَابُ مِنَ اللَّهِ أَشَدَّ وَأَقْسَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَاقِبَةَ مُخَالَفَةِ "الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ" لَا شَكَّ وَخِيمَةٌ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الرُّسُلُ أَنْفُسُهُمْ:

    "وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)" [الإسراء: 73-75]

    فَلَوْ تَمَّتْ فِتْنَةُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ (حَتَّى وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قَلِيلًا)، لَكَانَتِ النَّتِيجَةُ – لَا مَحَالَةَ- أَنْ يُذِيقَهُ اللَّهُ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ وَلَا يَجِدُ لَهُ نَصِيرًا (إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي السَّبْتِ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ تَامٍّ بِالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِيهِ.

    السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ (يَسْأَلُ صَاحِبُنَا)، فَمَاذَا كَانَ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ مَنَعَهُمُ اللَّهُ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: الْحُوتْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي الْكِتَابِ (الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ مِنَ اللَّذِينَ أُوتُوهُ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُوهُ) أَنَّ هَذَا الْحُوتَ يَأْتِي فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ، أَيْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَسْعَوْا فِيهِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَإِلَى الصَّلَاةِ (وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْمَفْرُوضُ عَلَى كُلِّ اللَّذِينَ آمَنُوا)، لِذَا طُلِبَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِيهِ، لِأَنَّ الِاعْتِدَاءَ فِيهِ يَعْنِي الِاعْتِدَاءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. فَأَصْبَحَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ عَلَى عِلْمٍ بِهَذَا "الذِّكْرِ الْإِلَهِيِّ". لَكِنْ عِنْدَمَا رَأَى الْقَوْمُ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الْفِتْنَةِ، لَجَئُوا (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَتَخَيَّلُ) إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِيَجِدُوا لَهُمْ طَرِيقَةً لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا "الْمَأْزِقِ". لِذَا كَانَ هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُرْبِكَةِ:

    1. الْعَامَّةُ اللَّذِينَ هَدَفُهُمْ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بَحْتَةٌ، وَيَبْحَثُونَ عَنْ صَكِّ غُفْرَانٍ لِتَبْرِيرِ فِسْقِهِمْ.
    2. أَهْلُ الْعِلْمِ اللَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، وَهُمُ اللَّذِينَ – مِنَ الْمُفْتَرَضِ- يَتَحَمَّلُونَ مَسْؤُولِيَّةَ تِبْيَانِهِ لِلنَّاسِ وَعَدَمِ كِتْمَانِهِ.

    فِي ظِلِّ هَذِهِ الْفِتْنَةِ، انْقَسَمَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَهْلُ الْعِلْمِ اللَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ مُؤْمِنٌ يَرْفُضُ تَمَامًا أَنْ يَشْتَرِيَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَعَهْدِهِ وَمِيثَاقِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَفَرِيقٌ آخَرُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ أَنْ يَكْتُبُوا الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ وَيَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. فَكَيْفَ تَصَرَّفَ كُلٌّ مِنْهُمَا؟

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ رَدَّةَ فِعْلِ كُلِّ فَرِيقٍ كَانَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • أَصَرَّ الرَّبَّانِيُّونَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَنْ يَلْتَزِمُوا بِالْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ، مُنْتَظِرِينَ أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا.
    • وَبِالْمُقَابِلِ وَجَدَ أَهْلُ الْعِلْمِ "غَيْرُ الرَّبَّانِيِّينَ" الْمُبَرِّرَ وَالْوَسِيلَةَ لِلتَّحَايُلِ عَلَى الْوَضْعِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ قَدْ كَسَبُوا الْغَنِيمَةَ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ خَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْوَضْعِ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: بِالِاخْتِلَافِ فِي السَّبْتْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا: لَمَّا وَجَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ النَّصَّ صَرِيحٌ فِي الْكِتَابِ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتِ كَانَ عَلَيْهِمْ إِيجَادُ الْحِيلَةِ، فَبَدَلًا مِنَ الِالْتِزَامِ الْمُطْلَقِ بِتَعَالِيمِ الْكِتَابِ الْوَاضِحَةِ، أَخَذَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُشَكِّكُونَ النَّاسَ فِي السَّبْتِ، فَلَجَئُوا إِلَى كِتْمَانِ الْعِلْمِ وَمِنْ ثَمَّ تِبْيَانِ الْأَمْرِ لِلنَّاسِ عَلَى نَحْوِ مَا يَرْغَبُونَ. فَبَدَؤُوا بِطَرْحِ تَسَاؤُلَاتٍ كَثِيرَةٍ حَوْلَ السَّبْتِ مِنْهَا:

    • مَا هُوَ السَّبْتُ؟
    • لِمَاذَا السَّبْتُ؟
    • مَتَى السَّبْتُ؟
    • إلخ.

    وَكَانَ أَوَّلَ مَا خَرَجَ بِهِ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ "غَيْرِ الرَّبَّانِيِّينَ" هُوَ فَلْسَفَةُ "السَّبْتِ" (كَمَا نَفْعَلُ نَحْنُ فِي كِتَابَاتِنَا الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا). وَلَمْ يَسْتَمِرَّ النِّقَاشُ طَوِيلًا (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) حَتَّى طُرِحَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي كَانَتْ (نَحْنُ نَظُنُّ) الْأَكْثَرَ دَهَاءً وَمَكْرًا فِي تَارِيخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَلَا وَهِيَ أَنَّ السَّبْتَ هُوَ يَوْمُ الرَّاحَةِ الْإِلَهِيَّةِ. فَاللَّهُ – حَسَبَ مَنْطِقِ هَؤُلَاءِ- قَدْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَمَا أَنِ انْتَهَى مِنْ مُهِمَّتِهِ هَذِهِ حَتَّى كَانَ أَحْوَجَ إِلَى يَوْمِ رَاحَةٍ بَعْدَ تَعَبٍ، فَكَانَ السَّبْتُ، فَكَتَمُوا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْمَوْجُودَةَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بَيَّنَهَا اللَّهُ لَنَا فِي الْقُرْآنِ:

    "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ" [ق: 38]

    وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى النُّسَخِ الْمُتَرْجَمَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ الَّتِي أَبْدَوْهَا لِلنَّاسِ لَوَجَدْنَا أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنَ الْآيَةِ (وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) غَيْرُ مَوْجُودٍ عِنْدَهُمْ إِطْلَاقًا فِي حِينِ أَنَّ جُزْءَهَا الْأَوَّلَ مَوْجُودٌ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ. وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- مَا جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ وَبِدَايَةِ مَا جَاءَ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ:

    سِفْرُ التَّكْوِينِ الأصحَاحُ الأَوَّلُ 1فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. 2وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. 3وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ. 4وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. 5وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا.6وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ». 7فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ. 8وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا. 9وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ. 10وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 11وَقَالَ اللهُ: «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ. 12فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 13وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا. 14وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. 15وَتَكُونَ أَنْوَارًا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ. 16فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ. 17وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، 18وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 19وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا رَابِعًا. 20وَقَالَ اللهُ: «لِتَفِضِ الْمِيَاهُ زَحَّافَاتٍ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ، وَلْيَطِرْ طَيْرٌ فَوْقَ الأَرْضِ عَلَى وَجْهِ جَلَدِ السَّمَاءِ». 21فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 22وَبَارَكَهَا اللهُ قَائِلاً: «أَثْمِرِي وَاكْثُرِي وَامْلإِي الْمِيَاهَ فِي الْبِحَارِ. وَلْيَكْثُرِ الطَّيْرُ عَلَى الأَرْضِ». 23وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا خَامِسًا. 24وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذلِكَ. 25فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 26وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 27فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. 28وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». 29وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. 30وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. 31وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا. الأصحَاحُ الثَّانِي 1فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. 2وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. 3وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا. 4هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ. 5كُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي الأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ كَانَ إِنْسَانٌ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ. 6ثُمَّ كَانَ ضَبَابٌ يَطْلَعُ مِنَ الأَرْضِ وَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ الأَرْضِ. 7وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً. 8وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ. 9وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. 10وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ: 11اِسْمُ الْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ الْحَوِيلَةِ حَيْثُ الذَّهَبُ. 12وَذَهَبُ تِلْكَ الأَرْضِ جَيِّدٌ. هُنَاكَ الْمُقْلُ وَحَجَرُ الْجَزْعِ. 13وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِى جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ. 14وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّاقِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابعُ الْفُرَاتُ. 15وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. 16وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً، 17وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ». 18وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ». 19وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. 20فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ. 21فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. 22وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. 23فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». 24لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. 25وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ.

    لِذَا، جَاءَ التَّحْرِيفُ وَاضِحًا فِي هَذِهِ النُّسَخِ الْبَدِيلَةِ الَّتِي أَخْفَوُا الْأَصْلَ مِنْهَا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" [الأنعام: 91]

    وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ فِيهِ تِبْيَانٌ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ:

    "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل: 64]

    جَاءَ فِيهِ مَا يَفْضَحُ قَوْلَهُمُ الْمُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (بِأَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ) فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ" [ق: 38]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: بَدَلَ أَنْ يُبَيِّنَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ لِلنَّاسِ بِأَنَّ السَّبْتَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَسْعَى النَّاسُ فِيهِ لِذِكْرِ اللَّهِ (كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ)، فَيَأْخُذُوا قِسْطًا مِنَ الرَّاحَةِ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ جَرَّاءِ الْعَمَلِ الْيَوْمِيِّ الَّذِي يَقُومُونَ بِهِ، أَصْبَحَ الْمَنْطِقُ عِنْدَهُمْ أَنَّ تِلْكَ الرَّاحَةَ هِيَ مَا كَانَ يَحْتَاجُهَا الْإِلَهُ نَفْسُهُ كَمَا وَصَلَنَا فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي مِنَ النُّسْخَةِ غَيْرِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْهُ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ:

    1فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. 2وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. 3وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا.

    لَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ: كَيْفَ سَيُخْرِجُهُمْ مَنْطِقُهُمُ الْمُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا هَذَا مِنْ مَأْزِقِ الْحِيتَانِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَا أَنْ تَمَّ تَسْوِيقُ مَنْطِقِهِمُ الْمَكْذُوبِ بِأَنَّ اللَّهَ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى رَاحَةٍ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى سَهُلَ عَلَيْهِمْ إِقْنَاعُ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ السَّبْتَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلْحَقُ أَيَّامَ الْخَلْقِ السِّتَّةَ. فَاللَّهُ قَدْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَتْ رَاحَتُهُ – حَسَبَ زَعْمِهِمْ- فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِذَا أَصْبَحَ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمَنْطِقُ الْكَاذِبُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ بَدَلًا مِنْ سِتَّةٍ فَقَطْ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْعَدِيدَةِ:

    "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [الأعراف: 54]
    "إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" [يونس: 3]
    "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [هود: 7]
    "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" [الفرقان: 59]
    "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ" [السجدة: 4]
    "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ" [ق: 38]
    "هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [الحديد: 4]

    السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: إِذَا كَانَتْ أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ هِيَ سِتَّةٌ فِي الْكِتَابِ، فَلِمَ لَمْ يَعْمَدْ هَؤُلَاءِ إِلَى نَقْلِ سَبْتِهِمْ (أَيْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) إِلَى أَيِّ يَوْمٍ آخَرَ كَالْأَحَدِ أَوِ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثُّلَاثَاءِ أَوِ الْأَرْبِعَاءِ أَوِ الْخَمِيسِ، بَدَلَ مِنَ اخْتِلَاقِ يَوْمٍ جَدِيدٍ لَا أَصْلَ لَهُ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّ الْمُدَقِّقَ فِيمَا جَاءَ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ يَجِدُ التَّفْصِيلَ وَاضِحًا عَنْ مَا عَمِلَ الْإِلَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ (الْأَحَدِ) وَمَا عَمِلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي (الِاثْنَيْنِ) وَمَا عَمِلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ (الثُّلَاثَاءِ) وَمَا عَمِلَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ (الْخَمِيسِ) وَمَا عَمِلَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ (الْجُمُعَةِ). لِذَا لَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ اللَّذِينَ كَانَتْ مُهِمَّتُهُمْ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ أَنْ يَنْقُلُوا السَّبْتَ إِلَى أَيِّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَخَرَجَ شَيَاطِينُهُمْ بِالْفِكْرَةِ الْأَكْثَرِ مَكْرًا وَخُبْثًا وَهِيَ اخْتِلَاقُ يَوْمٍ جَدِيدٍ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِأَيَّامِ الْخَلْقِ السِّتَّةِ، فَكَانَ السَّبْتُ (يَوْمُ الرَّاحَةِ).

    السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَتْ تَبِعَاتُ هَذَا الْفِعْلِ؟

    رَأْيُنَا: بِسَبَبِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، تَمَّ نَقْلُ سَبْتِهِمْ مِنَ الْجُمُعَةِ (وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ مِنْ جَمِيعِ اللَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْعَوْا لِذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ) إِلَى يَوْمٍ جَدِيدٍ. فَأَصْبَحَ السَّبْتُ هُوَ يَوْمُ الرَّاحَةِ الَّتِي يَسْبِتُونَ فِيهِ، وَمَا عَادُوا يَسْبِتُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَاسْتَطَاعُوا بِهَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يَصْطَادُوا الْحِيتَانَ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا هُمْ قَدْ حَرَّفُوا يَوْمَ سَبْتِهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ تَكُنْ لِتُغَيِّرَ بَرْنَامَجَهَا الْإِلَهِيَّ الْمَعْهُودَ. فَاسْتَمَرَّتِ الْحِيتَانُ تَأْتِي شُرَّعًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَصْبَحَ الْقَوْمُ قَادِرِينَ عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ يَوْمَ سَبْتِهِمْ هُوَ الْيَوْمُ التَّالِي لِلْجُمُعَةِ وَلَيْسَ الْجُمُعَةَ نَفْسَهَا.

    السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَتِ الْعَاقِبَةُ؟

    رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ الِاعْتِدَاءُ فِي السَّبْتِ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ الَّذِي وَاثَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ:

    "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" [النساء: 154]

    كَانَتِ الْعَاقِبَةُ وَخِيمَةً:

    "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" [البقرة: 65]

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةْ.

    فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لِي بِعِلْمٍ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، وَأَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَنْ يَزِدَنِي عِلْمًا، وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ.

    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمُ الْجَرَّاحِ & عَلِيُّ مَحْمُودُ سَالِمُ الشَّرْمَانِ
    بِقَلَمِ د. رَشِيدُ الْجَرَّاحِ
    12 آذَارَ 2015

    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس