قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الْحَادِي عَشَرَ (11)
أَمَّا بَعْدْ،
أَنْهَيْنَا الْجُزْءَ السَّابِقَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِافْتِرَاءِ الظَّنِّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي أُنْبِتَتْ عَلَى يُونُسَ يَوْمَ أَنْ أُلْقِيَ فِي الْعَرَاءِ سَقِيمًا قَدْ نَبَتَتْ مِنْ حَبَّةِ الْخَرْدَلِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِي تِلْكَ الصَّخْرَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَلَا مِنَ الْأَرْضْ، وَهِيَ – بِرَأَيْنَا - الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَكَانَ خَيَالُنَا عَنْ مَا حَصَلَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ قَدْ وَصَلَ إِلَى التَّصَوُّرِ بِأَنَّ الْحُوتَ قَدْ حَمَلَ يُونُسَ مِنْ دَاخِلِ الْبَحْرِ فِي بَطْنِهِ، وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنْ.
وَهُنَاكَ أَفْرَغَ ذَلِكَ الْحُوتُ حُمُولَتَهُ، فَأَصْبَحَ يُونُسُ مَنْبُوذًا فِي الْعَرَاءِ، سَقِيمًا مِنْ جَرَّاءِ مَا لَحِقَ بِهِ مِنَ الْأَذَى فِي بَطْنِ الْحُوتْ.
وَهُنَاكَ أُنْبِتَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ فَصِيلَةِ الْيَقْطِينِ (شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ)، فَكَانَ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ الشِّفَاءُ التَّامُّ لِيُونُسَ مِنْ سَقَمِهْ.
وَقَدْ وَصَلَ بِنَا الْخَيَالُ إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْجَارِ الْمَرْجَانِيَّةِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي صُخُورِ الْبَحْرِ، وَخَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا شُطْآنُ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ الْمَرْجَانِيَّةِ (أَوْ coral reefs بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيّ). (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ).
تَسَاؤُلَاتٌ جَدِيدَةْ
- كَيْفَ عَلِمَ مُوسَى عَنْ ذَلِكَ الْحُوتِ وَعَنْ صَاحِبِهْ؟
- وَلِمَاذَا جَاءَ مَعَ فَتَاهُ إِلَى هُنَاكْ؟
- وَمَا الَّذِي حَصَلَ فِي نِهَايَةِ رِحْلَةِ مُوسَى مَعَ الرَّجُلْ؟
- وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ الْحُوتِ بِقِصَّةِ حِيتَانِ الْبَحْرِ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ؟
- وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِقِصَّةِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرْ؟
- وَمَا هِيَ تِلْكَ الْقَرْيَةُ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرْ؟
- وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِنَهْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنِ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتْ؟
- لِمَاذَا جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ؟
- كَيْفَ اخْتَلَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي السَّبْتْ؟
- لِمَاذَا لُعِنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتْ؟
- لِمَاذَا جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قِرَدَةً خَاسِئِينْ؟
إِلَخْ.
أَمَّا بَعْدْ،
بِدَايَةً، نَحْنُ نَجِدُ لِزَامًا عَلَيْنَا الْعَوْدَةَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ إِلَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ لَنَا أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ قَرَارَ مُوسَى الشَّخْصِيَّ بِأَنْ يَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَنْ يَمْضِيَ حُقُبًا:
لِنَسْتَنْبِطَ مِنْ ذَلِكَ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) الِافْتِرَاءَ التَّالِي: كَانَ مُوسَى هُوَ مَنِ اتَّخَذَ الْقَرَارَ بِنَفْسِهِ لِلذَّهَابِ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةْ. فَمُوسَى هُوَ مَنْ ذَهَبَ لِلِقَاءِ صَاحِبِ الْحُوتِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهْ.
السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ لِمُوسَى الْعِلْمُ بِقِصَّةِ الْحُوتِ وَصَاحِبِهْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَصْدَرَ عِلْمِ مُوسَى بِقِصَّةِ الْحُوتِ وَصَاحِبِهِ هُوَ مَصْدَرٌ إِلَهِيٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى (يَجِبُ أَنْ لَا نَنْسَى) قَدْ حَصَلَ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ الْأَلْوَاحِ الَّتِي كُتِبَتْ لَهْ:
لِذَا، تَوَافَرَ عَنْ مُوسَى مِنَ الْعِلْمِ الْمَكْتُوبِ فِي تِلْكَ الْأَلْوَاحِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) تَفْصِيلًا لِقِصَّةِ الْحُوتِ وَصَاحِبِهْ.
لَكِنْ يَبْقَى التَّسَاؤُلُ التَّالِي مَشْرُوعًا: لِمَاذَا قَرَّرَ مُوسَى أَنْ يَذْهَبَ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ الْبَحْرِيَّةْ؟ وَمَا الَّذِي دَفَعَهُ لِأَنْ يَتْرُكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَنْطَلِقَ مَعَ فَتَاهُ إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ مَجْمَعِ بَيْنَ الْبَحْرَيْنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَقَدْ تَعَرَّضْنَا لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ فِي سِلْسِلَةِ قِصَّةِ مُوسَى، وَكَانَ الظَّنُّ عِنْدَنَا هُوَ أَنَّهُ فِي لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ مِنْ سِيرَةِ مُوسَى مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَصَلَتِ الْحَادِثَةُ الَّتِي تُصَوِّرُهَا الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ الْخَاصَّةُ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
لَكِنْ جَاءَ الرَّدُّ الْمُبَاشِرُ مِنْهُمْ بِالتَّعَذُّرِ عَنْ دُخُولِهَا بِسَبَبِ وُجُودِ الْقَوْمِ الْجَبَّارِينَ فِيهَا:
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْجِدَالِيَّةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، يَنْبَرِي مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ كُلِّهِ رَجُلَانِ فَقَطْ لِيَأْتَمِرَانِ بِأَمْرِ مُوسَى، فَجَاءَتْ دَعْوَتُهُمَا لِمَنْ حَوْلَهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِيُقْنِعَ الْقَوْمَ بِالدَّعْوَةِ لِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَيُصِرُّ الْقَوْمُ عَلَى مَوْقِفِهِمْ بِعَدَمِ الدُّخُولِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا الْقَوْمُ الْجَبَّارُونَ، وَيَنْطَلِقُ لِسَانُهُمْ بِالطَّلَبِ مِنْ مُوسَى بِأَنْ يَذْهَبَ فَيُقَاتِلَ هُوَ وَرَبُّهْ:
فَمَا يَكُونُ مِنْ مُوسَى إِلَّا الِاعْتِذَارُ لِرَبِّهِ عَلَى رَدِّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، مُؤَكِّدًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّ مِلْكِيَّتَهُ لَا تَتَجَاوَزُ أَخَاهُ هَارُونَ، فَيَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ مِنْ جِهَةٍ وَالْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
فَتَأْتِي الِاسْتِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ عَلَى نَحْوِ أَنْ تُحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يَتِيهُونَ خِلَالَهَا فِي الْأَرْضْ:
فَتَكُونُ الصُّورَةُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- يَتِيهُ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ فِي الْأَرْضْ.
- يُفَرِّقُ اللَّهُ بَيْنَ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ مِنْ جِهَةٍ وَالْقَوْمِ الْكَافِرِينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
- يَكُونُ هُنَاكَ رَجُلَانِ فَقَطْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ لِأَنَّهُمْ كَانَا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ بَعْدَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ اتَّخَذَ مُوسَى قَرَارَهُ أَنْ يَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، وَلَكِنَّ الْمُدَقِّقَ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ جَيِّدًا يَجِدُ أَنَّ مُوسَى قَدْ أَخْبَرَ فَتَاهُ بِهَذَا الْقَرَارْ:
السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ فَتَى مُوسَى هَذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فَتَى مُوسَى هَذَا كَانَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ خَافَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، وَهُمَا اللَّذَانِ حَثَّا قَوْمَهُمَا أَنْ يَدْخُلَا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الْتِزَامًا بِالطَّلَبِ الَّذِي طَلَبَهُ مُوسَى مِنْهُمْ جَمِيعًا:
لِذَا أَصْبَحَتِ الصُّورَةُ فِي ذِهْنِنَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: مَا أَنْ يُفَرِّقَ اللَّهُ بَيْنَ مُوسَى وَأَخِيهِ مِنْ جِهَةٍ وَالْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى حَتَّى يَبْقَى مِنْ بَيْنِهِمْ جَمِيعًا هَذَانِ الرَّجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، فَمَا يَكُونُ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدَهُمَا فَتًى لَهُ وَيَتْرُكَ الْآخَرَ فَتًى لِأَخِيهِ هَارُونْ.
وَهُنَا تَنْتَهِي رِحْلَةُ مُوسَى مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ اللَّذِينَ الْآنَ يُوَاجِهُونَ التِّيهَ فِي الْأَرْضِ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةْ. فَمَا الَّذِي سَيَفْعَلُهُ مُوسَى الْآنَ بَعِيدًا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةْ: فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي خَلَتْ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمُثِيرَةِ فِي سِيرَةِ مُوسَى، لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يَسْبِتَ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَتَّخِذَ قَرَارًا بِالذَّهَابِ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ الْعِلْمِيَّةِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ صَاحِبِ الْحُوتِ الَّذِي يَجِدُ تَفَاصِيلَ قِصَّتِهِ قَدْ سُطِّرَتْ فِي الْأَلْوَاحِ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُ، فَيُخْبِرُ فَتَاهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَقَدَ النِّيَّةَ عَلَى الْقِيَامِ بِتِلْكَ الرِّحْلَةِ نَحْوَ الْبَحْرْ:
مَا أَنْ بَلَغَ مُوسَى مَعَ فَتَاهُ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى كَانَتْ مُهِمَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَاقَبَةَ أَحَدِ الْبَحْرَيْنِ بَحْثًا عَنِ الْحُوتِ (عَلَامَةِ اللِّقَاءِ)، فَأَوَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ مَجْمَعِ بَيْنِهِمَا، فَوَقَفَ مُوسَى يُرَاقِبُ بِنَفْسِهِ أَحَدَ الْبَحْرَيْنِ وَوَقَفَ فَتَاهُ يُرَاقِبُ الْبَحْرَ الْآخَرَ، وَكَانَتِ الْمُفَارَقَةُ الْعَجِيبَةُ (فِي مِخْيَالِنَا) أَنَّ الْحُوتَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ الْفَتَى رُبَّمَا مُكَلَّفًا بِمُرَاقَبَتِهَا، فَمَا لَاحَظَ وُصُولَ الْحُوتِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبْ.
فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ، جَاءَ الْحُوتُ، فَأَفْرَغَ حُمُولَتَهُ (أَيْ صَاحِبَهُ)، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِالضَّبْطِ عِنْدَ مَجْمَعِ بَيْنِهِمَا:
وَلَمَّا لَمْ يَجْلِبِ الْأَمْرُ انْتِبَاهَ الْفَتَى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ بِذَلِكَ نَاسِيًا أَنْ يُخْبِرَ مُوسَى بِمَا حَصَلَ، فَمَا كَانَ مِنْ مُوسَى (وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِعَجَلَتِهِ) إِلَّا أَنْ يُتَابِعَ الذَّهَابَ فِي الْبَحْرِ حُقُبًا:
وَلَكِنَّ الرِّحْلَةَ كَانَتْ شَاقَّةً وَرُبَّمَا طَوِيلَةً بَعْضَ الشَّيْءِ، حَتَّى جَاوَزَا الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَتِمَّ اللِّقَاءُ فِيهِ، فَطَلَبَ مُوسَى مِنْ فَتَاهُ أَنْ يَأْتِيَهُمَا بِغَدَائِهِمَا لِيَتَقَوَّيَا بِهِ عَلَى أَعْبَاءِ السَّفَرِ الَّذِي لَقِيَا مِنْهُ نَصَبًا:
وَمَا أَنْ تَنَاوَلَا طَعَامَ الْغَدَاءِ، وَبَدَءَا يَأْخُذَانِ قِسْطًا مِنَ الرَّاحَةِ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) حَتَّى عَادَتْ مُجْرَيَاتُ الرِّحْلَةِ السَّابِقَةِ بِتَفَاصِيلِهَا إِلَى مُخَيِّلَةِ الْفَتَى، وَهُنَاكَ فَطِنَ أَنَّهُ قَدْ رَأَى فِعْلًا ذَلِكَ الْحُوتَ الَّذِي اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْفَتَى قَدْ أَلْقَى بِالْمَسْؤُولِيَّةِ كَامِلَةً عَلَى عَاتِقِهِ، فَهُوَ الَّذِي نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَهُ لِمُوسَى هُنَاكَ، وَلَكِنَّهُ أَكَّدَ لِمُوسَى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِأَنَّ الْحُوتَ قَدْ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ فِعْلًا عَجَبًا. فَمَا كَانَ مِنْ مُوسَى إِلَى أَنْ يَرْتَدَّ مَعَ فَتَاهُ عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَا أَنْ وَصَلَ مُوسَى وَفَتَاهُ إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ (مُرْتَدِّينَ عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) حَتَّى وَجَدَا ذَاكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَعَلَّمَهُ مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا:
فَمَا يَكُونُ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الصُّحْبَةَ رَغْبَةً فِي تَلَقِّي الْعِلْمْ:
وَهُنَا تَبْدَأُ مُجْرَيَاتُ الْأَحْدَاثِ الَّتِي نَعْرِفُهَا مِنْ خِلَالِ الْآيَاتِ الَّتِي تُصَوِّرُ تِلْكَ الصُّحْبَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةِ مُوسَى).
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ لَاحِقًا؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَا أَنْ تَبْدَأَ قِصَّةُ الَّذِينَ هَادُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ التِّيهِ (أَرْبَعِينَ سَنَةً) حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الصُّحْبَةُ لِمُوسَى حَاضِرَةً فِي حَيَاتِهِمْ، فَتَبْدَأُ إِثَارَةُ التَّسَاؤُلَاتِ بَيْنَهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- مَنْ هُوَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ) بِنَفْسِهِ فِي فَتْرَةِ غِيَابِهِمْ (بِسَبَبِ التِّيهِ) لِيَتَعَلَّمَ مِنْهْ؟
- وَمَنْ هُوَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ) أَنْ يَصْبِرَ عَلَى صُحْبَتِهْ؟
- وَمَنْ هُوَ هَذَا الَّذِي يَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ مُوسَى (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ) يَعْلَمُهْ؟
- إِلَخْ.
لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ النِّقَاشُ بَيْنَ الَّذِينَ هَادُوا (أَيْ عَادُوا مِنَ التِّيهِ) زَمَنًا طَوِيلًا حَتَّى ظَهَرَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ يَطِيرُ بِخَيَالِهِ إِلَى أَبْعَدَ مِمَّا يَجِبُ، فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنَ النَّاسِ بِمَنْ فِيهِمُ الرُّسُلُ (كَمُوسَى نَفْسِهِ)، لَكِنَّهُ - لَا شَكَّ عِنْدَهُمْ - أَقَلُّ مَرْتَبَةً مِنَ الرَّبِّ الْأَعْلَى (اللَّهِ)، لِذَا لَابُدَّ أَنَّهُ يَتَّخِذُ مَكَانَةً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ: الطَّرَفِ الْبَشَرِيِّ مُمَثَّلًا بِمُوسَى وَالطَّرَفِ الْإِلَهِيِّ مُمَثَّلًا بِالرَّبِّ نَفْسِهِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنِ اسْتَنْبَطُوا (خَاطِئِينَ) بِأَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ، فَأَسْمَوْهُ بِلُغَتِهِمْ عُزَيْرْ:
فَكَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ وَقَالُوا أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، فَعَلَ هَؤُلَاءِ مِنْ ذِي قَبْلُ الْفَعْلَةَ نَفْسَهَا عِنْدَمَا قَالُوا أَنَّ عُزَيْرَ هُوَ ابْنُ اللَّهْ. وَلَكِنَّ الْمُدَقِّقَ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ يَجِدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْتَمِرُّوا فِي الْعَقِيدَةِ كَمَا اسْتَمَرَّ فِيهَا النَّصَارَى مِنْ بَعْدِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ – نَحْنُ نَظُنُّ - بِالرَّغْمِ مِنْ قَوْلِهِمْ بِأَفْوَاهِهِمْ بِأَنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهْ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - الْآيَةَ السَّابِقَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ:
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: قَالَ الْيَهُودُ بِأَفْوَاهِهِمْ أَنَّ عُزَيْرَ ابْنُ اللَّهْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: قَالَتِ النَّصَارَى بِأَفْوَاهِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: اتَّخَذُوا جَمِيعًا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ الْمَسِيحَ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهْ. فَظَهَرَتْ فِيهِمْ عَقِيدَةُ الثَّالُوثْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 5: لَا يَذْكُرُ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ أَنَّ الْيَهُودَ قَدِ اتَّخَذُوا عُزَيْرَ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَّخِذِ الَّذِينَ هَادُوا عُزَيْرَ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِمْ عَقِيدَةُ الثَّالُوثِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرَ هُوَ أَحَدُ أَطْرَافِهِ كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى مَعَ الْمَسِيحْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ ظُهُورُ عُزَيْرٍ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ حَتَّى الْآنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَتِ النَّصَارَى مَعَ الْمَسِيحِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهْ.
السُّؤَالُ: مَا تَبِعَاتُ هَذَا الْأَمْرْ؟
رَأْيُنَا: إِنْ صَحَّ زَعْمُنَا هَذَا، فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ غِيَابَ عُزَيْرٍ مِنَ الْمَشْهَدِ الْيَهُودِيِّ (عِنْدَمَا لَمْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ) يَدْفَعُنَا إِلَى طَرْحِ السُّؤَالِ الْمُحَيِّرِ التَّالِي: إِذَا كَانَ الْمَسِيحُ (كَمَا ظَنَّ النَّصَارَى هُوَ ابْنُ اللَّهِ) لَهُ اسْمٌ مُحَدَّدٌ بِذَاتِهِ وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَمَا اسْمُ عُزَيْرٍ الَّذِي ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهْ:
- الْمَسِيحُ -> عِيسَى بْنُ مَرْيَمْ
- عُزَيْرٌ -> ؟
(لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ اسْمِ الْمَسِيحِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟)
(لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ اسْمِ الْعُزَيْرِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: قِصَّةِ مُوسَى)
إِنَّ مَا يَهُمُّنَا طَرْحُهُ الْآنَ هُوَ افْتِرَاءُ الْقَوْلِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ كَمَا لِلْمَسِيحِ اسْمٌ يُعْرَفُ بِهِ، فَإِنَّ لِلْعُزَيْرِ أَيْضًا اسْمٌ يُعْرَفُ بِهْ. فَمَا هُوَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا عَنْ قِصَّةِ مُوسَى افْتَرَيْنَا الْقَوْلَ أَنَّ مُفْرَدَةَ عُزَيْرٍ هِيَ كَلِمَةٌ يَهُودِيَّةُ الْأَصْلِ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، لِذَا فَإِنَّ أَصْلَهَا – فِي رَأَيْنَا - عِبْرَانِيًّا قَدِيمًا، لَكِنَّ هَذَا الِاسْمَ قَدْ أَصَابَهُ التَّحْرِيفُ فِي فَتَرَاتِ التَّارِيخِ الْمُتَعَاقِبَةِ، وَكَانَ أَهَمُّ تَحْرِيفٍ لِلِاسْمِ هُوَ – كَمَا ظَنَّ صَاحِبُنَا عِصَامُ دَرْوِيشْ - تَحَوُّلُ حَرْفِ الْعَيْنِ فِي "عُزَيْر" إِلَى هَمْزَةٍ، فَأَصْبَحَ "أُزِير". وَلَمَّا دَخَلَ هَذَا الِاسْمُ إِلَى اللُّغَةِ الْيُونَانِيَّةِ (ذَاتِ الْأُصُولِ الْإِغْرِيقِيَّةِ) لَحِقَهُ الْمَقْطَعُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي يُمَيِّزُ تِلْكَ اللُّغَةَ وَهُوَ "ايس"، فَأَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِـ أُوزِيرِيسْ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِإِلَهِ الْحَيَاةِ وَالْخُضْرَةِ فِي الثَّقَافَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، وَهُوَ الْوَحِيدُ مِنْ بَيْنِ الْآلِهَةِ جَمِيعًا الَّذِي يَظْهَرُ بِشَكْلٍ بَشَرِيٍّ فِي الْجِدَارِيَّاتِ الْمِصْرِيَّةِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةِ مُوسَى).
لَكِنَّ هَذَا الْمَنْطِقَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْرِيفِ الَّذِي جَاءَ مِنْ بَعْدُ، أَيْ مِنْ بَعْدِ الِافْتِرَاءِ الْكَاذِبِ لِلْيَهُودِ بِأَنَّ عُزَيْرَ هُوَ ابْنُ اللَّهِ، لِيَبْقَى السُّؤَالُ التَّالِي قَائِمًا: مَاذَا كَانَ اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ الْحَقِيقِيِّ قَبْلَ أَنْ يُنْعَتَ بِصِفَةِ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ (أَيْ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ عُزَيْرًا)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ لَمَّا أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَى عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِمْ مَعْرِفَةُ هُوِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، كَانَ هَدَفُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلَامَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ مِنْهُمْ هُوَ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا - افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ، فَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ يُؤْفَكُونَ، فَاسْتَحَقُّوا الْقِتَالَ مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ – بِرَأَيْنَا - مِنْ بَابِ إِصْبَاغِ الطَّابَعِ الثَّقَافِيِّ الْمَحَلِّيِّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِهِمْ (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ) عَلَى الْقِصَّةِ الدِّينِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةْ:
لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ هَؤُلَاءِ (الَّذِينَ كَانَ هَدَفُهُمْ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) قَدْ ذَهَبُوا بَعِيدًا عَنْ تَفَاصِيلِ الْقِصَّةِ الدِّينِيَّةِ الْحَقِيقَةِ فِي سَبِيلِ مُجَارَاةِ قَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِهِمْ. وَلَعَلِّي أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُبِينَ الَّذِي غَفَلُوا عَنْهُ جَمِيعًا (رُبَّمَا عَنْ قَصْدٍ عِنْدَ أَهْلِ دِرَايَتِهِمْ وَرُبَّمَا عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ عِنْدَ أَهْلِ رُوَاتِهِمْ) هُوَ الْجُزْءُ الْأَكْثَرُ وُضُوحًا فِي الْقِصَّةِ، أَلَا وَهُوَ الْحُوتْ.
فَبَدَلَ أَنْ يَقِفُوا عِنْدَ تَفَاصِيلِ الْقِصَّةِ الدِّينِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْمُتَمَثِّلَةِ بِأَنَّ مُوسَى (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ) قَدْ ذَهَبَ لِلِقَاءِ صَاحِبِ الْحُوتِ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ طَارَتْ مُخَيِّلَتُهُمْ فِي الْآفَاقِ لِتَصْدِيقِ ظُنُونِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، فَمَا اسْتَقَرُّوا إِلَّا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ صَاحِبَ مُوسَى هَذَا هُوَ عُزَيْرٌ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ لِأَنَّ مُوسَى هُوَ كَلِيمُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ مَرْتَبَةً مِنْهْ. لَكِنَّهُمْ (نَحْنُ نَجْزِمُ الظَّنَّ) لَمْ يُكَلِّفُوا أَنْفُسَهُمْ عَنَاءَ الْبَحْثِ عَنِ اسْمِهِ الْحَقِيقِيّ:
وَلَوْ كَانَتْ نِيَّتُهُمْ صَادِقَةً (نَحْنُ نُؤْمِنُ) فِي الْبَحْثِ عَنِ الْقِصَّةِ الدِّينِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ هَدَفُهُمْ نَبِيلًا فِي الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، لَمَا أَعْيَاهُمُ الْبَحْثُ (نَحْنُ نَعْتَقِدُ) أَنْ يَنْتَبِهُوا بِأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ نَفْسُهُ صَاحِبُ الْحُوتْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ عُزَيْرَ الَّذِي قَالَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ هُوَ صَاحِبُ الْحُوتِ الَّذِي جَاءَ مُوسَى طَالِبًا الْعِلْمَ عَلَى يَدَيْهِ. انْتَهَى.
الدَّلِيلْ
لَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الَّتِي تَخُصُّ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ مُوسَى يَتَعَلَّمُ عِنْدَهُ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَدَارَكَهُ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ نِعَمِهِ وَهُمَا:
- الرَّحْمَةُ (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا)
- الْعِلْمُ (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ الْعِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ لَدُنْهُ لِهَذَا الرَّجُلِ مَعْرُوفًا، وَهُوَ مَا جَاءَ مُوسَى طَالِبًا تَعَلُّمَهْ:
فَالسُّؤَالُ الَّذِي لَا مَفَرَّ مِنْهُ هُوَ: مَا هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا مِنْ عِنْدِهِ (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ كَانَتْ رَحْمَةً خَاصَّةً جِدًّا بِدَلِيلِ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهْ. فَمَا هِيَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِدَايَةً أَنَّ الرَّحْمَةَ تَتَحَصَّلُ نَتِيجَةَ صَرْفِ الْعَذَابْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ آتَى ذَلِكَ الرَّجُلَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، فَإِنَّ الْعَذَابَ – لَا شَكَّ - قَدْ صُرِفَ عَنْهْ. وَهَذَا مَا حَصَلَ فِي حَالَةِ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ مِنَ الْأَقْوَامِ الْبَائِدَةِ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ نَجَّى رُسُلَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهْ:
وَالرَّحْمَةُ – لَا شَكَّ - تَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهَا كَشْفَ الضُّرِّ أَوِ السُّوءْ:
وَالْآنَ، لَوْ رَجَعْنَا إِلَى مَا اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ صَاحِبَ الْحُوتِ بِهَذَا الْمَفْهُومِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَنِ الرَّحْمَةِ، لَوَجَدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ:
وَلَوْ بَحَثْنَا عَنِ النِّعْمَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ النِّعْمَةَ تَعْنِي التَّعَدُّدَ، لِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصَى:
لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هُنَاكَ أَكْثَرَ مِنْ نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ أَصَابَتْ هَذَا الرَّجُلَ، وَلَوْ فَتَّشْنَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي ذَهَبَ مُوسَى لِصُحْبَتِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدِ اخْتَصَّهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مِيزَةٍ، وَهِيَ الرَّحْمَةُ وَالْعِلْمْ:
وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَرْبِطَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ صَاحِبِ الْحُوتِ لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدِ اخْتَصَّهُ بِالرَّحْمَةِ بِأَنْ أَنْجَاهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَمَا أَنْ أَنْجَاهُ مِنَ الْعَذَابِ حَتَّى اجْتَبَاهُ وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينْ:
ثَانِيًا، لَوْ عُدْنَا إِلَى قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ لَوَجَدْنَا فِيهَا مَا يَدْعُو إِلَى الِاسْتِغْرَابْ:
فَبَعْدَ أَنْ تَسَاءَلَ ذَاكَ الرَّجُلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ إِحْيَاءِ اللَّهِ الْقَرْيَةَ الْخَاوِيَةَ عَلَى عُرُوشِهَا أَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، وَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ)، كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: مِنْ أَيْنَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَابُدَّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ مَرَّ بِتَجْرِبَةٍ سَابِقَةٍ أَثْبَتَتْ لَهُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ التَّجْرِبَةُ الَّتِي مَرَّ بِهَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تَجْرِبَتَهُ هِيَ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
فَالرَّجُلُ هُوَ – نَحْنُ نَظُنُّ - صَاحِبُ الْحُوتِ الَّذِي نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ، وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، جَاءَتِ الِاسْتِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ لَهُ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْغَرَقِ، لِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ عَلَى قَنَاعَةٍ تَامَّةٍ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وَهُنَا رُبَّمَا يُبَادِرُنَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ بِالتَّسَاؤُلِ التَّالِي: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلِمَ إِذَنْ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي هَذِهِ الْقَرْيَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا طَلَبَ الرَّجُلِ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ (نَحْنُ نُؤْمِنُ) يَشُكُّ بِقُدْرَةِ اللَّهِ قِيدَ أَنْمُلَةْ. فَهُوَ قَدْ عَلِمَ مِنْ ذِي قَبْلُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْفِعْلَ جَاءَ بِصِيغَةِ الْمُقِرِّ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي لَا جِدَالَ فِيهَا (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ كَانَ - بِرَأَيْنَا - يُرِيدُ أَنْ يَرَى الْكَيْفِيَّةَ، أَيْ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى. لِذَا جَاءَتِ الِاسْتِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ فِي صِيغَةِ الطَّلَبِ، فَاللَّهُ لَمْ يُشَكِّكْ بِإِيمَانِ الرَّجُلِ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًا:
وَلَكِنَّهُ أَرَاهُ بِأُمِّ عَيْنِهِ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ خُطْوَةً بِخُطْوَةْ:
وَلَمْ يَطْلُبِ اللَّهُ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا وَيَضَعَهُ عَلَى جَبَلٍ كَمَا طَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمْ:
وَسَنَرَى لَاحِقًا (عَنْ إِذْنِ اللَّهِ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لِمَ كَانَ الْجَبَلُ هُوَ الْمَكَانَ الْأَمْثَلَ لِوَضْعِ تِلْكَ الطَّيْرِ عَلَيْهِ، وَلِمَ كَانَ تَسْخِيرُ الْجِبَالِ لِأَيُّوبَ، وَلِمَ عُرِضَتِ الْأَمَانَةُ عَلَى الْجِبَالِ، وَمَا قِصَّةُ الْجِبَالِ كُلِّهَا فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ وَغَرَابِيبُ سُودٌ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمَ وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا – آمِينْ).
إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ قَبْلَ حَادِثَةِ مَوْتِهِ عَلَى عِلْمٍ، وَمَا أَنْ مَرَّ بِتَجْرِبَةِ الْمَوْتِ مِئَةَ عَامٍ تَبَيَّنَ لَهُ عِلْمٌ جَدِيدْ:
فَأَصْبَحَ الرَّجُلُ يَمْلِكُ عِلْمًا جَدِيدًا يُضَافُ إِلَى عِلْمِهِ الْقَدِيمِ، فَأَصْبَحَ بِذَلِكَ عُزَيْرْ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى عُزَيْرْ؟
تَحَدَّثْنَا عَنْ هَذِهِ الْمُفْرَدَةِ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةِ مُوسَى، إِلَّا أَنَّنَا نَجِدُ أَنَّ الضَّرُورَةَ تَسْتَدْعِي الْعَوْدَةَ لِمُرَاجَعَةِ مَا جَاءَ هُنَاكَ مِنَ افْتِرَاءَاتٍ حَوْلَ الْمَوْضُوعِ، كَمَا لَا نَجِدُ ضَيْرًا فِي إِعَادَةِ صِيَاغَةِ بَعْضِ الْأَفْكَارِ الَّتِي وَرَدَتْ هُنَاكَ وَالَّتِي نَظُنُّ أَنَّ لَهَا عَلَاقَةً مُبَاشِرَةً بِفَحْوَى النِّقَاشِ هُنَا.
أَمَّا بَعْدُ،
فَلَقَدْ ظَنَنَّا – مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا - بِأَنَّ مُفْرَدَةَ "عُزَيْر" مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعْزِيرِ، كَمَا تَرِدُ بِاشْتِقَاقَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةْ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ جَيِّدًا، لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا افْتِرَاءَ بَعْضِ الْمُشَاهَدَاتِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ بِخُصُوصِ مُفْرَدَةِ التَّعْزِيرْ.
أَوَّلًا، جَاءَتِ الْمُفْرَدَةُ بِمَعْنًى إِيجَابِيٍّ، لِذَا نَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ لَا يَرْبِطَ الْمُفْرَدَةَ بِالْمَعْنَى "الشَّعْبِيِّ" الْمُتَوَارَثِ فِي ذِهْنِنَا عَنْ عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ تُظْهِرُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ الْمَعْنَى الْإِيجَابِيَّ لِمُفْرَدَةِ التَّعْزِيرْ:
فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَطْلُبُ مِنَ النَّاسِ تَعْزِيرَ الرُّسُلِ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعْزِيرُ رُسُلِ اللَّهْ؟
ثَانِيًا، جَاءَتِ الْمُفْرَدَةُ بِمَعْنًى يَخْتَلِفُ عَنِ الْإِيمَانِ، فَالنَّصُّ الْقُرْآنِيُّ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْإِيمَانِ وَالتَّعْزِيرِ مَعًا، فَلَابُدَّ إِذَنْ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ مِنْ جِهَةٍ وَتَعْزِيرِ الرُّسُلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
وَالتَّعْزِيرُ – حَسَبَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا - يَخْتَلِفُ أَيْضًا عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَوْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ أَوْ إِيمَانًا بِالرُّسُلِ أَوْ إِقْرَاضِ اللَّهِ قَرْضًا حَسَنًا.
ثَالِثًا، جَاءَتِ الْمُفْرَدَةُ بِمَعْنًى يَخْتَلِفُ عَنِ النُّصْرَةِ وَالْإِتْبَاعِ، بِدَلِيلِ التَّرَادُفِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
رَابِعًا، جَاءَتِ الْمُفْرَدَةُ بِمَعْنًى يَخْتَلِفُ عَنْ تَوْقِيرِ الرَّسُولِ أَوِ التَّسْبِيحْ:
خَامِسًا، وَأَخِيرًا نَقُولُ جَاءَ التَّعْزِيرُ لِيَكُونَ عَلَى الدَّوَامِ خَاصًّا بِعَمَلٍ يَقُومُ بِهِ النَّاسُ بِمَجْمُوعِهِمْ لِلرَّسُولِ (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) وَ (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) وَ (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ)، لِنَطْرَحَ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْمُشَاهَدَةِ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: كَيْفَ يُمْكِنُ تَعْزِيرُ الرُّسُلِ؟ وَكَيْفَ نَسْتَطِيعُ نَحْنُ أَنْ نُعَزِّرَ رَسُولًا جَاءَ بِرِسَالَةٍ مِنْ رَبِّهْ؟
جَوَابٌ: لِنَعُدْ إِلَى قِصَّةِ عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ لِنَسْتَوْحِيَ مِنْ خِلَالِهَا بَعْضَ الْمَعَانِي:
- أَوَّلًا، التَّعْزِيرُ هِيَ عُقُوبَةْ.
- ثَانِيًا، التَّعْزِيرُ فِيهَا شَهَادَةٌ، حَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْهَدَ جَمْعٌ مِنَ النَّاسِ الْعُقُوبَةْ.
- ثَالِثًا، غَالِبًا مَا تَكُونُ عُقُوبَةُ التَّعْزِيرِ مُعَزِّزَةً لِعُقُوبَةٍ أُخْرَى سَابِقَةٍ لَهَا، فَلَيْسَ فِي عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ بِحَدِّ ذَاتِهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَالْجَلْدُ وَقَطْعُ الْيَدِ وَنَحْوُهُمَا هِيَ الْعُقُوبَاتُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا، أَمَّا مَا جَاءَ فِي عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ فَهِيَ إِضَافَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهُنَا يَجِبُ أَنْ نَجْلِبَ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ التَّالِي:
لِنَطْرَحَ عَلَى الْفَوْرِ السُّؤَالَ التَّالِي: لِمَاذَا جَاءَ تَعْزِيرُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ مَنْ كَانَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَحْنُ نَسْأَلُ: مَنِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُعَزِّرَ مُحَمَّدًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ تَعْزِيرَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْكِتَابْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ مَا أَنْ يُؤْمِنَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِلَّا وَيَكُونُ ذَلِكَ لَيْسَ فَقَطْ مِنْ بَابِ الْإِيمَانِ وَكَفَى وَإِنَّمَا مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ أَيْضًا، وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِيمَانَ نَفَرٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (يَهُودًا كَانُوا أَوْ وَنَصَارَى) بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ يَخْتَلِفُ عَنْ إِيمَانِ الْأَعْرَابِ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِيمَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَأْتِي – فِي ظَنِّنَا - مِنْ بَابِ الْإِيمَانِ بِسَبَبِ مَا تَوَافَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمٍ مُسْبَقٍ مَوْجُودٍ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى عِلْمٍ سَابِقٍ عِنْدَهُمْ، لِذَا نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِيمَانَهُمْ يَأْتِي مِنْ بَابِ الْعِلْمِ عَلَى عِلْمٍ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ – بِرَأَيْنَا - تَعْزِيرًا (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ).
وَالْآنَ انْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالتَّعْزِيرِ كُلِّهَا مِنْ هَذَا الْجَانِبْ:
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِعُزَيْرِ الْيَهُودِ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ هُنَا؟
جَوَابٌ: لِنَقْرَأِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا لِنَتَأَمَّلَ بَعْضَ مَا جَاءَ فِيهَا:
لَاحِظْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - آخِرَ مَا قَالَهُ الرَّجُلُ (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) لِنَطْرَحَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: مَا دَامَ أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلِمَ طَلَبَ أَصْلًا أَنْ يَعْلَمَ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ هَذِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ قَبْلَ أَنْ يُمِيتَهُ اللَّهُ كَانَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)، وَقَدْ طَلَبَ عِلْمًا لِيُضِيفَهُ عَلَى الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ أَصْلًا لَدَيْهِ، فَجَاءَهُ عِلْمٌ جَدِيدٌ بَيَّنَهُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ لَهُ (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)، وَحَصَلَ كُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامًا (رُبَّمَا عُقُوبَةً وَرُبَّمَا مُكَافَأَةً)، وَمَا أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى آتَاهُ عِلْمًا جَدِيدًا بِأَنْ أَرَاهُ كَيْفَ يُنْشِزُ الْعِظَامَ ثُمَّ يَكْسُوهَا لَحْمًا، فَجَاءَ الرَّجُلَ عِلْمًا عَلَى عِلْمٍ، فَكَانَ بِذَلِكَ – فِي ظَنِّنَا - عُزَيْرًا.
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ عَلَى عِلْمٍ قَبْلَ أَنْ يُمِيتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ، وَمَا أَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ أَمَاتَهُ مِئَةَ عَامٍ حَتَّى آتَاهُ عِلْمًا فَوْقَ عِلْمِهِ السَّابِقِ، فَأَصْبَحَ بِذَلِكَ عُزَيْرًا.
وَلَا نَنْسَى كَذَلِكَ أَنَّ فِي الْعُقُوبَةِ (وَمِنْهُ الْقِصَاصُ) حَيَاةْ:
فَحَتَّى لَوْ فَهِمْنَا أَنَّ فِي مَوْتِ الرَّجُلِ ذَاكَ كَانَ قِصَاصًا مِنْهُ، لَنْ نَعْدَمَ الْفَهْمَ بِأَنَّهُ كَانَ حَيَاةً لَهْ:
السُّؤَالُ: أَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ؟ وَهَلْ عَادَ لِيَمُوتَ مَرَّةً أُخْرَى لِيُبْعَثَ مِنْ جَدِيدٍ فِي يَوْمِ الْحَشْرِ الْأَكْبَرِ؟ فَكَمْ مَرَّةً إِذَنْ سَيَكُونُ قَدْ مَاتَ وَقَدْ بُعِثَ؟ مَنْ يَدْرِي؟!!!
لَكِنَّ الَّذِي لَا يَجِبُ الْغَفْلَةُ عَنْهُ هُوَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ – فِي ظَنِّنَا - صَاحِبُ الْحُوتْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُطْرَحَ الْآنَ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ: مَا قِصَّةُ الْحُوتِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمْ؟
لَوْ حَاوَلْنَا تَتَبُّعَ الْخُيُوطِ الْعَنْكَبُوتِيَّةِ الَّتِي تَرْبِطُ الْحُوتَ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ كُلِّهَا لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ الْحُوتَ قَدْ ذُكِرَ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
- قِصَّةُ يُونُسَ الَّذِي لَا نَشُكُّ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ الْحُوتْ
- قِصَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (مُوسَى) الْخَاصَّةُ بِالْقَرْيَةِ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ الَّتِي كَانَتْ مَوْطِنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي السَّبْتْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي لَا مَفَرَّ مِنْهُ هُوَ: لِمَاذَا؟ مَا سَبَبُ أَنَّ ذِكْرَ الْحُوتِ جَاءَ خَاصًّا بِهَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ وَفِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ (يُونُسَ وَمُوسَى)؟ فَمَا الَّذِي يَجْمَعُ ذَلِكَ الْحُوتَ الَّذِي الْتَقَمَ يُونُسَ عِنْدَمَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا؟
مَعَ قِصَّةِ الْحُوتِ (وَالْحِيتَانِ) فِي قِصَّةِ مُوسَى؟ وَمَا الَّذِي جَعَلَ الْحُوتَ يَظْهَرُ مِنْ جَدِيدٍ فِي رِحْلَةِ مُوسَى مَعَ فَتَاهُ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنْ؟
لَمَّا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ لَا شَيْءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَادَفَةِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ كُتْلَةٌ وَاحِدَةٌ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَانَ لَابُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ بِأَنَّ هُنَاكَ رَابِطًا قَوِيًّا بَيْنَ الْمَوْطِنَيْنِ، الْأَمْرُ الَّذِي دَفَعَنَا مُنْذُ بِدَايَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَى طَرْحِ تَسَاؤُلَاتٍ مُثِيرَةٍ سَتُشَكِّلُ فِي مُجْمَلِهَا جُلَّ النِّقَاشِ فِيمَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ وَفِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهْ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمَ، وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا، وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، وَأَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، وَأَنْ يَهْدِيَنِي إِلَى الْحَقِّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ عَنْ عِلْمٍ وَعَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنِّي، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ)
التَّسَاؤُلَاتْ:
- مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ الْحُوتِ بِقِصَّةِ حِيتَانِ الْبَحْرِ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ؟
- وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِقِصَّةِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرْ؟
- وَمَا هِيَ تِلْكَ الْقَرْيَةُ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرْ؟
- وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِنَهْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنِ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتْ؟
- لِمَاذَا جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ؟
- كَيْفَ اخْتَلَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي السَّبْتْ؟
- لِمَاذَا لُعِنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتْ؟
- لِمَاذَا جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ قِرَدَةً خَاسِئِينْ؟
إِلَخْ.
بِدَايَةً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقَرْيَةَ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ هِيَ الْقَرْيَةُ نَفْسُهَا الَّتِي اعْتَدَى بَعْضُ أَهْلِهَا عَلَى حِيتَانِ الْبَحْرِ يَوْمَ سَبْتِهِمْ:
كَمَا نَظُنُّ أَيْضًا بِأَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ هُمُ الَّذِينَ جَاءَهُمُ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِعَدَمِ الِاعْتِدَاءِ فِي السَّبْتْ. كَمَا نُؤْمِنُ يَقِينًا بِأَنَّ جُزْءًا مِنْهُمْ (وَلَيْسَ كُلَّهُمْ) قَدِ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ وَهُمُ الَّذِينَ جُعِلُوا قِرَدَةً خَاسِئِينْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمِفْصَلِيُّ الْأَوَّلُ هُوَ: لِمَاذَا جَاءَ النَّهْيُ الْإِلَهِيُّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِأَنْ لَا يَعْتَدُوا فِي السَّبْتْ؟ فَمَا قِصَّةُ الْحِيتَانْ؟ وَمَا قِصَّةُ السَّبْتْ؟
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ مُحَاوَلَةِ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ فَلَابُدَّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) مِنَ الْخَوْضِ فِي مَوْضُوعِ تَسْمِيَةِ الْأَيَّامِ (أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ: السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ) كَمَا جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهْ.
أَمَّا بَعْدُ،
لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: كَيْفَ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِي السَّبْتْ؟ وَلِمَاذَا اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ؟ وَمَا هُوَ السَّبْتُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ أَصْلًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا فِيهَا شَيْئًا يَدْعُو إِلَى طَرْحِ تَسَاؤُلَاتٍ مُثِيرٍ جِدًّا، وَالْآيَةُ هِيَ:
التَّسَاؤُلَاتْ
- لِمَاذَا الْجُمُعَةْ؟
- وَمَا هُوَ ذِكْرُ اللَّهْ؟
- لِمَاذَا أُمِرْنَا أَنْ نَذَرَ الْبَيْعَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةْ؟
- لِمَاذَا أُمِرْنَا بِالِانْتِشَارِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةْ؟
- لِمَ لَمْ يَأْتِينَا الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِالْكَفِّ عَنِ الْبَيْعِ وَعَنِ التِّجَارَةِ فِي السَّبْتِ كَمَا جَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِنَا؟
- فَهَلِ اخْتَلَفَتْ سُنَّةُ اللَّهِ فِينَا وَفِيهِمْ؟
- أَمْ هَلْ يَقَعُ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي بَابِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَّا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا؟
إِلَخْ.
افْتِرَاءَاتٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهَا
- نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ "السَّبْتَ" لَيْسَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعْ.
- نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ أَيَّامَ الْأُسْبُوعِ هِيَ سِتَّةُ أَيَّامٍ فَقَطْ وَلَيْسَ سَبْعَةً كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَالَمِينْ.
- نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ السَّبْتَ هُوَ يَوْمٌ مِنْ صِنَاعَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابْ.
- نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ أَوَّلَ مَا حَصَلَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ؟
أَوَّلًا، لَوْ دَقَّقْنَا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ جَيِّدًا، لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ وَصَفَ السَّبْتَ عَلَى أَنَّهُ يَوْمٌ، فَلَمْ يَأْتِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَنَّ هُنَاكَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ يُسَمَّى "السَّبْتَ" كَمَا هِيَ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِـ "يَوْمِ الْجُمُعَةِ":
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: الْجُمُعَةُ يَوْمْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: السَّبْتُ لَيْسَ يَوْمْ.
ثَانِيًا، لَوْ دَقَّقْنَا أَكْثَرَ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلٍّ سَبْتًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا عَنِ الِاعْتِدَاءِ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ:
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ هُنَاكَ يَوْمُ سَبْتِهِمْ، كَانَ هُنَاكَ يَوْمُ سَبْتِ غَيْرِهِمْ، فَلِكُلٍّ كَانَ هُنَاكَ سَبْتٌ يَخْتَلِفُ عَنْ سَبْتِ الْآخَرِينْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْفَهْمِ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) بِأَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ يَوْمُ سَبْتِنَا.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا نَظُنُّ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ يَوْمُ سَبْتِنَا؟
رَأْيُنَا: لَوْ دَقَّقْنَا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَكْثَرَ، رُبَّمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ بِأَنَّ السَّبْتَ هُوَ فِعْلٌ قَائِمٌ يُمْكِنُ لِلْجَمِيعِ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا مَعْلُومًا بِنَفْسِهِ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِ نَفْسِهَا:
فَالْقَوْمُ، إِذَنْ، كَانَ يَسْبِتُونَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَسْبِتُونَ؟ وَكَيْفَ يَسْبِتُونَ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ حَالُهُمْ عِنْدَمَا يَسْبِتُونَ؟ وَكَيْفَ تَكُونُ حَالُهُمْ عِنْدَمَا لَا يَسْبِتُونَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبْتَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ "السُّبَاتِ"، وَهِيَ تَعْنِي – بِرَأَيْنَا - الْكَفَّ عَنْ فِعْلِ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ فِي الْعَادَةِ، أَيْ التَّوَقُّفَ عَنِ الْعَمَلِ كُلِّيًّا، كَمَا يَفْعَلُ النَّائِمْ:
لَكِنْ لَا نَنْسَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَانُوا يَسْبِتُونَ فِي الْيَوْمِ وَلَيْسَ فِي اللَّيْلَةْ:
فَهَلْ مَنْ يَسْبِتُ أَثْنَاءَ النَّوْمِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السُّبَاتَ هُوَ الْكَفُّ عَنِ الْعَمَلِ الْمَعْهُودِ مِنْ أَجْلِ غَايَةٍ أُخْرَى هِيَ أَكْثَرُ أَهَمِّيَّةْ.
السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ مَطْلُوبٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنْ يَفْعَلُوا فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ؟
رَأْيُنَا: لَوْ رَجَعْنَا إِلَى الْآيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةْ:
لَوَجَدْنَا أَنَّ فِيهَا مَا يَلِي:
- الْمُنَادَاةُ لِلصَّلَاةْ.
- الْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهْ.
- الصَّلَاةْ.
- الِانْتِشَارُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةْ.
- ابْتِغَاءُ الْفَضْلِ مِنَ اللَّهْ.
- الدَّعْوَةُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ كَثِيرًا.
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوحُ الْآنَ هُوَ: مَا الَّذِي يَتَرَتبُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَوَّلَ مُتَطَلَّبَاتِ الِالْتِزَامِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ هُوَ "السُّبَاتُ"، أَيْ الْكَفُّ عَنِ الْعَمَلِ الدُّنْيَوِيِّ الْمَأْلُوفِ مِنْ أَجْلِ التَّفَرُّغِ لِعِبَادَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ "ذِكْرُ اللَّهِ".
السُّؤَالُ: لِمَاذَا جَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ هُنَا أَنْ نَتَدَبَّرَ سُورَةَ "الْجُمُعَةِ" بِأَكْمَلِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، لِنَنْظُرَ فِيمَا جَاءَنَا فِيهَا مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا:
لَوْ دَقَّقْنَا فِي بِدَايَةِ هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ لَوَجَدْنَاهَا قَدِ افْتُتِحَتْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تُؤَكِّدُ حَقِيقَةً كَوْنِيَّةً مُطْلَقَةً وَهِيَ أَنَّ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ هُمْ:
- مَا فِي السَّمَاوَاتْ
- مَا فِي الْأَرْضْ
لِذَا نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى أَنْ نَسْتَنْبِطَ الِافْتِرَاءَ الْخَطِيرَ التَّالِي: لَا يُسَبِّحُ اللَّهَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (أَيْ مَا هُوَ مَوْجُودٌ بَيْنَهُمَا). فَالْكَائِنَاتُ الْبَحْرِيَّةُ (وَهِيَ الْمَوْجُودَةُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ) لَيْسَ مَطْلُوبٌ مِنْهَا تَسْبِيحُ اللَّهْ. وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الِافْتِرَاءَ الْخَطِيرَ سَيُفِيدُنَا كَثِيرًا عِنْدَمَا نَعُودُ لِقِصَّةِ يُونُسَ وَخَاصَّةً مُنَادَاتِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ:
(دُعَاءٌ: فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
ثَانِيًا، جَاءَتِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ لِتُرْشِدَنَا إِلَى أَنَّ مُهِمَّةَ الرَّسُولِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِينَا مِنْ أَنْفُسِنَا هِيَ ذَاتُ ثَلَاثِ أَوْجُهْ:
- تِلَاوَةُ الْآيَاتِ عَلَيْنَا
- تَزْكِيَتُنَا
- تَعْلِيمُنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي نِهَايَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّنَا كُنَّا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ فِي ظَلَالٍ مُبِينٍ (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). وَلَوْ تَابَعْنَا قِرَاءَةَ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْآيَةَ اللَّاحِقَةَ تُبَيِّنُ لَنَا عَلَى الْفَوْرِ بِأَنَّ حَالَةَ الظَّلَالِ هَذِهِ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَيْنَا وَحْدَنَا، وَلَكِنَّهَا أَيْضًا حَالُ آخَرِينَ لَمَّا يَلْحَقُوا بِنَا:
ثُمَّ نُتَابِعُ الْآيَةَ الرَّابِعَةَ لِنَجِدَ أَنَّهَا تُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهْ:
(دُعَاءٌ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ نَفَاذَ أَمْرِكَ بِمَشِيئَتِكَ لِي بِذَاكَ الْفَضْلِ، فَأَعْلَمُ أَنِّي أَشَاءُ ذَلِكَ)
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: بَيَّنَ اللَّهُ لَنَا فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ (كَمَا نَفْهَمُهَا) أَنَّ تَسْبِيحَ اللَّهِ هِيَ حَالُ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّنَا (أَيْ النَّاسَ) غَيْرُ مُسْتَثْنَيْنَ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ الْكَوْنِيَّةِ، وَهِيَ تَسْبِيحُ اللَّهِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَمْتَثِلَ أَمْرَ اللَّهِ بِأَنْ نَكُونَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ خَاصَّةً (بِرَأَيْنَا) فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ. وَهَذَا التَّسْبِيحُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ الرَّسُولُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ فِينَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتِلَاوَةِ الْآيَاتِ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، وَالتَّزْكِيَةِ (وَيُزَكِّيهِمْ) ثُمَّ تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). لِذَا يَجِبُ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ (نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الِافْتِرَاءِ) كُلَّ عَمَلٍ دُنْيَوِيٍّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَنْقَطِعَ إِلَى مُهِمَّةٍ مُحَدَّدَةٍ فِيهِ، أَلَا وَهِيَ "ذِكْرُ اللَّهِ". فَالْمُؤْمِنُ (كُلُّ مُؤْمِنٍ) إِذَنْ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ حَالَ الْمُنَادَاةِ لِلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ). وَبِخِلَافِ ذَلِكَ نَبْقَى فِي ظَلَالٍ مُبِينٍ كَحَالِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِنَا، فَمَا امْتَثَلُوا لِهَذَا الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ عِنْدَمَا لَمْ يَلْحَقُوا بِرَكْبِ السَّاعِينَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ. وَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى أَنَّ سَعْيَنَا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَجْلِ تِلَاوَةِ الْآيَاتِ وَالتَّزْكِيَةِ وَتَعَلُّمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَهُوَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ شَاءَ ذَلِكَ (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ). فَاللَّهُ - لَا شَكَّ - سَيُؤْتِي فَضْلَهُ ذَلِكَ مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ سَاعِيًا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَإِلَى الصَّلَاةِ وَنِيَّتُهُ مَرْبُوطَةٌ عَلَى ذَلِكْ.
(دُعَاءٌ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ الْفَضْلَ مِنْكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)
السُّؤَالُ: هَلْ هَذَا السَّعْيُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ خَاصٌّ فَقَطْ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهَا ذَاكَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ؟ أَمْ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِنَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نُتَابِعُ قِرَاءَةَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ نَفْسِهَا، لِنَجِدَ الْآيَةَ الْخَامِسَةَ تَتَحَدَّثُ مُبَاشَرَةً عَنِ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَحْمِلُوهَا:
وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَرْبِطَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِالسِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ السَّابِقِ (كَمَا نَفْهَمُهُ)، لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَفْتَرِيَ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا الْفَضْلَ الْإِلَهِيَّ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِنَا فَقَطْ، وَلَكِنَّهَا أَيْضًا سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِنَا، فَقَدْ كَانَ فَضْلُ اللَّهِ وَاضِحًا عَلَى مَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةُ، وَلَكِنْ مَا الَّذِي حَصَلَ؟
رَأْيُنَا: لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ أَهْلَ التَّوْرَاةِ كَانُوا مُطَالَبِينَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْهُدَى وَالنُّورْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ مُفْتَرَاةً الَّتِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهَا هِيَ: إِنَّ الِالْتِزَامَ بِمَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ بَعْدَ فَهْمِ مَا جَاءَ فِيهَا (كَـ فَهْمِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ) سَيُرْشِدُنَا – لَا مَحَالَةَ - إِلَى النُّورِ الَّذِي سَيُخْرِجُنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّنَا:
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ تَلْبِيَةً لِلنِّدَاءِ مُؤَهَّلِينَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ رَبُّهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَلْحَقُونَ بِرَكْبِ السَّاعِينَ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَيَظَلُّونَ فِي ظَلَالٍ مُبِينْ.
فَهَلْ يَسْتَوُونَ؟!
السُّؤَالُ: لَكِنْ كَيْفَ يَتِمُّ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: بِدَايَةً نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضْ:
وَنُؤْمِنُ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ أَنْزَلَ إِلَيْنَا نُورًا مُبِينًا:
فَقَدْ جَاءَنَا مِنْ رَبِّنَا نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينْ:
فَكَانَ ذَلِكَ النُّورُ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ إِلَيْنَا:
وَكَانَ ذَلِكَ النُّورُ فِي الْإِنْجِيلِ أَيْضًا:
وَجَاءَنَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنَّةً مِنَ اللَّهِ بِهَذَا الرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيّ:
وَلَكِنَّ النَّاسَ جَعَلُوا تِلْكَ الْكُتُبَ الَّتِي جَاءَنَا نُورُ اللَّهِ فِيهَا قَرَاطِيسَ يُبْدُونَ مَا يُرِيدُونَ وَيُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْهَا:
فَاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْنَا نُورًا لِنَمْشِيَ بِهِ بَيْنَ النَّاسْ:
بَعْدَ أَنْ كُنَّا أَمْوَاتًا قَبْلَ خَلْقِنَا:
وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ الْإِلَهِيِّ الْعَظِيمِ، كَانَتْ إِرَادَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ تَتَمَثَّلُ عَلَى الدَّوَامِ بِإِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ:
وَلَكِنْ هَيْهَاتَ لَهُمْ مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ يَأْبَى إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ فَقَطْ:
فَأَصْبَحَ هُنَاكَ نَتِيجَةٌ تُدْخِلُ هَذِهِ الْقُوَى الظَّلَامِيَّةَ مَنْ هُوَ أَعْمَى مُقَابِلَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَصِيرٌ، فَالْأَعْمَى هُوَ – لَا شَكَّ - الَّذِي لَا يَتَّبِعُ نُورَ اللَّهِ، وَأَمَّا الْبَصِيرُ فَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعُ نُورَ اللَّهْ:
وَمَحَلُّ ذَلِكَ هُوَ الْقَلْبْ:
(دُعَاءٌ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ يَكُونَ لِي قَلْبٌ يَعْقِلُ وَآذَانٌ تَسْمَعُ وَأَعْيُنٌ تُبْصِرُ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ)
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: جَاءَ إِنْزَالُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ لِهَدَفٍ وَاحِدٍ هُوَ إِخْرَاجُ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ:
وَكَانَتْ هَذِهِ مُهِمَّةَ مُوسَى (كَمَا كَانَتْ مُهِمَّةَ جَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ)، أَيْ إِخْرَاجَ قَوْمِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورْ:
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ سَيَفْعَلُ مُوسَى ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: يَفْعَلُ مُوسَى ذَلِكَ بِمَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ وَبِالنُّورِ الَّذِي فِي التَّوْرَاةْ:
السُّؤَالُ: إِلَى أَيْنَ سَيَذْهَبُ مُوسَى (وَكُلُّ رُسُلِ اللَّهِ) بِمَنْ أُمِرُوا أَنْ يُخْرِجُوهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ؟
جَوَابٌ: إِلَى اللَّهِ مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضْ:
وَلَا شَكَّ أَنَّنَا دُونَ ذَلِكَ النُّورِ، فَإِنَّنَا كَمَنْ هُوَ فِي ظُلُمَاتِ الْبَحْرِ اللُّجِّيِّ الَّذِي يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابْ:
(دُعَاءٌ: أَسْأَلُكَ رَبِّي أَنْ تَهْدِيَنِي إِلَى نُورِكَ الَّذِي أَبَيْتَ أَنْ تُتِمَّهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، وَأَسْأَلُكَ رَبِّ أَنْ تُعَلِّمَنِي كَلِمَاتِكَ الَّتِي بِهَا تُحِقُّ الْحَقَّ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ – آمِينْ)
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَكْسِبَ ذَلِكَ النُّورَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَتِمُّ بِإِتْبَاعِ النُّورِ الَّذِي فِي الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ بِأَنْ نَكْسِبَ صَلَوَاتِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَمَلَائِكَتِهْ:
(دُعَاءٌ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ تُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَمَلَائِكَتُكَ – آمِينْ)
السُّؤَالُ: وَمَا الْهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: لِكَيْ يَشْرَحَ اللَّهُ صُدُورَنَا فَتَلِينَ قُلُوبُنَا الْقَاسِيَةُ لِذِكْرِ اللَّهْ:
السُّؤَالُ: مَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ لَنَا ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّذِي أُمِرْنَا لِنَسْعَى فِيهِ إِلَى "ذِكْرِ اللَّهِ" هُوَ الْوَقْتُ الْأَمْثَلُ لِمِثْلِ ذَلِكَ الْفَضْلِ الْإِلَهِيّ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَجِبُ فِعْلُهُ إِذَنْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةْ؟
رَأْيُنَا: "ذِكْرُ اللَّهِ"، وَيَكُونُ ذَلِكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) بِتَدَبُّرِ الْآيَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهَا لِتُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورْ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُفِيدُنَا فِي ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: الِاسْتِمَاعُ إِلَى أَحْسَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي بِهِ سَتَلِينُ قُلُوبُنَا وَجُلُودُنَا لِـ ذِكْرِ اللَّهْ:
السُّؤَالُ: وَمَا الَّذِي سَنَسْتَفِيدُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةْ؟
رَأْيُنَا: اكْتِسَابُ النُّورْ.
السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ النُّورْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النُّورَ هُوَ انْعِكَاسٌ لِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْحَقِّ الَّتِي فِي الْكِتَابِ، وَيُمْكِنُ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِنُورِ الْقَمَرِ الَّذِي هُوَ انْعِكَاسٌ لِتِلْكَ الْأَشِعَّةِ السَّاقِطَةِ عَلَيْهِ مِنْ مَصْدَرِ الْإِضَاءَةْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كَلِمَاتِ اللَّهِ فِي الْكِتَابِ هِيَ الضِّيَاءُ (أَيْ السِّرَاجُ الْوَهَّاجُ) الْمُشَغِّلُ لِذَلِكَ النُّورِ الَّذِي نَنْشُدُهْ. فَفَهْمُ كَلِمَاتِ اللَّهِ الَّتِي يُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ هُوَ الْمُنْتِجُ الْحَقِيقِيُّ لِلنُّورِ الَّذِي نَبْحَثُ عَنْهْ.
(دُعَاءٌ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ تَهْدِيَنِي إِلَى نُورِكَ بِكَلِمَاتِكَ الَّتِي تُحِقُّ بِهَا الْحَقَّ وَتُبْطِلُ بِهَا الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ – آمِينْ)
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ السَّعْيَ إِلَى "ذِكْرِ اللَّهِ" مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَالْقِيَامَ بِطُقُوسِ الْجُمُعَةِ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهَا، هِيَ الْكَفِيلَةُ بِأَنْ تُؤْتِيَنَا فَضْلَ اللَّهِ الَّذِي مَنَّهُ عَلَيْنَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتِلَاوَةِ الْآيَاتِ وَالتَّزْكِيَةِ وَتَعَلُّمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا أُمِرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأَنْ لَا يَعْدُوا فِي السَّبْتْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْغَايَةَ كَانَتْ هِيَ نَفْسَهَا الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةْ. فَقَدْ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُطَالَبُونَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الْمُعْتَادَةِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ "يَوْمَ سَبْتِهِمْ"، وَالْغَايَةُ الْمَرْجُوَّةُ هِيَ السَّعْيُ "لِذِكْرِ اللَّهِ"، بِتَدَبُّرِ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، لِلنَّيْلِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ اللَّهْ.
السُّؤَالُ: فَمَا الَّذِي حَصَلَ؟
رَأْيُنَا: اخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ؟
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي السَّبْتْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَانَتْ صَنْعَةُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ حَاضِرَةِ الْبَحْرِ الْيَوْمِيَّةُ هِيَ اصْطِيَادَ السَّمَكِ (الْحِيتَانِ)، فَكَانَتْ فِعْلًا تِلْكَ الثَّرْوَةُ الْمَائِيَّةُ هِيَ لَهُمْ، فَجَاءَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ لِيُصَوِّرَ لَنَا بِأَنَّ تِلْكَ الْحِيتَانَ كَانَتْ مِلْكًا لَهُمْ، فَكَانَتْ حِيتَانَهُمْ:
وَلَكِنْ لَمَّا بَدَرَ مِنْهُمُ الْفِسْقُ، جَاءَهُمُ الِابْتِلَاءُ الرَّبَّانِيُّ عَلَى نَحْوِ أَنْ تَأْتِيَهُمْ حِيتَانُهُمْ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا، أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يُكَرَّسَ لِلسَّعْيِ لِذِكْرِ اللَّهِ، وَلَا تَأْتِيهِمْ فِي يَوْمٍ لَا يَسْبِتُونْ. وَهُنَا حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ لِيُمَيِّزَ اللَّهُ بِهَا الْخَبِيثَ مِنْهُمْ مِنَ الطَّيِّبِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ مِنْهُمْ بِالْغَيْبْ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَهُنَا يُطْرَحُ التَّسَاؤُلُ التَّالِي عَلَى الْفَوْرِ: لِمَ كَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِي فَقَطْ فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ؟ لِمَ لَمْ تَكُنْ تَأْتِي فِي الْأَيَّامِ الَّتِي لَا يَسْبِتُونَ فِيهَا؟
رَأْيُنَا: بِدَايَةً لَابُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ الظَّنِّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ أَمَرَ هَذِهِ الْحِيتَانَ أَنْ تَتَصَرَّفَ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ – كَمَا نَفْهَمُهُ - يَخْلُو تَمَامًا مِنْ مِثْلِ هَذَا الِاتِّهَامِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ بَاطِلٌ، فَالْمُدَقِّقُ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ أَنَّ حَرَكَةَ الْحِيتَانِ كَانَ تِلْقَائِيَّةً مِنْ تِلْكَ الْحِيتَانِ نَفْسِهَا، فَالْحِيتَانُ هِيَ الَّتِي تَأْتِي وَهِيَ الَّتِي لَا تَأْتِي، وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي النَّصِّ نَفْسِهْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ تَكُنْ مَأْمُورَةً أَنْ تَتَصَرَّفَ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ بِنَاءً عَلَى مَصْدَرٍ خَارِجِيٍّ. فَهِيَ نَفْسُهَا الَّتِي كَانَتْ تَأْتِي وَهِيَ نَفْسُهَا الَّتِي كَانَتْ لَا تَأْتِي.
السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: لِمَاذَا كَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِي مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ؟ وَلِمَاذَا كَانَتْ لَا تَأْتِي فِي يَوْمٍ لَا يَسْبِتُونَ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَحْنُ نَسْأَلُ: مَا الَّذِي جَعَلَ (أَوْ لِنَقُلْ شَجَّعَ) الْحِيتَانَ لِتَأْتِيَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يُمْكِنُنَا اسْتِنْبَاطُ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي جَاءَتْ لِتُصَوِّرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْحُوتُ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَفَتَاهْ:
دَقِّقْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِتَجِدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُوتَ الَّذِي كَانَ مُوسَى وَفَتَاهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) يَنْشُدَاهُ قَدْ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُوتَ قَدْ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا؟
رَأْيُنَا: لَقَدْ رَجَعَ الْحُوتُ إِلَى الْمَاءِ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ عَجَبًا فَكَانَ بِصُحْبَةِ (فِي رِحْلَتِهِ تِلْكَ) سِرْبٌ مِنَ الْحِيتَانْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ مِنْ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحُوتُ يَحْضُرُ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَحْدَهُ، فَلَقَدْ كَانَتْ تُرَافِقُهُ أَسْرَابٌ مِنَ الْحِيتَانْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ كَانَ (نَحْنُ نَظُنُّ) حُوتًا مُمَيَّزًا تَعْرِفُهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ كُلُّهَا، فَكَانَتْ تَحْتَفِلُ بِقُدُومِهِ إِلَى مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ كُلَّمَا غَدَا وَرَاحَ، لِذَا كَانَتْ تُرَافِقُهُ فِي رِحْلَتِهِ تِلْكْ.
السُّؤَالُ: مَتَى كَانَ يَأْتِي ذَلِكَ الْحُوتْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي فِي يَوْمِ سَبْتِهِمْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّ صَاحِبَهُ (أَيْ صَاحِبَ الْحُوتِ) كَانَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ يَحْضُرُ لِيُبْلِيَ النِّدَاءْ:
السُّؤَالُ: لَكِنَّ هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَذَلِكَ الْحُوتُ كَانَ يَأْتِي كَمَا تَزْعُمُ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ يَوْمَ سَبْتِهِمْ هُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي جَاءَتْ سُنَّةُ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةُ لِتُبَيِّنَ لَنَا أَنَّهُ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ كُلُّ الَّذِينَ آمَنُوا. انْظُرِ الْآيَةَ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَى لِتَرَى كَيْفَ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ إِلَى كُلِّ الَّذِينَ آمَنُوا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانْ:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: الْحُوتُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُؤْوِي إِلَيْهِ صَاحِبُهُ، مَادَامَ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ الْحُوتْ. لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِيَمْنَعَ الرَّجُلَ مِنْ تَلْبِيَةِ الدَّعْوَةِ لِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَصَاحِبُ الْحُوتِ هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا الْمَأْمُورُونَ بِتَلْبِيَةِ النِّدَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى إِلَى ذِكْرِ اللَّهْ.
فَكَانَ الْحُوتُ يَحْمِلُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَضَعَهُ هُنَاكَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَتْ أَسْرَابُ الْحِيتَانِ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) تَتْبَعُهُ فِي رِحْلَتِهِ تِلْكَ فِي غُدُوِّهِ وَرَوَاحِهِ، وَمَا أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ مِنْ حُوتِهِ حَتَّى يَعُودَ الْحُوتُ نَفْسُهُ إِلَى الْبَحْرِ فِي سِرْبِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا.
لِيَكُونَ الْمَشْهَدُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْبِتُوا (أَيْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ أَعْمَالِهِمُ الْمُعْتَادَةِ مِنْ أَجْلِ السَّعْيِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مَادَامَ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُورِينَ بِتَلْبِيَةِ النِّدَاءِ، كَانَ صَاحِبُ الْحُوتِ يُلَبِّي النِّدَاءَ سَاعِيًا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمْ. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَتْ أَسْرَابُ الْحِيتَانِ تَأْتِي مُرَافِقَةً لِهَذَا الْحُوتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ. مُحْتَفِلَةً بِقُدُومِهْ. وَنَحْنُ نَرَى احْتِفَالَهُمْ بِهِ عَلَى نَحْوِ أَنَّ تِلْكَ الْحِيتَانَ كَانَتْ كُلُّهَا تَأْتِي شُرَّعًا:
وَهَذَا يَعْنِي – بِرَأَيْنَا - ظُهُورَهَا الْعَلَنِيَّ فَوْقَ سَطْحِ الْمَاءِ (كَمَا الشِّرَاعُ الظَّاهِرُ فَوْقَ السَّفِينَةِ). كَمَا كَانَتْ (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَتَخَيَّلُ) مُنْتَظِمَةً فِي حَرَكَتِهَا كَمَا يُوَجِّهُ الشِّرَاعُ السَّفِينَةَ بِالْحَرَكَةِ بِاتِّجَاهٍ مُحَدَّدْ. وَكَانَ هَذَا الْمَشْهَدُ هُوَ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ (نَحْنُ نَظُنُّ) حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ حِينَئِذْ.
فَقَدْ وَقَعَ الْقَوْمُ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِغْرَاءِ الْمَادِّيِّ الْكَبِيرِ: وَهُوَ اصْطِيَادُ تِلْكَ الْحِيتَانِ الْآتِيَةِ إِلَيْهِمْ شُرَّعًا. لَكِنْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ حَقِيقِيٌّ أَمَامَهُمْ يَتَمَثَّلُ بِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِأَنْ يَسْبِتُوا فَلَا يَعْدُوا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (أَيْ يَوْمِ سَبْتِهِمْ). وَهُنَا دَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ – نَحْنُ نَظُنُّ - حَوْلَ مَا يُسَمَّى بِالْمُفْرَدَاتِ الدَّارِجَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِـ "فِقْهِ الْمَصَالِحِ" (كَمَا يَفْعَلُ الْمُشَرِّعُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَتَحَدَّثُونَ دَائِمًا بِاسْمِ الرَّبِّ)، فَظَهَرَ مِنْ بَيْنَ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَتْ إِرَادَتُهُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ، فَأَصْدَرَ "فَتْوَاهُ" (أَيْ صَكَّ الْغُفْرَانِ) بِتَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ بِدَاعِي الْحَاجَةْ. فَدَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَاخْتَلَفُوا فِي السَّبْتْ.
تَسَاؤُلَاتْ
- كَيْفَ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي السَّبْتْ
- مَا هِيَ الْآرَاءُ الَّتِي كَانَتْ مَطْرُوحَةً لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمَأْزِقِ حِينَئِذْ؟
- مَنْ هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا؟
- كَيْفَ انْتَهَتِ الْأَزْمَةْ؟
- كَيْفَ حَصَلَ الْمَسْخُ الْإِلَهِيُّ لَهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينْ؟
- مَنِ الَّذِي نَجَا مِنْهُمْ؟
- كَيْفَ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَيْنَا؟
- مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةْ؟
- مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ أَنَّ الْأَيَّامَ عِنْدَ اللَّهِ هِيَ فَقَطْ سِتَّةٌ تَبْدَأُ بِالْأَحَدِ وَتَنْثِي بِالْجُمُعَةْ؟
- مَا تَبِعَاتُ هَذَا الظَّنِّ فِي حَيَاتِنَا؟
- مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالتَّعَهُّدِ الْإِلَهِيِّ بِإِتْمَامِ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ؟
- إِلَخْ.
هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ مُتَابَعَةَ النِّقَاشِ فِيهِ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهْ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لِي بِعِلْمٍ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، وَأَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا، وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ.
تعليقات