قِصَّةُ يُونُسَ – الرَّابِعَ عَشَرَْ
حَاوَلْنَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَسْوِيقَ افْتِرَاءٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا مُفَادُهُ أَنَّ قِصَّةَ ذِي النُّونِ تُشْبِهُ فِي تَفَاصِيلِهَا قِصَّةَ فِرْعَوْنَْ، وَأَنَّ شَخْصِيَّةَ ذِي النُّونِ تَتَقَاطَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ جَوَانِبِهَا مَعَ شَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَْ، فَكِلَاهُمَا كَانَ رَجُلًا ذَا مَكَانَةٍ فِي قَوْمِهِْ، كَمَا أَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍْ، وَأَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ يَطْمَعُ فِي حُصُولِ الِاجْتِبَاءِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِْ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا كَانَ فِي الطَّرِيقَةِ وَالنَّتِيجَةِْ. فَفِي حِينِ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَْ:
كَانَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَْ:
فَلَقَدْ حَصَلَتِ النَّجَاةُ لِكِلَيْهِمَا بَعْدَ الْغَرَقِ بِسَبَبِ الدُّعَاءِْ، وَلَكِنْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ مُخْتَلِفَةً فِي الْحَالَتَيْنِْ، فَقَدْ أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُ وَمَا نَالَ حَظًّا مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ الْكَلِمَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا عِنْدَمَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُْ:
حَصَلَ ذُو النُّونِ – بِالْمُقَابِلِ - عَلَى الِاجْتِبَاءِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِْ، فَكَانَ رَسُولًا مِنَ الصَّالِحِينَْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْأَجْزَاءَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِْ).
وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْجَدِيدِ مِنَ الْمَقَالَةِ الْمُضِيَّ قُدُمًا فِي عَوَاقِبِ مِثْلِ هَذِهِ الِافْتِرَاءَاتِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا غَيْرُ مَسْبُوقَةٍْ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُْ، وَبِخِلَافِ هَذَا الْهَدْيِ مِنَ اللَّهِ فَإِنَّ كُلَّ افْتِرَاءَاتِنَا (أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا) لَا تَعْدُو أَكْثَرَ مِنْ تَخْرِيصَاتٍ مِنَ الْخَيَالِ الْمُزَيَّفِ لِلْكَاتِبِ الَّذِي يَطْلُبُ مِنَ الْجَمِيعِ أَنْ لَا يُصَدِّقُوا مِنْهَا إِلَّا مَا يَجِدُوا هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يُثْبِتُهُْ.
لِذَا سَيَطِيرُ الْخَيَالُ بَعِيدًا جِدًّاْ، تَارِكًا وَرَاءَهُ كُلَّ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ مِنْ تُرَاثِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِْ، مُحَاوِلًا التَّجْدِيفَ بَعِيدًا جِدًّاْ، مُدْرِكًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ خُطُورَةَ مَا قَدْ تَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِْ، مُسْتَعِدًّا لِتَحَمُّلِ الْعَوَاقِبِ مَهْمَا كَانَتِ النَّتَائِجُْ. فَالْخَوْفُ (أَوْ لِنَقُلِ الْخَشْيَةُ) مِنَ الْعَوَاقِبِ لَنْ تَمْنَعَنَا مِنَ الْمُحَاوَلَةِ مَادَامَ أَنَّنَا نُؤْمِنُ يَقِينًا بِأَنَّ اللَّهَ لَا مَحَالَةَ مُتِمٌّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ شَاءَ مَنْ شَاءَ وَغَضِبَ مَنْ غَضِبَْ، لِذَا نَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي يُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ – آمِينَْ.
أَمَّا بَعْدُْ،
فِرْعَوْنُ: صَاحِبُ عِلْمٍ عَظِيمٍْ
سَنَبْدَأُ النِّقَاشَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُنْطَلِقِينَ مِنَ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى، وَالِافْتِرَاءُ هُوَ: كَانَ فِرْعَوْنُ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِْ، وَقَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَوَافَرَ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا كَانَ مُتَوَافِرًا بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَْ. وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَفُوقُ مُوسَى نَفْسَهُ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِْ، وَلَا يَكَادُ يُدَانِي فِرْعَوْنَ مَكَانَةً فِي الْعِلْمِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) إِلَّا صَاحِبُ الْحُوتِ (ذَا النُّونِ)ْ، وَهُوَ مَنْ ذَهَبَ مُوسَى طَالِبًا صُحْبَتَهُ وَوَجَدَهُ عِنْدَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الْقَابِعَةِ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِْ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْأَجْزَاءَ السَّابِقَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَسِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ قِصَّةُ مُوسَى، وَكَذَلِكَ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ بَابُ السَّامِرِيِّ)ْ.
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَفُوقُ مُوسَى فِي الْعِلْمِ وَيُقَارِبُ صَاحِبَ مُوسَى فِي ذَلِكَ؟ْ
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْ مُوسَىْ، فَصَاحِبُ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى يَطْلُبُ صُحْبَتَهُ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَكُنْ مُوسَى يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِْ.
السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ عِلْمًا مِنَ الْآخَرِ مُوسَى أَمْ فِرْعَوْنُ؟ْ
الدَّلِيلُْ
رُبَّمَا يَسْتَغْرِبُ الْكَثِيرُونَ مِنْ قَوْلِنَا هَذَاْ، رُبَّمَا ظَانِّينَ أَنَّ فِيمَا نَقُولُ تَجَاوُزًا وَتَطَاوُلًا عَلَى شَخْصِيَّةِ رَسُولٍ كَرِيمٍ مِثْلِ مُوسَىْ، فَقَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ هِيَ مِنَ الْأَسَاسِ بَاطِلَةٌْ، وَذَلِكَ لِإِيمَانِهِمُ الْيَقِينِيِّ بِأَنَّ الْأَوَّلَ (مُوسَى) هُوَ رَسُولٌ كَرِيمٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَيْنَمَا الْآخَرُ (فِرْعَوْنُ) هُوَ عَدُوٌّ لِرَبِّ الْعَالَمِينَْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ
- قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ هُوَ صَاحِبُ عِلْمٍ وَلَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْإِيمَانِ فِي شَيْءٍ كَحَالَةِ فِرْعَوْنَ أَوْ كَاللَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ آيَاتِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَانْسَلَخُوا مِنْهَاْ.
- وَقَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ لَا يَمْلِكُ عِلْمًا وَافِرًا وَلَكِنَّهُ ارْتَقَى عَالِيًا فِي سُلَّمِ الْإِيمَانِْ، كَمُوسَى مَثَلًا الَّذِي ذَهَبَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ عَلَى يَدِ شَخْصٍ آخَرَْ.
- وَقَدْ يَكُونُ هُنَاكَ صَاحِبُ عِلْمٍ عَظِيمٍ وَهُوَ عَلَى دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ كَصَاحِبِ مُوسَىْ.
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تَهْدِيهِمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَْ، وَتَدُلُّهُمْ إِلَى نُورِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الْأَرْضُْ، لِتُخْرِجَنِي مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِكَ – آمِينَْ).
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ امْتِلَاكِ الْعِلْمِ وَامْتِلَاكِ الْإِيمَانِ؟ْ
رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ وَلَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ شَيْئًاْ، لَا بَلْ لَقَدْ كَانَ عِلْمُهُ وَبَالًا عَلَيْهِْ:
فَالْمُتَدَبِّرُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ هُوَ مَثَلٌ سَيِّئٌْ، فَمَثَلُ هَؤُلَاءِ هُوَ مَثَلُ الْكَلْبِ (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)ْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ
وَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ عِنْدَمَا تَتَجَدَّدُ صُورَتُهُمُ التَّمْثِيلِيَّةُ فِي الْحِمَارِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:
السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ؟ْ
السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ؟ْ
رَأْيُنَا: إِنَّهُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِمَا أَلِفُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْْ، فَيَنْعِقُونَ بِمَا لَا يَعْقِلُونَْ:
(أَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ يَكُونَ مَثَلِي كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًْ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مِنَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَْ. اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ تُزِيلَ الْوَقْرَ مِنْ أُذُنِي وَالْغِشَاوَةَ عَنْ بَصَرِي وَالْأَكِنَّةَ عَنْ قَلْبِيْ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – آمِينَ)ْ.
السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ؟ْ
الدَّلِيلُْ
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ حَمَلُوا التَّوْرَاةَ – مَثَلًا - هُمْ لَا شَكَّ أَصْحَابُ عِلْمٍ عَظِيمٍْ، لِأَنَّ فِي نُسْخَتِهَا هُدًى لِلَّذِينَ آمَنُواْ:
لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَحْمِلُوهَاْ، أَيِ اتَّخَذُوا مَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ آبَائِهِمْ فَقَدَّمُوهُ عَلَى مَا فِي التَّوْرَاةِْ، كَانَ مَثَلُهُمْ كَالْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْفَارًاْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي وَصَلَهُمْ فِيهَاْ. فَكَانُوا مِنَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَْ:
وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنَ الِاسْتِفَادَةِ مِمَّا يَحْمِلُونَ مِنَ التَّوْرَاةِ هِيَ تِلْكَ الْمَوْرُوثَاتُ الَّتِي أَلِفُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ حَتَّى وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَْ.
وَهَذَا لَا يَنْطَبِقُ فَقَطْ عَلَى الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَاْ، وَلَكِنَّهُ يَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَنْ وَجَدُوا عِنْدَهُمْ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ فَمَا اسْتَفَادُوا مِنْهَا لِأَنَّ مَنْطِقَ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ كَانَ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعِلْمِْ. وَرُبَّمَا يَكْفِيكَ – أَخِي الْقَارِئَ - أَنْ تُقَلِّبَ الْمَحَطَّاتِ الْفَضَائِيَّةَ الدِّينِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ وَالْمَسِيحِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّةَ لِتَنْظُرَ بِأُمِّ عَيْنِكَ مَا يَنْعِقُ بِهِ أَصْحَابُ الْأَصْوَاتِ الْعَالِيَةِ الَّذِينَ يُسَوِّقُونَ لِلنَّاسِ سِلْعَةً أَلِفُوهَا مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْْ. وَأَنَا مَالِي؟ْ
بِمِثْلِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَحْنُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَخَيَّلَ مَا حَصَلَ لِفِرْعَوْنَْ. فَبِالرَّغْمِ أَنَّهُ كَانَ – بِرَأْيِنَا - رَجُلًا صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ ذَاكَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُْ، فَمَثَلُهُ بِذَلِكَ مَثَلُ الْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْفَارًاْ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الَّذِينَ لِأَنْفُسِهِمْ يَظْلِمُونَْ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) مَنْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍْ:
وَهَذَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَةِ فِرْعَوْنَ كَقَارُونَ مَثَلًاْ، فَهُوَ أَيْضًا مِنَ الَّذِينَ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍْ:
إِنَّ أَبْسَطَ أَبْجَدِيَّاتِ مَنْ كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ أَنْ يَنْسِبَ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ إِنْ هُوَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُْ. لَكِنْ إِنْ لَمْ يَفْعَلْْ، فَهُوَ إِذَنْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) مِمَّنْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُْ:
فَاللَّهُ هُوَ مَنْ خَوَّلَ قَارُونَ مَثَلًا نِعْمَةً مِنْهُْ، لَكِنْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنْ جَحَدَ قَارُونُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَنَسَبَ الْفَضْلَ فِيمَا عِنْدَهُ لِنَفْسِهِ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)ْ، فَمَا كَانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَصَابَهُ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبَْ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي تَقُولُ يَا رَجُلُ؟ هَلْ يَقُولُ قَارُونُ الصِّدْقَ؟ رُبَّمَا يَصِيحُ الْبَعْضُ بِصَوْتِهِ مُتَسَائِلًا وَمُسْتَغْرِبًاْ.
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْْ. قَارُونُ يَقُولُ الصِّدْقَ وَلَكِنَّهُ لَا يَقُولُ الْحَقَّْ. انْتَبِهْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - جَيِّدًاْ.
السُّؤَالُ: وَمَا الْفَرْقُ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا شَاسِعًا بَيْنَ أَنْ تَقُولَ الصِّدْقَ أَوْ أَنْ تَقُولَ الْحَقَّْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْحَقِّْ
السُّؤَالُ: هَلْ كُلُّ مَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ يَقَعُ فِي بَابِ الْكَذِبِ؟ْ
جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّاْ، فَقَدْ يَقُولُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ قَوْلًا صَادِقًا (لَا كَذِبَ فِيهِ) كَمَا يَفْعَلُ الْعُلَمَاءُ الْمَادِّيُّونَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ فَهْمَ نَوَامِيسِ هَذَا الْكَوْنِ بِأَدَوَاتِهِمْ وَأَسَالِيبِهِمُ الْمَعْرِفِيَّةِ الْمُتَوَافِرَةِ لَدَيْهِمْْ. فَعَالِمُ الرِّيَاضِيَّاتِ أَوِ الْفِيزْيَاءِ أَوِ الطِّبِّ أَوِ الْهَنْدَسَةِ مَثَلًا يُقَدِّمُ نَظَرِيَّاتِهِ وَآرَاءَهُ فِيمَا يَبْحَثُ فِيهِْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ
السُّؤَالُ: فَهَلْ يَقَعُ مَا يَقُولُهُ هَذَا "الْعَالِمُ" (أَوْ لِنَقُلِ الْعَارِفُ) فِي بَابِ الْكَذِبِ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ الصِّدْقِ لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِالْإِيمَانِْ، وَإِلَّا لَأَصْبَحَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ هُوَ كَلَامٌ كَاذِبٌْ.
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ كَلَامًا صَادِقًاْ، فَمَا الْعَيْبُ فِيهِ؟ْ
الدَّلِيلُ:
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ الْحَقِّ هُوَ مَا يُمَيِّزُ قَوْلَ الْإِلَهِْ:
وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْبَشَرِ إِلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ)ْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ْ
إِنَّ الْغَايَةَ مِنْ هَذَا الطَّرْحِ (رُبَّمَا غَيْرِ الْمَأْلُوفِ) هُوَ لَفْتُ الِانْتِبَاهِ إِلَى افْتِرَائِنَا التَّالِيْ: أَنَّ مَنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ كَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهَامَانَ (وَحَتَّى إِبْلِيسَ نَفْسِهِ) قَدْ يَقُولُ الصِّدْقَ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ حَقًّا (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ هَلْ كَذَبَ إِبْلِيسُ عَلَى آدَمَ؟)ْ.
السُّؤَالُ: مَا الْفَائِدَةُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنْ صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ النَّاسُ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ رُبَّمَا لَمْ يُؤْمِنُوا إِلَّا قَلِيلًا هُوَ قَوْلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَدَبُّرٍ بَعْدَ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّْ. فَإِنْ قَالَ قَارُونُ مَثَلًا أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ عِنْدَهُْ، فَهُوَ إِذَنْ شَخْصٌ صَادِقٌ لِأَنَّ عِنْدَهُ فِعْلًا عِلْمٌ عَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ الْحَقَّ لِأَنَّهُ ضَلَّ الْوَسِيلَةَ وَالْغَايَةَْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ التَّالِيَةَ جَيِّدًاْ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ آتَى قَارُونَ تِلْكَ النِّعْمَةَْ:
وَلَوَجَدْنَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّ قَارُونَ لَمْ يَنْسِبِ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِْ، فَنَسِيَ (أَيْ طَنَّشَ أَوْ لِنَقُلْ تَجَاهَلَ عَنْ قَصْدٍ) مَا خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنْ نِعْمَةٍْ، وَنَسَبَ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِْ:
وَلَكِنْ رُبَّمَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) يَجِدُ الْمُدَقِّقُ فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَذِّبْ دَعْوَى قَارُونَ بِأَنَّهُ رَجُلٌ صَاحِبُ عِلْمٍْ، وَأَنَّ مَا نَفَاهُ اللَّهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا هُوَ دَعْوَى الرَّجُلِ بِأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ (النِّعْمَةَ) هُوَ مِنْ عِنْدِهِْ. فَلَوْ نَسَبَ قَارُونُ الْعِلْمَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ لِرَبِّهِ وَالْتَزَمَ بِمَا وَصَّاهُ اللَّهُ بِهِْ:
لَانْتَهَتِ الْمُعْضِلَةُ بِرُمَّتِهَاْ، وَلَكَانَ قَارُونُ حِينَئِذٍ يَقُولُ الْحَقَّْ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ أَنَّهُ صَاحِبُ عِلْمٍ فَهُوَ لَمْ يَكْذِبْ فِي هَذَاْ، وَلَكِنْ كَانَ جُلُّ افْتِرَاءِ الْكَذِبِ الَّذِي افْتَرَاهُ هُوَ أَنَّهُ نَسَبَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) وَلَيْسَ لِرَبِّهِْ. فَكَانَتْ مُشْكِلَةُ قَارُونَ تَكْمُنُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ وَهِيَ (عِنْدِي)ْ. لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الَّتِي سَنَفْتَرِيهَا هِيَْ:
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: صَدَقَ قَارُونُ عِنْدَمَا قَالَ أَنَّهُ صَاحِبُ عِلْمٍْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَذَبَ قَارُونُ عِنْدَمَا نَسَبَ الْعِلْمَ لِنَفْسِهِْ.
لِذَا نَحْنُ نُكَذِّبُ دَعْوَى قَارُونَ بِأَنَّ الْفَضْلَ فِيهِ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ يَعُودُ لِقَارُونَ نَفْسِهِْ، وَلَكِنَّنَا نُصَدِّقُ بِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍْ. وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَضَلَّهُ عَلَى عِلْمٍْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ حَقِيقَةُ عِلْمِ قَارُونَْ.
السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ عِلْمُ قَارُونَ؟ْ
السُّؤَالُ: وَهَلْ هَذَا فِعْلًا عِلْمٌ يَسْتَطِيعُ مَنْ يَمْلِكُهُ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى كُنُوزٍ كَكُنُوزِ قَارُونَ؟ْ
رَأْيُنَا: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَْ.
لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الْمُفْتَرَاةُ الَّتِي وَجَبَ عَلَى عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ – بِرَأْيِنَا - أَنْ يُنْشِئُوا الْأَجْيَالَ الْمُتَعَاقِبَةَ عَلَيْهَا هِيَْ:
- أَنَّ هُنَاكَ عِلْمًا يَخْتَصُّ بِالْحُصُولِ عَلَى الْكُنُوزِْ.
- أَنَّ هَذَا عِلْمٌ مَصْدَرُهُ إِلَهِيٌّْ، يُؤْتِيهِ اللَّهُ بَعْضَ عِبَادِهِْ.
- أَنَّ الْغَايَةَ الْأَسْمَى لِمَنْ يَحْصُلُ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ابْتِغَاءَ الدَّارِ الْآخِرَةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍْ.
- أَنْ لَا يَنْسَى مَنْ يَحْصُلُ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَاْ.
- أَنْ يُحْسِنَ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْعِلْمَ إِلَى الْآخَرِينَ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِْ.
- أَنْ لَا يَبْغِيَ مَنْ يَحْصُلُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَْ.
- أَنَّ مَنْ يَحْصُلُ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ وَلَا يَتَمَثَّلُ هَذِهِ الْوَصَايَا الْإِلَهِيَّةَ سَتَكُونُ عَاقِبَتُهُ كَمَا كَانَتْ عَاقِبَةُ قَارُونَْ:
"فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)" [القصص]
السُّؤَالُ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْعِلْمُ؟ْ
جَوَابٌ: هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ النَّبْشَ فِيهِ بَعْدَ قَلِيلٍ سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُْ، فَيُؤْتِيَنَا بِذَلِكَ مَا آتَى قَارُونَْ، وَنَعُوذُ بِهِ أَنْ تَكُونَ نِهَايَتُنَا كَنِهَايَةِ قَارُونَْ، وَنَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّا يَمْتَثِلُ وَصَايَاهُ كَمَا أَمَرَنَا بِهَاْ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.
لَكِنْ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَْ، نَعُودُ إِلَى طَرْحِنَا الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَتَدَبَّرَ كُلَّ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَتَّى مَا جَاءَ ذِكْرُهُ عَلَى لِسَانِ مَنْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ كَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهُمُ الَّذِينَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ عِنْدَمَا أَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ:
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ فِي الْعِلْمِ؟ْ
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ قَدْ غَفَلَ طَوِيلًا عَنْ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ فِرْعَوْنَْ، فَمَا حَمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ بِالتَّدَبُّرِْ، وَمَا تَرَكُوا الْعَامَّةَ مِنَ النَّاسِ (مِنْ مِثْلِي) يَتَفَكَّرُونَ فِيهِْ. فَغَالِبًا مَا يَسْخَرُ الْكَثِيرُونَ مِنْ تَوْجِيهِ فِرْعَوْنَ لِهَامَانَ بِالْقَوْلِْ:
فَخَلَتْ مُؤَلَّفَاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْبَحْثِ فِي مُفْرَدَاتِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إِلَّا مِنْ بَابِ التَّكْذِيبِ وَالتَّنْدِيدِ بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ وَالْوَعِيدِ لَهُ بِالنَّارِْ. فَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِيمَا وَصَلَنَا مِنْ آرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ مَثَلًا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا وَعَظَهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِهِ بِمَا وَعَظَهُ بِهِ وَزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسَى نَبِيِّ اللَّهِ وَحَذَّرَهُ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عَلَى قِيلِهِ أَقْتُلُهُ مَا حَذَّرَهُ لِوَزِيرِهِ وَزِيرِ السُّوءِ هَامَانَ : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } يَعْنِي بِنَاءً . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّرْحِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأَسْبَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَسْبَابُ السَّمَوَاتِ : طُرُقُهَا . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23400 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ , قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنِ السُّدِّيِّ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ { أَسْبَابُ السَّمَوَاتِ } قَالَ : طُرُقُ السَّمَوَاتِ . 23401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ { أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ } قَالَ : طُرُقُ السَّمَوَاتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِأَسْبَابِ السَّمَوَاتِ : أَبْوَابُ السَّمَوَاتِ . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23402 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ , قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بِهَذَا الْآجُرِّ وَطَبَخَهُ { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ } : أَيْ أَبْوَابَ السَّمَوَاتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ مَنْزِلُ السَّمَاءِ . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23403 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ : { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ } قَالَ : مَنْزِلُ السَّمَاءِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ , أَنَّ السَّبَبَ : هُوَ كُلُّ مَا تَسَبَّبَ بِهِ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا يُطْلَبُ مِنْ حَبْلٍ وَسُلَّمٍ وَطَرِيقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَاهُ لَعَلِّي أَبْلُغُ مِنْ أَسْبَابِ السَّمَوَاتِ أَسْبَابًا أَتَسَيَّبُ بِهَا إِلَى رُؤْيَةِ إِلَهِ مُوسَى , طُرُقًا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ مِنْهَا , أَوْ أَبْوَابًا , أَوْ مَنَازِلَ , أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَانْظُرْ فِيمَا وَصَلَنَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَاْ:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَعُتُوِّهِ وَتَمَرُّدِهِ وَافْتِرَائِهِ فِي تَكْذِيبِهِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَمَرَ وَزِيرَهُ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا وَهُوَ الْقَصْرُ الْعَالِي الْمُنِيفُ الشَّاهِقُ وَكَانَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْآجُرِّ الْمَضْرُوبِ مِنَ الطِّينِ الْمَشْوِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا " وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْبِنَاءَ بِالْآجُرِّ وَأَنْ يَجْعَلُوهُ فِي قُبُورِهِمْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
التَّسَاؤُلَاتُْ
- هَلْ حَاوَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يَجْلِبُوا انْتِبَاهَ الْعَامَّةِ إِلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ جَادًّا فِيمَا قَالَهُ لِهَامَانَ؟ْ
- وَهَلْ حَاوَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُنَبِّهُوا الْعَامَّةَ أَنَّ هَامَانَ قَدْ عَمَدَ فِعْلًا إِلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِ فِرْعَوْنَ عَلَى الْفَوْرِ؟ْ
- هَلْ نَبَّهَ أَهْلُ الْعِلْمِ النَّاسَ إِلَى أَنَّ هَامَانَ كَانَ فِعْلًا يَعْلَمُ كَيْفَ يَبْنِي ذَلِكَ الصَّرْحَ؟ْ
- فَهَلْ فَكَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَيْفَ أَوْقَدَ هَامَانُ لِفِرْعَوْنَ عَلَى الطِّينِ حَتَّى جَعَلَ لَهُ صَرْحًا مَكَّنَهُ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ؟ْ
- هَلْ تَفَكَّرَ النَّاسُ كَيْفَ بَلَغَ فِرْعَوْنُ الْأَسْبَابَ؟ْ
- وَهَلْ تَوَصَّلَ أَحَدٌ إِلَى مَا فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ عِنْدَمَا بَلَغَ الْأَسْبَابَ؟ْ
- وَهَلْ فَهِمَ أَحَدٌ كَيْفَ اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ فِعْلًا إِلَى إِلَهِ مُوسَى؟ْ
- وَهَلْ أَخْبَرَنَا أَحَدٌ بِمَا وَجَدَ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنِ اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى مِنْ خِلَالِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ؟ْ
- الخ.ْ
لَعَلَّ مُجَرَّدَ طَرْحِ مِثْلِ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ تَنْقُلُ صَاحِبَهَا (حَسَبَ فَتَاوَى الْأَزْهَرِ وَهَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ وَرَثَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ السَّابِقِينَ مِنْ طَرَفِ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ وَحَسَبَ صُكُوكِ عَدَمِ الْغُفْرَانِ الَّتِي يُصْدِرُهَا أَصْحَابُ الْحَوْزَاتِ الْعِلْمِيَّةِ مِنْ طَرَفِ الْإِسْلَامِ الْآخَرِ) إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِْ، وَرُبَّمَا لَا يَتَرَدَّدُونَ جَمِيعًا فِي إِصْدَارِ فَتْهَاوِيهِمُ الْخَاصَّةِ (أَيْ صُكُوكِ عَدَمِ غُفْرَانِهِمْ لِمَنْ خَالَفَهُمْ) بِرِدَّةِ الْمُتَسَائِلِ وَزَنْدَقَتِهِ وَرُبَّمَا تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ وَاسْتِبَاحَةِ دَمِهِ وَمَالِهِْ.
رَأْيُنَا: لَمَّا كُنَّا قَدْ تَعَهَّدْنَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنْ نَتَقَبَّلَ تَبِعَاتِ جُرْأَتِنَا عَلَيْهِمْ مَهْمَا كَانَتْ نَتَائِجُهَاْ، لَمْ يَعُدْ يَعْنِينَا مَا يَقُولُونَ إِطْلَاقًاْ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ يَقَعُ مِنَّا مَوْقِعَ ... فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِْ. فَكَمَا قَدْ يَتَّهِمُونَنَا بِالزَّنْدَقَةِ وَالْكُفْرِْ، فَإِنَّنَا لَا نَتَرَدَّدُ أَنْ نَتَّهِمَهُمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يَوْمًا عَنْ طُغْيَانِهِمْ عِنْدَمَا مَنَعُوا النَّاسَ مِنْ تَدَبُّرِ كِتَابِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُْ، وَنَحْنُ نَتَّهِمُهُمْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَدَّمُوا مَا أَلِفُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِْ، فَمَثَلُهُمْ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُهُ) كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًْ. وَهُمْ بِذَلِكَ إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْْ. وَلَمَّا كَانَ هَدَفُنَا الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ أَنْ نُقَدِّمَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَا وَصَلَنَا مِنْ عِنْدِ الْآبَاءِْ، فَإِنَّنَا لَنْ نَعْدَمَ الثِّقَةَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي يُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ إِلَى نُورِهِ الَّذِي أَبَى إِلَّا أَنْ يُتِمَّهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَْ. وَهُوَ رَبِّي الَّذِي أَسْأَلُهُ عَلَى الدَّوَامِ أَنْ يُنْفِذَ قَوْلَهُ وَأَمْرَهُ بِمَشِيئَتِهِ لِي وَإِرَادَتِهِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِيْ، وَهُوَ الَّذِي أَسْأَلُهُ الْآنَ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي وَأَنْ يَجْعَلَنِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍْ، وَهُوَ الَّذِي أَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَْ:
آمِينَْ
أَمَّا بَعْدُْ،
سَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْمَقَالَةِ وَفِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَنْ نَخُوضَ فِي عِلْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ لِبَعْضِ عِبَادِهِ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْوَازِعِ الْإِيمَانِيِّ الَّذِي كَانَ يُحَرِّكُهُمْ) أَنْ يُحِيطُوا بِهَا عِلْمًاْ، وَهُمَاْ:
- عِلْمُ قَارُونَْ
- عِلْمُ فِرْعَوْنَْ
وَلْنَبْدَأِ النِّقَاشَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ بِعِلْمِ قَارُونَ طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَْ:
- مَنْ هُوَ قَارُونُ هَذَا؟ْ
- مَا هُوَ عِلْمُ قَارُونَ؟ْ
- كَيْفَ حَصَلَ قَارُونُ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ؟ْ
- مَا هِيَ أَدَوَاتُ ذَلِكَ الْعِلْمِ؟ْ
- أَيْنَ ذَهَبَ عِلْمُ قَارُونَ؟ْ
- هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَعِيدَ ذَلِكَ الْعِلْمَ؟ْ
- هَلْ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟ْ
- مَاذَا سَتَكُونُ عَوَاقِبُ ذَلِكَ التَّطْبِيقِ (إِنْ حَصَلَ)؟ْ
- الخ.ْ
مَنْ هُوَ قَارُونُ؟ خَلْفِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ
فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى، زَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ كَانَا أَخَوَيْنِ اثْنَيْنِ يُقَابِلُهُمَا فِي ذَلِكَ مُوسَى وَهَارُونُْ. كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ مُوسَى كَانَ الْأَخَ غَيْرَ الشَّقِيقِ لِهَارُونَْ، فَمُوسَى هُوَ أَخُو هَارُونَ مِنْ أُمِّهِْ:
كَمَا افْتَرَيْنَا بِأَنَّ الْمُلْكَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَدْ آلَ إِلَى الْفَرَاعِنَةِ بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا هُمْ مُلُوكَ مِصْرَ مِنْ بَعْدِ يُوسُفَْ. فَقَدِ اسْتَتَبَّ الْأَمْرُ فِي مِصْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِ يُوسُفَ وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ يَعْقُوبُ بِكُلِّ أَهْلِهِ مِصْرَ قَادِمًا مِنَ الْبَدْوِْ:
وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ فَكَانُوا مُلُوكًا كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى مُخَاطِبًا قَوْمَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَْ:
وَمَا أَنْ حَصَلَ الْخِلَافُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ سِنِينَ مِنْ هَلَاكِ يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ دَبَّ الْجَدَلُ بَيْنَهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍْ:
حَتَّى اسْتَغَلَّ الْمِصْرِيُّونَ هَذَا الْخِلَافَْ، وَتَمَكَّنُوا عَلَى يَدِ الْفَرَاعِنَةِ (الْأُسْرَةِ الْحَاكِمَةِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ) مِنَ الْإِطَاحَةِ بِحُكْمِ الْمُلُوكِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَْ، فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ مِنَ النِّظَامِ الْمَلَكِيِّ الْإِسْرَائِيلِيِّ إِلَى الْحُكْمِ الْفِرْعَوْنِيِّ الْمِصْرِيِّْ. وَكَانَ أَبْرَزُ الْمُعَادِينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ آلُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أَخَذُوا يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِْ:
وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْوَضْعُ حَتَّى يَوْمِ مَوْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ الَّذِي كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ كَمَا كَانَ عَدُوًّا لِمُوسَى نَفْسِهِْ، وَهَذَا الْفِرْعَوْنُ هُوَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) مَنْ تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُْ:
وَهُوَ مَنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ قَدْ طَلَبَتْ عَدَمَ قَتْلِ مُوسَىْ:
فَكَانَ مُوسَى فِي حِمَايَتِهَا حَتَّى وَفَاتِهَا عِنْدَمَا طَلَبَتْ مِنْ رَبِّهَاْ:
عِنْدَهَا خَرَجَ مُوسَى هَارِبًا مِنَ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ – بِرَأْيِنَا - أَصْبَحَ يَفْتَقِدُ نَصِيرَهُ الْأَوَّلَ فِي الْقَصْرِ الْفِرْعَوْنِيِّْ، وَظَلَّ مُوسَى هَارِبًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَآلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ كَادَ مُوسَى أَنْ يَبْطِشَ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِْ:
لِذَاْ، نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّهُ عِنْدَمَا نَاصَبَ مُوسَى (الْمُصْلِحُ) فِرْعَوْنَ (الْمُفْسِدَ) الْعَدَاءَْ، لَمْ يَجِدْ لَهُ مَكَانًا فِي أَرْضِ مِصْرَْ، فَهَرَبَ هُرُوبَهُ الْأَوَّلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ حَتَّى آتَاهُ اللَّهُ حُكْمًا وَعِلْمًا عِنْدَمَا بَلَغَ أَشُدَّهُ هُنَاكَْ:
وَمَا عَادَ مُوسَى إِلَى الْمَدِينَةِ (الْعَاصِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ لِفِرْعَوْنَ) إِلَّا يَوْمَ مَوْتِ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّ مُوسَىْ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَصْبَحَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا فِي غَفْلَةٍ (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا)ْ، عِنْدَهَا طَلَّتْ رُؤُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِتَرْتَفِعَ مِنْ جَدِيدٍ فِي ثَوْرَةٍ عَارِمَةٍ ضِدَّ الِاسْتِبْدَادِ الْفِرْعَوْنِيِّ فَعَادَ مُوسَى لِيُنَاصِرَ مَنْ هُمْ مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَدُوِّهِْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ أَنْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عَدُوِّهِ بِنَاءً عَلَى طَلَبٍ بِالْمُسَانَدَةِ مِنَ الَّذِي هُوَ مِنْ شِيعَتِهِْ:
لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الْكِفَّةُ لَازَالَتْ تَرْجَحُ لِصَالِحِ الْفَرَاعِنَةِ اضْطُرَّ مُوسَى لِلْهُرُوبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ أَنْ نَصَحَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَهُ يَسْعَى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ لِيُخْبِرَهُ نَاصِحًا بِتَآمُرِ الْمَلَأِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِهِْ:
وَهُنَا خَرَجَ مُوسَى هَارِبًا مَرَّةً أُخْرَى وَلَكِنَّ الرِّحْلَةَ حَطَّتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي مَدْيَنَْ:
وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ اعْتَلَى فِرْعَوْنُ شَابٌّ جَدِيدٌ عَرْشَ مِصْرَْ، فَتَوَعَّدَ بِتَقْتِيلِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ مَادَامَ أَنَّهُمْ قَدْ أَصْبَحُوا فَوْقَهُمْ قَاهِرِينَْ:
فَكَانَ هَذَا الْفِرْعَوْنُ الْجَدِيدُ هُوَ مَنْ عَادَ إِلَيْهِ مُوسَى بِالرِّسَالَةِ بِالتَّوْجِيهِ الْإِلَهِيِّ التَّالِيْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ قِصَّةُ مُوسَى)ْ.
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ قَارُونُ؟ْ
رَأْيُنَا: إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ مُوسَى قَدْ تَرَبَّى فِي كَنَفِ فِرْعَوْنَ (وَهُوَ مَا أَطْلَقْنَا عَلَيْهِ لَقَبَ فِرْعَوْنِ الطُّفُولَةِ فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ) وَعَادَ بِالرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ آخَرَ (وَهُوَ مَا أَسْمَيْنَاهُ فِرْعَوْنَ الرِّسَالَةِ فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ)ْ، وَهُوَ مَنْ خَاطَبَ نَفْسَهُ مُوسَى قَائِلًاْ:
لِنَصِلَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ إِلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ التَّالِيْ: تَرَبَّى مُوسَى مَعَ هَارُونَ فِي بَيْتِ وَالِدِ هَارُونَ الَّذِي هُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَتَرَبَّى قَارُونُ وَفِرْعَوْنُ فِي بَيْتٍ آخَرَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَْ. وَكَانَا هَذَانِ الْبَيْتَانِ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِ السُّلْطَةِ فِي مِصْرَ حِينَئِذٍْ، لِتُصْبِحَ الصُّورَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
| الْبَيْتُ الْأَوَّلُ | الْبَيْتُ الثَّانِي |
|---|---|
| مُوسَى وَهَارُونُ | فِرْعَوْنُ وَقَارُونُ |
كَمَا نَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ الِافْتِرَاءِ التَّالِي الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ فِي مَقَالَتِنَا عَنْ قِصَّةِ مُوسَى أَلَا وَهُوَ أَنَّ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ كَانَ بَيْتَ نَبِيِّ اللَّهِ ذِي الْكِفْلِ الَّذِي كَفَلَ مُوسَى عِنْدَمَا تَزَوَّجَ أُمَّهُ بَعْدَ وِلَادَةِ مُوسَىْ:
وَكَانَ ذُو الْكِفْلِ هَذَا هُوَ (نَحْنُ لَا نَزَالُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَْ:
كَمَا كَانَ ذُو الْكِفْلِ هَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرَ الْأَوَّلَ فِي سِيرَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي طَلَبَتِ النَّجَاةَ بِالْمَوْتِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِْ:
فَأَصْبَحَ نَبِيُّ اللَّهِ ذُو الْكِفْلِ وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ هُمَا الْمُدَافِعَيْنِ عَنْ مُوسَى (وَلِيدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَمَامَ جَبَرُوتِ وَتَسَلُّطِ الْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِْ.
فَنَشَأَ مُوسَى فِي بِيئَةٍ فِرْعَوْنِيَّةٍ مُحَاطٌ بِهَارُونَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَْ، وَهُنَا وَجَدَ مُوسَى الْعِلْمَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعِ الْحُصُولَ إِلَّا عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَهُوَ الْعَصَا الَّتِي هَرَبَ بِهَا مِنْ بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِْ، وَهِيَ الْعَصَا الَّذِي ظَلَّ مُوسَى مُتَّكِأً عَلَيْهَاْ، يُحَاوِلُ أَنْ يُفَرِّطَ بِهَا لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مِلْكِيَّتَهَا تَعُودُ إِلَيْهِ فَقَطْ كَمَا جَاءَ فِي رَدِّهِ عَلَى سُؤَالِ رَبِّهِ عَنْهَا فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِْ:
نَتِيجَةٌ: هَرَبَ مُوسَى مِنْ بَيْتِ آلِ فِرْعَوْنَ يَحْمِلُ الْعَصَاْ، وَهِيَ لَا شَكَّ الصَّيْدُ الْأَثْمَنُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَعَهَّدَ لَهُ بِأَنْ يُعِيدَهَا لَهُ سِيرَتَهَا الْأُولَىْ:
كَمَا حَصَلَ مُوسَى عَلَى آيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مُكَمِّلًا السِّيَاقَ السَّابِقَْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: حَصَلَ مُوسَى عَلَى آيَتَيْنِ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ: الْعَصَا وَالْيَدُْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهِ مُوسَى مِنَ الْعِلْمِ؟ْ
رَأْيُنَا: إِنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى يَطْلُبُهُ عَلَى يَدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَ اتِّبَاعَهُْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا طَلَبَ مُوسَى إِتْبَاعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ؟ْ
السُّؤَالُ: وَمَاذَا لَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ مُوسَى بِالْهُرُوبِ مِنْ هُنَاكَ؟ْ
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ مُوسَى بِالْهُرُوبِ مِنْ بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ لَرُبَّمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَعَلَّمَ فِي بَيْتِ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا ذَهَبَ يَطْلُبُهُ مِنْ صَاحِبِهِْ.
السُّؤَالُ: وَهَلْ كَانَ عِلْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَ مُوسَى أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَوْجُودًا فِي بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْْ، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ ذَاكَ الرَّجُلُ مِنْ عِلْمٍ كَانَ مُتَوَافِرًا فِي بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِْ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ قَارُونُ وَفِرْعَوْنُْ.
الدَّلِيلُْ
لِلْبَحْثِ عَنِ الدَّلِيلِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّاْ، كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا بِدَايَةً أَنْ نَفْهَمَ مَا كَانَ مِنْ عِلْمِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى طَالِبًا صُحْبَتَهُْ:
فَلَوْ تَفَقَّدْنَا مَا كَانَ لَدَى ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ الْعِلْمِ لَوَجَدْنَا بِدَايَةً أَنَّ مَصْدَرَهُ اللَّهُ نَفْسُهُْ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا جُزْئِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ لَوَجَدْنَا أَنَّ أَحَدَ جَوَانِبِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْكُنُوزِْ:
إِنَّ جُلَّ مَا نَوَدُّ إِثَارَتَهُ هُنَا هُوَ سُؤَالٌ وَاحِدٌْ: مَاذَا لَوْ اسْتَخْدَمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْكُنُوزِ لِمَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ؟ْ أَيْ مَاذَا لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ كَنْزٍ يَجِدُهُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ فَيَكْنِزُهُ فِي مَخَازِنِهِ؟ْ أَلَا يُصْبِحُ بِذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْكُنُوزِ الْعَظِيمَةِ؟ْ أَلَنْ يُنَافِسَ قَارُونَ فِي ذَلِكَ؟ْ الخ.ْ
السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا قَارُونُ لِلْحُصُولِ عَلَى الْكُنُوزِ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا: إِنَّهَا الْبَصَرُْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ الْعِلْمَ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنْ إِبْصَارِ الْكُنُوزِ الَّتِي فِي بَاطِنِ الْأَرْضِْ، فَلَقَدْ كَانَ بَصَرُهُ ثَاقِبًا كَمَا كَانَ بَصَرُ الرَّجُلِ الَّذِي صَحِبَهُ مُوسَى وَهُوَ الَّذِي رَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا تَحْتَ الْجِدَارِ مِنْ كَنْزِ الْيَتِيمَيْنِْ، وَلَكِنَّ وَازِعَهُ الْإِيمَانِيَّ دَلَّهُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَنْزَ هُوَ مِنْ حَقِّ الْيَتِيمَيْنِْ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى لِتَرَى كَيْفَ بَيَّنَ الرَّجُلُ أَنَّ الْكَنْزَ مِنْ حَقِّ الْيَتِيمَيْنِْ، وَهُوَ مَا دَفَعَهُ لِبِنَاءِ الْجِدَارِ لِيَحْفَظَ لَهُمَا كَنْزَهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَاهُ مَعًاْ:
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: لَابُدَّ أَنَّ بَصَرَ الرَّجُلِ كَانَ ثَاقِبًا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِبَصَرِهِ مَا لَا يَرَاهُ الْآخَرُونَ مِنْ حَوْلِهِْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ يَرَى ذَلِكَ؟ وَكَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لَابُدَّ أَنَّ الْغِشَاوَةَ قَدْ كُشِفَتْ عَنْ بَصَرِهِْ، فَأَصْبَحَ بَصَرُهُ ثَاقِبًاْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُ قَدْ أَصْبَحَ حَدِيدًاْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ كَانَ بَصَرُهُ حَدِيدًا؟ْ
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا يُكْشَفُ الْغِطَاءُ عَنِ الشَّخْصِ يُصْبِحُ بَصَرُهُ حَدِيدًاْ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يُصْبِحَ الْبَصَرُ حَدِيدًا؟ وَهَلْ يَقَعُ هَذَا فِي بَابِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ مَثَلًا؟ْ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كُنَّا نُؤْمِنُ يَقِينًا بِنَفْيِ الْمَجَازِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ الْحَقِيقِيِّْ، أَصْبَحْنَا مَدِينِينَ لِمَنْ خَالَفَنَا الرَّأْيَ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَصَرُ حَدِيدًاْ، فَهَلْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُصْبِحَ بَصَرِي أَوْ بَصَرُكَ حَدِيدًا؟ْ وَهَلْ كَانَ بَصَرُ صَاحِبِ مُوسَى حَدِيدًا؟ْ وَهَلْ كَانَ بَصَرُ قَارُونَ أَيْضًا حَدِيدًا؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ؟ْ
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؟ْ
بَابُ الْحَدِيدِْ
عِنْدَ بَحْثِنَا عَنِ الْمُفْرَدَةِ "حَدِيدٌ" فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّْ، وَجَدْنَا أَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي السِّيَاقَاتِ التَّالِيَةِْ:
فَظَنَنَّا أَنَّ هُنَاكَ مَادَّةً مُعَيَّنَةً تُسَمَّى بِالْحَدِيدِْ، وَهِيَ الَّتِي تَقَابَلَتْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ مَعَ الْحِجَارَةِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
وَرُبَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ لِتُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ الْحَدِيدَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِْ:
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ كَانَتْ مَقَامِعُ بَعْضِ أَهْلِ النَّارِ مِنْ حَدِيدٍْ:
كَمَا أَنَّ لِلْحَدِيدِ زُبَرًا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ نَارًا كَمَا طَلَبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُ حِينَئِذٍْ:
فَكَانَ لَابُدَّ مِنَ الَّذِي يُرِيدُ الِاسْتِفَادَةَ مِنَ الْحَدِيدِ أَنْ يُلَيِّنَهُ (أَيْ أَنْ يَجْعَلَهُ لَيِّنًا) كَمَا حَصَلَ مَعَ دَاوُودَ الَّذِي أَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَْ:
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ جَاءَنَا الْحَدِيدُ إِنْزَالًا مِنَ السَّمَاءِْ، فَكَانَ فِيهِ شَيْئَانِ اثْنَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَاْ:
- الْبَأْسُ الشَّدِيدُ (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)ْ.
- الْمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)ْ.
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: إِذَا كَانَ الْحَدِيدُ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَهُوَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ رُبَّمَا فِي حَرْبِهِمْ ضِدَّ عَدُوِّهِمْ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ قَوْمِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مِنْ سَبَأٍْ:
فَمَا هِيَ الْمَنَافِعُ الَّتِي يَكْسِبُهَا النَّاسُ مِنَ الْحَدِيدِ؟ْ
بَابُ الْمَنَافِعِْ
بِدَايَةً، تُشِيرُ كَثِيرٌ مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إِلَى التَّقَابُلِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ مِنْ جِهَةٍ وَالضُّرِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ:
لَكِنْ هَذَا يَدْعُونَا إِلَى طَرْحِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي عَلَى الْفَوْرِ: كَيْفَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ؟ْ
الدَّلِيلُْ
لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ التَّلَازُمَ بَيْنَ الدِّفْءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَنْفَعَةِْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: مَادَامَ أَنَّ لَنَا فِي الْأَنْعَامِ مَنَافِعَ وَمِنْهَا نَأْكُلُْ، وَمَادَامَ أَنَّ لَنَا فِيهَا مَنَافِعَ وَمَشَارِبَْ، وَمَادَامَ أَنَّ لَنَا فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُْ، وَمَادَامَ أَنَّنَا نَرْكَبُهَا وَلَنَا فِيهَا مَنَافِعُْ، فَإِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ هِيَ شَيْءٌ يَخْتَلِفُ تَمَامًا عَنِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالرُّكُوبِْ، فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالدِّفْءُ وَالرُّكُوبُ الَّذِي نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْعَامِ لَا يَدْخُلُ ضِمْنَ نِطَاقِ الْمَنْفَعَةِْ.
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: مَا هِيَ الْمَنْفَعَةُ إِذَنْ إِذَا لَمْ تَكُنْ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ دِفْئًا أَوْ مَرْكَبًا؟ْ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةًْ، كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْفَعَنَا الْأَنْعَامُ فِي غَيْرِ مَا نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالرُّكُوبِ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ الْإِجَابَةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّسَاؤُلِْ، فَلَابُدَّ مِنْ تَدَبُّرِ مَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ عَنِ الْمَنْفَعَةِْ.
أَوَّلًا، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ أَنَّنَا نَحْصُلُ عَلَى الْمَنَافِعِ مِنَ الْخَمْرِْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: مَا هِيَ الْمَنَافِعُ الَّتِي تَتَحَصَّلُ مِنَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ؟ْ
ثَانِيًا، يَأْتِي النَّاسُ لِلْحَجِّ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
ثَالِثًا، الْأَنْعَامُ الَّتِي أُحِلَّتْ لَنَا فِي الْحَجِّ هِيَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الَّتِي لَنَا فِيهَا مَنَافِعُ كَمَا نَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
رَابِعًا، جَاءَتِ الْمَنَافِعُ مَعَ الْحَدِيدِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَاْ:
خَامِسًا، كَانَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ فَيَأْخُذُهُ إِلَى بَيْتِهِ عِنْدَ امْرَأَتِهِ لِيَتَرَبَّى هُنَاكَ هُوَ ظَنُّهُ بِأَنَّ يُوسُفَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَعَهُمَاْ:
وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْهَدَفَ نَفْسَهُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَبْقَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ عَلَى حَيَاةِ الطِّفْلِ مُوسَىْ، فَمَنَعَتْ عَنْهُ الْقَتْلَ الَّذِي كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيُصِيبُهُ لَوْلَا وَسَاطَتُهَا بِالْأَمْرِْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ إِذَنْ؟ْ
رَأْيُنَا: دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ مِنْ عِنْدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّ فِي تَرْبِيَةِ يُوسُفَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلِامْرَأَتِهِ وَكَذَلِكَ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَهِيَ الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّ فِي الْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى مَنْفَعَةً لَهَا وَرُبَّمَا لِمَنْ حَوْلَهَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِمَنْ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُْ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُوسَى أَنْ يَنْفَعَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ هُمْ مِنْ حَوْلِهَا بِمَنْ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ؟ْ
رَأْيُنَا: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالدِّفْءُ وَالْمَرْكَبُْ، فَفِرْعَوْنُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَخْصٍ يَجْلِبُ لَهُ الْمَأْكَلَ أَوِ الْمَشْرَبَ أَوِ الدِّفْءَ أَوِ الْمَرْكَبَةَْ، فَهُوَ فِي غِنًى عَنِ الْحُصُولِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ تَرْبِيَةِ طِفْلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِهِْ، وَكَذَلِكَ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا - هُوَ الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِامْرَأَةِ فِرْعَوْنَْ، فَهِيَ امْرَأَةٌ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) لَا يَنْقُصُهَا شَيْءٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَاْ، فَهِيَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ السَّيِّدَةُ الْأُولَى الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ كُلُّ مَا تَشْتَهِي وَتَرْغَبُ مِنْ نِعَمِ الْحَيَاةِ تِلْكَ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالْمَرْكَبِْ، لَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ تَقُولُ بِمِلْءِ فِيهَا بِأَنَّ هَذَا الصَّبِيَّ قَدْ يَنْفَعُهُمَا (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ.
وَالْمَنْطِقُ نَفْسُهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) يَنْطَبِقُ عَلَى مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَْ، فَنَحْنُ لَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدِ اشْتَرَى يُوسُفَ لِمَغْنَمٍ دُنْيَوِيٍّ سَوَاءً فِي الْعَاجِلِ الْقَرِيبِ أَوْ فِي الْبَعِيدِ الْمَنْظُورِْ. لَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَْ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي شِرَائِهِ لِيُوسُفَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلِزَوْجِهِ عَلَى الْأَقَلِّ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ.
السُّؤَالُ الْكَبِيرُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي سَيَجْنِيهَا كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ تَرْبِيَةِ غُلَامٍ صَغِيرٍ (يُوسُفَ وَمُوسَى) فِي بَيْتَيْهِمَا؟ْ
- الْمَنْفَعَةُ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ
- اتِّخَاذُ الْوَلَدِ (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)ْ
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ سَابِقَةٌ لِاتِّخَاذِ الْوَلَدِ فِي كِلَا الْحَالَتَيْنِ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)ْ، مِمَّا يَدْفَعُنَا عَلَى الْفَوْرِ لِاسْتِنْبَاطِ الِافْتِرَاءِ التَّالِيْ: الْمَنْفَعَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ (وَهِيَ سَابِقَةٌ لِـ) اتِّخَاذِ الْوَلَدِْ. فَلِمَاذَا؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ السِّينَارِيُوهَاتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هِيَ فِي ظَنِّنَا اثْنَيْنِ فَقَطْْ:
- قَدْ تَتَّخِذُ وَلَدًا وَيَنْفَعُْ
- قَدْ تَتَّخِذُ وَلَدًا وَلَا يَنْفَعُْ
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ هِيَ أَنَّ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ شَيْءٌ وَالْمَنْفَعَةَ شَيْءٌ آخَرُ وَقَدْ لَا يَتَلَاقَيَانِْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ – بِرَأْيِنَا - مُتَعَلِّقَةٌ بِالْآخِرَةِ عِنْدَمَا لَا يُصْبِحُ لِلْأَرْحَامِ وَالْأَوْلَادِ مَنْفَعَةٌ حِينَئِذٍْ:
فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تَنْفَعُ الْأَرْحَامُ وَلَا الْأَوْلَادُ لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ – لَا شَكَّ - تَكُونُ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةًْ:
لِذَاْ، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَجْنِيَهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَرْحَامِ وَالْأَوْلَادِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا قَدَّمُوا لَكَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ الْآخِرَةِْ:
فَمَا هِيَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَحْصُلَ عَلَيْهَا مِنَ الْآخَرِينَ فِي الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ أَوْ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَْ:
بِنَاءً عَلَى هَذَا الْفَهْمِ الْمُفْتَرَىْ، نَحْنُ نَحْتَاجُ أَنْ نَفْهَمَ الْمَنَافِعَ الَّتِي نَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْعَامِ غَيْرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالدِّفْءِ وَالرُّكُوبِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْكَثِيرَةِْ:
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْمَنَافِعُ الَّتِي نَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْعَامِ؟ْ
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) رُبَّمَا تَكُونُ هِيَ الْجَوَابَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِْ:
فَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ هِيَ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِْ، وَلَا شَكَّ – عِنْدَنَا - أَنَّ الْأَنْعَامَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:
السُّؤَالُ: فَمَا هِيَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي كَانَ سَيَجْنِيهَا مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ (وَامْرَأَتُهُ) مِنْ تَرْبِيَةِ يُوسُفَ فِي بَيْتِهِمَا؟ْ وَمَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تَجْنِيَهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (وَرُبَّمَا فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ) مِنَ الْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا التَّقْوَىْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ (إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى هَذَا) أَنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ رُبَّمَا تُجِيبُ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْمَنْفَعَةُ قَدْ تَأْتِي مِنَ الذِّكْرَى (أَوِ التَّذْكِيرِ)ْ. فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الذِّكْرَى هِيَ مَا قَدْ يَنْفَعُْ، وَهِيَ لَا شَكَّ تَنْفَعُ الَّذِينَ آمَنُواْ، وَلَكِنَّهَا قَدْ لَا تَنْفَعُ غَيْرَهُمْْ.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِقَضِيَّةِ تَرْبِيَةِ يُوسُفَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ أَوْ فِي قَضِيَّةِ الْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ؟ْ
فَكَيْفَ سَيَحْصُلُ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ الْخِلَافُ عَقَائِدِيًّا بَيْنَ الْأَزْوَاجِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِْ، كَانَتْ مُحَاوَلَةُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ (الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي طَلَبَ الْإِبْقَاءَ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى) هِيَ رَدْعُ الْفَجْوَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةٍ وَالشَّخْصِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْكُفْرِ مِنْهُ إِلَى الْإِيمَانِْ. فَالرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَهْدِمَ الْفَجْوَةَ الْإِيمَانِيَّةَ النَّاشِبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجِهِْ، وَلَكِنْ لَمَّا عَجَزَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِْ، كَأَنْ يَأْمَلَ أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ عَلَى يَدِ يُوسُفَ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ، فَتَتَحَقَّقُ الْمَنْفَعَةُ الدِّينِيَّةُ لَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَرْبِيَةِ هَذَا الْغُلَامِ فِي بَيْتِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا إِلَى الْيَوْمِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ هُنَاكَ مَالٌ وَلَا بَنُونَْ:
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ تَتَحَصَّلُ الْمَنْفَعَةُ؟ْ
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: بِالْإِلَانَةِْ
سُؤَالٌ: مَا هِيَ الْإِلَانَةُ؟ هَلْ هَذِهِ مُفْرَدَةٌ عَرَبِيَّةٌ؟ْ
جَوَابٌ: نَحْنُ نَشْتَقُّ هَذِهِ الْمُفْرَدَةَ مِنْ فِعْلِ (أَلَانَ) كَمَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الْإِلَانَةَ كَانَتْ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَقَطْْ:
- الْجُلُودُْ
- الْقُلُوبُْ (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ)ْ
- الْحَدِيدُْ (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)ْ
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتِ الْإِلَانَةُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ؟ وَمَا الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا؟ْ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَكْمُنُ فِي الْمَنْفَعَةِْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نَبْدَأُ بِالْحَدِيدِْ، فَالْمَنْفَعَةُ مِنَ الْحَدِيدِ تَتِمُّ بِإِلَانَتِهِْ، فَعِنْدَمَا يَتِمُّ إِلَانَةُ الْحَدِيدِ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهُ كَمَا حَصَلَ مَعَ دَاوُودَ مَثَلًاْ:
وَهَكَذَا هُوَ الْحَالُ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِلْقُلُوبِ وَالْجُلُودِْ، فَحَتَّى تَتَحَقَّقَ الْمَنْفَعَةُ (الَّتِي تَكُونُ نَتِيجَتُهَا الْحَتْمِيَّةُ التَّقْوَى) فَلَابُدَّ لِلْقُلُوبِ مِنْ أَنْ تَلِينَْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ سَيَتِمُّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ فِرْعَوْنَ وَامْرَأَتِهِ أَوْ فِي حَالَةِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ مَعَ امْرَأَتِهِ؟ْ
وَسَنَتَحَدَّثُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ عَنْ شَخْصِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ عِنْدَ مُتَابَعَةِ الْبَحْثِ فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِ قِصَّةُ يُوسُفَ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.
أَمَّا النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هُنَا فَتَخُصُّ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ فِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِْ، لِيَكُونَ الِافْتِرَاءُ هُوَ: الْمَنْفَعَةُ تَعْنِي تَلْيِينَ كُلِّ مَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِْ.
الدَّلِيلُْ
لَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِيهَا مَا يَدْعُو إِلَى الِاسْتِغْرَابِْ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ
السُّؤَالُ: مَا هِيَ مَنَافِعُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِلنَّاسِ؟ْ
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: رَأْيُنَا لَا شَكَّ أَنَّ الْخَمْرَ يُسْتَخْدَمُ لِلتَّخْدِيرِْ، فَالْخَمْرُ لَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي السَّابِقِ مِنَ الْمَادَّةِ الْمُسْكِرَةِْ، وَلَكِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ "الْمُسْكِرَاتِ أَوِ الْمُخَدِّرَاتِ" بِدَلِيلِ أَنَّهَا هِيَ مَا يُذْهِبُ الْعُقُولَْ:
فَكُلُّ الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ يَقَعُ فِي بَابِ الْخَمْرِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالْعَقْلِْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْخَمْرِ الَّذِي يُذْهِبُ الْعَقْلَ مَنَافِعُ؟ْ
جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ لَا عَلَاقَةَ لِلْمَنَافِعِ بِالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالْمَرْكَبِْ. لِذَا لَابُدَّ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْخَمْرِ غَيْرَ هَذَا كُلِّهِْ.
السُّؤَالُ: وَمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَنَافِعُ؟ْ
رَأْيُنَا: مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَفِيدَ مِنْهُ عِنْدَمَا يَذْهَبُ الْعَقْلُْ، فَنُصْبِحُ لَا نَعْلَمُ مَا نَقُولُْ
السُّؤَالُ: مَا ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهَا الْمَادَّةُ الْمُخَدِّرَةُْ، أَيِ الَّتِي تُلَيِّنُ مَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نَتَخَيَّلُ الْإِنْسَانَ الْمَرِيضَ الَّذِي يُصِيبُهُ الْأَلَمُْ، وَهُوَ بِحَاجَةٍ مَثَلًا إِلَى مُخَدِّرٍ (مُسَكِّنٍ) لِهَذَا الْأَلَمِْ، أَلَا يَعْمَلُ ذَلِكَ الْمُخَدِّرُ (الْخَمْرُ) عَلَى تَلْيِينِ الْأَلَمِ؟ْ مَنْ يَدْرِي؟!!!ْ
ثُمَّ دَعْنَا نَتَخَيَّلُ الْمَرِيضَ الَّذِي بِحَاجَةٍ مَثَلًا إِلَى عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِْ، أَلَا يُعْطَى ذَلِكَ الْمَرِيضُ جُرْعَةً (وَرُبَّمَا جُرْعَاتٍ) مِنَ الْمَادَّةِ الْمُخَدِّرَةِ (الْخَمْرِ) لِتُذْهِبَ عَقْلَهُ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى يَتِمَّ إِنْهاءُ الْعَمَلِيَّةِ الْجِرَاحِيَّةِ؟ْ مَنْ يَدْرِي؟!!!ْ
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ:ْ
نَعُودُ إِلَى صُلْبِ الْمَوْضُوعِ الَّذِي كُنَّا نَتَحَدَّثُ فِيهِ الْخَاصِّ بِقَارُونَ وَالَّذِي كَانَ يَمْلِكُ – حَسَبَ مَا افْتَرَيْنَاهُ سَابِقًا - عِلْمَ الْكُنُوزِْ:
وَكَانَ مَثَارُ النِّقَاشِ هُوَ كَيْفِيَّةُ حُصُولِ الرَّجُلِ عَلَى تِلْكَ الْكُنُوزِْ. وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ أَنَّ قَارُونَ كَانَ يَمْلِكُ قُدْرَةَ صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي أَقَامَ الْجِدَارَ لِلْيَتِيمَيْنِ عِنْدَمَا رَأَى الْكَنْزَ الَّذِي تَحْتَهُْ:
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُ كَانَ حَدِيدًاْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ْ
رَأْيُنَا: هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ الْحَدِيدِْ
- حَدِيدٌ لَمْ يَلِنْْ
- حَدِيدٌ قَدْ أُلِينَْ
لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ هُمْ مِنَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ بَصَرًا غَيْرَ حَدِيدٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُمْ قَدْ أُلِينَْ، لِذَا لَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِ اللَّازِمَةِ لِاخْتِرَاقِ الْعَوَائِقِْ. فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ إِلَى جِدَارٍ مَاْ، فَإِنَّ بَصَرَكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَدِيدٍْ، فَيَحْصُلُ أَنْ يَنْقَلِبَ ذَلِكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا لِأَنَّهُ حَسِيرٌْ:
أَمَّا مَنْ كَانَ بَصَرُهُ حَدِيدًاْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَنْقَلِبَ خَاسِئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ حَسِيرًاْ، لِذَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَوَاجِزَ فَيَرَى مَا وَرَاءَهَاْ.
دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بَصَرًا حَدِيدًا وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ قَارُونَْ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَمْتَثِلُ أَمْرَكَ فِي قَوْلِكَْ:
اللَّهُمَّ آمِينَْ
وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌْ
(فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنْفِذَ قَوْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُْ، وَأَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ أَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّْ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينَ)ْ
تعليقات