home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 17

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 23, 2015
محتويات المقال:

    الْمُقَدِّمَةُ: [فِرْعَوْنُ وَالْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ]

    حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَقْدِيمَ افْتِرَاءِنَا الْخَاصِّ بِالسَّبَبِ الَّذِي ظَنَنَّا أَنَّهُ هُوَ مُحَرِّكُ الِاهْتِمَامِ الْإِلَهِيِّ بِفِرْعَوْنَ بِشَخْصِهِ أَوَّلًاْ.

    وَبِالْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي عَاشَ بِهَا هَذَا الطَّاغِيَةُ الْكَبِيرُ ثَانِيًاْ.

    وَزَعَمْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ التَّفْصِيلَ الْكَبِيرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِشَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَ وَقِصَّةِ مُوسَى مَعَهُ وَمَعَ قَوْمِهِ كَانَ يُحَرِّكُهَا وَفْرَةُ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْهُمْ حِينَئِذٍْ.

    كَمَا زَعَمْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ وَفْرَةَ تِلْكَ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَ سَبَبُهَا مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي بَلَغَ ذُرْوَتَهُ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِْ.

    وَقَدْ كَانَ الِافْتِرَاءُ الْأَكْبَرُ الَّذِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهُ هُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ اللَّذِينَ كَانَ اللَّهُ لَهُمْ دَائِمًا بِالْمِرْصَادِ لِأَنَّهُمْ مِنْ عِبَادِهِ اللَّذِينَ يَخْشَاهُمْْ:

    "وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" [فاطر: 28]

    وَقَدْ قَدَّمْنَا الِافْتِرَاءَاتِ الْخَطِيرَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي هِيَ – لَا شَكَّ- مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ:

    • افْتِرَاء (1): أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْعُلَمَاءَ يَسْتَطِيعُونَ عَمَلَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ رُبَّمَا تَفُوقُ قُدْرَتَنَا الْحَالِيَّةَ عَلَى التَّخَيُّلِْ.
    • افْتِرَاء (2): قَدْ يَقَعُ بَعْضُ مَا يَسْتَطِيعُ عِبَادُ اللَّهِ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِي بَابِ مَا لَا يَرْضَى الْإِلَهُ وُقُوعَهُْ.
    • افْتِرَاء (3): يَبْقَى الْإِلَهُ فِي حَالَةِ خَشْيَةٍ دَائِمَةٍ (احْتِرَاسٍ وَحَذَرٍ) مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءِ هَؤُلَاءِ حَتَّى لَا يُحْدِثُوا أُمُورًا تَخْرُجُ عَنِ النِّطَاقِ الْمَسْمُوحِ بِهِ (الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ)ْ.

    وَقَدْ خَلَصْنَا فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ حَوْلَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تَحَدَّثَتْ عَنْ فِرْعَوْنَ عَلَى أَنَّهُ "ذِي الْأَوْتَادِ"ْ:

    "وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ" [الفجر: 10]

    ثَانِيًا: [أَصْحَابُ الْعِلْمِ الْعَظِيمِ]

    وَزَعَمْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا فِرْعَوْنُ تَمْنَحُهُ مِيزَةً لَمْ يُجَارِهِ فِيهَا غَيْرُهُْ.

    وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمْ يُبْرِزْ شَخْصِيَّاتٍ يُمْكِنُ وَصْفُهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ إِلَّا ثَلَاثَ شَخْصِيَّاتٍ، وَهُمْْ:

    • (1) ذَا الْقَرْنَيْنِْ.
    • (2) ذَا النُّونِْ.
    • (3) ذِي الْأَوْتَادِْ.

    وَهُمْ - بِرَأْيِنَا - مَنِ امْتَلَكُوا عِلْمًا عَظِيمًا مَيَّزَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، حَتَّى أَصْبَحُوا مَحَلَّ الِاهْتِمَامِ الرَّبَّانِيِّ (أَيِ الْخَشْيَةِ الْإِلَهِيَّةِ)ْ.

    وَقَدْ جَهِدْنَا – بِنَاءً عَلَى هَذَا الْفَهْمِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مَغْلُوطًا- تَسْوِيقَ زَعْمِنَا التَّالِيْ:

    كَانَ فِرْعَوْنُ (ذِي الْأَوْتَادِ) مِنْ أَعْظَمِ الْعُلَمَاءِ اللَّذِينَ كَانَ اللَّهُ يَخْشَاهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ جَمَعَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، حَتَّى ظَنَّ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُْ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي..." [القصص: 38]

    وَلِكَيْ يَتَحَقَّقَ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ مِنْ ظَنِّهِ هَذَا، طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يُوقِدَ لَهُ عَلَى الطِّينِ، فَيَجْعَلَ لَهُ صَرْحًا عَلَّهُ يَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَىْ.

    وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي تَتِمَّةِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِْ:

    "...فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" [القصص: 38]

    فَكَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ بُلُوغَ الْأَسْبَابِ، وَهُوَ مَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يُهَيِّئَ لَهُ أَدَوَاتِ الْوُصُولِ إِلَى هُنَاكَْ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ" [غافر: 36-37]

    وَهَذَا الْعِلْمُ لَمْ يَكُنْ جَدِيدًا خَاصًّا بِشَخْصِ فِرْعَوْنَ وَذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَانَ قَدِ امْتَلَكَهُ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عِنْدَمَا كَانَ يَتْبَعُ السَّبَبَْ:

    "وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا" [الكهف: 83-85]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)ْ.

    كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَمْلِكُ عِلْمَ الْأَوْتَادِ، فَتَقَاطَعَ فِي ذَلِكَ – نَحْنُ نَظُنُّ- مَعَ ذِي النُّونِْ.

    وَهُوَ –بِرَأْيِنَا- مَنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عِنْدَمَا مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَاْ.

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى وَالْأَجْزَاءَ السَّابِقَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ)ْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمَّا كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ جَمَعَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ، فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ بِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ كَانَ مَدْفُوعًا – بِرَأْيِنَا- بِمَا كَانَ يَمْلِكُ الرَّجُلُ مِنْ أَدَوَاتِ الْعِلْمِ كَتِلْكَ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنَ الْإِطِّلَاعِ عَلَى إِلَهِ مُوسَى إِنْ هُوَ أَرَادَ ذَلِكَ وَكَعِلْمِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى مَتَى مَا أَرَادَ ذَلِكَْ.

    وَسَنَتَعَرَّضُ لِلْآلِيَّاتِ الَّتِي اتَّبَعَهَا فِرْعَوْنُ لِتَنْفِيذِ مُرَادِهِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ إِنْ هُوَ أَذِنَ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.

    ثَالِثًا: [حِوَارُ الْقُرُونِ الْأُولَى]

    لَكِنْ مَا يَهُمُّنَا طَرْحُهُ حَتَّى اللَّحْظَةِ هَذِهِ هُوَ افْتِرَاؤُنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدِ امْتَلَكَ بِنَاصِيَةِ عِلْمِ الْأَوَّلِينَْ.

    الدَّلِيلُ: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْحِوَارَاتِ الَّتِي دَارَتْ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ كَمَا وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لَوَجَدْنَا الْحِوَارَ التَّالِيَ مِنْ سُورَةِ طَهَ ظَاهِرًاْ.

    وَهُوَ الْحِوَارُ الَّذِي يُبَيِّنُ لَنَا مَا جَرَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بَعْدَ أَنْ جَاءَ مُوسَى فِرْعَوْنَ بِالرِّسَالَةِ مُبَاشَرَةًْ:

    "فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ" [طه: 47-48]

    فِرْعَوْنُ:

    "قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ" [طه: 49-50]

    مُوسَى:

    "قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى" [طه: 51-52]

    لِنَخْلُصَ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَوَّلَ رَدَّةِ فِعْلٍ لِفِرْعَوْنَ عَلَى الْخَبَرِ (بِأَنَّ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) كَانَتْ مُبَادَرَةَ فِرْعَوْنَ مُوسَى بِالسُّؤَالِ التَّالِي عَلَى الْفَوْرِْ:

    "قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ" [طه: 51]

    وَهُوَ السُّؤَالُ الَّذِي لَوْ تَدَبَّرْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا بِخُصُوصِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ مُوسَى لَمْ يَسْتَطِعْ تَقْدِيمَ إِجَابَةٍ مُبَاشِرَةٍ لَهُْ.

    رُبَّمَا (فِي ظَنِّنَا) لِعَدَمِ تَوَافُرِ الْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ مُوسَى حَتَّى السَّاعَةِ، فَجَاءَ جَوَابُ مُوسَى غَيْرَ مُبَاشِرٍ عِنْدَمَا أَسْنَدَ الْأَمْرَ (حَوْلَ الْقُرُونِ الْأُولَى) بِرُمَّتِهِ إِلَى رَبِّهِْ:

    "قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى" [طه: 52]

    رَابِعًا: [عَلَاقَةُ الْقُرُونِ الْأُولَى بِالْبَصَائِرِ]

    التَّسَاؤُلَاتُ:

    • لِمَاذَا سَأَلَ فِرْعَوْنُ مُوسَى عَنِ الْقُرُونِ الْأُولَى؟
    • لِمَ لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى إِجَابَةَ السُّؤَالِ مُبَاشَرَةً؟
    • لِمَاذَا أَسْنَدَ مُوسَى الْأَمْرَ إِلَى رَبِّهِ؟
    • مَنْ هُمُ الْقُرُونُ الْأُولَى الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ؟
    • مَا عَلَاقَةُ الْقُرُونِ الْأُولَى بِدَعْوَةِ مُوسَى فِرْعَوْنَ هَذِهِ؟

    السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَاذَا سَأَلَ فِرْعَوْنُ مُوسَى عَنِ الْقُرُونِ الْأُولَى؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) رُبَّمَا تُجِيبُ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِْ:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [القصص: 43]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْقُرُونَ الْأُولَى قَدْ سَبَقَتْ رِسَالَةَ مُوسَى. فَالْقُرُونُ الْأُولَى هِيَ تِلْكَ الْأُمَمُ الَّتِي أُهْلِكَتْ مِنْ قَبْلِ رِسَالَةِ مُوسَى، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ نَفْسَهَا جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى بَعْدَ هَلَاكِ الْقُرُونِ الْأُولَى كَانَ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) وَهُدًى (وَهُدًى) وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)ْ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُوتِيَ مُوسَى مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ الْقُرُونِ الْأُولَى كَانَ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَصَائِرَ هِيَ آيَاتُ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا لِتَكُونَ لِلنَّاسِ هُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَْ:

    "قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ" [الأنعام: 104]
    "وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: 203]
    "قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا" [الإسراء: 102]
    "هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [الجاثية: 20]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْحِوَارَ التَّالِيَ الَّذِي جَرَى بَيْنَ مُوسَى مِنْ جِهَةٍ وَفِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَوَجَدْنَا أَنَّ الْآيَاتِ التِّسْعَةَ الَّتِي جَاءَتْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ كَانَتْ مُنَزَّلَةً بَصَائِرَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَْ:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا" [الإسراء: 101-102]

    وَلَوْ دَقَّقْنَا مَلِيًّا فِي هَذَا الْحِوَارِ الْقُرْآنِيِّ لَوَجَدْنَا فِيهِ الْعَجَبَ: فَمُوسَى يُوَجِّهُ الْخِطَابَ لِفِرْعَوْنَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَالِمٌ تَمَامًا بِهَذِهِ الْآيَاتِْ:

    "قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ..." [الإسراء: 102]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: هَذَا مُوسَى يُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ عَلَى عِلْمٍ تَامٍّ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    خَامِسًا: [الْآيَاتُ الْمُبْصِرَةُ]

    السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْآيَاتِ وَالْبَصَائِرِ إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَاْ.

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَصَائِرَ هِيَ الْآيَاتُ إِذَا كَانَتْ مُبْصِرَةًْ:

    "وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا" [الإسراء: 59]
    "وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [النمل: 12-13]

    فَالْآيَةُ مُبْصِرَةٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) إِذَا كَانَتْ تُرَى رَأْيَ الْعَيْنِ كَمَا هِيَ آيَةُ النَّهَارِْ.

    فَآيَةُ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِأَنَّهَا – بِرَأْيِنَا- يُمْكِنُ أَنْ تُرَى رَأْيَ الْعَيْنِْ:

    "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا" [الإسراء: 12]

    فَمَا أَنْ يَرَى الْقَوْمُ آيَاتِ اللَّهِ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ حَتَّى تَكُونَ تِلْكَ الْآيَاتُ مُبْصِرَةً كَمَا الْآيَاتُ التِّسْعَةُ الَّتِي جَاءَتْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ عَلَى يَدِ مُوسَىْ.

    لَكِنْ كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِمْ هِيَ الْإِنْكَارَ وَالتَّكْذِيبَ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا تَقَعُ فِي بَابِ السِّحْرِ الْمُبِينِْ.

    (لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ مَاهِيَّةِ الْآيَاتِ التِّسْعَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى قَوْمَ فِرْعَوْنَ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى)ْ.

    إِنَّ مَا يَهُمُّنَا طَرْحُهُ هُنَا هُوَ طَبِيعَةُ الْخِطَابِ الَّذِي جَرَى بَيْنَ مُوسَى مِنْ جِهَةٍ وَفِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى حَوْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُبْصِرَةِْ.

    لِتَكُونَ التَّسَاؤُلَاتُ الْخَطِيرَةُ جِدًّا الْآنَ هِيَْ:

    • مِنْ أَيْنَ عَلِمَ فِرْعَوْنُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ)؟
    • وَهَلْ أُوتِيَ فِرْعَوْنُ تِلْكَ الْآيَاتِ مِنْ رَبِّهِ كَمَا أُوتِيَهَا مُوسَى؟
    • لِمَاذَا كَانَ فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا)؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِلْمَ تِلْكَ الْآيَاتِ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِدَلِيلِ مَا قَالَهُ مُوسَى لَهُْ.

    السُّؤَالُ: وَمِنْ أَيْنَ حَصَلَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا؟

    • افْتِرَاء (1): نَحْنُ نَسْتَبْعِدُ كُلِّيًّا أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قَدْ حَصَلَ عَلَيْهَا مِنْ مَصْدَرٍ إِلَهِيٍّ كَمَا أُوتِيَهَا مُوسَىْ.
    • افْتِرَاء (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ حَصَلَ عَلَيْهَا مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ.
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [القصص: 43]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: كَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى عِلْمٍ بِالْآيَاتِ الَّتِي تَوَافَرَتْ عِنْدَ الْقُرُونِ الْأُولَى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ)ْ.

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ يَا مَنْ خَلَقْتَنِي فَفَطَرْتَنِي أَنْ تَهْدِيَنِي إِلَى تِلْكَ الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ بَصَائِرُ لِتَكُونَ لِي هُدًى وَرَحْمَةً وَأَسْأَلُكَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّكَ كُنْتَ بِي بَصِيرًا - آمِينَ)ْ.

    سَادِسًا: [مَنْ هُمُ الْقُرُونُ الْأُولَى؟]

    السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْقُرُونُ الْأُولَى الَّتِي حَصَلَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ مُتَوَافِرًا عِنْدَهُمْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقُرُونَ الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّهُ جَاءَتْ كُلُّهَا مِنْ بَعْدِ نُوحٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَىْ:

    "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا" [الإسراء: 17]

    وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَوَّلَ تِلْكَ الْقُرُونِ كَانَتْ عَادٌ وَأَنَّ آخِرَهَا كَانُوا أَصْحَابَ الرَّسِّ، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قُرُونًا كَثِيرًاْ:

    "وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا" [الفرقان: 38]

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا لَوَجَدْنَا بِأَنَّ ثَمُودَ كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الْقُرُونِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    وَلَوْ رَاقَبْنَا الْآيَاتِ الْخَاصَّةَ بِتِلْكَ الْقُرُونِ كُلِّهَا، لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا قَدْ أُهْلِكَتْ وَذَلِكَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِْ:

    "وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ" [يونس: 13]

    وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ تِلْكَ الْقُرُونَ الْأُولَى كَانُوا أَشَدَّ قُوَّةً مِنَ اللَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْْ:

    "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ" [القصص: 78]

    وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّيْرَ فِي الْأَرْضِ وَالنَّظَرَ فِيهَا سَيُظْهِرُ لَنَا مِنْ آثَارِ تِلْكَ الْقُرُونِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفَوُّقِهِمْ عَلَيْنَا وَعَلَى اللَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْْ:

    "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا..." [الروم: 9]
    [موضع الصورة: ظلل وأدرج صورتك هنا]
    المصدر: صور جوجل

    وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْهَلَاكَ الَّذِي أَصَابَ تِلْكَ الْقُرُونَ لَمْ يَمْحُ آثَارَهُمْ تَمَامًا بِدَلِيلِ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَمْشِيَ فِي مَسَاكِنِهِمْ لِتَكُونَ تِلْكَ آيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىْ:

    "أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ" [طه: 128]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَتْ آيَاتُ اللَّهِ مُتَوَافِرَةً فِي الْقُرُونِ الْأُولَى، فَكَذَّبَ بِهَا الْكَثِيرُونَ عِنْدَمَا آثَرَتِ الْغَالِبِيَّةُ الْعُظْمَى مِنْهُمُ التَّرَفَ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِأَنَّهُمْ آثَرُوا الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ عَلَى التَّصْدِيقِ بِآيَاتِ رَبِّهِمُ الَّتِي جَاءَتْهُمْ عَنْ طَرِيقِ الرُّسُلِْ.

    سَابِعًا: [بَابُ الْقُرُونِ الْأُولَى: عَادٌ وَثَمُودُ]

    لَوْ رَجَعْنَا إِلَى بِدَايَةِ الْقُرُونِ الْأُولَى، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَبْدَأُ بِعَادٍ (قَوْمِ هُودٍ)، وَهُمْ فِي ظَنِّنَا أَوَّلُ الْقُرُونِ الَّتِي أُهْلِكَتْ مِنْ بَعْدِ نُوحٍْ.

    وَرُبَّمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَمَا نُحَاوِلُ الرَّبْطَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِْ:

    "وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ..." [الإسراء: 17]
    "وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا" [الفرقان: 38]

    وَقَدْ لَحِقَ بِعَادٍ (قَوْمِ هُودٍ) ثَمُودُ (قَوْمُ صَالِحٍ)ْ:

    "وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ... وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا..." [الأعراف: 73-74]
    • افْتِرَاء 1: جَاءَتْ عَادٌ كَأَوَّلِ الْقُرُونِ الْأُولَىْ.
    • افْتِرَاء 2: لَحِقَتْ ثَمُودُ بِعَادٍ فَكَانُوا خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْْ.
    • نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: اسْتَفَادَتْ ثَمُودُ مِمَّا كَانَ عِنْدَ عَادٍ مِنَ الْعِلْمِ بِأَنِ اتَّخَذُوا مِنَ السُّهُولِ قُصُورًا (وَهِيَ فِي ظَنِّنَا مَا كَانَتْ لِعَادٍ) ثُمَّ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ عِنْدَمَا نَحَتُوا بِأَنْفُسِهِمُ الْجِبَالَ بُيُوتًا كَآثَارٍ خَاصَّةٍ بِهِمْ وَدَالَّةٍ عَلَى حَضَارَتِهِمُ الْجَدِيدَةِْ.

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا التَّلَازُمَ وَاضِحًا بَيْنَ عَادٍ مِنْ جِهَةٍ وَفِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِْ:

    "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ" [ص: 12]
    "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ" [الفجر: 6-14]

    السُّؤَالُ: مَا سِرُّ هَذَا التَّرَابُطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: كَانَ فِرْعَوْنُ بِشَخْصِهِ هُوَ مَنِ امْتَلَكَ الْعِلْمَ الَّذِي كَانَ مُتَوَافِرًا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى وَخَاصَّةً عَادٌ وَثَمُودُ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هُمْ مَنِ امْتَلَكُوا الْعِلْمَ الْعَظِيمَ، فَاسْتَخْدَمُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَكَانَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِْ.

    ثَامِنًا: [بَابُ عِلْمِ فِرْعَوْنَ وَالْمُوَاجَهَةُ]

    نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ حَازَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ مُتَوَافِرًا فِي عَادٍ وَفِي ثَمُودَ (وَرُبَّمَا عِلْمُ قُرُونٍ أُخْرَى لَا نَعْلَمُهَا)ْ.

    وَقَدْ أَدَّى بِهِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَهًا كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِهِ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمَلَأِْ:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي..." [القصص: 38]

    وَمَا كَانَ الْقَوْمُ لِيَسْتَطِيعُوا رَدَّ دَعْوَى فِرْعَوْنَ هَذِهِ خُصُوصًا بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ لَهُمْ مُوسَى مِنَ الْآيَاتِ مَا كَانَتْ كُلُّ آيَةٍ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَاْ.

    وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الزُّخْرُفِْ:

    "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ * وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا..." [الزخرف: 46-48]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا اصْطَفَّ الْقَوْمُ إِلَى جَانِبِ فِرْعَوْنَ؟ أَلَمْ تَكُنِ الْآيَاتُ الَّتِي قَدَّمَهَا مُوسَى لَهُمْ كَافِيَةً لِتَثْنِيَهُمْ عَنِ الضَّلَالِ الَّذِي هُمْ فِيهِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ تَكْمُنُ بِالِافْتِرَاءِ بِأَنَّ حُجَّةَ فِرْعَوْنَ كَانَتْ قَوِيَّةً جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنَّ الْقَوْمَ اصْطَفُّوا إِلَى جَانِبِهِْ.

    وَمَا انْهَارَتْ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ إِلَّا أَمَامَ مَجْمُوعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ السَّحَرَةُ الَّذِينَ جَمَعَهُمْ يَوْمَ الزِّينَةِ لِلتَّغَلُّبِ عَلَى مُوسَىْ:

    "فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ" [طه: 70]
    [موضع الصورة: ظلل وأدرج صورتك هنا]
    المصدر: صور جوجل

    تَاسِعًا: [لِمَاذَا لَمْ يَبْطِشْ فِرْعَوْنُ بِمُوسَى فَوْرًا؟]

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا: لِمَاذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فِرْعَوْنُ أَنْ يُعَاقِبَ السَّحَرَةَ فِي الْحَالِ؟ لِمَاذَا اكْتَفَى بِالْوَعِيدِ؟

    جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًاْ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ مُوسَى وَالتَّغَلُّبَ عَلَيْهِ مَادَامَ مُوسَى يَمْلِكُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (وَهِيَ الْعَصَا) بِيَدِهِْ.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ شَيْءٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ لَمَا اضْطُرَّ إِلَى أَنْ يَتَوَعَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ، وَلَأَنْزَلَ بِهِمُ الْعِقَابَ فِي الْحَالِْ.

    فَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى أَنَّ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ (كُلَّ كَيْدِهِ) جَمِيعًا كَانُوا حَاضِرِينَ الْمُوَاجَهَةَ فِي يَوْمِ الزِّينَةِْ:

    "قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ" [طه: 59-60]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أَصْبَحَ يَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ بِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ مُوسَى بِيَدِهِ كَفِيلٌ بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، لَا بَلْ وَأَنْ يَجْعَلَ الْكِفَّةَ تَمِيلُ إِلَى جَانِبِ مُوسَى لَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَرَّرَ الْمُوَاجَهَةَ الْمُسَلَّحَةَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِْ.

    عَاشِرًا: [الْخَوْفُ وَالْهُرُوبُ: مُوسَى وَفِرْعَوْنُ]

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ مُوسَى وَقَدْ ذَهَبَ بِأَمْرٍ مِنْ رَبِّهِ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَمَا أَنْ يَأْتِيَ مُوسَى فِرْعَوْنَ حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مُتَوَاجِدًا فِي مَكَانٍ مُنْعَزِلٍ لِوَحْدِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحِوَارَ دَارَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَقَطْْ.

    فَمُوسَى يُخَاطِبُ فِرْعَوْنَ وَحْدَهُ، وَمُوسَى يُرِي الْآيَةَ الْكُبْرَى لِفِرْعَوْنَ وَحْدَهُ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَدْبَرَ يَسْعَىْ:

    "فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ" [النازعات: 20-23]

    السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ: لِمَاذَا كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ تَرَكَ مُوسَى وَرَحَلَ مِنَ الْمَكَانِ؟ لِمَ لَمْ يَأْمُرْ فِرْعَوْنُ مُوسَى بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَجْلِسِ؟

    جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: لِأَنَّ الْمَكَانَ لَمْ يَكُنْ يَتَوَاجَدُ فِيهِ مُوسَى (وَرُبَّمَا هَارُونُ مَعَهُ) وَفِرْعَوْنُ فَقَطْ. وَلَكِنْ كَانَ هُنَاكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) آخَرُونَ مُتَوَاجِدُونَ فِي الْمَكَانِ وَهُمُ الَّذِينَ خَافَهُمْ فِرْعَوْنُ فَهَرَبَ مِنْهُمْْ.

    السُّؤَالُ: مَنِ الَّذِي كَانَ يَتَوَاجَدُ هُنَاكَ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الْمُوَاجَهَةُ الْفِعْلِيَّةُ بَيْنَ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ الْخَلْوَةِ مِنْ فِرْعَوْنَ؟

    جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهُ اللَّهُ وَمَنْ مَعَهُْ.

    الدَّلِيلُ: دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ بِجَمِيعِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا الْحِوَارَ الْإِلَهِيَّ مَعَ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْهُمَا الذَّهَابَ إِلَى فِرْعَوْنَْ:

    "قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ" [طه: 46]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: بَعِيدًا عَنِ التَّحْلِيقِ فِي عَالَمِ الْمَجَازَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَسَمَاءِ الِاسْتِعَارَاتِ الْأَدَبِيَّةِ الَّتِي – لَا شَكَّ - تَصْلُحُ لِكَلَامِ الشُّعَرَاءِ، وَلَكِنَّهَا يَقِينًا أَبْعَدُ مَا تَكُونُ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ الْحَقِّ، فَإِنَّ مَنْطُوقَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ تُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ كَانَ هُنَاكَ مَعَ مُوسَى وَهَارُونَ يَسْمَعُ وَيَرَىْ.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ فِرْعَوْنَ (الَّذِي كَذَّبَ وَعَصَى) قَدْ أَدْرَكَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَنَّ الْمَكَانَ لَمْ يَعُدْ مَكَانًا عَادِيًّا، فَالرَّجُلُ يَعْرِفُ مَكَانَ خَلْوَتِهِ تَمَامًاْ.

    وَلَكِنَّ الْوَضْعَ الْآنَ قَدْ تَغَيَّرَ، فَلَقَدْ خَيَّمَ عَلَى الْمَكَانِ الْغَمَامُ، وَظَهَرَ أَنَّهُ مَسْكُونٌ بِكَائِنَاتٍ غَرِيبَةٍ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَاوِمَهَا بِنَفْسِهِ، فَوَلَّى دُبُرَهُ سَاعِيًا (أَيْ يَمْشِي هَارِبًا عَلَى عَجَلٍ)ْ.

    وَلَا شَكَّ أَنَّ أَمَارَاتِ الْخَوْفِ كَانَتْ وَاضِحَةً عَلَى الرَّجُلِ، فَكَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ الْأُولَى هِيَ الْحَشْرَ وَالْمُنَادَاةَْ:

    "فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ" [النازعات: 20-24]

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُْ.

    الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرُ:

    1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ (مَوْقِعُ quran.com). ^
    2. سِلْسِلَةُ مَقَالَاتِ قِصَّةِ مُوسَى - د. رَشِيد الْجَرَّاح. ^
    3. سِلْسِلَةُ مَقَالَاتِ قِصَّةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - د. رَشِيد الْجَرَّاح. ^
    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيد سَلِيم الْجَرَّاح & عَلِي مَحْمُود سَالِم الشُّرْمَان
    بِقَلَمِ د. رَشِيد الْجَرَّاح
    31 أَيَّار 2015
    مَرْكَزُ اللُّغَاتِ – جَامِعَةُ الْيَرْمُوك
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس