home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 14

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 20, 2015
محتويات المقال:

    قِصَّةُ يُونُسَ – الرَّابِعَ عَشَرَْ

    "قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)" [طه]

    حَاوَلْنَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَسْوِيقَ افْتِرَاءٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا مُفَادُهُ أَنَّ قِصَّةَ ذِي النُّونِ تُشْبِهُ فِي تَفَاصِيلِهَا قِصَّةَ فِرْعَوْنَْ، وَأَنَّ شَخْصِيَّةَ ذِي النُّونِ تَتَقَاطَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ جَوَانِبِهَا مَعَ شَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَْ، فَكِلَاهُمَا كَانَ رَجُلًا ذَا مَكَانَةٍ فِي قَوْمِهِْ، كَمَا أَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍْ، وَأَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ يَطْمَعُ فِي حُصُولِ الِاجْتِبَاءِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِْ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا كَانَ فِي الطَّرِيقَةِ وَالنَّتِيجَةِْ. فَفِي حِينِ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَْ:

    "فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)" [الصافات]

    كَانَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَْ:

    "آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)" [يونس]
    "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)" [القصص]

    فَلَقَدْ حَصَلَتِ النَّجَاةُ لِكِلَيْهِمَا بَعْدَ الْغَرَقِ بِسَبَبِ الدُّعَاءِْ، وَلَكِنْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ مُخْتَلِفَةً فِي الْحَالَتَيْنِْ، فَقَدْ أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُ وَمَا نَالَ حَظًّا مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ الْكَلِمَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا عِنْدَمَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُْ:

    "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)" [يونس]

    حَصَلَ ذُو النُّونِ – بِالْمُقَابِلِ - عَلَى الِاجْتِبَاءِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِْ، فَكَانَ رَسُولًا مِنَ الصَّالِحِينَْ:

    "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)" [القلم]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْأَجْزَاءَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِْ).

    وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْجَدِيدِ مِنَ الْمَقَالَةِ الْمُضِيَّ قُدُمًا فِي عَوَاقِبِ مِثْلِ هَذِهِ الِافْتِرَاءَاتِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا غَيْرُ مَسْبُوقَةٍْ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُْ، وَبِخِلَافِ هَذَا الْهَدْيِ مِنَ اللَّهِ فَإِنَّ كُلَّ افْتِرَاءَاتِنَا (أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا) لَا تَعْدُو أَكْثَرَ مِنْ تَخْرِيصَاتٍ مِنَ الْخَيَالِ الْمُزَيَّفِ لِلْكَاتِبِ الَّذِي يَطْلُبُ مِنَ الْجَمِيعِ أَنْ لَا يُصَدِّقُوا مِنْهَا إِلَّا مَا يَجِدُوا هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يُثْبِتُهُْ.

    لِذَا سَيَطِيرُ الْخَيَالُ بَعِيدًا جِدًّاْ، تَارِكًا وَرَاءَهُ كُلَّ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ مِنْ تُرَاثِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِْ، مُحَاوِلًا التَّجْدِيفَ بَعِيدًا جِدًّاْ، مُدْرِكًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ خُطُورَةَ مَا قَدْ تَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِْ، مُسْتَعِدًّا لِتَحَمُّلِ الْعَوَاقِبِ مَهْمَا كَانَتِ النَّتَائِجُْ. فَالْخَوْفُ (أَوْ لِنَقُلِ الْخَشْيَةُ) مِنَ الْعَوَاقِبِ لَنْ تَمْنَعَنَا مِنَ الْمُحَاوَلَةِ مَادَامَ أَنَّنَا نُؤْمِنُ يَقِينًا بِأَنَّ اللَّهَ لَا مَحَالَةَ مُتِمٌّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ شَاءَ مَنْ شَاءَ وَغَضِبَ مَنْ غَضِبَْ، لِذَا نَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي يُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ – آمِينَْ.

    أَمَّا بَعْدُْ،

    فِرْعَوْنُ: صَاحِبُ عِلْمٍ عَظِيمٍْ

    سَنَبْدَأُ النِّقَاشَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُنْطَلِقِينَ مِنَ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى، وَالِافْتِرَاءُ هُوَ: كَانَ فِرْعَوْنُ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِْ، وَقَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَوَافَرَ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا كَانَ مُتَوَافِرًا بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَْ. وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَفُوقُ مُوسَى نَفْسَهُ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِْ، وَلَا يَكَادُ يُدَانِي فِرْعَوْنَ مَكَانَةً فِي الْعِلْمِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) إِلَّا صَاحِبُ الْحُوتِ (ذَا النُّونِ)ْ، وَهُوَ مَنْ ذَهَبَ مُوسَى طَالِبًا صُحْبَتَهُ وَوَجَدَهُ عِنْدَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الْقَابِعَةِ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِْ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْأَجْزَاءَ السَّابِقَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَسِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ قِصَّةُ مُوسَى، وَكَذَلِكَ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ بَابُ السَّامِرِيِّ)ْ.

    السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَفُوقُ مُوسَى فِي الْعِلْمِ وَيُقَارِبُ صَاحِبَ مُوسَى فِي ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِدَايَةً، قَدْ لَا نَحْتَاجُ أَنْ نَسُوقَ الدَّلِيلَ عَلَى افْتِرَائِنَا بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْ مُوسَى نَفْسِهِْ، فَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ مُوسَى هُوَ مَنْ ذَهَبَ بِرِجْلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ طَالِبًا أَنْ يَتَلَقَّى الْعِلْمَ مِنْهُْ:
    "فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)" [الكهف]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْ مُوسَىْ، فَصَاحِبُ مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى يَطْلُبُ صُحْبَتَهُ يَمْلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَكُنْ مُوسَى يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَيْهِْ.

    السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: أَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ عِلْمًا مِنَ الْآخَرِ مُوسَى أَمْ فِرْعَوْنُ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَفُوقُ مُوسَى فِي الْعِلْمِْ.

    الدَّلِيلُْ

    رُبَّمَا يَسْتَغْرِبُ الْكَثِيرُونَ مِنْ قَوْلِنَا هَذَاْ، رُبَّمَا ظَانِّينَ أَنَّ فِيمَا نَقُولُ تَجَاوُزًا وَتَطَاوُلًا عَلَى شَخْصِيَّةِ رَسُولٍ كَرِيمٍ مِثْلِ مُوسَىْ، فَقَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ هِيَ مِنَ الْأَسَاسِ بَاطِلَةٌْ، وَذَلِكَ لِإِيمَانِهِمُ الْيَقِينِيِّ بِأَنَّ الْأَوَّلَ (مُوسَى) هُوَ رَسُولٌ كَرِيمٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَيْنَمَا الْآخَرُ (فِرْعَوْنُ) هُوَ عَدُوٌّ لِرَبِّ الْعَالَمِينَْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا لَوْ أَنَّ حَدِيثَنَا هَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِْ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مُوسَى أَعْظَمُ إِيمَانًا مِنْ فِرْعَوْنَْ. لَكِنْ يَجِبُ التَّنْبِيهُ بِكُلِّ قُوَّةٍ إِلَى أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الشَّخْصِيَّتَيْنِ فِي حَدِيثِنَا هُنَا يَقَعُ فِي بَابِ امْتِلَاكِ الْعِلْمِْ، فَشَتَّانَ (نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ) بَيْنَ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةٍ وَالْإِيمَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ. فَالْإِيمَانُ شَيْءٌ وَالْعِلْمُ شَيْءٌ آخَرُ مُخْتَلِفٌ تَمَامًاْ، وَقَدْ لَا يَتَلَاقَيَانِْ. فَالسِّينَارِيُوهَاتُ الْوَاقِعِيَّةُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ – بِرَأْيِنَا - ثَلَاثَةٌ فَقَطْْ، أَلَا وَهِيَْ:
    • قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ هُوَ صَاحِبُ عِلْمٍ وَلَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْإِيمَانِ فِي شَيْءٍ كَحَالَةِ فِرْعَوْنَ أَوْ كَاللَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ آيَاتِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَانْسَلَخُوا مِنْهَاْ.
    • وَقَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ لَا يَمْلِكُ عِلْمًا وَافِرًا وَلَكِنَّهُ ارْتَقَى عَالِيًا فِي سُلَّمِ الْإِيمَانِْ، كَمُوسَى مَثَلًا الَّذِي ذَهَبَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ عَلَى يَدِ شَخْصٍ آخَرَْ.
    • وَقَدْ يَكُونُ هُنَاكَ صَاحِبُ عِلْمٍ عَظِيمٍ وَهُوَ عَلَى دَرَجَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ كَصَاحِبِ مُوسَىْ.

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تَهْدِيهِمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَْ، وَتَدُلُّهُمْ إِلَى نُورِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الْأَرْضُْ، لِتُخْرِجَنِي مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِكَ – آمِينَْ).

    السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ امْتِلَاكِ الْعِلْمِ وَامْتِلَاكِ الْإِيمَانِ؟ْ

    رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ وَلَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ شَيْئًاْ، لَا بَلْ لَقَدْ كَانَ عِلْمُهُ وَبَالًا عَلَيْهِْ:

    "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (177)" [الأعراف]

    فَالْمُتَدَبِّرُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ هُوَ مَثَلٌ سَيِّئٌْ، فَمَثَلُ هَؤُلَاءِ هُوَ مَثَلُ الْكَلْبِ (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)ْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    وَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ عِنْدَمَا تَتَجَدَّدُ صُورَتُهُمُ التَّمْثِيلِيَّةُ فِي الْحِمَارِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:

    "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)" [الجمعة]

    السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَصْوَاتِ الْعَالِيَةِ الَّتِي لَا تُمَيِّزُ (أَيِ الْمُنْكَرَةِ)ْ، فَهُمُ الَّذِينَ يُرَدِّدُونَ فَقَطْ مَا يَسْمَعُونَ بِغَثِّهِ وَسَمِينِهِْ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَفْقَهُونَ مَا يَقُولُونَْ، فَأَفْهَامُهُمْ لَا تَتَجَاوَزُ حَنَاجِرَهُمْْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ قَدْ طُبِعَتْ فَلَا فَائِدَةَ تُرْجَى مِنْهَاْ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ "الْحَمِيرُ"ْ:
    "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)" [لقمان]

    السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ؟ْ

    رَأْيُنَا: إِنَّهُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِمَا أَلِفُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْْ، فَيَنْعِقُونَ بِمَا لَا يَعْقِلُونَْ:

    "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171)" [البقرة]

    (أَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ يَكُونَ مَثَلِي كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًْ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مِنَ الصُّمِّ الْبُكْمِ الْعُمْيِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَْ. اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ تُزِيلَ الْوَقْرَ مِنْ أُذُنِي وَالْغِشَاوَةَ عَنْ بَصَرِي وَالْأَكِنَّةَ عَنْ قَلْبِيْ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – آمِينَ)ْ.

    السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: هُمْ أَصْحَابُ الْأَصْوَاتِ الْعَالِيَةِ مِنَ الَّذِينَ حَمَلُوا آيَاتِ اللَّهِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ يَنْعِقُونَ بِهِ مِمَّا حَرَّفُوا مِنْهَاْ.

    الدَّلِيلُْ

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ حَمَلُوا التَّوْرَاةَ – مَثَلًا - هُمْ لَا شَكَّ أَصْحَابُ عِلْمٍ عَظِيمٍْ، لِأَنَّ فِي نُسْخَتِهَا هُدًى لِلَّذِينَ آمَنُواْ:

    "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)" [الأعراف]
    "وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)" [الأعراف]
    "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)" [الجمعة]

    لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَحْمِلُوهَاْ، أَيِ اتَّخَذُوا مَا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ آبَائِهِمْ فَقَدَّمُوهُ عَلَى مَا فِي التَّوْرَاةِْ، كَانَ مَثَلُهُمْ كَالْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْفَارًاْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي وَصَلَهُمْ فِيهَاْ. فَكَانُوا مِنَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَْ:

    "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)" [الملك]

    وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنَ الِاسْتِفَادَةِ مِمَّا يَحْمِلُونَ مِنَ التَّوْرَاةِ هِيَ تِلْكَ الْمَوْرُوثَاتُ الَّتِي أَلِفُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ حَتَّى وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ لِيَهْدِيَهُ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ فَهُوَ كَالْحِمَارِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيدُ مِمَّا يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى وَإِنْ كَانَ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهِْ.

    وَهَذَا لَا يَنْطَبِقُ فَقَطْ عَلَى الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَاْ، وَلَكِنَّهُ يَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَنْ وَجَدُوا عِنْدَهُمْ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ فَمَا اسْتَفَادُوا مِنْهَا لِأَنَّ مَنْطِقَ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ كَانَ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعِلْمِْ. وَرُبَّمَا يَكْفِيكَ – أَخِي الْقَارِئَ - أَنْ تُقَلِّبَ الْمَحَطَّاتِ الْفَضَائِيَّةَ الدِّينِيَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ وَالْمَسِيحِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّةَ لِتَنْظُرَ بِأُمِّ عَيْنِكَ مَا يَنْعِقُ بِهِ أَصْحَابُ الْأَصْوَاتِ الْعَالِيَةِ الَّذِينَ يُسَوِّقُونَ لِلنَّاسِ سِلْعَةً أَلِفُوهَا مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْْ. وَأَنَا مَالِي؟ْ

    بِمِثْلِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَحْنُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَخَيَّلَ مَا حَصَلَ لِفِرْعَوْنَْ. فَبِالرَّغْمِ أَنَّهُ كَانَ – بِرَأْيِنَا - رَجُلًا صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْ ذَاكَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُْ، فَمَثَلُهُ بِذَلِكَ مَثَلُ الْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ أَسْفَارًاْ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الَّذِينَ لِأَنْفُسِهِمْ يَظْلِمُونَْ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) مَنْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍْ:

    "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)" [الجاثية]

    وَهَذَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَةِ فِرْعَوْنَ كَقَارُونَ مَثَلًاْ، فَهُوَ أَيْضًا مِنَ الَّذِينَ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍْ:

    "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)" [القصص]

    إِنَّ أَبْسَطَ أَبْجَدِيَّاتِ مَنْ كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ أَنْ يَنْسِبَ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ إِنْ هُوَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُْ. لَكِنْ إِنْ لَمْ يَفْعَلْْ، فَهُوَ إِذَنْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) مِمَّنْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُْ:

    "وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (48) فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (51)" [الزمر]

    فَاللَّهُ هُوَ مَنْ خَوَّلَ قَارُونَ مَثَلًا نِعْمَةً مِنْهُْ، لَكِنْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنْ جَحَدَ قَارُونُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَنَسَبَ الْفَضْلَ فِيمَا عِنْدَهُ لِنَفْسِهِ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)ْ، فَمَا كَانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَصَابَهُ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبَْ:

    "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)" [القصص]
    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي أَصَابَ الْفِكْرَ الْإِنْسَانِيَّ الْإِسْلَامِيَّ فِي حِقَبِ الزَّمَنِ الْمُتَعَاقِبِ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ مَلِيًّا لِيَتَدَبَّرَ جَيِّدًا مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَحَدُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ كَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَْ. فَعِنْدَمَا يَقْرَأُ أَهْلُ الْعِلْمِ مَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ قَارُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
    "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)" [القصص]
    يَطِيرُ ذِهْنُ الْغَالِبِيَّةِ السَّاحِقَةِ مِنَ النَّاسِ (رُبَّمَا بِسَبَبِ الْأَفْهَامِ الَّتِي وَصَلَتْهُمْ مِنَ السَّادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ) إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ كَلَامٍ جَاءَ عَلَى لِسَانِ رَجُلٍ كَافِرٍ كَذَّابٍْ، لِذَا فَهُوَ (هُمْ يَظُنُّونَ) لَا يَقُولُ الْحَقِيقَةَْ، فَيَعْتَقِدُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ أَنَّ كَلَامَ هَذَا الْكَافِرِ (قَارُونَ مَثَلًا) يَقَعُ فِي بَابِ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَدَبَّرَهُ السَّامِعُْ، وَلَا يَحْتَاجُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْبَحْثَ فِي تَفَاصِيلِهِْ، عِنْدَهَا وَقَفَتْ أَفْهَامُهُمْ عِنْدَ عُمُومِيَّاتٍ (نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهَا) قَدْ لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍْ. فَأَهْلُ الْعِلْمِ (نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ) لَمْ يَأْخُذُوا كَلَامَ الرَّجُلِ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّْ. لِذَا لَمْ يُحَاوِلُوا أَنْ يَعْقِلُوا مَا قَالَ الرَّجُلُ كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُحَاوِلُوا أَنْ يُفْهِمُوا الْعَامَّةَ مِنْ حَوْلِهِمْ بِأَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ الصِّدْقَْ.

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي تَقُولُ يَا رَجُلُ؟ هَلْ يَقُولُ قَارُونُ الصِّدْقَ؟ رُبَّمَا يَصِيحُ الْبَعْضُ بِصَوْتِهِ مُتَسَائِلًا وَمُسْتَغْرِبًاْ.

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْْ. قَارُونُ يَقُولُ الصِّدْقَ وَلَكِنَّهُ لَا يَقُولُ الْحَقَّْ. انْتَبِهْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - جَيِّدًاْ.

    السُّؤَالُ: وَمَا الْفَرْقُ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا شَاسِعًا بَيْنَ أَنْ تَقُولَ الصِّدْقَ أَوْ أَنْ تَقُولَ الْحَقَّْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْحَقِّْ

    السُّؤَالُ: هَلْ كُلُّ مَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ يَقَعُ فِي بَابِ الْكَذِبِ؟ْ

    جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّاْ، فَقَدْ يَقُولُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ قَوْلًا صَادِقًا (لَا كَذِبَ فِيهِ) كَمَا يَفْعَلُ الْعُلَمَاءُ الْمَادِّيُّونَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ فَهْمَ نَوَامِيسِ هَذَا الْكَوْنِ بِأَدَوَاتِهِمْ وَأَسَالِيبِهِمُ الْمَعْرِفِيَّةِ الْمُتَوَافِرَةِ لَدَيْهِمْْ. فَعَالِمُ الرِّيَاضِيَّاتِ أَوِ الْفِيزْيَاءِ أَوِ الطِّبِّ أَوِ الْهَنْدَسَةِ مَثَلًا يُقَدِّمُ نَظَرِيَّاتِهِ وَآرَاءَهُ فِيمَا يَبْحَثُ فِيهِْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    السُّؤَالُ: فَهَلْ يَقَعُ مَا يَقُولُهُ هَذَا "الْعَالِمُ" (أَوْ لِنَقُلِ الْعَارِفُ) فِي بَابِ الْكَذِبِ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ الصِّدْقِ لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِالْإِيمَانِْ، وَإِلَّا لَأَصْبَحَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ هُوَ كَلَامٌ كَاذِبٌْ.

    السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ مَا يَقُولُهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ كَلَامًا صَادِقًاْ، فَمَا الْعَيْبُ فِيهِ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: قَدْ يَكُونُ كَلَامُ "غَيْرِ الْمُؤْمِنِ" كَلَامًا صَادِقًا وَلَكِنَّهُ يَقَعُ فِي بَابِ عَدَمِ قَوْلِ الْحَقِّْ. لِأَنَّ هُنَاكَ – بِرَأْيِنَا - فَرْقًا شَاسِعًا بَيْنَ قَوْلِ الصِّدْقِ مِنْ جِهَةٍ وَقَوْلِ الْحَقِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ.

    الدَّلِيلُ:

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ الْحَقِّ هُوَ مَا يُمَيِّزُ قَوْلَ الْإِلَهِْ:

    "مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)" [الأحزاب]
    "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)" [الأنعام]

    وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْبَشَرِ إِلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ)ْ:

    "ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)" [مريم]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ قَوْلَ الْحَقِّ يَخْلُو مِنْ أَيِّ عَيْبٍ يَشُوبُهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَفِي الْمَقْصِدِ كَبِيرًا كَانَ أَمْ صَغِيرًاْ. فَوَسِيلَتُهُ صَحِيحَةٌ وَمَقْصِدُهُ (أَيْ غَايَتُهُ) صَحِيحَةٌْ. لِذَاْ، نَحْنُ نَظُنُّ جَازِمِينَ بِأَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ (كَمَا افْتَرَيْنَا فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ) هُوَ النُّسْخَةُ الْبَشَرِيَّةُ لِكِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِْ:
    "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)" [فصلت]

    إِنَّ الْغَايَةَ مِنْ هَذَا الطَّرْحِ (رُبَّمَا غَيْرِ الْمَأْلُوفِ) هُوَ لَفْتُ الِانْتِبَاهِ إِلَى افْتِرَائِنَا التَّالِيْ: أَنَّ مَنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ كَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهَامَانَ (وَحَتَّى إِبْلِيسَ نَفْسِهِ) قَدْ يَقُولُ الصِّدْقَ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ حَقًّا (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ هَلْ كَذَبَ إِبْلِيسُ عَلَى آدَمَ؟)ْ.

    السُّؤَالُ: مَا الْفَائِدَةُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَْ.

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنْ صَحَّ هَذَا الْكَلَامُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ النَّاسُ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ رُبَّمَا لَمْ يُؤْمِنُوا إِلَّا قَلِيلًا هُوَ قَوْلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَدَبُّرٍ بَعْدَ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّْ. فَإِنْ قَالَ قَارُونُ مَثَلًا أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ عِنْدَهُْ، فَهُوَ إِذَنْ شَخْصٌ صَادِقٌ لِأَنَّ عِنْدَهُ فِعْلًا عِلْمٌ عَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَقُولُ الْحَقَّ لِأَنَّهُ ضَلَّ الْوَسِيلَةَ وَالْغَايَةَْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ التَّالِيَةَ جَيِّدًاْ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ آتَى قَارُونَ تِلْكَ النِّعْمَةَْ:

    "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)" [القصص]

    وَلَوَجَدْنَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّ قَارُونَ لَمْ يَنْسِبِ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِْ، فَنَسِيَ (أَيْ طَنَّشَ أَوْ لِنَقُلْ تَجَاهَلَ عَنْ قَصْدٍ) مَا خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنْ نِعْمَةٍْ، وَنَسَبَ الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِْ:

    "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)" [القصص]

    وَلَكِنْ رُبَّمَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) يَجِدُ الْمُدَقِّقُ فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَذِّبْ دَعْوَى قَارُونَ بِأَنَّهُ رَجُلٌ صَاحِبُ عِلْمٍْ، وَأَنَّ مَا نَفَاهُ اللَّهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا هُوَ دَعْوَى الرَّجُلِ بِأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ (النِّعْمَةَ) هُوَ مِنْ عِنْدِهِْ. فَلَوْ نَسَبَ قَارُونُ الْعِلْمَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ لِرَبِّهِ وَالْتَزَمَ بِمَا وَصَّاهُ اللَّهُ بِهِْ:

    "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)" [القصص]

    لَانْتَهَتِ الْمُعْضِلَةُ بِرُمَّتِهَاْ، وَلَكَانَ قَارُونُ حِينَئِذٍ يَقُولُ الْحَقَّْ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ أَنَّهُ صَاحِبُ عِلْمٍ فَهُوَ لَمْ يَكْذِبْ فِي هَذَاْ، وَلَكِنْ كَانَ جُلُّ افْتِرَاءِ الْكَذِبِ الَّذِي افْتَرَاهُ هُوَ أَنَّهُ نَسَبَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) وَلَيْسَ لِرَبِّهِْ. فَكَانَتْ مُشْكِلَةُ قَارُونَ تَكْمُنُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ وَهِيَ (عِنْدِي)ْ. لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الَّتِي سَنَفْتَرِيهَا هِيَْ:

    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: صَدَقَ قَارُونُ عِنْدَمَا قَالَ أَنَّهُ صَاحِبُ عِلْمٍْ.
    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَذَبَ قَارُونُ عِنْدَمَا نَسَبَ الْعِلْمَ لِنَفْسِهِْ.

    لِذَا نَحْنُ نُكَذِّبُ دَعْوَى قَارُونَ بِأَنَّ الْفَضْلَ فِيهِ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَهُ يَعُودُ لِقَارُونَ نَفْسِهِْ، وَلَكِنَّنَا نُصَدِّقُ بِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍْ. وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَضَلَّهُ عَلَى عِلْمٍْ:

    "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)" [الجاثية]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ حَقِيقَةُ عِلْمِ قَارُونَْ.

    السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ عِلْمُ قَارُونَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَارُونَ كَانَ شَخْصًا يَمْلِكُ عِلْمًا مُمَيَّزًاْ، رُبَّمَا لَا يُدَانِيهِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ حَتَّى فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ أَوْ حَتَّى مُوسَى نَفْسُهُْ. وَهُوَ عِلْمُ الْكُنُوزِْ.

    السُّؤَالُ: وَهَلْ هَذَا فِعْلًا عِلْمٌ يَسْتَطِيعُ مَنْ يَمْلِكُهُ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى كُنُوزٍ كَكُنُوزِ قَارُونَ؟ْ

    رَأْيُنَا: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ مِنْ وَاجِبِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ أَنْ يُوَجِّهُوا النَّاسَ بِأَنَّ هُنَاكَ عِلْمًا عَظِيمًا يَتَعَلَّقُ "بِجَمْعِ الْكُنُوزِ"ْ، وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ شَخْصٌ فِي غَابِرِ الزَّمَانِ اسْمُهُ قَارُونُْ، لِذَا وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهُْ، لِمَعْرِفَةِ أَسْرَارِهِ وَخَبَايَاهُْ. كَمَا كَانَ مِنْ وَاجِبِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ) تَنْبِيهُ كُلِّ مَنْ أَرَادَ التَّصَدِّيَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ أَنْ لَا يَنْسَى رَبَّهُْ، لِأَنَّ النَّتِيجَةَ لَنْ تَخْتَلِفَ عَنْ مَا حَصَلَ لِقَارُونَْ. وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى نَحْوِ أَنَّ ذَاكَ عِلْمٌ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ بَعْضَ عِبَادِهِْ، وَأَنَّ وَالْهَدَفَ مِنْهُ هِيَ جُمْلَةُ الْوَصَايَا الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ قَارُونَ نَفْسَهُ كَمَا صَوَّرَهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَحْسَنَ تَصْوِيرٍْ:
    "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)" [القصص]

    لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الْمُفْتَرَاةُ الَّتِي وَجَبَ عَلَى عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ – بِرَأْيِنَا - أَنْ يُنْشِئُوا الْأَجْيَالَ الْمُتَعَاقِبَةَ عَلَيْهَا هِيَْ:

    • أَنَّ هُنَاكَ عِلْمًا يَخْتَصُّ بِالْحُصُولِ عَلَى الْكُنُوزِْ.
    • أَنَّ هَذَا عِلْمٌ مَصْدَرُهُ إِلَهِيٌّْ، يُؤْتِيهِ اللَّهُ بَعْضَ عِبَادِهِْ.
    • أَنَّ الْغَايَةَ الْأَسْمَى لِمَنْ يَحْصُلُ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ابْتِغَاءَ الدَّارِ الْآخِرَةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍْ.
    • أَنْ لَا يَنْسَى مَنْ يَحْصُلُ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَاْ.
    • أَنْ يُحْسِنَ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْعِلْمَ إِلَى الْآخَرِينَ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِْ.
    • أَنْ لَا يَبْغِيَ مَنْ يَحْصُلُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَْ.
    • أَنَّ مَنْ يَحْصُلُ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ وَلَا يَتَمَثَّلُ هَذِهِ الْوَصَايَا الْإِلَهِيَّةَ سَتَكُونُ عَاقِبَتُهُ كَمَا كَانَتْ عَاقِبَةُ قَارُونَْ:
      "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)" [القصص]

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْعِلْمُ؟ْ

    جَوَابٌ: هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ النَّبْشَ فِيهِ بَعْدَ قَلِيلٍ سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُْ، فَيُؤْتِيَنَا بِذَلِكَ مَا آتَى قَارُونَْ، وَنَعُوذُ بِهِ أَنْ تَكُونَ نِهَايَتُنَا كَنِهَايَةِ قَارُونَْ، وَنَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّا يَمْتَثِلُ وَصَايَاهُ كَمَا أَمَرَنَا بِهَاْ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.

    لَكِنْ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَْ، نَعُودُ إِلَى طَرْحِنَا الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَتَدَبَّرَ كُلَّ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَتَّى مَا جَاءَ ذِكْرُهُ عَلَى لِسَانِ مَنْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ كَفِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَهُمُ الَّذِينَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ عِنْدَمَا أَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ:

    "قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (51)" [الزمر]

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ فِي الْعِلْمِ؟ْ

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ قَدْ غَفَلَ طَوِيلًا عَنْ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ فِرْعَوْنَْ، فَمَا حَمَلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ بِالتَّدَبُّرِْ، وَمَا تَرَكُوا الْعَامَّةَ مِنَ النَّاسِ (مِنْ مِثْلِي) يَتَفَكَّرُونَ فِيهِْ. فَغَالِبًا مَا يَسْخَرُ الْكَثِيرُونَ مِنْ تَوْجِيهِ فِرْعَوْنَ لِهَامَانَ بِالْقَوْلِْ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)" [غافر]

    فَخَلَتْ مُؤَلَّفَاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْبَحْثِ فِي مُفْرَدَاتِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إِلَّا مِنْ بَابِ التَّكْذِيبِ وَالتَّنْدِيدِ بِقَوْلِ فِرْعَوْنَ وَالْوَعِيدِ لَهُ بِالنَّارِْ. فَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِيمَا وَصَلَنَا مِنْ آرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ مَثَلًا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36)" [غافر]
    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ
    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا وَعَظَهُ الْمُؤْمِنُ مِنْ آلِهِ بِمَا وَعَظَهُ بِهِ وَزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسَى نَبِيِّ اللَّهِ وَحَذَّرَهُ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عَلَى قِيلِهِ أَقْتُلُهُ مَا حَذَّرَهُ لِوَزِيرِهِ وَزِيرِ السُّوءِ هَامَانَ : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } يَعْنِي بِنَاءً . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّرْحِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأَسْبَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَسْبَابُ السَّمَوَاتِ : طُرُقُهَا . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23400 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ , قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنِ السُّدِّيِّ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ { أَسْبَابُ السَّمَوَاتِ } قَالَ : طُرُقُ السَّمَوَاتِ . 23401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ { أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ } قَالَ : طُرُقُ السَّمَوَاتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِأَسْبَابِ السَّمَوَاتِ : أَبْوَابُ السَّمَوَاتِ . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23402 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ , قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بِهَذَا الْآجُرِّ وَطَبَخَهُ { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ } : أَيْ أَبْوَابَ السَّمَوَاتِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ مَنْزِلُ السَّمَاءِ . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23403 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ : { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ } قَالَ : مَنْزِلُ السَّمَاءِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ , أَنَّ السَّبَبَ : هُوَ كُلُّ مَا تَسَبَّبَ بِهِ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا يُطْلَبُ مِنْ حَبْلٍ وَسُلَّمٍ وَطَرِيقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : مَعْنَاهُ لَعَلِّي أَبْلُغُ مِنْ أَسْبَابِ السَّمَوَاتِ أَسْبَابًا أَتَسَيَّبُ بِهَا إِلَى رُؤْيَةِ إِلَهِ مُوسَى , طُرُقًا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ مِنْهَا , أَوْ أَبْوَابًا , أَوْ مَنَازِلَ , أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

    وَانْظُرْ فِيمَا وَصَلَنَا فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَاْ:

    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ
    يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَعُتُوِّهِ وَتَمَرُّدِهِ وَافْتِرَائِهِ فِي تَكْذِيبِهِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ أَمَرَ وَزِيرَهُ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا وَهُوَ الْقَصْرُ الْعَالِي الْمُنِيفُ الشَّاهِقُ وَكَانَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْآجُرِّ الْمَضْرُوبِ مِنَ الطِّينِ الْمَشْوِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا " وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْبِنَاءَ بِالْآجُرِّ وَأَنْ يَجْعَلُوهُ فِي قُبُورِهِمْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

    التَّسَاؤُلَاتُْ

    • هَلْ حَاوَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يَجْلِبُوا انْتِبَاهَ الْعَامَّةِ إِلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ جَادًّا فِيمَا قَالَهُ لِهَامَانَ؟ْ
    • وَهَلْ حَاوَلَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُنَبِّهُوا الْعَامَّةَ أَنَّ هَامَانَ قَدْ عَمَدَ فِعْلًا إِلَى تَنْفِيذِ أَوَامِرِ فِرْعَوْنَ عَلَى الْفَوْرِ؟ْ
    • هَلْ نَبَّهَ أَهْلُ الْعِلْمِ النَّاسَ إِلَى أَنَّ هَامَانَ كَانَ فِعْلًا يَعْلَمُ كَيْفَ يَبْنِي ذَلِكَ الصَّرْحَ؟ْ
    • فَهَلْ فَكَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ كَيْفَ أَوْقَدَ هَامَانُ لِفِرْعَوْنَ عَلَى الطِّينِ حَتَّى جَعَلَ لَهُ صَرْحًا مَكَّنَهُ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ؟ْ
    • هَلْ تَفَكَّرَ النَّاسُ كَيْفَ بَلَغَ فِرْعَوْنُ الْأَسْبَابَ؟ْ
    • وَهَلْ تَوَصَّلَ أَحَدٌ إِلَى مَا فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ عِنْدَمَا بَلَغَ الْأَسْبَابَ؟ْ
    • وَهَلْ فَهِمَ أَحَدٌ كَيْفَ اطَّلَعَ فِرْعَوْنُ فِعْلًا إِلَى إِلَهِ مُوسَى؟ْ
    • وَهَلْ أَخْبَرَنَا أَحَدٌ بِمَا وَجَدَ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنِ اطَّلَعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى مِنْ خِلَالِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ؟ْ
    • الخ.ْ

    لَعَلَّ مُجَرَّدَ طَرْحِ مِثْلِ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ تَنْقُلُ صَاحِبَهَا (حَسَبَ فَتَاوَى الْأَزْهَرِ وَهَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ وَرَثَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ السَّابِقِينَ مِنْ طَرَفِ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ وَحَسَبَ صُكُوكِ عَدَمِ الْغُفْرَانِ الَّتِي يُصْدِرُهَا أَصْحَابُ الْحَوْزَاتِ الْعِلْمِيَّةِ مِنْ طَرَفِ الْإِسْلَامِ الْآخَرِ) إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِْ، وَرُبَّمَا لَا يَتَرَدَّدُونَ جَمِيعًا فِي إِصْدَارِ فَتْهَاوِيهِمُ الْخَاصَّةِ (أَيْ صُكُوكِ عَدَمِ غُفْرَانِهِمْ لِمَنْ خَالَفَهُمْ) بِرِدَّةِ الْمُتَسَائِلِ وَزَنْدَقَتِهِ وَرُبَّمَا تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ وَاسْتِبَاحَةِ دَمِهِ وَمَالِهِْ.

    رَأْيُنَا: لَمَّا كُنَّا قَدْ تَعَهَّدْنَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ أَنْ نَتَقَبَّلَ تَبِعَاتِ جُرْأَتِنَا عَلَيْهِمْ مَهْمَا كَانَتْ نَتَائِجُهَاْ، لَمْ يَعُدْ يَعْنِينَا مَا يَقُولُونَ إِطْلَاقًاْ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ يَقَعُ مِنَّا مَوْقِعَ ... فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِْ. فَكَمَا قَدْ يَتَّهِمُونَنَا بِالزَّنْدَقَةِ وَالْكُفْرِْ، فَإِنَّنَا لَا نَتَرَدَّدُ أَنْ نَتَّهِمَهُمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يَوْمًا عَنْ طُغْيَانِهِمْ عِنْدَمَا مَنَعُوا النَّاسَ مِنْ تَدَبُّرِ كِتَابِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُْ، وَنَحْنُ نَتَّهِمُهُمْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَدَّمُوا مَا أَلِفُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِْ، فَمَثَلُهُمْ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُهُ) كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًْ. وَهُمْ بِذَلِكَ إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْْ. وَلَمَّا كَانَ هَدَفُنَا الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ أَنْ نُقَدِّمَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَا وَصَلَنَا مِنْ عِنْدِ الْآبَاءِْ، فَإِنَّنَا لَنْ نَعْدَمَ الثِّقَةَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا بِكَلِمَاتِهِ الَّتِي يُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ إِلَى نُورِهِ الَّذِي أَبَى إِلَّا أَنْ يُتِمَّهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَْ. وَهُوَ رَبِّي الَّذِي أَسْأَلُهُ عَلَى الدَّوَامِ أَنْ يُنْفِذَ قَوْلَهُ وَأَمْرَهُ بِمَشِيئَتِهِ لِي وَإِرَادَتِهِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِيْ، وَهُوَ الَّذِي أَسْأَلُهُ الْآنَ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي وَأَنْ يَجْعَلَنِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍْ، وَهُوَ الَّذِي أَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَْ:

    "إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)" [هود]

    آمِينَْ

    أَمَّا بَعْدُْ،

    سَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْمَقَالَةِ وَفِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَنْ نَخُوضَ فِي عِلْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ لِبَعْضِ عِبَادِهِ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْوَازِعِ الْإِيمَانِيِّ الَّذِي كَانَ يُحَرِّكُهُمْ) أَنْ يُحِيطُوا بِهَا عِلْمًاْ، وَهُمَاْ:

    • عِلْمُ قَارُونَْ
    • عِلْمُ فِرْعَوْنَْ

    وَلْنَبْدَأِ النِّقَاشَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ بِعِلْمِ قَارُونَ طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَْ:

    • مَنْ هُوَ قَارُونُ هَذَا؟ْ
    • مَا هُوَ عِلْمُ قَارُونَ؟ْ
    • كَيْفَ حَصَلَ قَارُونُ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ؟ْ
    • مَا هِيَ أَدَوَاتُ ذَلِكَ الْعِلْمِ؟ْ
    • أَيْنَ ذَهَبَ عِلْمُ قَارُونَ؟ْ
    • هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَعِيدَ ذَلِكَ الْعِلْمَ؟ْ
    • هَلْ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟ْ
    • مَاذَا سَتَكُونُ عَوَاقِبُ ذَلِكَ التَّطْبِيقِ (إِنْ حَصَلَ)؟ْ
    • الخ.ْ

    مَنْ هُوَ قَارُونُ؟ خَلْفِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ

    فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى، زَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ كَانَا أَخَوَيْنِ اثْنَيْنِ يُقَابِلُهُمَا فِي ذَلِكَ مُوسَى وَهَارُونُْ. كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ مُوسَى كَانَ الْأَخَ غَيْرَ الشَّقِيقِ لِهَارُونَْ، فَمُوسَى هُوَ أَخُو هَارُونَ مِنْ أُمِّهِْ:

    "قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)" [طه]
    "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)" [الأعراف]
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ هَارُونُ (كَمَا نَزْعُمُ) مِنَ الْفَرَاعِنَةِ بَيْنَمَا كَانَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالنِّسْبَةِ لِسُلَالَةِ الْعِرْقِْ.

    كَمَا افْتَرَيْنَا بِأَنَّ الْمُلْكَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَدْ آلَ إِلَى الْفَرَاعِنَةِ بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا هُمْ مُلُوكَ مِصْرَ مِنْ بَعْدِ يُوسُفَْ. فَقَدِ اسْتَتَبَّ الْأَمْرُ فِي مِصْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِ يُوسُفَ وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ يَعْقُوبُ بِكُلِّ أَهْلِهِ مِصْرَ قَادِمًا مِنَ الْبَدْوِْ:

    "اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)" [يوسف]
    "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)" [يوسف]

    وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَرْضِ مِصْرَ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ فَكَانُوا مُلُوكًا كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى مُخَاطِبًا قَوْمَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَْ:

    "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20)" [المائدة]

    وَمَا أَنْ حَصَلَ الْخِلَافُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ سِنِينَ مِنْ هَلَاكِ يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ دَبَّ الْجَدَلُ بَيْنَهُمْ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍْ:

    "وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)" [غافر]

    حَتَّى اسْتَغَلَّ الْمِصْرِيُّونَ هَذَا الْخِلَافَْ، وَتَمَكَّنُوا عَلَى يَدِ الْفَرَاعِنَةِ (الْأُسْرَةِ الْحَاكِمَةِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ) مِنَ الْإِطَاحَةِ بِحُكْمِ الْمُلُوكِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَْ، فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ مِنَ النِّظَامِ الْمَلَكِيِّ الْإِسْرَائِيلِيِّ إِلَى الْحُكْمِ الْفِرْعَوْنِيِّ الْمِصْرِيِّْ. وَكَانَ أَبْرَزُ الْمُعَادِينَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ آلُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أَخَذُوا يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِْ:

    "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)" [البقرة]
    "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)" [إبراهيم]

    وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْوَضْعُ حَتَّى يَوْمِ مَوْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ الَّذِي كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ كَمَا كَانَ عَدُوًّا لِمُوسَى نَفْسِهِْ، وَهَذَا الْفِرْعَوْنُ هُوَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) مَنْ تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُْ:

    "أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)" [طه]

    وَهُوَ مَنْ كَانَتِ امْرَأَتُهُ قَدْ طَلَبَتْ عَدَمَ قَتْلِ مُوسَىْ:

    "وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)" [القصص]

    فَكَانَ مُوسَى فِي حِمَايَتِهَا حَتَّى وَفَاتِهَا عِنْدَمَا طَلَبَتْ مِنْ رَبِّهَاْ:

    "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)" [التحريم]

    عِنْدَهَا خَرَجَ مُوسَى هَارِبًا مِنَ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ – بِرَأْيِنَا - أَصْبَحَ يَفْتَقِدُ نَصِيرَهُ الْأَوَّلَ فِي الْقَصْرِ الْفِرْعَوْنِيِّْ، وَظَلَّ مُوسَى هَارِبًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَآلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ كَادَ مُوسَى أَنْ يَبْطِشَ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِْ:

    "فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)" [القصص]

    لِذَاْ، نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّهُ عِنْدَمَا نَاصَبَ مُوسَى (الْمُصْلِحُ) فِرْعَوْنَ (الْمُفْسِدَ) الْعَدَاءَْ، لَمْ يَجِدْ لَهُ مَكَانًا فِي أَرْضِ مِصْرَْ، فَهَرَبَ هُرُوبَهُ الْأَوَّلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ حَتَّى آتَاهُ اللَّهُ حُكْمًا وَعِلْمًا عِنْدَمَا بَلَغَ أَشُدَّهُ هُنَاكَْ:

    "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)" [القصص]

    وَمَا عَادَ مُوسَى إِلَى الْمَدِينَةِ (الْعَاصِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ لِفِرْعَوْنَ) إِلَّا يَوْمَ مَوْتِ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّ مُوسَىْ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَصْبَحَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا فِي غَفْلَةٍ (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا)ْ، عِنْدَهَا طَلَّتْ رُؤُوسُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِتَرْتَفِعَ مِنْ جَدِيدٍ فِي ثَوْرَةٍ عَارِمَةٍ ضِدَّ الِاسْتِبْدَادِ الْفِرْعَوْنِيِّ فَعَادَ مُوسَى لِيُنَاصِرَ مَنْ هُمْ مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَدُوِّهِْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ أَنْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عَدُوِّهِ بِنَاءً عَلَى طَلَبٍ بِالْمُسَانَدَةِ مِنَ الَّذِي هُوَ مِنْ شِيعَتِهِْ:

    "وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)" [القصص]

    لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الْكِفَّةُ لَازَالَتْ تَرْجَحُ لِصَالِحِ الْفَرَاعِنَةِ اضْطُرَّ مُوسَى لِلْهُرُوبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ أَنْ نَصَحَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَهُ يَسْعَى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ لِيُخْبِرَهُ نَاصِحًا بِتَآمُرِ الْمَلَأِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِهِْ:

    "وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)" [القصص]

    وَهُنَا خَرَجَ مُوسَى هَارِبًا مَرَّةً أُخْرَى وَلَكِنَّ الرِّحْلَةَ حَطَّتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي مَدْيَنَْ:

    "فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)" [القصص]

    وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ اعْتَلَى فِرْعَوْنُ شَابٌّ جَدِيدٌ عَرْشَ مِصْرَْ، فَتَوَعَّدَ بِتَقْتِيلِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاسْتِحْيَاءِ نِسَائِهِمْ مَادَامَ أَنَّهُمْ قَدْ أَصْبَحُوا فَوْقَهُمْ قَاهِرِينَْ:

    "وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)" [الأعراف]

    فَكَانَ هَذَا الْفِرْعَوْنُ الْجَدِيدُ هُوَ مَنْ عَادَ إِلَيْهِ مُوسَى بِالرِّسَالَةِ بِالتَّوْجِيهِ الْإِلَهِيِّ التَّالِيْ:

    "اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)" [طه]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ قِصَّةُ مُوسَى)ْ.

    السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ قَارُونُ؟ْ

    رَأْيُنَا: إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ مُوسَى قَدْ تَرَبَّى فِي كَنَفِ فِرْعَوْنَ (وَهُوَ مَا أَطْلَقْنَا عَلَيْهِ لَقَبَ فِرْعَوْنِ الطُّفُولَةِ فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ) وَعَادَ بِالرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ آخَرَ (وَهُوَ مَا أَسْمَيْنَاهُ فِرْعَوْنَ الرِّسَالَةِ فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ)ْ، وَهُوَ مَنْ خَاطَبَ نَفْسَهُ مُوسَى قَائِلًاْ:

    "قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)" [الشعراء]

    لِنَصِلَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ إِلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ التَّالِيْ: تَرَبَّى مُوسَى مَعَ هَارُونَ فِي بَيْتِ وَالِدِ هَارُونَ الَّذِي هُوَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَتَرَبَّى قَارُونُ وَفِرْعَوْنُ فِي بَيْتٍ آخَرَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَْ. وَكَانَا هَذَانِ الْبَيْتَانِ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِ السُّلْطَةِ فِي مِصْرَ حِينَئِذٍْ، لِتُصْبِحَ الصُّورَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:

    الْبَيْتُ الْأَوَّلُ الْبَيْتُ الثَّانِي
    مُوسَى وَهَارُونُ فِرْعَوْنُ وَقَارُونُ

    كَمَا نَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ الِافْتِرَاءِ التَّالِي الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ فِي مَقَالَتِنَا عَنْ قِصَّةِ مُوسَى أَلَا وَهُوَ أَنَّ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ كَانَ بَيْتَ نَبِيِّ اللَّهِ ذِي الْكِفْلِ الَّذِي كَفَلَ مُوسَى عِنْدَمَا تَزَوَّجَ أُمَّهُ بَعْدَ وِلَادَةِ مُوسَىْ:

    "وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)" [القصص]
    "إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)" [طه]

    وَكَانَ ذُو الْكِفْلِ هَذَا هُوَ (نَحْنُ لَا نَزَالُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَْ:

    "وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)" [غافر]

    كَمَا كَانَ ذُو الْكِفْلِ هَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرَ الْأَوَّلَ فِي سِيرَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي طَلَبَتِ النَّجَاةَ بِالْمَوْتِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِْ:

    "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)" [التحريم]

    فَأَصْبَحَ نَبِيُّ اللَّهِ ذُو الْكِفْلِ وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ هُمَا الْمُدَافِعَيْنِ عَنْ مُوسَى (وَلِيدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَمَامَ جَبَرُوتِ وَتَسَلُّطِ الْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِْ.

    فَنَشَأَ مُوسَى فِي بِيئَةٍ فِرْعَوْنِيَّةٍ مُحَاطٌ بِهَارُونَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَْ، وَهُنَا وَجَدَ مُوسَى الْعِلْمَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعِ الْحُصُولَ إِلَّا عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَهُوَ الْعَصَا الَّتِي هَرَبَ بِهَا مِنْ بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِْ، وَهِيَ الْعَصَا الَّذِي ظَلَّ مُوسَى مُتَّكِأً عَلَيْهَاْ، يُحَاوِلُ أَنْ يُفَرِّطَ بِهَا لِأَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مِلْكِيَّتَهَا تَعُودُ إِلَيْهِ فَقَطْ كَمَا جَاءَ فِي رَدِّهِ عَلَى سُؤَالِ رَبِّهِ عَنْهَا فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِْ:

    "وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)" [طه]

    نَتِيجَةٌ: هَرَبَ مُوسَى مِنْ بَيْتِ آلِ فِرْعَوْنَ يَحْمِلُ الْعَصَاْ، وَهِيَ لَا شَكَّ الصَّيْدُ الْأَثْمَنُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَعَهَّدَ لَهُ بِأَنْ يُعِيدَهَا لَهُ سِيرَتَهَا الْأُولَىْ:

    "وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)" [طه]

    كَمَا حَصَلَ مُوسَى عَلَى آيَةٍ أُخْرَى وَهِيَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مُكَمِّلًا السِّيَاقَ السَّابِقَْ:

    "وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)" [طه]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: حَصَلَ مُوسَى عَلَى آيَتَيْنِ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ: الْعَصَا وَالْيَدُْ.

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهِ مُوسَى مِنَ الْعِلْمِ؟ْ

    رَأْيُنَا: إِنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى يَطْلُبُهُ عَلَى يَدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَ اتِّبَاعَهُْ:

    "قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)" [الكهف]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا طَلَبَ مُوسَى إِتْبَاعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّ مُوسَى قَدْ تَعَجَّلَ بِالْهُرُوبِ مِنْ بَيْتِ آلِ فِرْعَوْنَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِْ.

    السُّؤَالُ: وَمَاذَا لَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ مُوسَى بِالْهُرُوبِ مِنْ هُنَاكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ مُوسَى بِالْهُرُوبِ مِنْ بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ لَرُبَّمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَعَلَّمَ فِي بَيْتِ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا ذَهَبَ يَطْلُبُهُ مِنْ صَاحِبِهِْ.

    السُّؤَالُ: وَهَلْ كَانَ عِلْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَ مُوسَى أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ مَوْجُودًا فِي بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْْ، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ ذَاكَ الرَّجُلُ مِنْ عِلْمٍ كَانَ مُتَوَافِرًا فِي بَيْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِْ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ قَارُونُ وَفِرْعَوْنُْ.

    الدَّلِيلُْ

    لِلْبَحْثِ عَنِ الدَّلِيلِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّاْ، كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا بِدَايَةً أَنْ نَفْهَمَ مَا كَانَ مِنْ عِلْمِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى طَالِبًا صُحْبَتَهُْ:

    "قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)" [الكهف]

    فَلَوْ تَفَقَّدْنَا مَا كَانَ لَدَى ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ الْعِلْمِ لَوَجَدْنَا بِدَايَةً أَنَّ مَصْدَرَهُ اللَّهُ نَفْسُهُْ:

    "فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65)" [الكهف]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا جُزْئِيَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ لَوَجَدْنَا أَنَّ أَحَدَ جَوَانِبِهِ يَتَعَلَّقُ بِالْكُنُوزِْ:

    "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)" [الكهف]

    إِنَّ جُلَّ مَا نَوَدُّ إِثَارَتَهُ هُنَا هُوَ سُؤَالٌ وَاحِدٌْ: مَاذَا لَوْ اسْتَخْدَمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ بِالْكُنُوزِ لِمَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ؟ْ أَيْ مَاذَا لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْخُذُ كُلَّ كَنْزٍ يَجِدُهُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ فَيَكْنِزُهُ فِي مَخَازِنِهِ؟ْ أَلَا يُصْبِحُ بِذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ الْكُنُوزِ الْعَظِيمَةِ؟ْ أَلَنْ يُنَافِسَ قَارُونَ فِي ذَلِكَ؟ْ الخ.ْ

    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ قَارُونَ كَانَ يَحْصُلُ عَلَى الْكُنُوزِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا صَاحِبُ مُوسَى مَعَ فَارِقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ فِي حِينِ أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى كَانَ لَا يَتَعَدَّى عَلَى أَمْوَالِ الْآخَرِينَ فَيَتْرُكُ الْكُنُوزَ لِأَصْحَابِهَا كَانَ قَارُونُ يَحُوزُهَا لِنَفْسِهِْ.

    السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا قَارُونُ لِلْحُصُولِ عَلَى الْكُنُوزِ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا: إِنَّهَا الْبَصَرُْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ الْعِلْمَ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنْ إِبْصَارِ الْكُنُوزِ الَّتِي فِي بَاطِنِ الْأَرْضِْ، فَلَقَدْ كَانَ بَصَرُهُ ثَاقِبًا كَمَا كَانَ بَصَرُ الرَّجُلِ الَّذِي صَحِبَهُ مُوسَى وَهُوَ الَّذِي رَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا تَحْتَ الْجِدَارِ مِنْ كَنْزِ الْيَتِيمَيْنِْ، وَلَكِنَّ وَازِعَهُ الْإِيمَانِيَّ دَلَّهُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَنْزَ هُوَ مِنْ حَقِّ الْيَتِيمَيْنِْ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى لِتَرَى كَيْفَ بَيَّنَ الرَّجُلُ أَنَّ الْكَنْزَ مِنْ حَقِّ الْيَتِيمَيْنِْ، وَهُوَ مَا دَفَعَهُ لِبِنَاءِ الْجِدَارِ لِيَحْفَظَ لَهُمَا كَنْزَهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَاهُ مَعًاْ:

    "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)" [الكهف]

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: لَابُدَّ أَنَّ بَصَرَ الرَّجُلِ كَانَ ثَاقِبًا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِبَصَرِهِ مَا لَا يَرَاهُ الْآخَرُونَ مِنْ حَوْلِهِْ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ يَرَى ذَلِكَ؟ وَكَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لَابُدَّ أَنَّ الْغِشَاوَةَ قَدْ كُشِفَتْ عَنْ بَصَرِهِْ، فَأَصْبَحَ بَصَرُهُ ثَاقِبًاْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُ قَدْ أَصْبَحَ حَدِيدًاْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ كَانَ بَصَرُهُ حَدِيدًا؟ْ

    "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)" [ق]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا يُكْشَفُ الْغِطَاءُ عَنِ الشَّخْصِ يُصْبِحُ بَصَرُهُ حَدِيدًاْ.

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يُصْبِحَ الْبَصَرُ حَدِيدًا؟ وَهَلْ يَقَعُ هَذَا فِي بَابِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ مَثَلًا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كُنَّا نُؤْمِنُ يَقِينًا بِنَفْيِ الْمَجَازِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عَنْ كَلَامِ اللَّهِ الْحَقِيقِيِّْ، أَصْبَحْنَا مَدِينِينَ لِمَنْ خَالَفَنَا الرَّأْيَ أَنْ نُبَيِّنَ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَصَرُ حَدِيدًاْ، فَهَلْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُصْبِحَ بَصَرِي أَوْ بَصَرُكَ حَدِيدًا؟ْ وَهَلْ كَانَ بَصَرُ صَاحِبِ مُوسَى حَدِيدًا؟ْ وَهَلْ كَانَ بَصَرُ قَارُونَ أَيْضًا حَدِيدًا؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ؟ْ

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؟ْ

    بَابُ الْحَدِيدِْ

    عِنْدَ بَحْثِنَا عَنِ الْمُفْرَدَةِ "حَدِيدٌ" فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّْ، وَجَدْنَا أَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي السِّيَاقَاتِ التَّالِيَةِْ:

    "قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)" [الإسراء]
    "آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (69)" [الكهف]
    "وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)" [الحج]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)" [سبأ]
    "لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)" [ق]
    "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)" [الحديد]

    فَظَنَنَّا أَنَّ هُنَاكَ مَادَّةً مُعَيَّنَةً تُسَمَّى بِالْحَدِيدِْ، وَهِيَ الَّتِي تَقَابَلَتْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ مَعَ الْحِجَارَةِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ:

    "قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50)" [الإسراء]

    وَرُبَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ لِتُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ الْحَدِيدَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِْ:

    "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)" [البقرة]

    وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ كَانَتْ مَقَامِعُ بَعْضِ أَهْلِ النَّارِ مِنْ حَدِيدٍْ:

    "وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)" [الحج]

    كَمَا أَنَّ لِلْحَدِيدِ زُبَرًا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ نَارًا كَمَا طَلَبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُ حِينَئِذٍْ:

    "آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (69)" [الكهف]

    فَكَانَ لَابُدَّ مِنَ الَّذِي يُرِيدُ الِاسْتِفَادَةَ مِنَ الْحَدِيدِ أَنْ يُلَيِّنَهُ (أَيْ أَنْ يَجْعَلَهُ لَيِّنًا) كَمَا حَصَلَ مَعَ دَاوُودَ الَّذِي أَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَْ:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)" [سبأ]

    وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ جَاءَنَا الْحَدِيدُ إِنْزَالًا مِنَ السَّمَاءِْ، فَكَانَ فِيهِ شَيْئَانِ اثْنَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَاْ:

    1. الْبَأْسُ الشَّدِيدُ (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)ْ.
    2. الْمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)ْ.
    "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)" [الحديد]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: إِذَا كَانَ الْحَدِيدُ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَهُوَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ رُبَّمَا فِي حَرْبِهِمْ ضِدَّ عَدُوِّهِمْ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ قَوْمِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مِنْ سَبَأٍْ:

    "قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)" [النمل]

    فَمَا هِيَ الْمَنَافِعُ الَّتِي يَكْسِبُهَا النَّاسُ مِنَ الْحَدِيدِ؟ْ

    بَابُ الْمَنَافِعِْ

    بِدَايَةً، تُشِيرُ كَثِيرٌ مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إِلَى التَّقَابُلِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ مِنْ جِهَةٍ وَالضُّرِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ:

    "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)" [البقرة]
    "وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (123)" [البقرة]
    "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)" [البقرة]
    "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)" [النساء]
    "قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)" [المائدة]
    "قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)" [المائدة]
    "قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)" [الأنعام]
    "هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158)" [الأنعام]
    "قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)" [الأعراف]
    "وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)" [يونس]
    "قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)" [يونس]
    "فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (98)" [يونس]
    "وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)" [يونس]
    "وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)" [هود]
    "قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)" [الرعد]
    "أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)" [الرعد]
    "أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)" [طه]
    "يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)" [طه]
    "قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)" [الأنبياء]
    "يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)" [الحج]
    "يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ۚ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)" [الحج]
    "وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)" [الفرقان]
    "وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)" [الفرقان]
    "أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)" [الشعراء]
    "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)" [الشعراء]
    "فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)" [الروم]
    "قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (29)" [السجدة]
    "قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)" [الأحزاب]
    "وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)" [سبأ]
    "فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)" [سبأ]
    "يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)" [غافر]
    "فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)" [غافر]
    "وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)" [الزخرف]
    "سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)" [الفتح]
    "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)" [الذاريات]
    "لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)" [الممتحنة]
    "فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)" [المدثر]
    "أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ (4)" [عبس]
    "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ (9)" [الأعلى]

    لَكِنْ هَذَا يَدْعُونَا إِلَى طَرْحِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي عَلَى الْفَوْرِ: كَيْفَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ؟ْ

    افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ وَمُهِمٌّ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَ لَهَا عَلَاقَةٌ بِالطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ أَوِ الدِّفْءِ أَوِ الْمَرْكَبِْ. انْتَهَىْ.

    الدَّلِيلُْ

    لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ التَّلَازُمَ بَيْنَ الدِّفْءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَنْفَعَةِْ:

    "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)" [النحل]
    "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)" [المؤمنون]
    "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)" [يس]
    "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)" [غافر]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: مَادَامَ أَنَّ لَنَا فِي الْأَنْعَامِ مَنَافِعَ وَمِنْهَا نَأْكُلُْ، وَمَادَامَ أَنَّ لَنَا فِيهَا مَنَافِعَ وَمَشَارِبَْ، وَمَادَامَ أَنَّ لَنَا فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُْ، وَمَادَامَ أَنَّنَا نَرْكَبُهَا وَلَنَا فِيهَا مَنَافِعُْ، فَإِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ هِيَ شَيْءٌ يَخْتَلِفُ تَمَامًا عَنِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالرُّكُوبِْ، فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالدِّفْءُ وَالرُّكُوبُ الَّذِي نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْعَامِ لَا يَدْخُلُ ضِمْنَ نِطَاقِ الْمَنْفَعَةِْ.

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: مَا هِيَ الْمَنْفَعَةُ إِذَنْ إِذَا لَمْ تَكُنْ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ دِفْئًا أَوْ مَرْكَبًا؟ْ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةًْ، كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْفَعَنَا الْأَنْعَامُ فِي غَيْرِ مَا نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالرُّكُوبِ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ الْإِجَابَةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّسَاؤُلِْ، فَلَابُدَّ مِنْ تَدَبُّرِ مَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ عَنِ الْمَنْفَعَةِْ.

    أَوَّلًا، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ أَنَّنَا نَحْصُلُ عَلَى الْمَنَافِعِ مِنَ الْخَمْرِْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)" [البقرة]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: مَا هِيَ الْمَنَافِعُ الَّتِي تَتَحَصَّلُ مِنَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ؟ْ

    ثَانِيًا، يَأْتِي النَّاسُ لِلْحَجِّ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ:

    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)" [الحج]

    ثَالِثًا، الْأَنْعَامُ الَّتِي أُحِلَّتْ لَنَا فِي الْحَجِّ هِيَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ الَّتِي لَنَا فِيهَا مَنَافِعُ كَمَا نَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَىْ:

    "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)" [الحج]

    رَابِعًا، جَاءَتِ الْمَنَافِعُ مَعَ الْحَدِيدِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَاْ:

    "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)" [الحديد]

    خَامِسًا، كَانَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَتِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ فَيَأْخُذُهُ إِلَى بَيْتِهِ عِنْدَ امْرَأَتِهِ لِيَتَرَبَّى هُنَاكَ هُوَ ظَنُّهُ بِأَنَّ يُوسُفَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَعَهُمَاْ:

    "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (25)" [يوسف]

    وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْهَدَفَ نَفْسَهُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَبْقَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ عَلَى حَيَاةِ الطِّفْلِ مُوسَىْ، فَمَنَعَتْ عَنْهُ الْقَتْلَ الَّذِي كَانَ لَا مَحَالَةَ سَيُصِيبُهُ لَوْلَا وَسَاطَتُهَا بِالْأَمْرِْ:

    "وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)" [القصص]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ إِذَنْ؟ْ

    رَأْيُنَا: دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ مِنْ عِنْدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّ فِي تَرْبِيَةِ يُوسُفَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلِامْرَأَتِهِ وَكَذَلِكَ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَهِيَ الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّ فِي الْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى مَنْفَعَةً لَهَا وَرُبَّمَا لِمَنْ حَوْلَهَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِمَنْ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُْ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُوسَى أَنْ يَنْفَعَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ هُمْ مِنْ حَوْلِهَا بِمَنْ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ؟ْ

    رَأْيُنَا: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالدِّفْءُ وَالْمَرْكَبُْ، فَفِرْعَوْنُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَخْصٍ يَجْلِبُ لَهُ الْمَأْكَلَ أَوِ الْمَشْرَبَ أَوِ الدِّفْءَ أَوِ الْمَرْكَبَةَْ، فَهُوَ فِي غِنًى عَنِ الْحُصُولِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ تَرْبِيَةِ طِفْلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِهِْ، وَكَذَلِكَ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا - هُوَ الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِامْرَأَةِ فِرْعَوْنَْ، فَهِيَ امْرَأَةٌ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) لَا يَنْقُصُهَا شَيْءٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَاْ، فَهِيَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ السَّيِّدَةُ الْأُولَى الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهَا عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ كُلُّ مَا تَشْتَهِي وَتَرْغَبُ مِنْ نِعَمِ الْحَيَاةِ تِلْكَ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالْمَرْكَبِْ، لَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ تَقُولُ بِمِلْءِ فِيهَا بِأَنَّ هَذَا الصَّبِيَّ قَدْ يَنْفَعُهُمَا (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ.

    وَالْمَنْطِقُ نَفْسُهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) يَنْطَبِقُ عَلَى مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَْ، فَنَحْنُ لَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدِ اشْتَرَى يُوسُفَ لِمَغْنَمٍ دُنْيَوِيٍّ سَوَاءً فِي الْعَاجِلِ الْقَرِيبِ أَوْ فِي الْبَعِيدِ الْمَنْظُورِْ. لَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَْ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي شِرَائِهِ لِيُوسُفَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلِزَوْجِهِ عَلَى الْأَقَلِّ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ.

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي سَيَجْنِيهَا كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ تَرْبِيَةِ غُلَامٍ صَغِيرٍ (يُوسُفَ وَمُوسَى) فِي بَيْتَيْهِمَا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَفَقَّدْنَا هَذَيْنِ السِّيَاقَيْنِ الْقُرْآنِيَّيْنِ جَيِّدًاْ، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الْهَدَفَ فِي كِلَا الْحَالَتَيْنِ كَانَ ثُنَائِيًّا (الْمَنْفَعَةُ وَاتِّخَاذُ الْوَلَدِ) كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ وَكَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَْ:
    • الْمَنْفَعَةُ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ
    • اتِّخَاذُ الْوَلَدِ (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)ْ

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ سَابِقَةٌ لِاتِّخَاذِ الْوَلَدِ فِي كِلَا الْحَالَتَيْنِ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)ْ، مِمَّا يَدْفَعُنَا عَلَى الْفَوْرِ لِاسْتِنْبَاطِ الِافْتِرَاءِ التَّالِيْ: الْمَنْفَعَةُ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ (وَهِيَ سَابِقَةٌ لِـ) اتِّخَاذِ الْوَلَدِْ. فَلِمَاذَا؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ السِّينَارِيُوهَاتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هِيَ فِي ظَنِّنَا اثْنَيْنِ فَقَطْْ:

    • قَدْ تَتَّخِذُ وَلَدًا وَيَنْفَعُْ
    • قَدْ تَتَّخِذُ وَلَدًا وَلَا يَنْفَعُْ

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ هِيَ أَنَّ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ شَيْءٌ وَالْمَنْفَعَةَ شَيْءٌ آخَرُ وَقَدْ لَا يَتَلَاقَيَانِْ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ – بِرَأْيِنَا - مُتَعَلِّقَةٌ بِالْآخِرَةِ عِنْدَمَا لَا يُصْبِحُ لِلْأَرْحَامِ وَالْأَوْلَادِ مَنْفَعَةٌ حِينَئِذٍْ:

    "لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)" [الممتحنة]

    فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تَنْفَعُ الْأَرْحَامُ وَلَا الْأَوْلَادُ لِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ – لَا شَكَّ - تَكُونُ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةًْ:

    "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)" [المدثر]

    لِذَاْ، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَجْنِيَهَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْأَرْحَامِ وَالْأَوْلَادِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا قَدَّمُوا لَكَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ الْآخِرَةِْ:

    "يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)" [النساء]

    فَمَا هِيَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَحْصُلَ عَلَيْهَا مِنَ الْآخَرِينَ فِي الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ أَوْ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَْ:

    "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (25)" [يوسف]
    "وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)" [القصص]
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هُوَ مَا يُقَدِّمُهُ لَكَ الْغَيْرُ لِتَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ غَيْرَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالْمَرْكَبِْ.

    بِنَاءً عَلَى هَذَا الْفَهْمِ الْمُفْتَرَىْ، نَحْنُ نَحْتَاجُ أَنْ نَفْهَمَ الْمَنَافِعَ الَّتِي نَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْعَامِ غَيْرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالدِّفْءِ وَالرُّكُوبِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْكَثِيرَةِْ:

    "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)" [النحل]
    "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)" [المؤمنون]
    "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)" [يس]
    "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)" [النحل]
    "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)" [غافر]

    السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْمَنَافِعُ الَّتِي نَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَنْعَامِ؟ْ

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) رُبَّمَا تَكُونُ هِيَ الْجَوَابَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِْ:

    "وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)" [الحج]

    فَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ هِيَ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِْ، وَلَا شَكَّ – عِنْدَنَا - أَنَّ الْأَنْعَامَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:

    "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)" [الحج]
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَ أَنَّ الْأَنْعَامَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي الْحَجِّْ، فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْهَا هِيَ التَّقْوَى الَّتِي يَنَالُهَا اللَّهُ مِنَّاْ. فَبِمِقْدَارِ مَا تُقَدِّمُ مِنَ الْأَنْعَامِْ، وَبِمِقْدَارِ مَا تُعَظِّمُ مِنْ تِلْكَ الْحُرُمَاتِ تَكُونُ التَّقْوَى الَّتِي يَنَالُهَا اللَّهُ مِنْكَْ.

    السُّؤَالُ: فَمَا هِيَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي كَانَ سَيَجْنِيهَا مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ (وَامْرَأَتُهُ) مِنْ تَرْبِيَةِ يُوسُفَ فِي بَيْتِهِمَا؟ْ وَمَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ تَجْنِيَهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (وَرُبَّمَا فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ) مِنَ الْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا التَّقْوَىْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْأَمْرَ وَقَدْ حَصَلَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: كَانَ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ حَقِيقِيَّةٌ نَاشِبَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَقِيدَةِْ، فَالرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ كَانَ يُعَانِي مِنْ مُشْكِلَةٍ تَخُصُّ الْعَقِيدَةَ مَعَ امْرَأَتِهِْ، وَكَذَلِكَ كَانَ هُنَاكَ خِلَافٌ عَقَدِيٌّ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَامْرَأَتِهِْ. وَنَحْنُ نَتَخَيَّلُ ذَلِكَ الْخِلَافَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ كُلَّ طَرَفٍ مِنْهُمَا كَانَ يُصِرُّ عَلَى مَوْقِفٍ عَقَائِدِيٍّ مُنَاقِضٍ لِمَوْقِفِ الْآخَرِْ، فَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِيمَانِ مِنْهَا لِلْكُفْرِْ، بَيْنَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ – بِالْمُقَابِلِ - أَقْرَبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُ إِلَى الْإِيمَانِْ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ (نَحْنُ لَا نَزَالُ نَتَخَيَّلُ) الْحَالُ بَيْنَ مَنِ اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ مَعَ امْرَأَتِهِْ، فَقَدْ كَانَا عَلَى خِلَافٍ عَقَائِدِيٍّْ. لِذَا كَانَ الْهَدَفُ الْأَوَّلُ مِنْ تَرْبِيَةِ الْغُلَامِ فِي بَيْتِهِمَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) هُوَ رَأْبُ هَذَا الصَّدْعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِْ، وَلَكِنْ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ (إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى هَذَا) أَنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ رُبَّمَا تُجِيبُ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِْ:

    "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)" [الذاريات]
    "أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ (4)" [عبس]
    "فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ (9)" [الأعلى]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْمَنْفَعَةُ قَدْ تَأْتِي مِنَ الذِّكْرَى (أَوِ التَّذْكِيرِ)ْ. فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الذِّكْرَى هِيَ مَا قَدْ يَنْفَعُْ، وَهِيَ لَا شَكَّ تَنْفَعُ الَّذِينَ آمَنُواْ، وَلَكِنَّهَا قَدْ لَا تَنْفَعُ غَيْرَهُمْْ.

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِقَضِيَّةِ تَرْبِيَةِ يُوسُفَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ أَوْ فِي قَضِيَّةِ الْإِبْقَاءِ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ هُوَ صَاحِبُ ذِكْرَى سَتَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَْ. كَمَا نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ كَانَتْ تَعْلَمُ يَقِينًا بِأَنَّ مُوسَى سَيَكُونُ صَاحِبَ ذِكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَْ.

    فَكَيْفَ سَيَحْصُلُ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ الْخِلَافُ عَقَائِدِيًّا بَيْنَ الْأَزْوَاجِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِْ، كَانَتْ مُحَاوَلَةُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ (الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ الَّتِي طَلَبَ الْإِبْقَاءَ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى) هِيَ رَدْعُ الْفَجْوَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ مِنْ جِهَةٍ وَالشَّخْصِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْكُفْرِ مِنْهُ إِلَى الْإِيمَانِْ. فَالرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يَهْدِمَ الْفَجْوَةَ الْإِيمَانِيَّةَ النَّاشِبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجِهِْ، وَلَكِنْ لَمَّا عَجَزَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِْ، كَأَنْ يَأْمَلَ أَنْ يَتِمَّ ذَلِكَ عَلَى يَدِ يُوسُفَ (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا)ْ، فَتَتَحَقَّقُ الْمَنْفَعَةُ الدِّينِيَّةُ لَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَرْبِيَةِ هَذَا الْغُلَامِ فِي بَيْتِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا إِلَى الْيَوْمِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ هُنَاكَ مَالٌ وَلَا بَنُونَْ:

    "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)" [الشعراء]
    "فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)" [الروم]
    "قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (29)" [السجدة]
    "وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)" [سبأ]
    "فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)" [سبأ]
    "يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)" [غافر]
    "فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)" [غافر]
    "وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)" [الزخرف]
    "لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)" [الممتحنة]
    "فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)" [المدثر]

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ تَتَحَصَّلُ الْمَنْفَعَةُ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: بِالْإِلَانَةِْ

    سُؤَالٌ: مَا هِيَ الْإِلَانَةُ؟ هَلْ هَذِهِ مُفْرَدَةٌ عَرَبِيَّةٌ؟ْ

    جَوَابٌ: نَحْنُ نَشْتَقُّ هَذِهِ الْمُفْرَدَةَ مِنْ فِعْلِ (أَلَانَ) كَمَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:

    "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)" [الزمر]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)" [سبأ]

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الْإِلَانَةَ كَانَتْ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَقَطْْ:

    1. الْجُلُودُْ
    2. الْقُلُوبُْ (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ)ْ
    3. الْحَدِيدُْ (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)ْ

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتِ الْإِلَانَةُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ؟ وَمَا الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمْ جَمِيعًا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَكْمُنُ فِي الْمَنْفَعَةِْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نَبْدَأُ بِالْحَدِيدِْ، فَالْمَنْفَعَةُ مِنَ الْحَدِيدِ تَتِمُّ بِإِلَانَتِهِْ، فَعِنْدَمَا يَتِمُّ إِلَانَةُ الْحَدِيدِ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهُ كَمَا حَصَلَ مَعَ دَاوُودَ مَثَلًاْ:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)" [سبأ]

    وَهَكَذَا هُوَ الْحَالُ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِلْقُلُوبِ وَالْجُلُودِْ، فَحَتَّى تَتَحَقَّقَ الْمَنْفَعَةُ (الَّتِي تَكُونُ نَتِيجَتُهَا الْحَتْمِيَّةُ التَّقْوَى) فَلَابُدَّ لِلْقُلُوبِ مِنْ أَنْ تَلِينَْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ سَيَتِمُّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ فِرْعَوْنَ وَامْرَأَتِهِ أَوْ فِي حَالَةِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ مَعَ امْرَأَتِهِ؟ْ

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَانَتْ تَتَّسِمُ بِالْقَسْوَةِْ، لِذَا كَانَ لَابُدَّ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِلَانَةِ الْقُلُوبِ وَرُبَّمَا الْجُلُودِ حَتَّى تَصْلُحَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَاْ. فَعَلَاقَةُ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ بِفِرْعَوْنَ كَانَتْ عَلَاقَةً غَيْرَ سَوِيَّةٍ يَنْقُصُهَا الْوَلَدُ وَرُبَّمَا الْمَحَبَّةُْ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ دُعَاءِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ رَبَّهَا بِالْخَلَاصِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِْ:
    "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)" [التحريم]
    وَبِمِثْلِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى نَحْنُ نَتَخَيَّلُ نَوْعَ الْعَلَاقَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَى يُوسُفَ مِنْ مِصْرَ مَعَ امْرَأَتِهِْ:
    "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (25)" [يوسف]

    وَسَنَتَحَدَّثُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ عَنْ شَخْصِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ عِنْدَ مُتَابَعَةِ الْبَحْثِ فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِ قِصَّةُ يُوسُفَ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.

    أَمَّا النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هُنَا فَتَخُصُّ مَعْنَى الْمَنْفَعَةِ فِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِْ، لِيَكُونَ الِافْتِرَاءُ هُوَ: الْمَنْفَعَةُ تَعْنِي تَلْيِينَ كُلِّ مَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِْ.

    الدَّلِيلُْ

    لَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِيهَا مَا يَدْعُو إِلَى الِاسْتِغْرَابِْ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)" [البقرة]

    السُّؤَالُ: مَا هِيَ مَنَافِعُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِلنَّاسِ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَنَافِعَ هِيَ تَلْيِينُ مَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: رَأْيُنَا لَا شَكَّ أَنَّ الْخَمْرَ يُسْتَخْدَمُ لِلتَّخْدِيرِْ، فَالْخَمْرُ لَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى مَا كَانَ مَعْرُوفًا فِي السَّابِقِ مِنَ الْمَادَّةِ الْمُسْكِرَةِْ، وَلَكِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ "الْمُسْكِرَاتِ أَوِ الْمُخَدِّرَاتِ" بِدَلِيلِ أَنَّهَا هِيَ مَا يُذْهِبُ الْعُقُولَْ:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)" [النساء]

    فَكُلُّ الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ يَقَعُ فِي بَابِ الْخَمْرِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالْعَقْلِْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْخَمْرِ الَّذِي يُذْهِبُ الْعَقْلَ مَنَافِعُ؟ْ

    جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ لَا عَلَاقَةَ لِلْمَنَافِعِ بِالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالدِّفْءِ وَالْمَرْكَبِْ. لِذَا لَابُدَّ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْخَمْرِ غَيْرَ هَذَا كُلِّهِْ.

    السُّؤَالُ: وَمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَنَافِعُ؟ْ

    رَأْيُنَا: مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَفِيدَ مِنْهُ عِنْدَمَا يَذْهَبُ الْعَقْلُْ، فَنُصْبِحُ لَا نَعْلَمُ مَا نَقُولُْ

    السُّؤَالُ: مَا ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهَا الْمَادَّةُ الْمُخَدِّرَةُْ، أَيِ الَّتِي تُلَيِّنُ مَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِْ.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نَتَخَيَّلُ الْإِنْسَانَ الْمَرِيضَ الَّذِي يُصِيبُهُ الْأَلَمُْ، وَهُوَ بِحَاجَةٍ مَثَلًا إِلَى مُخَدِّرٍ (مُسَكِّنٍ) لِهَذَا الْأَلَمِْ، أَلَا يَعْمَلُ ذَلِكَ الْمُخَدِّرُ (الْخَمْرُ) عَلَى تَلْيِينِ الْأَلَمِ؟ْ مَنْ يَدْرِي؟!!!ْ

    ثُمَّ دَعْنَا نَتَخَيَّلُ الْمَرِيضَ الَّذِي بِحَاجَةٍ مَثَلًا إِلَى عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ كَمَا يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِْ، أَلَا يُعْطَى ذَلِكَ الْمَرِيضُ جُرْعَةً (وَرُبَّمَا جُرْعَاتٍ) مِنَ الْمَادَّةِ الْمُخَدِّرَةِ (الْخَمْرِ) لِتُذْهِبَ عَقْلَهُ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى يَتِمَّ إِنْهاءُ الْعَمَلِيَّةِ الْجِرَاحِيَّةِ؟ْ مَنْ يَدْرِي؟!!!ْ

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي تَتَحَصَّلُ مِنَ الْخَمْرِ هِيَ الْمَادَّةُ الْمُخَدِّرَةُ الَّتِي تُذْهِبُ الْعَقْلَْ:
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)" [النساء]

    عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ:ْ

    نَعُودُ إِلَى صُلْبِ الْمَوْضُوعِ الَّذِي كُنَّا نَتَحَدَّثُ فِيهِ الْخَاصِّ بِقَارُونَ وَالَّذِي كَانَ يَمْلِكُ – حَسَبَ مَا افْتَرَيْنَاهُ سَابِقًا - عِلْمَ الْكُنُوزِْ:

    "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)" [القصص]

    وَكَانَ مَثَارُ النِّقَاشِ هُوَ كَيْفِيَّةُ حُصُولِ الرَّجُلِ عَلَى تِلْكَ الْكُنُوزِْ. وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ أَنَّ قَارُونَ كَانَ يَمْلِكُ قُدْرَةَ صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي أَقَامَ الْجِدَارَ لِلْيَتِيمَيْنِ عِنْدَمَا رَأَى الْكَنْزَ الَّذِي تَحْتَهُْ:

    "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)" [الكهف]

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُ كَانَ حَدِيدًاْ:

    "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)" [ق]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنَ الْحَدِيدِْ

    • حَدِيدٌ لَمْ يَلِنْْ
    • حَدِيدٌ قَدْ أُلِينَْ

    لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ هُمْ مِنَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ بَصَرًا غَيْرَ حَدِيدٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُمْ قَدْ أُلِينَْ، لِذَا لَا يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِ اللَّازِمَةِ لِاخْتِرَاقِ الْعَوَائِقِْ. فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ إِلَى جِدَارٍ مَاْ، فَإِنَّ بَصَرَكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَدِيدٍْ، فَيَحْصُلُ أَنْ يَنْقَلِبَ ذَلِكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا لِأَنَّهُ حَسِيرٌْ:

    "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4)" [الملك]

    أَمَّا مَنْ كَانَ بَصَرُهُ حَدِيدًاْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَنْقَلِبَ خَاسِئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ حَسِيرًاْ، لِذَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَوَاجِزَ فَيَرَى مَا وَرَاءَهَاْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَقَدْ كَانَ بَصَرُ صَاحِبِ مُوسَى حَدِيدًاْ، لِذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى مَا تَحْتَ الْجِدَارِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَنْقَضَّ بَعْدُْ:
    "فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)" [الكهف]
    وَهُوَ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يَرَاهُ بِأُمِّ عَيْنِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَ مُوسَى كَانَ حَسِيرًاْ.
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: وَهَكَذَا كَانَ قَارُونُْ، فَقَدْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ تِلْكَ الْكُنُوزَ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُ كَانَ حَدِيدًاْ، فَمَا كَانَ حَسِيرًاْ.

    دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بَصَرًا حَدِيدًا وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ قَارُونَْ، وَنَسْأَلُكَ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَمْتَثِلُ أَمْرَكَ فِي قَوْلِكَْ:

    "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)" [القصص]

    اللَّهُمَّ آمِينَْ

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌْ

    (فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنْفِذَ قَوْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُْ، وَأَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ أَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّْ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينَ)ْ

    الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرُ:

    1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ (مَصْدَرُ الْآيَاتِ). ^
    2. تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ). ^
    3. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ). ^
    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمُ الْجَرَّاحِ & عَلِيُّ مَحْمُودُ سَالِمُ الشُّرْمَانِ
    بِقَلَمِ د. رَشِيدُ الْجَرَّاحِ
    13 أَيَّارَ 2015
    مَرْكَزُ اللُّغَاتِ – جَامِعَةُ الْيَرْمُوكِ
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس