home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (15): باب النعجة

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 21, 2016
محتويات المقال:

    مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (15): [بَابُ النَّعْجَةِ وَفِتْنَةُ دَاوُودْ]

    الْآيَتَانِ التَّالِيَتَانِ هُمَا مَدَارُ الْبَحْثِ فِي هَذَا الْجُزْءِ وَفِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةْ:

    "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص]
    "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ" [الأنبياء]

    وَالْبَحْثُ يَدُورُ جُلُّهُ حَوْلَ تَسَاؤُلَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا:

    • مَا قِصَّةُ تِلْكَ النَّعْجَةِ الَّتِي جَاءَ الْقَوْمُ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا عِنْدَ دَاوُودْ؟
    • وَمَا قِصَّةُ غَنَمِ الْقَوْمِ الَّتِي نَفَشَتْ فِي الْحَرْثْ؟

    أَمَّا بَعْدْ،

    دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ بِطَرْحِ بَعْضِ تَصَوُّرَاتِنَا الْمُسْبَقَةِ عَنْ قِصَّةِ دَاوُودَ وَوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ وَهُمَا مِحْوَرُ هَاتَيْنِ الْقِصَّتَيْنِ (النَّعْجَةُ وَالْغَنَمْ).

    [أَوَّلًا: وِرَاثَةُ سُلَيْمَانَ لِدَاوُودَ وَشَرْعِيَّةُ الْمُلْكْ]

    أَوَّلًا، كَانَ سُلَيْمَانُ هُوَ وَرِيثُ وَالِدِهِ دَاوُودَ الشَّرْعِيُّ وَالْحَصْرِيّْ:

    "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ" [النمل]

    الَّذِي وَصَلَهُ الْحُكْمُ أَصْلًا عَنْ طَرِيقِ طَالُوتَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ (نَحْنُ نَظُنّْ) مِنَ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنْ نَبِيٍّ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مُوسَى أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَلِكًا كَمَا جَاءَ بِصَرِيحِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" [البقرة]

    حَيْثُ قَضَى اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا: "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا..." [البقرة].

    فَمَا كَانَ مِنَ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُمُ الَّذِي طَلَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَلِكًا لِيُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهْ) إِلَّا أَنْ أَظْهَرُوا اعْتِرَاضَهُمُ الصَّرِيحَ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى طَالُوتَ وَذَلِكَ لِسَبَبَيْنِ، أَوَّلُهُمَا أَنَّهُمْ (أَيِ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلْ) هُمُ الْأَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْ طَالُوتْ: "...قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ..." [البقرة].

    وَثَانِيًا، لِأَنَّ طَالُوتَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالْ: "...وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ..." [البقرة].

    فَلَمْ يُكَذِّبِ اللَّهُ دَعْوَاهُمَا، لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ طَالُوتَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلْ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَا سَعَةٍ مِنَ الْمَالْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَاخْتَصَّهُ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى، وَهِيَ الْبَسْطَةُ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمْ:

    "قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [البقرة]

    فَبَنُو إِسْرَائِيلَ لَا شَكَّ أَصْحَابُ عِلْمْ: "أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ" [الشعراء].

    فَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ لِطَالُوتَ فِي الْعِلْمِ (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ)، فَمَا عَادَ أَقَلَّ عِلْمٍ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةْ.

    وَلَا شَكَّ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَيْضًا ذَا مَالْ، وَهُمُ الَّذِينَ انْتَهَى إِلَيْهِمْ مَا كَانَ يَكْنِزُ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ بَعْدَمَا أَوْرَثَهُمُ اللَّهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا:

    "فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ" [الشعراء]
    "وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ" [الأعراف]

    وَمِنْ تِلْكَ الْكُنُوزِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلْ) اتَّخَذَ الْقَوْمُ عِجْلَهُمْ مِنْ بَعْدِ مُوسَى:

    "وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ" [الأعراف]

    فَأَصْبَحَتِ الْبَسْطَةُ فِي الْجِسْمِ عِنْدَ طَالُوتَ تُعَوِّضُ عَنْ نَقْصِ السَّعَةِ فِي الْمَالْ، فَأَصْبَحَتْ شَرْعِيَّتُهُ فِي اثْنَتَيْنِ: بَسْطَةُ الْعِلْمِ وَبَسْطَةُ الْجِسْمْ.

    نَتِيجَةْ: إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ هُنَا أَنَّ الْمِنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ قَدْ جَاءَتْ عَلَى طَالُوتَ بِأَنْ زَادَهُ اللَّهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ مُقَابِلَ عِلْمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَسْطَةً فِي الْجِسْمِ مُقَابِلَ سَعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْمَالْ، لِذَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُقَارَنَةَ بَيْنَ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَطَالُوتَ يُمْكِنُ أَنْ تُجْرَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلْ:
    • بَسْطَةٌ فِي الْعِلْمْ.
    • سَعَةٌ مِنَ الْمَالْ.
    طَالُوتْ:
    • بَسْطَةٌ فِي الْعِلْمْ.
    • بَسْطَةٌ فِي الْجِسْمْ.
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (6): نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ طَالُوتَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَصْحَابِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةْ، وَإِلَّا لَمَا أَبْدَوُا اعْتِرَاضَهُمْ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ فِي أَنَّهُ هُوَ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ مِنْ دُونِهِمْ جَمِيعًا. وَلَكِنَّهُ كَانَ فَقَطْ مَلِكًا عَلَيْهِمْ.

    [ثَانِيًا: عَوْدَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَانْتِقَالُ الْمُلْكِ لِدَاوُودَ]

    ثَانِيًا، لَقَدْ ظَنَنَّا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ طَالُوتَ هُوَ مَنْ أَعَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ أُخْرِجُوا مِنْهَا، انْظُرِ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ نَفْسَهُ الَّذِي طَلَبَ فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ نَبِيٍّ لَهُمْ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَلِكًا، لِتَجِدَ أَنَّهُمْ فِعْلًا كَانُوا قَدْ أُخْرِجُوا مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ:

    "أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" [البقرة]

    وَمَا عَادُوا إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ النَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ مِنَ اللَّهِ لِطَالُوتَ وَجُنُودِهِ (وَمِنْهُمْ دَاوُودْ) عَلَى جَالُوتْ:

    "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة]

    فَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ، الْخَصْمَ الْعَنِيدَ لِطَالُوتْ. وَمَا أَنْ حَصَلَ ذَلِكَ حَتَّى انْتَقَلَ الْمُلْكُ مِنْ طَالُوتَ الْمَلِكِ إِلَى دَاوُودَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ، فَأَخَذَ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْقِسْطْ:

    "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" [ص]

    فَأَصْبَحَتْ تِلْكَ مُهِمَّةَ دَاوُودَ فِي الْأَرْضِ، وَنَشَأَ سُلَيْمَانُ مَعَ وَالِدِهِ دَاوُودَ وَهُوَ يَبْذُلُ جُهْدَهُ لِيُقِيمَ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ، وَقَدْ آتَاهُمَا اللَّهُ حُكْمًا وَعِلْمًا:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" [النمل]

    وَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى حَالِهِ حَتَّى حَصَلَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ لِدَاوُودْ:

    "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)" [ص]

    وَكَانَتْ مُشْكِلَتُهُمْ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ أَحْسَنَ تَصْوِيرْ:

    "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24)" [ص]

    ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ نَشَبَتْ مُشْكِلَةٌ أُخْرَى مَعَ دَاوُودَ تَخُصُّ حُكْمَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَكَانَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ" [الأنبياء]

    وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ صِغَرِ سِنِّ سُلَيْمَانَ حِينَئِذٍ (مُقَارَنَةً مَعَ وَالِدِهِ دَاوُودَ صَاحِبِ الْخِبْرَةِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسْ) إِلَّا أَنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ فَهَّمَهَا لِسُلَيْمَانْ:

    "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ" [الأنبياء]

    (دُعَاءْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْفِذَ أَمْرَكَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ لِي بِالْعِلْمِ كَمَا كَانَ لِدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَنْ تُفَهِّمَنِي كَمَا فَهَّمْتَ سُلَيْمَانْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمْ – آمِينْ).

    وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ التَّعَرُّضَ لِحَادِثَةِ فِتْنَةِ النَّعْجَةِ عَلَى أَنْ نُعَاوِدَ الْحَدِيثَ عَنْ قِصَّةِ غَنَمِ الْقَوْمِ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا وَأَنْ يُنْفِذَ أَمْرَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِي إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبْ – آمِينْ.

    [بَابُ فِتْنَةِ دَاوُودَ فِي النَّعْجَةْ]

    تُصَوِّرُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ ظَنَّ دَاوُودَ وُقُوعَهُ بِالْفِتْنَةِ بَعْدَ حَادِثَةِ النَّعْجَةْ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابْ:

    "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24)" [ص]

    [التَّسَاؤُلَاتُ الْمَطْرُوحَةْ]

    • مَنِ الْخَصْمُ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابْ؟
    • لِمَاذَا تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابْ؟
    • وَكَيْفَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابْ؟
    • وَلِمَاذَا دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فِي الْمِحْرَابْ؟ لِمَاذَا لَمْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمِحْرَابْ؟
    • لِمَاذَا فَزِعَ دَاوُودُ عِنْدَمَا دَخَلُوا عَلَيْهِ الْمِحْرَابْ؟
    • لِمَاذَا طَلَبُوا مِنْ دَاوُودَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّْ؟ فَهَلْ كَانَ دَاوُودُ يَحْكُمُ بِغَيْرِ ذَلِكْ؟
    • وَمَا قِصَّةُ النَّعْجَةِ الَّتِي جَاءَ الْقَوْمُ جَمِيعًا يَطْلُبُونَهَا؟ وَمَاذَا لَوِ اشْتَرَيْتُ لَهُمْ أَنَا عَشَرَةَ نِعَاجٍ (بَلْ مِئَةً) بَدَلًا مِنْهَا، هَلْ كَانَ اللَّهُ سَيَكْفِينَنَا ذَلِكْ؟ هَلْ كَانَتْ سَتَبْقَى جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنْ؟
    • وَمَنْ هُوَ الْخَصْمَانِ الَّذِينَ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضْ؟ فَمَنِ الْبَاغِي وَمَنِ الْمَبْغِيُّ عَلَيْهْ؟
    • وَلِمَاذَا ظَلَمَهُمْ بِسُؤَالِ النَّعْجَةِ إِلَى نِعَاجِهْ؟
    • وَكَيْفَ طَلَبَ الْأَخُ كَفَالَةَ النَّعْجَةِ مِنْ أَخِيهْ؟ وَهَلْ تُكْفَلُ النَّعْجَةُ أَصْلًا – يَا سَادَةْ – حَتَّى يَطْلُبَ أَخُوهُمْ كَفَالَتَهَا؟
    • وَكَيْفَ حَكَمَ دَاوُودُ بِالْأَمْرْ؟
    • وَالسُّؤَالُ الْأَهَمُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ: لِمَاذَا ظَنَّ دَاوُودُ أَنَّ فِي ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابْ؟ فَمَا عَلَاقَةُ دَاوُودَ بِالْأَمْرِ بِرُمَّتِهْ؟
    • إِلَخْ.

    [تَصَوُّرَاتٌ شَعْبِيَّةٌ وَأَقْوَالُ التُّرَاثْ]

    ظَنَّ الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هُنَاكَ قَوْمًا اخْتَصَمُوا فِي نِعَاجِهِمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَمْلِكُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَعْجَةً وَالْآخَرُ يَمْلِكُ نَعْجَةً وَاحِدَةً، فَطَلَبَ أَخُوهُمْ صَاحِبُ النِّعَاجِ الْكَثِيرَةِ "كَفَالَةَ" تِلْكَ النَّعْجَةِ الْوَحِيدَةِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ ظُلْمٌ لِأَخِيهِ الْآخَرِ، فَجَاءُوا إِلَى دَاوُودَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ مَا كَانْ. وَأَخَذَ مُعْظَمُ أَهْلِ الْعِلْمِ النَّعْجَةَ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةٌ، فَانْظُرْ مَا جَاءَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ أَقْوَالِ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْحَادِثَةْ. وَحَتَّى لَا نُتَّهَمَ بِأَنَّنَا نَجْتَزِئُ النُّصُوصَ مِنْ سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ فَإِنَّنَا سَنَعْرِضُ كُلَّ الْأَقْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى أَهْلِ الدِّرَايَةِ كَمَا وَرَدَتْ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ "الْعَظِيمِ"!!!

    الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ الْخَصْمُ الْمُتَسَوِّرُونَ عَلَى دَاوُدَ مِحْرَابَهُ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَتْ لَهُ فِيمَا قِيلَ: تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَكَانَتْ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَغْزَاهُ حَتَّى قُتِلَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ؛ فَلَمَّا قُتِلَ نَكَحَ فِيمَا ذُكِرَ دَاوُدُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: {إِنَّ أَخِي} يَقُولُ: أَخِي عَلَى دِينِي...
    ...وَقِيلَ: عَنَى بِقَوْلِهِ: أُنْثَى: أَنَّهَا حَسَنَةٌ...
    ...وَقَوْلُهُ: {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} يَقُولُ: فَقَالَ لِي: انْزِلْ عَنْهَا لِي وَضُمَّهَا إِلَيَّ...
    ...وَقَوْلُهُ: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} يَقُولُ: وَصَارَ أَعَزَّ مِنِّي فِي مُخَاطَبَتِهِ إِيَّايَ، لِأَنَّهُ إِنْ تَكَلَّمَ فَهُوَ أَبْيَنُ مِنِّي، وَإِنْ بَطَشَ كَانَ أَشَدَّ مِنِّي فَقَهَرَنِي...
    ...وَإِنَّمَا كَنَّى بِالنَّعْجَةِ هَا هُنَا عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ...
    ...وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْبَلَاءِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَبَيْنَا هُوَ فِي مِحْرَابِهِ، إِذْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا، فَطَارَ إِلَى كُوَّةِ الْمِحْرَابِ، فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهَا، فَطَارَتْ، فَاطَّلَعَ مِنَ الْكُوَّةِ، فَرَأَى امْرَأَةً تَغْتَسِلُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمِحْرَابِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْهُ، فَسَأَلَهَا عَنْ زَوْجِهَا وَعَنْ شَأْنِهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوْجَهَا غَائِبٌ، فَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ تِلْكَ السَّرِيَّةِ أَنْ يُؤَمِّرَهُ عَلَى السَّرَايَا لِيَهْلِكَ زَوْجُهَا، فَفَعَلَ...
    ...فَسَجَدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، حَتَّى نَبَتَتِ الْخُضْرَةُ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ...

    (انْتَهَى الِاقْتِبَاسُ مِنَ الطَّبَرِيّْ)

    إِنَّ مُجْمَلَ مَا جَاءَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ "الْعَظِيمِ" يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ دَاوُودَ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ حُبُّ امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَا أَعْلَمُ كَيْفَ اسْتَطَاعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْلَمُوا بِهَا، فَعَمَدَ إِلَى إِرْسَالِ زَوْجِهَا فِي غَزْوَةٍ (وَيْكَأَنَّهَا مُؤَامَرَةْ) لِيُقْتَلَ فِيهَا، وَلَا أَعْلَمُ كَيْفَ عَلِمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اسْمَهُ (أُورِيَا بْنُ حَنَانِيَا)، فَحَصَلَ لِدَاوُودَ قَتْلُ ذَاكَ الرَّجُلِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ مَعَارِكِ التَّابُوتِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَاوَلَةِ الثَّالِثَةِ، فَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ سُلَيْمَانَ (انْظُرْ مَا وَضَعْنَا تَحْتَهُ خَطًّا فِي التَّفْسِيرِ السَّابِقْ). فَنَزَلَ مَلَكَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي أَزْوَاجِهِمْ عِنْدَ دَاوُودَ فَذَكَّرَهُ ذَلِكَ بِفَعْلَتِهِ عِنْدَمَا قَصَّا عَلَيْهِ "كَذْبَةً" لَمْ تَحْصُلْ أَصْلًا، فَعَلِمَ دَاوُودُ مِنْ "قِصَّتِهِمُ الْمَكْذُوبَةِ" مِقْدَارَ الْغَلَطِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ. فَاسْتَغْفَرَ دَاوُودُ رَبَّهُ وَسَجَدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ دَمْعَتُهُ بِحَجْمِ دَمْعِ أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعًا حَتَّى نَبَتَتْ خُضْرَةُ الْأَرْضِ مِنْ دُمُوعِهِ، إِلَخْ. --- مَا شَاءَ اللَّهْ!!! مَا أَعْظَمَ هَذَا الْعِلْمْ!!! وَمَا أَعْظَمَ عِلْمَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءْ!!!

    أَمَّا أَنَا، فَوَاللَّهِ لَا أَرَى فِيهِ إِلَّا...، أَظُنُّ أَنِّي أَحْتَاجُ أَنْ أَبْرَأَ إِلَى اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَا جَاءَ مِنْ أَقْوَالٍ مَنْسُوبَةٍ إِلَى أَهْلِ الدِّرَايَةِ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ "الْعَظِيمِ" حَوْلَ هَذِهِ الْحَادِثَةْ!!!

    - لِمَاذَا تُنْكِرُ ذَلِكْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا. هَلْ تَرُدُّ أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ (ابْنِ إِسْحَقَ، ابْنِ عَبَّاسٍ، مُجَاهِدٍ، الضَّحَّاكِ، السُّدِّيِّ) جَمِيعًا؟ هَلْ أَنْتَ فِعْلًا فِي كَامِلِ قُوَاكَ الْعَقْلِيَّةْ؟ يُضِيفُ آخَرْ.

    [مُقَارَنَةٌ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَدَاوُودَ]

    أَمَّا بَعْدْ،

    فِي وَاحِدَةٍ مِنْ خُطَبِ الْجُمُعَةِ الْعَظِيمَةِ صَعِدَ خَطِيبُنَا وَمُحَدِّثُنَا الْجَلِيلُ (مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةْ) لِيُذَكِّرَنَا بِأُمُورِ الدِّينِ بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَنَا بِالْحِكْمَةِ مِنْ قُدُومِنَا إِلَى الْجُمُعَةِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" [الجمعة]

    فَكَانَ مَوْضُوعُ خُطْبَتِهِ حِينَهَا "الدِّفَاعَ عَنْ أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ" الَّذِينَ بَذَلُوا الْغَالِيَ وَالنَّفِيسَ لِنَشْرِ هَذَا الدِّينْ، فَكَانَ بَطَلُ تِلْكَ "الْحَلْقَةِ" مِنْ مُسَلْسَلِ خُطَبِ شَيْخِنَا الْجَلِيلِ هُوَ الصَّحَابِيَّ الْكَبِيرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ (الْمُلَقَّبَ بِسَيْفِ اللَّهِ الْمَسْلُولْ)، فَأَثْنَى شَيْخُنَا عَلَى خَالِدٍ، وَذَكَرَ مَنَاقِبَهُ وَجُزْءًا مِنْ سِيرَتِهِ عَلَى عَجَلٍ حَتَّى خَلَصَ إِلَى الْحَدِيثِ بِإِسْهَابٍ عَنِ الشَّائِعَاتِ الَّتِي قِيلَتْ فِي خَالِدْ. فَذَكَرَ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَرَبِّصِينَ بِالدِّينِ عَنْ خَالِدٍ، وَكَيْفَ أَنَّهُمْ أَلْصَقُوا بِهِ تُهْمَةً كَاذِبَةً مَفَادُهَا أَنَّ خَالِدًا (كَمَا تَقُولُ الشَّائِعَةْ) قَدْ بَعَثَ بِزَوْجِ امْرَأَةٍ أَعْجَبَتْهُ إِلَى الْمَعْرَكَةِ حَتَّى قُتِلَ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَعَلَتْ وَانْخَفَضَتْ نَبْرَةُ خَطِيبِنَا لِيُدَافِعَ وَيُنَافِحَ عَنْ خَالِدٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ (مِنْ مِثْلِي) بِكُلِّ مَا أَسْعَفَتْهُ بِهِ لُغَتُهُ الْعَرَبِيَّةُ مِنَ الْبَيَانِ كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ الشَّائِعَاتِ كَانَ هَدَفُهَا النَّيْلَ مِنْ خَالِدٍ مِنْ قِبَلِ أَعْدَاءِ خَالِدٍ، وَأَنَّ خَالِدًا (كَمَا ذَكَّرَنَا شَيْخُنَا الْجَلِيلْ) أَجَلُّ قَدْرًا وَأَرْفَعُ مَكَانَةً مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلٍ مَشِينٍ كَهَذَا. انْتَهَتْ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ تِلْكَ وَقَدْ أُعْجِبْنَا بِشَيْخِنَا الْجَلِيلِ الَّذِي زَادَتْ خُطْبَتُهُ مِنْ ثِقَتِنَا بِبَطَلٍ مِنْ أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدْ.

    وَإِذْ نَسْتَنْكِرُ نَحْنُ (مِثْلَ شَيْخِنَا الْجَلِيلْ) مَا افْتَرَاهُ الْمُتَرَبِّصُونَ بِخَالِدٍ مِنْ أَكَاذِيبَ قَدْ لَا تَصِحّْ، إِلَّا أَنَّ الْحُبَّ فِي زِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ كَانَ يَدْفَعُنَا لِنَسْأَلَ خَطِيبَنَا حِينَهَا سُؤَالًا وَاحِدًا وَهُوَ: إِذَا كُنْتَ اسْتَنْكَرْتَ (يَا شَيْخَنَا) أَنْ يُقَالَ مِثْلُ هَذَا فِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدْ، أَلَمْ يَكُنِ الْأَوْلَى بِكَ أَنْ تُدَافِعَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُودْ؟ أَلَمْ يَكُنِ الْأَوْلَى بِكَ أَنْ تُكَذِّبَ مَا رَوَاهُ سَادَتُكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَسَطَّرُوهُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (كَالطَّبَرِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَالْقُرْطُبِيّْ) عَنْ دَاوُودَ الَّذِي فَعَلَ (كَمَا صَوَّرُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ) الْفَعْلَةَ نَفْسَهَا الَّتِي أُلْصِقَتْ بِخَالِدْ؟ لِمَ لَمْ تَجِيءْ لِتُدَافِعَ وَتُنَافِحَ عَنْهُ ضِدَّ "الْمُتَرَبِّصِينَ بِهِ" مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينْ؟ أَمْ أَنَّكَ لَمْ تَقْرَأْ هَذَا بَعْدُ فِي كُتُبِ التَّفَاسِيرْ؟ دَعْنِي أَقْتَبِسُ لَكَ (وَأَمْثَالِكَ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ الَّذِينَ يُرَدِّدُونَ مَا لَا يَعُونْ) بَعْضَ مَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ السَّابِقِ مِنْ أَقْوَالِ سَادَتِكَ أَهْلِ الدَّارِيَةِ بِحَقِّ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُودَ لِأَطْلُبَ مِنْكَ – إِنْ شِئْتَ – التَّعْلِيقَ عَلَيْهِ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامْ:

    قَالَ: فَأَبْصَرَ امْرَأَةً تَغْتَسِلُ عَلَى سَطْحٍ لَهَا، فَرَأَى امْرَأَةً مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ خَلْقًا، فَحَانَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ فَأَبْصَرَتْهُ، فَأَلْقَتْ شَعْرَهَا فَاسْتَتَرَتْ بِهِ، قَالَ: فَزَادَهُ ذَلِكَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا، وَأَنَّ زَوْجَهَا غَائِبٌ بِمَسْلَحَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الْمَسْلَحَةِ أَنْ يَبْعَثَ أُورِيَا إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَبَعَثَهُ، فَفُتِحَ لَهُ. قَالَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا: أَنِ ابْعَثْهُ إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، أَشَدَّ مِنْهُمْ بَأْسًا، قَالَ: فَبَعَثَا فَفُتِحَ لَهُ أَيْضًا. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ ابْعَثْهُ إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، فَبَعَثَهُ فَقُتِلَ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ، قَالَ: وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ

    (انْتَهَى الِاقْتِبَاسْ)

    السُّؤَالُ الْمُوَجَّهُ إِلَى شَيْخِنَا خَطِيبِ جُمْعَتِنَا الْمُوَقَّرْ: مَنِ الْأَحَقُّ وَالْأَجْدَرُ بِأَنْ تَتَصَدَّى لِلدِّفَاعِ عَنْهُ يَا شَيْخَنَا الْجَلِيلْ: خَالِدٌ أَمْ دَاوُودْ؟ فَلِمَاذَا اسْتَشَطْتَ غَضَبًا (يَا شَيْخَنَا) عِنْدَمَا أُلْقِيَتِ التُّهَمُ الْمَرْوِيَّةُ شِفَاهَةً (وَرُبَّمَا جُزَافًا) عَلَى خَالِدٍ فِي بَعْضِ بُطُونِ الْكُتُبِ الصَّفْرَاءِ الَّتِي رُبَّمَا لَا يَقْرَؤُهَا الْكَثِيرُونْ؟ وَلِمَاذَا لَمْ تَسْتَشِطْ بِمِثْلِ ذَاكَ الْغَضَبِ عِنْدَمَا أُلْصِقَتِ التُّهَمُ الْمَرْوِيَّةُ كِتَابَةً بِأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَةٍ عَلَى دَاوُودَ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (كَالطَّبَرِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَالْقُرْطُبِيِّ وَغَيْرِهَا)؟ مَنْ يَدْرِي؟!!!

    أَمَّا أَنَا، فَإِذَا كُنْتُ أُنْكِرُ أَنْ يَفْعَلَ خَالِدٌ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ الْمَشِينِ، فَإِنَّ إِنْكَارِي أَشَدُّ أَنْ يَكُونَ دَاوُودُ قَدْ فَعَلَهَا مِنْ ذِي قَبْلُ (كَمَا جَاءَ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرْ). فَأَنَا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ أَخْلَاقُ نَبِيٍّ كَرِيمٍ مِثْلِ دَاوُودَ وَلَوْ رَوَاهَا كُلُّ أَهْلِ الْأَرْضِ (وَإِنْ نُسِبَتْ عَلَى مَا أَظُنُّ زُورًا وَبُهْتَانًا إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ الَّذِينَ لَا نَشُكُّ بِصَلَاحِهِمْ)، لِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ مَا زَعَمُوا، فَإِنَّ هَذَا يَتْرُكُنِي فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِي مَعَ رَبِّي. فَأَنَا لَا أَظُنُّ أَنَّ الرَّبَّ كَانَ عَادِلًا وَقَدْ غَفَرَ لِدَاوُودَ فَعْلَتَهُ هَذِهِ إِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَهَا حَقًّا. فَمَا كَانَ اللَّهُ – فِي ظَنِّي – سَيُكَافِئُ مَنْ دَبَّرَ مِثْلَ تِلْكَ الْمُؤَامَرَةِ (قَتْلُ رَجُلٍ لِلزَّوَاجِ بِامْرَأَتِهِ) بِقَوْلِهِ هَذَا:

    "فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)" [ص]

    لِذَا، نَحْنُ نُؤْمِنُ يَقِينًا بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي بُطُونِ هَذِهِ الْكُتُبِ لَيْسَتْ (فِي ظَنِّنَا) إِلَّا مِنْ خُرَافَاتٍ وَأَسَاطِيرَ خَطَّهَا بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي تَلْمُودِهِمْ بَعْدَ أَنْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى مِنْ رَبِّهِ (وَمَنْ أَرَادَ الْمُجَادَلَةَ فَلْيَبْحَثْ عَنِ الْقِصَّةِ نَفْسِهَا فِي كُتُبِ عُلَمَاءِ يَهُودْ)، ثُمَّ تَنَاقَلَهَا مِنْ بَعْدِهِمْ مَنْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ حَرَّفُوا مَا فِي الْقُرْآنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهْ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ (فِي ظَنِّنَا) الَّذِينَ حَرَّفُوا الْمُحَرَّفَ أَصْلًا.

    [كَيْفَ حَصَلَتِ الْقِصَّةُ إِذَنْ؟]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّ عَقِيدَتَنَا فِي هَذَا الْجَانِبِ يُمْكِنُ أَنْ نُسَطِّرَهَا بِالِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةْ:
    • دَاوُودُ لَمْ يَكُنْ مُتَزَوِّجًا بِتِسْعٍ وَتِسْعِينَ امْرَأَةً كَمَا زَعَمُوا.
    • دَاوُودُ لَمْ يُدَبِّرْ مُؤَامَرَةً لِلتَّخَلُّصِ مِنْ رَجُلٍ لِكَيْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ كَمَا كَذَبُوا.
    • دَاوُودُ لَمْ يَسْجُدْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً كَمَا خَرَّفُوا.
    • دَاوُودُ لَمْ يَنْزِلْ دَمْعُهُ بِحَجْمِ دَمْعِ أَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا شَطُّوا.
    • لَمْ تَنْبُتِ الْأَرْضُ خُضْرَةً مِنْ دَمْعِ دَاوُودَ كَمَا هَجَرُوا.
    • لِذَا، فَلْيَكُفَّ "أَهْلُ الرِّوَايَةِ" عَنْ نَسْبِ الْأَبَاطِيلِ إِلَى بَعْضِ "أَهْلِ الدِّرَايَةِ" لِيُمَرِّرُوا مِنْ خِلَالِهِمْ تَحْرِيفَاتِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي يُرَوِّجُونَ لَهَا وَهُمْ لَا يَعُونَ خُطُورَةَ مَا يَفْعَلُونَ، لِيَصُدُّوا النَّاسَ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ.
    • إِلَخْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَتِ الْقِصَّةُ إِذَنْ؟ رُبَّمَا يَسْأَلُ الْقَارِئُ مُسْتَعْجِلًا الْإِجَابَةْ.

    جَوَابْ: دَعْنَا – أَخِي الْقَارِئَ الْكَرِيمَ – نُقَدِّمُ لَكَ مَا نَظُنُّ أَنَّنَا فَهِمْنَاهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ حَوْلَ قِصَّةِ النَّعْجَةِ الَّتِي حَصَلَتْ مَعَ دَاوُودَ، وَنَتْرُكُ لَكَ أَنْتَ وَحْدَكَ أَنْ تَحْكُمَ بَعْدَ أَنْ تُقَارِنَ هَذَا (مَا نَفْتَرِيهِ نَحْنُ مِنْ قَوْلٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) بِذَاكَ (مَا جَاءَ فِي كُتُبِ التَّفَاسِيرِ مِنْ عِلْمٍ عَظِيمٍ حَوْلَ الْحَادِثَةِ نَفْسِهَا). سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ، فَلَا نَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ وَلَا نَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقّْ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ – آمِينْ.

    أَمَّا بَعْدْ،

    إِنَّ شُعْلَةَ التَّفْكِيرِ فِي هَذَا الْجَانِبِ هِيَ مُلَاحَظَةٌ بَسِيطَةٌ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةْ. فَلْنُورِدِ الْآيَاتِ أَوَّلًا ثُمَّ نُقَدِّمُ لِلْقَارِئِ مُلَاحَظَتَنَا الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ تُغَيِّرُ مَسَارَ التَّفْكِيرِ بِأَكْمَلِهْ:

    "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24)" [ص]

    الْمُلَاحَظَةْ: لَاحِظْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ – أَنَّ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ كَانُوا هُمُ "الْخَصْمَ"، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟ "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ" [ص].

    وَلَكِنْ مَا أَنْ دَخَلُوا الْمِحْرَابَ عَلَى دَاوُودَ حَتَّى أَصْبَحُوا خَصْمَانِ كَمَا جَاءَ فِي كَلَامِ خَطِيبِهِمُ الَّذِي وَقَفَ لِيُقَدِّمَ حُجَّتَهُ بِكُلِّ بَرَاعَةٍ وَإِتْقَانْ:

    "إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ" [ص]

    وَلَعَلِّي أَظُنُّ أَنَّ خَطِيبَ الْخَصْمِ هَذَا كَانَ أَقْوَى حُجَّةً (رُبَّمَا قَلِيلًا – مَنْ يَدْرِي!!!) مِنْ خَطِيبِنَا فِي تِلْكَ الْجُمُعَةِ الَّتِي وَقَفَ يُدَافِعُ فِيهَا عَنْ خَالِدٍ، لَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ لَنَا هُوَ: كَيْفَ كَانَ الْقَوْمُ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ خَصْمًا وَاحِدًا (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) وَكَيْفَ أَصْبَحُوا خَصْمَانِ دَاخِلَهُ (قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ)؟

    نَتِيجَةْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مَنْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ كَانُوا خَصْمًا وَاحِدًا وَلَكِنْ عِنْدَمَا دَخَلُوا الْمِحْرَابَ أَصْبَحُوا خَصْمَانْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ لَابُدَّ مِنْ طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةْ:

    • مَا الْخَصْمْ؟
    • وَمَا الْخَصْمَانْ؟
    • وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَصْمِ وَالْخَصْمَانْ؟
    • وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِخَصْمٍ وَاحِدٍ أَنْ يَتَسَوَّرُوا الْمِحْرَابْ؟
    • إِلَخْ.

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ خُصُومَةٌ فَلَابُدَّ مِنْ وُجُودِ خَصْمَانْ:

    "هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ" [الحج]

    لِذَا فَإِنَّ الْخُصُومَةَ لَا تَقَعُ فِي خَصْمٍ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ خَصْمٌ وَاحِدٌ أَنْ يَنْشَبَ فِيهِ خُصُومَةٌ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ خَصْمٌ آخَرُ؟ وَمَنْ هُوَ خَصْمُهُ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَتَخَاصَمَ مَعَهْ؟

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لِذَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ كَانُوا خَصْمًا وَاحِدًا (حَتَّى وَإِنْ كَانُوا مَجْمُوعَةً مِنَ النَّاسِ)، وَلَمْ تَكُنِ الْخُصُومَةُ قَدْ دَبَّتْ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْخَصْمَ الْوَاحِدَ لَا يَبْغِي بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَدْ كَانُوا جَمِيعًا كُتْلَةً وَاحِدَةً ضِدَّ خَصْمٍ آخَرَ، فَمَنْ هُوَ هَذَا الْخَصْمُ الْآخَرُ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِمُ الْمِحْرَابَ أَصْبَحُوا خَصْمَانِ (خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ)، الْأَمْرُ الَّذِي يَدْفَعُنَا إِلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّا التَّالِي الَّذِي هُوَ لَا شَكَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدْ كَانَ خَصْمُهُمْ مَوْجُودًا دَاخِلَ الْمِحْرَابْ.

    السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ خَصْمُهُمُ الَّذِي بَغَى عَلَيْهِمْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّهُ دَاوُودُ نَفْسُهْ.

    [الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ دَاوُودَ هُوَ الْخَصْمُ الثَّانِي]

    نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْمَوْقِفَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَبْغِي دَاوُودُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ (أَيْ قَوْمٍ)، فَأَصْبَحَ دَاوُودُ نَتِيجَةً لِبَغْيِهِ هَذَا خَصْمًا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمْ. وَمَا أَنْ يَشْتَدَّ بَغْيُ دَاوُودَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَضْجَرَ الْقَوْمُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقِفُوا صَفًّا وَاحِدًا (أَيْ خَصْمًا) ضِدَّ دَاوُودَ الَّذِي هُوَ خَصْمُهُمُ الَّذِي بَغَى عَلَيْهِمْ. فَيَأْتُوهُ فِي مِحْرَابِهِ، حَيْثُ مَكَانُ خَلْوَتِهِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مَرْيَمْ:

    "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" [آل عمران]

    وَحَيْثُ كَانَ يُقِيمُ صَلَاتَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ زَكَرِيَّا مَثَلًا:

    "فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ" [آل عمران]

    وَهُنَاكَ يَتَسَوَّرُ الْقَوْمُ مِحْرَابَ دَاوُودَ، أَيْ يَلْتَفُّوا حَوْلَهُ كَمَا السُّورُ حَوْلَ الْمَكَانْ:

    "يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ" [الحديد]

    فَيَحْصُلُ الْخَوْفُ عِنْدَ دَاوُودَ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا قَادِمِينَ مُسَالِمِينْ. لِذَا يَحْصُلُ الْفَزَعُ مُبَاشَرَةً عِنْدَ دَاوُودَ مِنْهُمْ: "إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ..." [ص].

    فَمَا كَانَ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ حَاوَلُوا أَنْ يُهَدِّءُوا مِنْ رَوْعِهِ: "...قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ" [ص].

    مُشْتَرِطِينَ مَوْقِفَهُمْ بِالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ، وَمُحَذِّرِينَ دَاوُودَ نَفْسَهُ مِنْ أَنْ يَشْطِطْ: "...قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ" [ص].

    عِنْدَهَا يَعْرِضُوا الْقَضِيَّةَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً، فَقَالَ خَطِيبُهُمْ:

    "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص]

    مُنْتَظِرِينَ حُكْمَ دَاوُودَ نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، فَجَاءَ حُكْمُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩" [ص]

    [لِمَاذَا لَمْ يَسْمَعْ دَاوُودُ لِلْخَصْمِ الْآخَرِ؟]

    لَوْ تَدَبَّرْنَا مَا قَالَهُ خَطِيبُ الْقَوْمِ لِدَاوُودَ وَطَرِيقَةَ تَصَرُّفِ دَاوُودَ فِي الْحُكْمِ لَوَجَدْنَا فِيهَا الْعَجَبَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الَّذِي أَدْهَشَنِي فِي حُكْمِ دَاوُودَ هُوَ نُطْقُهُ بِالْحُكْمِ دُونَ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى شَهَادَةِ الْآخَرِ. فَخَطِيبُ الْخَصْمِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ قَدَّمَ حُجَّتَهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص].

    وَلَكِنَّ دَاوُودَ لَمْ يَطْلُبْ سَمَاعَ شَهَادَةِ الْخَصْمِ الْآخَرِ، وَنَطَقَ بِالْحُكْمِ عَلَى الْفَوْرِ: "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ..." [ص].

    السُّؤَالُ: أَهَكَذَا – يَا تُرَى – يَجِبُ أَنْ يَتَصَرَّفَ الْقَاضِي الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ بِالْعَدْلِ؟!

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَنْتَظِرْ (وَلِمَاذَا لَمْ يَطْلُبْ) دَاوُودُ سَمَاعَ شَهَادَةِ الْخَصْمِ الْآخَرِ وَاكْتَفَى بِمَا حَدَّثَهُ بِهِ الْخَصْمُ الْأَوَّلْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ الْخَصْمَ الثَّانِيَ الَّذِي قُدِّمَتِ الشَّكْوَى إِلَى دَاوُودَ ضِدَّهُ هُوَ دَاوُودُ نَفْسُهْ. وَلَكِنْ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكْ؟

    تَصَوُّرُنَا الْمُفْتَرَى لِلْقِصَّةِ: لَمَّا كَانَ خَصْمُ الْقَوْمِ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ هُوَ دَاوُودَ نَفْسَهُ، وَلَمَّا كَانَ دَاوُودُ قَدْ عَلِمَ مِنْ حُجَّةِ خَطِيبِ الْقَوْمِ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ خَصْمُهُمُ الْآخَرُ الَّذِي بَغَى عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا كَانَ دَاوُودُ يَعْلَمُ حَيْثِيَّاتِ الْقَضِيَّةِ كُلَّهَا بِمُجَرَّدِ أَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حُجَّةِ خَصْمِهِ، لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلْ) أَنْ يَسْتَمِعَ لِشَهَادَةِ نَفْسِهْ.

    [مَنْ هُوَ الْأَخُ فِي الْآيَةِ؟]

    أَوَّلًا، لَوْ تَدَبَّرْنَا حَيْثِيَّاتِ الْقَضِيَّةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ خَطِيبَ الْخَصْمِ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ قَدْ قَدَّمَ حُجَّتَهُ ضِدَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَخُوهْ: "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص].

    لِذَا نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ خَصْمَ الْقَوْمِ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ كَانَ شَخْصًا وَاحِدًا فَقَطْ (إِنَّ هَٰذَا أَخِي) فَكَانَ الْخَصْمَانِ هُمَا:

    • الْقَوْمُ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (خَصْمْ).
    • دَاوُودُ نَفْسُهُ (خَصْمْ).

    فَقَدْ تَحْدُثُ مَثَلًا خُصُومَةٌ بَيْنَ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَقَرْيَةٍ بِأَكْمَلِهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، عِنْدَهَا يُصْبِحُ الْقَوْمُ بِأَكْمَلِهِمْ (سُكَّانُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ) خَصْمًا وَاحِدًا عِنْدَمَا يَصْطَفُّونَ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ وَيَكُونُ الشَّخْصُ الَّذِي خَاصَمَهُمْ هُوَ الْخَصْمَ الْآخَرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا عَلَاقَةَ (فِي ظَنِّنَا) لِلْخُصُومَةِ بِالْعَدَدْ. فَقَدْ تَنْشَبُ الْخُصُومَةُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ غَيْرِ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْعَدَدِ لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَا خَصْمَانْ.

    كَمَا نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ (الْخَصْمَ الْآخَرَ) كَانَ حَاضِرًا الْمَجْلِسَ بِدَلِيلِ اسْمِ الْإِشَارَةِ "هَذَا" (إِنَّ هَٰذَا أَخِي) وَلَكِنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ حُجَّتَهُ ضِدَّ خَصْمِهِ فَبَقِيَ صَامِتًا.

    افْتِرَاءَاتٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ اشْتَكَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَانُوا خُلَطَاءَ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا إِخْوَةً فِي الْعَقِيدَةِ وَلَيْسَ فِي الدَّمْ:

    "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات]

    وَكَثِيرًا مَا صَوَّرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَخَ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّهُ رَسُولُهُمْ:

    "إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ" [الشعراء]
    "إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ" [الشعراء]
    "إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ" [الشعراء]
    "إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ" [الشعراء]

    لِذَا نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ أَخَاهُمُ الَّذِي جَاءُوا لِيَشْتَكُوهُ لِدَاوُودَ هُوَ رَسُولُهُمْ. فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ هُوَ أَخَ الْقَوْمِ (كَمَا نَظُنّْ)، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ أَخُوهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ أَخَاهُمْ بِالدَّمْ. لِذَا فَإِنَّ نُوحًا وَهُودًا وَصَالِحًا وَلُوطًا (نَحْنُ نَظُنّْ) لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْقَوْمِ أَنْفُسِهِمْ (وَسَنَتَعَرَّضُ لِتَبِعَاتِ هَذَا الظَّنِّ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ مَتَى مَا أَذِنَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، فَاللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمْ – آمِينْ).

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ الْأَخَ الَّذِي جَاءَ الْقَوْمُ يَشْتَكُونَهُ لِدَاوُودَ هُوَ أَخُوهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ، وَنَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّهُ هُوَ نَبِيُّهُمْ نَفْسُهُ: إِنَّهُ دَاوُودْ.

    [مَعْنَى الْفَزَعِ وَأَهَمِّيَّةُ النَّعْجَةْ]

    ثَانِيًا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ قِصَّةِ نَعْجَةٍ (كَمَا يَتَصَوَّرُهَا الْعَامَّةْ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ نَتَجَ عَنْهُ فَزَعُ دَاوُودَ نَفْسِهْ:

    "إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ" [ص]

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا مُفْرَدَةَ "الْفَزَعِ" فِي كِتَابِ اللَّهِ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا "الْخَوْفُ الشَّدِيدُ جِدًّا"، وَالَّتِي غَالِبًا مَا ارْتَبَطَتْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِالْخَوْفِ الَّذِي يَحْصُلُ فِي الْآخِرَةْ:

    "لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ" [الأنبياء]
    "وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ" [النمل]
    "مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ" [النمل]
    "وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ]
    "وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ" [سبأ]
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَقَدْ كَانَ الْمَوْقِفُ الَّذِي حَصَلَ عِنْدَمَا دَخَلَ الْخَصْمُ اللَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ عَلَى دَاوُودَ مَوْقِفًا رَهِيبًا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّ دَاوُودَ نَفْسَهُ قَدْ فَزِعَ مِنْهُمْ (أَيْ خَافَ خَوْفًا شَدِيدًا)، لِذَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْ هَذَا بِافْتِرَاءَاتٍ ثَلَاثَةٍ عَلَى الْأَقَلّْ:
    1. أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا جَادِّينَ فِي طَلَبِهِمْ.
    2. أَنَّ طَلَبَهُمْ كَانَ شَرْعِيًّا.
    3. أَنَّ طَلَبَهُمْ كَانَ أَمْرًا جَلَلًا.

    وَإِلَّا لَمَّا تَطَلَّبَ الْمَوْقِفُ (نَحْنُ نَظُنّْ) كُلَّ هَذِهِ الْجَلَبَةِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْأَمْرَ مَا كَانَ لِيُحْدِثَ ذَلِكَ الْفَزَعَ فِي نَفْسِ دَاوُودَ مِنْهُمْ، فَمَا كَانَ دَاوُودُ لِيَفْزَعَ (نَحْنُ نُؤْمِنْ) لَوْلَا أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ تَطَلَّبَ فِعْلًا الْفَزَعَ مِنْهُمْ.

    السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ طَلَبُهُمْ؟

    جَوَابْ: نَعْجَةْ.

    السُّؤَالُ: هَلْ هَذَا كُلُّ شَيْءْ؟ هَلْ طَلَبُ نَعْجَةٍ وَاحِدَةٍ يُحْدِثُ كُلَّ هَذِهِ الْجَلَبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ؟

    جَوَابْ: نَعَمْ، إِنْ نَحْنُ فَهِمْنَا مَا هِيَ النَّعْجَةُ الَّتِي طَلَبَهَا الْقَوْمْ.

    السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ تِلْكَ النَّعْجَةْ؟

    جَوَابْ: إِنَّهَا النَّعْجَةُ الَّتِي تُكْفَلْ: "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص].

    سُؤَالْ: وَهَلْ تُكْفَلُ النَّعْجَةُ أَصْلًا؟

    جَوَابْ: إِذَا كَانَ ظَنُّ النَّاسِ بِأَنَّ النَّعْجَةَ هِيَ مِنَ الْمَاشِيَةِ (كَمَا رُبَّمَا يَقَعُ فِي خَاطِرِ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسْ)، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ السُّخْرِيَةَ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَنْطِقِيِّ أَنْ تَحْدُثَ الْكَفَالَةُ لِنَعْجَةْ.

    السُّؤَالُ الدَّقِيقْ: مَا هِيَ النَّعْجَةُ الَّتِي تُكْفَلْ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِنَعْجَةٍ أَنْ تُكْفَلْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: مَادَامَ أَنَّ النَّعْجَةَ تُكْفَلُ بِنَصِّ حَدِيثِ الْخَصْمِ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ: "إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص]، فَإِنَّ الْبَحْثَ عَنِ النَّعْجَةِ يَجِبُ (نَحْنُ نَظُنّْ) أَنْ يَقَعَ فِي بَابِ الْكَفَالَةْ.

    السُّؤَالُ: عَلَى مَنْ تَقَعُ الْكَفَالَةْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَاتَ أَبُوهُ أَوْ مَنْ مَاتَ أَبُوهَا كَمَا فِي حَالَةِ مَرْيَمَ مَثَلًا:

    "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" [آل عمران]

    وَكَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ مُوسَى:

    "إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى" [طه]
    "وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ" [القصص]

    لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكَفَالَةَ قَدْ وَجَبَتْ لِمَرْيَمَ وَلِمُوسَى لِأَنَّ وَالِدَ كُلٍّ مِنْهُمَا كَانَ غَائِبًا (بِالْوَفَاةِ)، فَلَوْ كَانَ وَالِدُ أَحَدِهِمَا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ (أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ حَاضِرًا) لَمَا تَمَّ الْبَحْثُ لَهُ عَنْ كَفَالَةْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى مَنْ مَاتَ أَبُوهُ (أَوْ أَبُوهَا) وَلَازَالَ يَعِيشُ فِي كَنَفِ الْأُمّْ. لِذَا فَإِنَّ النَّعْجَةَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ – هِيَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُهُمُ الرَّجُلُ خَلْفَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ، تَارِكًا زَوْجَتَهُ مَعَ أَطْفَالِهِ الَّذِينَ لَازَالُوا ذُرِّيَّةً ضُعَفَاءْ:
    "وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)" [النساء]

    وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّعْجَةَ هِيَ الْإِنَاثُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ تَجِبُ كَفَالَتُهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَبْلُغْنَ سِنَّ الرُّشْدِ بَعْدْ:

    "وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا" [النساء]
    نَتِيجَةْ: النَّعْجَةُ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْيَتَامَى الَّتِي لَمْ تَبْلُغِ النِّكَاحَ (أَوْ لِنَقُلْ سِنَّ الرُّشْدِ) وَالَّتِي تَجِبُ كَفَالَتُهَا مَادَامَتْ يَتِيمَةَ الْأَبِ لَازَالَتْ تَعِيشُ مَعَ أُمِّهَا.

    [خُرُوجٌ عَنِ النَّصِّ: لِمَاذَا تُسَمَّى نَعْجَةْ؟]

    إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ رُبَّمَا يَطْرَحُهُ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ مَتَى مَا قَرَأَ مِثْلَ هَذِهِ التَّخْرِيفَاتِ الَّتِي نُسَطِّرُهَا هُنَا. وَلَكِنَّنَا نَرُدُّ عَلَيْهِ السُّؤَالَ بِالسُّؤَالِ نَفْسِهْ: لِمَاذَا سُمِّيَتِ النَّعْجَةُ أَصْلًا نَعْجَةْ؟ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ تَسْمِيَةُ النَّعْجَةِ (مِنَ الْمَاشِيَةِ) بِهَذَا الِاسْمْ؟ أَلَا نَجِدُ الْخِطَابَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يُبْرِزُ الْمَعْزَ وَالضَّأْنَ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ "الْمَاشِيَةِ"؟

    "ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" [الأنعام]

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ النَّعْجَةِ بِالْمَعْزِ وَالضَّأْنْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: غَالِبًا مَا خَلَطَ النَّاسُ أُصُولَ الْمُسَمَّيَاتِ، فَهُمْ يَظُنُّونَ وَيْكَأَنَّ مُفْرَدَةَ النَّعْجَةِ (الَّتِي تُشِيرُ إِلَى بَعْضِ نَوْعٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ) مَوْجُودَةٌ أَصْلًا مُنْذُ الْأَزَلِ، وَرُبَّمَا يَعْتَقِدُ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَنَّ أَيَّ اسْتِخْدَامٍ لِهَذِهِ الْمُفْرَدَةِ يَجِبُ أَنْ يُرْبَطَ بِهَذَا الِاسْتِخْدَامِ الدَّارِجِ عَلَى لِسَانِ الْعَامَّةِ، لِذَا فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ وَمَا يَنْتُجُ عَنْهَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءْ. أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا نَدْعُو الْقَارِئَ الْكَرِيمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَمْرِ مِنَ الزَّاوِيَةِ الْمُعَاكِسَةِ، وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكْ؟

    جَوَابْ: دَعْنَا نَظُنُّ (وَلَوْ قَلِيلًا) أَنَّ مُفْرَدَةَ النَّعْجَةِ (بِمَعْنَى أُنْثَى نَوْعٍ مِنَ الْمَاشِيَةِ كَالْمَاعِزِ وَالضَّأْنِ) هِيَ الْفَرْعُ وَأَنَّ هُنَاكَ اسْتِخْدَامًا آخَرَ هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْمُفْرَدَةُ بِاسْتِخْدَامِهَا الدَّارِجِ عَلَى لِسَانِ الْعَامَّةْ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ ذَلِكْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: دَعْنَا نَظُنُّ مَثَلًا أَنَّ مُفْرَدَةَ "نَعْجَةٍ" كَانَتْ تَدُلُّ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَنْ كَانَتْ مِنَ الْإِنَاثِ (أَيْ كُلُّ أُنْثَى بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَوْعِهَا)، فَمُفْرَدَةُ النَّعْجَةِ تَدُلُّ عَلَى الْمُؤَنَّثِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَانْظُرْ – إِنْ شِئْتَ – صِيَغَ التَّأْنِيثِ فِي كُلِّ الضَّمَائِرِ الْعَائِدَةِ عَلَيْهَا:

    "إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص]

    وَمَادَامَ أَنَّهَا نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى احْتِمَالِيَّةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ غَيْرُهَا الْكَثِيرُ مِنَ النَّوْعِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ أَخَاهُ كَانَ عِنْدَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً (إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً).

    وَمَادَامَ أَنَّ النَّعْجَةَ تُكْفَلُ (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا)، فَهِيَ عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيرٍ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَى رِعَايَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَالنَّعْجَةُ إِذَنْ بِحَاجَةٍ إِلَى رِعَايَةٍ مِنْ غَيْرِهَا بِدَلِيلِ كَفَالَتِهَا. وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ رُبَّمَا يَعُودُ إِلَى أَنَّ الْأُنْثَى (النَّعْجَةَ) لَا تَمْلِكُ الْقُوَّةَ الْكَافِيَةَ لِإِطْعَامِ نَفْسِهَا، فَهِيَ بِحَاجَةٍ إِلَى الْآخَرِينَ لِيَرْعَوْنَهَا وَيَتَكَفَّلُونَهَا (أَكْفِلْنِيهَا). وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلْ) أُطْلِقَتِ اللَّفْظَةُ عَلَى أُنْثَى الْمَاشِيَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَرْعَاهَا وَيُطْعِمُهَا، فَكَانَتْ نَعْجَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ نَفْسُهَا (أَيْ نَعْجَةْ) تُطْلَقُ عَلَى الْإِنَاثِ (كُلِّ الْإِنَاثِ) اللَّاتِي لَمْ يَبْلُغْنَ سِنَّ النِّكَاحِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِنَّ الْكَفَالَةُ، فَكَانَتْ بِذَلِكَ نَعْجَةْ. وَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى أَنَّ أُنْثَى الْمَاشِيَةِ (النَّعْجَةَ) تَبْقَى مُلَازِمَةً لِأُمِّهَا فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، وَلَكِنَّهَا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ مُنْفَصِلَةٌ تَمَامًا عَنْ أَبُوهَا الَّذِي قَدْ لَا تَعْرِفُهُ، وَقَدْ تَكْثُرُ النِّعَاجُ عِنْدَ الْأُمِّ فِي غِيَابِ الْوَالِدِ، فَكَمْ مِنْ نَعْجَةٍ (أُنْثَى الْمَاشِيَةِ) يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهَا أَنْ يُحَدِّدَ الْأُمَّ الَّتِي أَنْجَبَتْهُنَّ، وَلَكِنْ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَدِّدَ مَنْ هُوَ وَالِدُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؟ مَنْ يَدْرِي؟!!! لَا ضَيْرَ أَنْ تَسْأَلَ بَعْضَ مَنْ يُرَبُّونَ الْمَاشِيَةَ لِتَعْرِفَ الْإِجَابَةَ مِنْهُمْ مُبَاشَرَةْ.

    [الدَّلِيلُ: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ]

    يُبَيِّنُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ خُلِقَ مِنْ عَجَلْ:

    "خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء]

    السُّؤَالُ: هَلْ فِعْلًا خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ كَهَذَا، مَثَلًا؟ 

    صورة توضيحية لعجل خشبي قديم
    صورة توضيحية لعجلة سيارة خلفية بيضاء تظهر بشكل ثلاثي الابعاد بدون تشريح فقط عجلة بسيطة

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَعَمْ، أَظُنُّ ذَلِكَ، شَرِيطَةَ أَنْ نَتَفَكَّرَ بِالْأَمْرِ مِنَ الزَّاوِيَةِ الْمُعَاكِسَةِ الَّتِي تَحَدَّثْنَا عَنْهَا آنِفًا فِي قَضِيَّةِ مُفْرَدَةِ النَّعْجَةِ، فَبَدَلَ أَنْ نَتَفَكَّرَ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعَجَلِ، فَنَتَصَوَّرَ (خَطَأً) وَيْكَأَنَّ وُجُودَ الْعَجَلِ جَاءَ سَابِقًا لِخَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَعَلَيْنَا (نَحْنُ نَظُنّْ) أَنْ نَعْكِسَ الصُّورَةَ لِنَتَفَكَّرَ بِالْأَمْرِ مِنَ الْمَنْظُورِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْمُجَادَلَةُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ أَسْبَقُ مِنَ الْعَجَلِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الصُّورَةْ. فَيَكُونُ السُّؤَالُ الْحَتْمِيُّ عِنْدَهَا هُوَ: لِمَاذَا نُسَمِّي هَذَا الشَّيْءَ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الشَّكْلِ السَّابِقِ بِالْعَجَلْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّهَا السُّرْعَةُ، فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْعَجَلَ يُسَمَّى عَجَلًا لَيْسَ لِشَيْءٍ خَاصٍّ بِشَكْلِهِ الدَّائِرِيِّ وَإِلَّا فَإِنَّ مِقْوَدَ السَّيَّارَةِ نَفْسَهُ هُوَ دَائِرِيُّ الشَّكْلِ كَمَا الْعَجَلْ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ قَدْ جَاءَتْ بِسَبَبِ الْمَادَّةِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْهَا الْعَجَلُ لِأَنَّ الْعَجَلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ مِنْ أَيِّ مَادَّةٍ أُخْرَى، فَلِمَاذَا سُمِّيَ بِالْعَجَلِ إِذَنْ؟

    جَوَابْ: أَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ بِسَبَبِ خَاصِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ السُّرْعَةُ، فَهَذَا الشَّيْءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ هُوَ عَجَلٌ لِأَنَّهُ سَرِيعْ. لِذَا يَكُونُ تَصَوُّرُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ خُلِقَ مِنْ عَجَلٍ (أَيْ مِنْ سُرْعَةٍ)، وَعِنْدَهَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَدَبَّرَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ السَّابِقَةَ مِنْ هَذَا الْمَنْظُورْ:

    "خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء]

    وَرُبَّمَا عِنْدَهَا فَقَطْ نَسْتَطِيعُ بِكُلِّ يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ أَنْ نَرْبِطَ الْعَجَلَ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ لَا أَنْ نَرْبِطَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ بِالْعَجَلِ الَّذِي نَرَاهُ فِي الشَّكْلِ السَّابِقْ:

    • الصُّورَةُ الْخَاطِئَةْ: خَلْقُ الْإِنْسَانِ ← الْعَجَلْ.
    • الصُّورَةُ الْحَقِيقِيَّةْ: خَلْقُ الْإِنْسَانِ → الْعَجَلْ.

    وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْخَاصَّ بِخَلْقِ الْإِنْسَانِ (أَيِ الْعَجَلَةَ) هُوَ الْمَعْنَى الْأَسَاسِيُّ وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الصُّورَةِ (أَيِ الْعَجَلَ) هُوَ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

    "وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" [البقرة]
    "قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)" [الأنعام]
    "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [الأعراف]
    "وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ" [يونس]
    "أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [النحل]

    [عَوْدَةٌ عَلَى النَّعْجَةِ وَالْكَفَالَةْ]

    عَوْدَةٌ عَلَى النَّعْجَةِ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَرْبِطَ مُفْرَدَةَ النَّعْجَةِ الْخَاصَّةَ بِالْمَاشِيَةِ (الَّتِي نَعْرِفُهَا عَلَى لِسَانِ الْعَامَّةِ) بِالْأَصْلِ الَّذِي جَاءَتْ مِنْهُ، فَمَا هُوَ ذَلِكَ الْأَصْلُ الَّذِي جَاءَتْ مِنْهُ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مُفْرَدَةَ النَّعْجَةِ كَانَتْ تَدُلُّ فِي الْأَصْلِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَحْتَاجُ مِنَ الْإِنَاثِ إِلَى كَفَالَةٍ (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) وَذَلِكَ رُبَّمَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهَا عَلَى إِطْعَامِ نَفْسِهَا أَوْ لِانْفِصَالِهَا (بِسَبَبِ الْوَفَاةِ) عَنْ وَالِدِهَا الَّذِي كَانَ يَرْعَاهَا، وَلَمَّا كَانَتِ الْكَفَالَةُ لَا تَقَعُ (فِي رَأْيِنَا) إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَتْ يَتِيمَةَ الْأَبِ فَقَطْ، فَإِنَّ النَّعْجَةَ الَّتِي طَلَبَ الْقَوْمُ الَّذِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ كَفَالَتَهَا هِيَ فَتَاةٌ مَاتَ وَالِدُهَا، فَأَصْبَحَتْ كَفَالَتُهَا وَاجِبَةً عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ بِالضَّبْطِ كَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانْ:
    "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" [آل عمران]
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ يَتِيمَةَ الْأَبِ تَعِيشُ فِي كَنَفِ أُمِّهَا كَانَتْ بِذَلِكَ "نَعْجَةً"، وَكَانَتْ كَفَالَتُهَا وَاجِبَةً عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، فَكَانَ الْقَرَارُ الْإِلَهِيُّ هُوَ إِلْزَامَ زَكَرِيَّا بِهَا، فَجَاءَ ذَلِكَ الْإِلْزَامُ عَلَى شَكْلِ كَفَالَةٍ (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاغِبًا فِيهَا. فَالْقَوْمُ كَانُوا يَتَخَاصَمُونَ فِي كَفَالَةِ مَرْيَمَ لِأَنَّ أَحَدًا (نَحْنُ نَظُنّْ) لَمْ يَكُنْ رَاغِبًا فِي ذَلِكْ:
    "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ" [آل عمران]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟)

    السُّؤَالُ: كَيْفَ تَتِمُّ كَفَالَةُ النَّعْجَةْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِكَيْ تَحْصُلَ الْكَفَالَةُ لِلنَّعْجَةِ (أَيِ الْأُنْثَى الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ النِّكَاحِ) فَلَابُدَّ مِنْ إِيجَادِ رَابِطِ التَّحْرِيمِ بَيْنَهَا وَمَنْ يَكْفُلُهَا مِنَ الرِّجَالِ كَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ مَرْيَمْ: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا..." [آل عمران].

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ تَنْشَأَ رَابِطَةُ التَّحْرِيمِ بَيْنَ الْكَفِيلِ (الرَّجُلِ الْبَالِغِ) مَعَ النَّعْجَةِ (الْمَكْفُولَةِ)؟

    جَوَابْ: حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا وَيَخْرُجَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ زَكَرِيَّا. انْظُرْ تَتِمَّةَ الْآيَةِ السَّابِقَةْ: "...كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" [آل عمران].

    فَزَكَرِيَّا كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَرْيَمَ فِي مَكَانِ خَلْوَتِهَا وَهُوَ الْمِحْرَابُ (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ)، وَمَا كَانَ ذَلِكَ يُشَكِّلُ لَهُ حَرَجًا، فَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ مَحَارِمِهْ؟

    لَقَدْ دَعَانَا هَذَا التَّصَوُّرُ إِلَى طَرْحِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي: لِمَاذَا لَمْ تَتَّهِمِ الْيَهُودُ مَرْيَمَ بِزَكَرِيَّا؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَتَّهِمُوا زَكَرِيَّا بِمَرْيَمْ؟ لِمَاذَا لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حِينَئِذٍ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّ الْغُلَامَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ مَرْيَمُ (الْمَسِيحَ) هُوَ فِعْلًا ابْنُ زَكَرِيَّا الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الْمِحْرَابْ؟ فَهَلْ كَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَلِيَ بِمَرْيَمَ فِي مِحْرَابِهَا غَيْرُ زَكَرِيَّا نَفْسِهْ؟ ثُمَّ، أَلَمْ يَهَبِ اللَّهُ لِزَكَرِيَّا وَلَدَهُ يَحْيَى بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا؟ لِمَ لَمْ يُدْخِلْ ذَلِكَ الشَّكَّ وَالرِّيبَةَ فِي قَلْبِ نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ حِينَئِذْ؟ وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، كَيْفَ يَجْرُؤُ زَكَرِيَّا نَفْسُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَرْيَمَ الْمِحْرَابَ (فِي خَلْوَةٍ) وَهِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَحَارِمْ؟

    جَوَابْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ دُخُولَ زَكَرِيَّا عَلَى مَرْيَمَ كَانَ مَشْرُوعًا وَذَلِكَ لِأَنَّ عَلَاقَةً مُحَرَّمَةً قَدْ نَشَأَتْ بَيْنَهُمَا، فَكَيْفَ تَمَّ ذَلِكْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: بِالْكَفَالَةِ، فَمَا أَنْ كَفَلَ زَكَرِيَّا مَرْيَمَ، حَتَّى أَصْبَحَتْ مَرْيَمُ (نَحْنُ نَظُنّْ) مِنْ مَحَارِمِ زَكَرِيَّا.

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟

    جَوَابْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ لِأَنَّ زَكَرِيَّا قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمِّ مَرْيَمَ، فَأَصْبَحَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ امْرَأَتِهْ:

    "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" [النساء]

    وَأَصْبَحَتْ مَرْيَمُ بِذَلِكَ مِنْ رَبَائِبِ زَكَرِيَّا، أَيِ الرَّبَائِبِ اللَّاتِي فِي الْحُجُورِ مِنْ نِسَاءِ الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ بِهِنَّ (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ)، فَنَشَأَتْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُمَا صِفَةُ التَّحْرِيمِ، وَلَوْ لَمْ يَتِمَّ دُخُولُ زَكَرِيَّا بِأُمِّ مَرْيَمَ لَبَقِيَتْ (نَحْنُ نَظُنّْ) مَرْيَمُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَحْرُمْنَ عَلَى زَكَرِيَّا نَفْسِهِ (فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، وَمَا كَانَ زَكَرِيَّا سَيَسْتَطِيعُ حِينَهَا أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَرْيَمَ مِحْرَابَهَا وَهِيَ فِي خَلْوَةْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: تُصْبِحُ الرَّبَائِبُ اللَّاتِي فِي حُجُورِ الرِّجَالِ مِنْ نِسَائِهِمُ اللَّاتِي دَخَلُوا بِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الرَّجُلْ. لِذَا كَانَتْ مَرْيَمُ رَبِيبَةَ زَكَرِيَّا (أَيْ مَنْ تَرَبَّتْ فِي بَيْتِ زَكَرِيَّا) وَذَلِكَ لِأَنَّ زَكَرِيَّا قَدْ كَفَلَهَا لِأَنَّهُ دَخَلَ بِوَالِدَتِهَا، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَالِدَتِهَا لَمَا نَشَأَتْ عَلَاقَةُ تَحْرِيمٍ بَيْنَهُمَا (فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).

    السُّؤَالُ: وَمَاذَا لَوْ أَنَّ وَالِدَ الطِّفْلِ أَوِ الطِّفْلَةِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ النِّكَاحِ (أَيِ الْيَتِيمَ) قَدْ تُوُفِّيَ وَأَنَّ وَالِدَتَهُ كَانَتْ أَيْضًا قَدْ تُوُفِّيَتْ؟ هَلْ تَقَعُ الْكَفَالَةُ بِحَقِّهِ؟ أَيْ مَاذَا يُفْعَلُ بِمَنْ مَاتَ وَالِدُهُ وَوَالِدَتُهُ (أَيْ أَصْبَحَ يَتِيمَ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَعًا) سَوَاءً كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؟

    جَوَابْ. لَا أَظُنُّ أَنَّ الْكَفَالَةَ تَقَعُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلْ) لَا يَقَعُ تَحْتَ مُسَمَّى الْكَفَالَةِ وَإِنَّمَا يَقَعُ (نَحْنُ نَظُنّْ) تَحْتَ مُسَمًّى آخَرَ وَهِيَ الْوِلَايَةْ:

    "...فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ..." [البقرة]
    "وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا" [الإسراء]

    فَالْوَلِيُّ هُوَ (نَحْنُ نَظُنّْ) الْأَقْرَبُ إِلَى الْيَتِيمِ بِرَابِطَةِ الدَّمِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ)، فَهُوَ الْأَحَقُّ بِوِلَايَةِ الْيَتَامَى لِأَقْرِبَائِهِ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ وَتَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضُعَفَاءْ.

    (وَسَنَتَعَرَّضُ فِي مَقَالَاتٍ لَاحِقَةٍ – إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ – لِلتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْكَفَالَةِ وَالْوِلَايَةِ وَتَبِعَاتِ ذَلِكَ فِي التَّشْرِيعَاتِ، فَاللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يَهْدِيَنِي رُشْدِي وَأَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمْ إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ).

    [عَوْدَةٌ عَلَى قِصَّةِ النَّعْجَةِ وَفِتْنَةِ دَاوُودَ]

    كَانَ دَاوُودُ هُوَ مَنْ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ بِالْقِسْطِ، وَكَانَ يَحْرِصُ (نَحْنُ نَظُنُّ يَقِينًا) أَنْ يُقِيمَ شَرْعَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ قَضَى أَمْرَهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضْ:

    "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" [ص]

    وَلَكِنْ لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ لَوَجَدْنَا بِكُلِّ يُسْرٍ وَسُهُولَةٍ التَّنْبِيهَ الْإِلَهِيَّ قَدْ جَاءَ وَاضِحًا لِدَاوُودَ بِأَنْ لَا يَتَّبِعَ الْهَوَى (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى)، لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى ضَلَالٌ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، فَهَلْ تَنَبَّهَ دَاوُودُ لِهَذَا الْخَطَرِ الْمُحْدِقِ بِهِ (وَهُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى)؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَلَّا، لَقَدْ وَقَعَ دَاوُودُ فِي ذَلِكَ الشَّرَكِ، وَهَذَا فِي ظَنِّنَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي دَفَعَ بِالْقَوْمِ أَنْ يَتَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ عَلَى دَاوُودَ، وَلَكِنْ كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ دَاوُودُ هُوَ صَاحِبَ الْقَرَارِ (أَيِ الْقَاضِيَ) عَمَدَ (رُبَّمَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ) إِلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصِبِ لِمَآرِبِهِ الشَّخْصِيَّةِ (وَلِتَوْضِيحِ الصُّورَةِ دَعْنَا نَتَذَاكَرُ مَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ عِنْدَمَا نَسْرِقُ أَمْوَالَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ نَتَوَلَّى الْمَنْصِبَ بِحُجَّةِ أَنَّنَا نَقُومُ بِخِدْمَتِهِمْ، فَنَعْمَدُ إِلَى سَنِّ بَعْضِ الْقَوَانِينِ وَالتَّشْرِيعَاتِ الَّتِي تُتِيحُ لَنَا سَرِقَةَ النَّاسِ جِهَارًا نَهَارًا فَلَا تَصِلُ يَدُ الْقَانُونِ إِلَيْنَا، وَمَنْ أَرَادَ الْمُجَادَلَةَ فَلْيَنْظُرْ فِي الْقَوَانِينِ وَالتَّشْرِيعَاتِ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْحُكُومِيَّةِ الَّتِي تُتِيحُ لِصَاحِبِ الْمَنْصِبِ سَرِقَةَ مُقَدَّرَاتِ الْمُؤَسَّسَةِ بِأَكْمَلِهَا بِالْقَانُونْ. فَهَذَا مَجْلِسُ التَّعْلِيمِ الْعَالِي الْأُرْدُنِيُّ مَثَلًا الْمُؤَلَّفُ مِمَّنْ تَعَطَّلَتْ أَعْضَاؤُهُمُ التَّنَاسُلِيَّةُ عَنِ الْإِنْجَابِ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الْعُمْرِ وَمَا عَادَ أَوْلَادُهُمُ الْمُبَاشِرِينَ يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِفَادَةَ مِنْ مُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِ الْعَالِي وَقَدْ أَخَذُوا يَسُنُّونَ التَّشْرِيعَاتِ وَالْمَكْرُمَاتِ الَّتِي تُتِيحُ لِأَحْفَادِهِمُ الِاسْتِفَادَةَ مِنْهَا. فَأَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْصُلَ عَلَى مَقْعَدٍ فِي جَامِعَاتِ الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ الْعَتِيدَةِ لِمُجَرَّدِ أَنْ يَكُونَ جَدُّكَ مِمَّنْ هُمْ أَعْضَاءٌ فِي مَجْلِسِ التَّعْلِيمِ الْعَالِي. مَا شَاءَ اللَّهْ!!!

    أَيُّ شَرِيعَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَأَيُّ دُسْتُورٍ وَضْعِيٍّ يَسْمَحُ أَنْ يَسْتَفِيدَ (الْحِمَارُ) مِنَ الْعِلْمِ لِمُجَرَّدِ أَنَّ جَدَّهُ كَانَ يَوْمًا مِنَ الَّذِينَ رُبَّمَا يَعْقِلُونْ. مَنْ يَدْرِي؟!!!

    وَهَذَا طَالِبٌ يَحْصُلُ عَلَى مُعَدَّلِ 85% فِي امْتِحَانِ الثَّانَوِيَّةِ الْعَامَّةِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ عَلَى مَقْعَدٍ فِي كُلِّيَّةِ الطِّبِّ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ الْحُصُولَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ كَانَ مُعَدَّلٌ قَدْ تَجَاوَزَ 97% فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ، وَالسَّبَبُ أَنَّ وَالِدَهُ يَشْتَغِلُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ جَامِعَاتِ الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ فَقَطْ. مَنْ يَدْرِي؟!!!

    وَهَذَا الطَّالِبُ نَفْسُهُ يَدْفَعُ جُزْءًا مِنَ التَّكَالِيفِ وَتُعَادُ إِلَيْهِ مُعْظَمُهَا إِنْ نَجَحَ فِي الْمَسَاقَاتِ الَّتِي دَرَسَهَا وَحَصَلَ عَلَى مُعَدَّلٍ جَيِّدٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِمَنْ كَانَ وَالِدُهُ أَوْ وَالِدَتُهُ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ فِي الْجَامِعَةْ. مَنْ يَدْرِي؟!!!

    وَهَاهُمْ أَبْنَاءُ رَئِيسِ الْجَامِعَةِ وَأَبْنَاءُ نُوَّابِهِ الْأَفَاضِلِ يَسْتَخْدِمُونَ السَّيَّارَاتِ الرَّسْمِيَّةَ (مَعَ السَّائِقِ الْخَاصِّ) لِلذَّهَابِ إِلَى الْجِمْنَازْيُومِ وَالْكَوَافِيرِ وَيَأْخُذُونَ أَصْحَابَهُمْ مَعَهُمْ فِي الطَّرِيقِ إِلَى هُنَاكَ، وَهَذَا مُسَطَّرٌ فِي التَّشْرِيعَاتِ وَالْقَوَانِينِ، بَيْنَمَا بِالْمُقَابِلِ لَا يُسْمَحُ لِي أَنَا كَعُضْوِ هَيْئَةِ تَدْرِيسٍ فِي الْجَامِعَةِ أَنْ أَسْتَخْدِمَ آلَةَ التَّصْوِيرِ لِنَسْخِ بَحْثٍ أَمْضَيْتُ شُهُورًا وَرُبَّمَا سَنَوَاتٍ فِي كِتَابَتِهِ، فَعَلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ خَارِجَ حُدُودِ الْجَامِعَةِ لِأُصَوِّرَهُ عَلَى نَفَقَتِي الْخَاصَّةِ وَإِلَّا فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ "سَرِقَةً" مَادَامَ أَنَّ التَّشْرِيعَاتَ لَا تَسْمَحُ بِذَلِكْ. مَنْ يَدْرِي؟!!!

    وَتُطَبَّقُ مِثْلُ هَذَا "الْمَهَازِلِ" فِي كُلِّ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ تَحْتَ مُسَمَّيَاتِ الْقَانُونِ وَالتَّشْرِيعَاتْ.

    أَمَّا أَنَا فَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَرَاجَعْتُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِعَهْدَيْهِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ وَدَقَّقْتُ فِي بَعْضِ التَّشْرِيعَاتِ الْأَرْضِيَّةِ فَمَا وَجَدْتُ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَحْرِصُونَ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ، وَأَعْذِرُونِي – يَا سَادَةْ – أَنْ أَقُولَ أَنِّي مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُخْرِجَهُ إِلَّا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِ الْمَنْسُوبِ لِلنَّبِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ وَهُوَ: "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ".

    نَعَمْ، إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتْ. فَكَمْ مِنَّا يُطْعِمُ أَوْلَادَهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي سَرَقَهُ جِهَارًا نَهَارًا وَتَحْتَ حِمَايَةِ الْقَانُونْ؟! وَكَمْ مِنَّا قَدَّمَ لِنِسَائِهِ الْهَدَايَا مِنْهْ؟! وَكَمْ مِنَّا بَنِي الْبُيُوتَ الْفَارِهَةَ وَالْعِزَبَ وَالضِّيَاعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ الْمَنْهُوبِ وَمَا رَضِيَ إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ عَلَى مَدَاخِلِهَا: "هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي".

    وَأَنَا مَالِي، مَا أَنَا حَالِي مِثْلُ حَالِهِمْ بَلْ رُبَّمَا أَضَلُّ سَبِيلًا!!!

    (دُعَاءْ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَفْتِنِّي لِأَنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمْ).

    الْمُهِمُّ بِالْمَوْضُوعِ – عَزِيزِي الْقَارِئَ – أَنَّ دَاوُودَ (عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ) قَدْ وَقَعَ فِي شَرَكِ اسْتِغْلَالِ الْمَنْصِبِ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَيْهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ، فَكَيْفَ تَمَّ ذَلِكْ؟

    تَخَيُّلَاتٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمَّا كَانَ دَاوُودُ يُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ شَرْعَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ وَاجِبِهِ أَنْ يَتَكَفَّلَ مَنْ كَانَتْ مِنَ الْأَيْتَامِ (أَيِ النِّعَاجَ)، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ بِحَقِّ الْأَيْتَامِ هُوَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي تَنُصُّ عَلَيْهَا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:

    "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ" [النساء]

    فَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقْسِطَ فِي الْيَتَامَى بِنِكَاحِ أُمَّهَاتِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ، فَكَانَ بِذَلِكَ يَكْفُلُ الْأَيْتَامْ.

    السُّؤَالُ: مَا الْمُشْكِلَةُ فِي ذَلِكْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَا أَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ مُشْكِلَةً سِوَى أَنَّ دَاوُودَ (أَنَا أَتَخَيَّلُ) قَدْ أَعْجَبَهُ الْأَمْرُ فَتَمَادَى فِي ذَلِكَ، فَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ أَرْمَلَةً يَمُوتُ زَوْجُهَا تَارِكًا إِيَّاهَا مَعَ ذُرِّيَّةٍ ضُعَفَاءَ مِنْ خَلْفِهِ إِلَّا وَيُقَدِّمُ نَفْسَهُ لِخِطْبَتِهَا:

    "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)" [البقرة]

    فَمَا أَنْ تَبْلُغَ الْمَرْأَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَجَلَهَا بَعْدَ فَتْرَةِ التَّرَبُّصِ وَهِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْأَجْزَاءَ السَّابِقَةَ حَوْلَ طُولِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ) وَقَدْ تَرَكَ مَعَهَا ذُرِّيَّةً ضُعَفَاءَ حَتَّى يَعْرِضَ دَاوُودُ نَفْسَهُ لِخِطْبَتِهَا بِحُجَّةِ كَفَالَةِ الْأَيْتَامْ. فَمَا كَانَ دَاوُودُ (نَحْنُ نَظُنّْ) يَكِنُّ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ)، فَأَصْبَحَ يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ وَيْكَأَنَّهُ الشَّخْصُ الْوَحِيدُ الْمُؤَهَّلُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ أَجْمَعِينَ لِخِطْبَةِ النِّسَاءِ بِحُجَّةِ كَفَالَةِ الْأَيْتَامْ. فَفَعَلَ دَاوُودُ ذَلِكَ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ حَتَّى أَصْبَحَ عَدَدُ النِّعَاجِ (الْيَتَامَى اللَّذِينَ كَفَلَهُمْ) عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ، وَمَا كَانَ يَتْرُكُ لِلْقَوْمِ إِلَّا الْقَلِيلْ:

    "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص]

    وَلَمَّا وَجَدَ الْقَوْمُ أَنَّ دَاوُودَ قَدْ أَصْبَحَ مُتَّبِعًا لِلْهَوَى أَكْثَرَ مِنْ إِقَامَةِ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا كَانَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ لَهُ يَقْضِي:

    "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" [ص]

    حَتَّى ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ دَاوُودَ قَدْ ضَلَّ عَنِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ جَاءُوهُ مُحَذِّرِينَ مُهَدِّدِينْ:

    "إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)" [ص]

    فَطَلَبُ الْقَوْمِ (كَمَا نَفْهَمُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ) كَانَ يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ:

    1. الْحُكْمَ بَيْنَ الْخَصْمَانِ بِالْعَدْلِ (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ).
    2. أَنْ لَا يَشْطِطَ (وَلَا تُشْطِطْ).
    3. أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ).

    وَهَذَا مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ طَلَبَهُ مِنْ دَاوُودَ عِنْدَمَا جَعَلَهُ خَلِيفَةً كَمَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" [ص]

    وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ تَذَكَّرَ دَاوُودُ مِقْدَارَ الْغَلَطِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، فَجَاءَ حُكْمُهُ بِالْإِقْرَارِ بِشَرْعِيَّةِ طَلَبِهِمْ، وَإِلْقَاءِ التُّهْمَةِ عَلَى كَاهِلِهِ وَالطَّلَبِ مِنَ اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ عَلَى مَا فَرَّطَ فِي جَنْبِهْ:

    "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ" [ص]

    فَجَاءَتِ الْمِنَّةُ الْإِلَهِيَّةُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةْ:

    "فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ" [ص]

    [الدَّلِيلُ: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ]

    لَوْ تَدَبَّرْنَا مَا قَالَهُ خَطِيبُ الْقَوْمِ رُبَّمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْلِبَ مِنْ خِلَالِهِ الدَّلِيلَ عَلَى هَذَا الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا. وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكْ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ (كَمَا نَفْهَمُهُ) رُبَّمَا يُمْكِنُ جَلْبُهُ مِنْ عِبَارَةِ (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) الَّتِي جَاءَتْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا: "إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" [ص].

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى قَوْلِ خَطِيبِ الْقَوْمِ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ؟

    أَوَّلًا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ فِي الْعِزَّةِ ارْتِفَاعَ شَأْنِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ، فَالْعَزِيزُ مِنَ النَّاسِ هُوَ الَّذِي اكْتَسَبَ مَكَانَةً اجْتِمَاعِيَّةً فَوْقِيَّةً كَمَا كَانَ حَالُ عَزِيزِ مِصْرَ (انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةِ يُوسُفَ).

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ خَصْمَ خَطِيبِ الْقَوْمِ كَانَ أَعَزَّ مِنْهُ فِي الْمَكَانَةِ الْاجْتِمَاعِيَّةْ.

    ثَانِيًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِزَّةَ هَذَا الْخَصْمِ كَانَتْ فِي الْخِطَابِ (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا أَظُنُّ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْخِطَابِ هُنَا تَعْنِي "الْقَوْلَ فِي الْعَلَنِ"، لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي وَقَفَ يَتَحَدَّثُ أَمَامَ دَاوُودَ كَانَ خَطِيبًا بَارِعًا فِي إِلْقَاءِ حُجَّتِهِ لِدَرَجَةِ أَنَّ خَصْمَهُ لَمْ يَتَفَوَّهْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْقَاضِيَ دَاوُودَ (وَهُوَ خَصْمُهُ) قَدْ أَقَرَّ بِقُوَّةِ حُجَّتِهْ. فَمَا الْخِطَابُ الَّذِي عَزَّهُ بِهِ إِذَنْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْخِطَابِ هُنَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مُفْرَدَةِ خِطْبَةِ النِّسَاءْ:

    "وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ" [البقرة]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُصْبِحُ مَعْنَى عِبَارَةِ (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) إِذَنْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ خَطِيبَ الْقَوْمِ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُوصِلَ رِسَالَةً إِلَى دَاوُودَ مَفَادُهَا بِأَنَّ خَصْمَهُ (وَهُوَ دَاوُودُ نَفْسُهُ) قَدْ عَزَّهُ فِي خِطْبَةِ النِّسَاءِ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ أَعَزَّ مِنْهُ مَكَانَةً اجْتِمَاعِيَّةً، فَمَا كَانَ أَحَدٌ لِيُزَوِّجَهُ لَوْ أَنَّ خَصْمَهُ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَكَانَةِ الْاجْتِمَاعِيَّةِ قَدْ تَقَدَّمَ مَعَهُ لِخِطْبَةِ الْمَرْأَةِ نَفْسِهَا. فَلَوْ تَعَرَّضَ هَذَا الرَّجُلُ مَعَ خَصْمِهِ لِخِطْبَةِ امْرَأَةٍ مَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ (وَرُبَّمَا أَهْلَهَا) لَا شَكَّ سَتَقْبَلُ بِخَصْمِهِ لِأَنَّهُ أَعَزُّ مِنْهُ مَكَانَةً اجْتِمَاعِيَّةْ.

    مِثَالْ: تَخَيَّلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنِّي تَقَدَّمْتُ أَنَا مَثَلًا لِخِطْبَةِ امْرَأَةٍ مَا وَتَقَدَّمَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ شَخْصٌ آخَرُ لِخِطْبَتِهَا، فَمَنْ مِنَ النِّسَاءِ سَتَرْضَى بِأَيِّ شَخْصٍ غَيْرِي؟ أَلَسْتُ أَنَا أَحْلَى رَجُلٍ بِالْعَالَمْ؟ هَلْ سَتَقْبَلُ امْرَأَةٌ بِأَقَلَّ مِنِّي؟ فَلَوْ حَصَلَ هَذَا لَكُنْتُ قَدْ عَزَزْتُ خَصْمِي فِي الْخِطَابِ لِأَنَّ النَّاسَ سَيُزَوِّجُونَنِي وَلَا يُزَوِّجُونَ خَصْمِي. مَنْ يَدْرِي؟!!!

    السُّؤَالُ: فَكَيْفَ لَوْ كَانَ خَصْمُ خَطِيبِ الْقَوْمِ هُوَ دَاوُودَ نَفْسَهُ؟ فَمَنْ كَانَ سَيُزَوِّجُ هَذَا الْخَصْمَ وَيَتْرُكُ دَاوُودَ؟ وَمَنْ كَانَ سَيَقْبَلُ بِخِطْبَةِ هَذَا الْخَصْمِ وَلَا يَقْبَلُ بِخِطْبَةِ خَصْمِهِ دَاوُودْ؟!

    تَخَيُّلَاتٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّهُ إِنْ تَقَدَّمَ دَاوُودُ لِخِطْبَةِ امْرَأَةٍ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ كَانَ (لَا شَكَّ) سَيَعُزُّ خَصْمَهُ فِي الْخِطَابِ (أَيْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) لِأَنَّ النِّسَاءَ سَيَقْبَلْنَ بِدَاوُودَ وَلَنْ يَقْبَلْنَ بِخَصْمِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دَاوُودَ هُوَ صَاحِبُ الْمَكَانَةِ الْاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَطْمَعُ بِهَا النِّسَاءْ. فَتَخَيَّلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنَّ مَلِكًا عَادِيًّا قَدْ تَقَدَّمَ لِخِطْبَةِ وَاحِدَةٍ مِنْ بَنَاتِ رَعَايَاهُ، فَكَمْ سَيَعُزُّ غَيْرَهُ فِي ذَلِكْ؟ فَمَا بَالُكَ بِدَاوُودَ نَفْسِهْ؟

    السُّؤَالُ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّ دَاوُودَ قَدْ فَعَلَ هَذَا؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نَقْرَأُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بِحَقِّ دَاوُودَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)" [ص]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ لِدَاوُودَ فَصْلَ الْخِطَابِ؟ وَمَا هُوَ الْخِطَابُ الَّذِي كَانَ دَاوُودُ يَفْصِلُ فِيهْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ دَاوُودَ كَانَ هُوَ الْحَكَمَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْفَصْلَ فِي الْخِطَابِ (أَيْ فِي تَزْوِيجِ النِّسَاءِ)، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ دَاوُودُ صَاحِبَ مَكَانَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ فَقَدْ عَزَّ كُلَّ خَصْمِهِ كَمَا قَالَ خَطِيبُ الْخَصْمِ (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ). فَكَانَتِ النِّسَاءُ تَقْبَلُ بِالزَّوَاجِ مِنْ دَاوُودَ مِنْ دُونِ رِجَالِ الْقَوْمِ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يَكُنْ دَاوُودُ لِيَرْفُضَ، بَلْ فَعَلَهَا مَرَّاتٍ عَدِيدَةً حَتَّى أَصْبَحَ عَدَدُ نِعَاجِهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ، عِنْدَهَا ضَجِرَ الْقَوْمُ بِدَاوُودَ فَجَاءُوهُ مُحَذِّرِينَ مُهَدِّدِينَ، عِنْدَهَا أَدْرَكَ دَاوُودُ خَطَأَهُ فَتَرَاجَعَ عَلَى الْفَوْرْ.

    وَالْآنَ لِنَقْرَأْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ – الْقِصَّةَ كُلَّهَا كَمَا جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي سِيَاقِهَا الْكَامِلِ مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ، وَلْنَتَتَبَّعِ الْمُفْرَدَاتِ وَالْعِبَارَاتِ الَّتِي وَقَفْنَا عِنْدَهَا حَيْثُ وَضَعْنَا تَحْتَهَا خَطًّا:

    "اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)" [ص]

    السُّؤَالُ: هَلْ تَبْدُو الْأَحْدَاثُ – عَزِيزِي الْقَارِئَ – أَكْثَرَ وُضُوحًا فِي مُخَيِّلَتِكَ؟ مَنْ يَدْرِي؟!!

    جَوَابْ: أَرْجُو أَنْ تَعْقِدَ مُقَارَنَةً بَيْنَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الَّتِي نَسَجْنَاهَا مِنْ مِخْيَالِنَا عَنْ قِصَّةِ نِعَاجِ دَاوُودَ وَنَعْجَةِ خَصْمِهِ فِي مُقَابِلِ الْعِلْمِ الْعَظِيمِ وَالْغَزِيرِ الَّذِي وَصَلَكَ عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ مِنْ عِنْدِ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ كَالطَّبَرِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ مَثَلًا.

    (دُعَاءْ: أَللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ افْتَرِيَ عَلَيْكَ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْكَ غَيْرَ الْحَقِّ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ).

    وَأَخِيرًا، نَحْنُ لَا نَشُكُّ قِيدَ أَنْمُلَةٍ أَنَّ عَمَلَ دَاوُودَ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ لِذَاتِهِ، فَدَاوُودُ لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَدَّى عَلَيْهِمْ فِعْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ وَقَعَ فِيهِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ ظَنًّا مِنْ دَاوُودَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَتَنَهُ:

    "...وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ" [ص]

    فَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطَأَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ وَمَنْ يَفْعَلُهُ عَنْ سَابِقِ إِصْرَارْ:

    "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" [البقرة]

    دُعَاءْ: رَبِّي لَا تُؤَاخِذْنِي إِنْ نَسِيتُ أَوْ أَخْطَأْتُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – آمِينْ.

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةْ.


    المدّكرون: رشيد سليم الجراح        &        علي محمود سالم الشرمان

    بقلم: د. رشيد الجراح

    11 آذار 2014

    [1] لاحظ أن التفسير منسوب في الأصل إلى ابن إسحق (أي محمد بن إسحق)، أليس كذلك؟

    [2] ولا أظن أن أم مريم وأم يحيى أخوات (كما افترى ذلك بعض علماء أهل الكتاب) لأنه لا يحق لزكريا أن يجمع بين الأختين (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ).

    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان