قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الْعَاشِرْ
أَمَّا بَعْدْ،
تَعَرَّضْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِتَسَاؤُلٍ يَدُورُ حَوْلَ أَنْ يَكُونَ يُونُسُ هُوَ صَاحِبُ الْحُوتْ، وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْحُوتْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُكُوثَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ كَانَ عَلَى الْمَشِيئَةْ، فَلِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ أَوْ كَأَصْحَابِ الْكَهْفِ أَوْ كَأَصْحَابِ الْقَرْيَةْ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَكَانِ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ وَيَخْرُجَ مِنْهُ مَتَى شَاءْ، مَادَامَ أَنَّهُ لَيْسَ خَالِدًا فِيهِ كَأَصْحَابِ الْجَنَّةِ اللَّذِينَ هُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَوْ كَأَصْحَابِ النَّارِ اللَّذِينَ هُمْ خَالِدُونَ فِيهَا.
فَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ خَالِدُونَ فِيهَا لِأَنَّهُمْ – بِرَأْيِنَا - لَا يَبْرَحُونَهَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ غَيْرِهَا، وَأَصْحَابُ النَّارِ خَالِدُونَ فِيهَا لِأَنَّهُمْ (نَحْنُ نَظُنُّ) لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا حَتَّى لَوْ أَرَادُوا ذَلِكْ. فَالَّذِي يَخْلُدُ فِي الْمَكَانِ هُوَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِيَنْتَقِلَ إِلَى غَيْرِهِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: أَصْحَابُ السَّفِينَةِ أَوْ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَوْ أَصْحَابُ الْقَرْيَةِ لَيْسُوا خَالِدِينَ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ مَادَامَ أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مَتَى شَاءُوا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابُ النَّارِ خَالِدُونَ فِيهِمَا لِأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهُمَا إِلَى مَكَانٍ آخَرْ. فَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْجَنَّةِ مَتَى دَخَلُوا فِيهَا وَكَذَلِكَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ هِيَ أَرْضُ الْخُلُودِ لَهُمْ.
وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَتَدَبَّرَ مَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ عَنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ حَيْثُ لَا تُصَاحِبُهَا عِبَارَةُ الْخُلُودْ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِيهَا. فَالْآيَاتُ التَّالِيَةُ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ تُصَوِّرُ لَنَا الْحِوَارَ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ مِنْ جِهَةٍ وَأَصْحَابِ النَّارِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
وَمَا أَنْ يَنْتَهِيَ بَيْنَهُمْ هَذَا الْخِطَابُ حَتَّى يُسَاقَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي سَيَخْلُدُ فِيهْ، فَيُسَاقُ اللَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ أَوَّلًا:
وَهُنَا بِالضَّبْطِ يَبْدَأُ الْخُلُودْ، وَبِهَذِهِ الصِّيغَةِ يَتِمُّ خِطَابُهُمَا مِنَ الْقَائِمِينَ عَلَى جَهَنَّمْ. وَانْظُرْ – إِنْ شِئْتَ - فِي تَكْمِلَةِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ السَّابِقْ:
وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ يُسَاقُ اللَّذِينَ آمَنُوا إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا، فَيَدْخُلُوهَا خَالِدِينْ:
أَمَّا مَنْ كَانَ صَاحِبَ الْمَكَانِ وَكَفَى (كَأَصْحَابِ السَّفِينَةِ أَوْ كَأَصْحَابِ الْكَهْفِ أَوْ كَأَصْحَابِ الْقَرْيَةِ)، فَلَدَيْهِ – نَحْنُ نَظُنُّ - فُسْحَةٌ مِنَ الْمَكَانِ أَنْ يَتَنَقَّلَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَى غَيْرِهِ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، فَأَصْحَابُ السَّفِينَةِ أَوْ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَوْ أَصْحَابُ الْقَرْيَةِ لَمْ يَكُونُوا خَالِدِينَ فِيهَا لِأَنَّهُمْ – بِرَأْيِنَا - كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الدُّخُولَ فِيهَا وَالْخُرُوجَ مِنْهَا إِنْ هُمْ شَاءُوا ذَلِكْ.
وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ قَدْ بَعَثُوا أَحَدَهُمْ مِنْ كَهْفِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَأْتِيَهُمْ بِأَزْكَى طَعَامْ. فَذَهَبَ إِلَى هُنَاكَ، وَعَادَ إِلَيْهِمْ مِنْ هُنَاكْ. وَكَذَلِكَ كَانَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) صَاحِبُ الْحُوتِ، فَقَدْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحُوتِ وَأَنْ يَعُودَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى مَتَى شَاءْ. لِذَا، أَصْبَحَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) بَطْنُ ذَلِكَ الْحُوتِ هُوَ مَكَانُ سَكَنِ هَذَا الرَّجُلْ.
كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ (صَاحِبَ الْحُوتِ) هُوَ نَفْسُهُ مَنْ ذَهَبَ مُوسَى مَعَ فَتَاهُ بَاحِثَيْنِ عَنْهُ فِي الْبَحْرْ:
وَكَانَتْ عَلَامَةُ اللِّقَاءِ بَيْنَهُمَا هُوَ ذَلِكَ الْحُوتْ، فَقَدْ خَرَجَ مُوسَى (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) بَاحِثًا عَنِ الْحُوتِ لِيُقَابِلَ صَاحِبَهُ فَيَتَعَلَّمَ مِنْهْ:
وَهُوَ مَنْ وَجَدَاهُ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، رُبَّمَا مُنْتَظِرًا وُصُولَهُمَا:
وَهُوَ مَنْ ظَنَّ الْيَهُودُ لَاحِقًا بِأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، فَأَسْمَوْهُ فِي لُغَتِهِمُ الْعُزَيْرْ، بَيْنَمَا هُوَ (فِي ظَنِّنَا) صَاحِبُ الْحُوتْ:
وَحَاوَلْنَا فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ طَرْحَ التَّسَاؤُلَاتِ الْمُثِيرَةِ التَّالِيَةِ حَوْلَ الْقِصَّةِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- لِمَاذَا سَكَنَ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتْ؟
- كَيْفَ اسْتَطَاعَ يُونُسُ أَنْ يَمْكُثَ فِي بَطْنِ الْحُوتْ؟
- كَيْفَ يَسْتَطِيعُ يُونُسُ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَطْنِ ذَلِكَ الْحُوتِ وَيَخْرُجَ مِنْهْ؟
- مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْحُوتِ الَّذِي جَاءَ مُوسَى مَعَ فَتَاهُ إِلَيْهْ؟
- مَا عَلَاقَةُ يُونُسَ بِقِصَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي وَجَدَهُ مُوسَى عِنْدَ تِلْكَ الصَّخْرَةْ؟
- كَيْفَ وَصَلَ الرَّجُلُ إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةْ؟
- مَا سِرُّ عِلْمِ هَذَا الرَّجُلْ؟
- مِنْ أَيْنَ حَصَلَ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمْ؟
- إِلَى أَيْنَ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مُوسَى؟
- لِمَاذَا لَمْ يَصْبِرْ مُوسَى مَعَهْ؟
- مِنْ أَيْنَ تَعَلَّمَ هَذَا الرَّجُلُ كُلَّ ذَلِكَ الصَّبْرْ؟
- وَلِمَ كَانَ صَابِرًا جِدًّا؟
- أَيْنَ ذَهَبَ ذَلِكَ الْحُوتُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ صَاحِبِهْ؟
- لِمَاذَا أَصْبَحَ اسْمُهُ عُزَيْرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ هُوَ صَاحِبَ الْحُوتْ؟
- لِمَاذَا نَعَتَهُ الْيَهُودُ بِصِفَةِ "ابْنِ اللَّهِ"؟
- إلخ.
السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا: مَا سِرُّ ذَلِكَ الْحُوتْ؟
لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ الْكَبِيرِ، ظَنَنَّا أَنَّ الْحَاجَةَ رُبَّمَا تَكُونُ الْآنَ مُلِحَّةً لِلْوُقُوفِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَحَطَّاتِ الرَّئِيسَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَهِيَ:
- الصَّبْرْ
- الصَّخْرَةْ
- عُزَيْرْ
بَابُ الصَّبْرِ
لَوْ حَاوَلْنَا تَدَبُّرَ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَهُ مُوسَى عِنْدَ الصَّخْرَةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مُوسَى (رَسُولَ اللَّهِ وَكَلِيمَهُ) يَطْلُبُ بِنَفْسِهِ صُحْبَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَلَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِلسِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ أَوَّلَ رَدَّةِ فِعْلٍ لِذَلِكَ الرَّجُلِ عَلَى طَلَبِ مُوسَى ذَاكَ هُوَ عِلْمُهُ الْمُسْبَقُ بِعَدَمِ قُدْرَةِ مُوسَى عَلَى الصَّبْرِ مَعَهْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى لَنْ يَسْتَطِيعَ مَعَهُ صَبْرًا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْبِرَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ أَحَاطَ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ مُوسَى خُبْرًا.
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ شَخْصًا قَادِرًا عَلَى أَنْ يَصْبِرَ بِنَفْسِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا طَلَبَ مِنْ مُوسَى (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ يَصْبِرَ مَعَهُ، فَلَقَدْ صَبَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مُوسَى نَفْسِهِ، فَسَكَتَ عَنْ عَجَلَةِ مُوسَى فِي ثَلَاثِ مَرَّاتْ.
فَفِي الْمَرَّةِ الْأُولَى لَمْ يَصْبِرْ مُوسَى عَلَى خَرْقِ السَّفِينَةْ:
فَكَانَ جَوَابُ الرَّجُلِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصْبِرْ مُوسَى عَلَى قَتْلِ الْغُلَامْ:
فَكَانَ جَوَابُ الرَّجُلِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يَصْبِرْ مُوسَى عَلَى بِنَاءِ الْجِدَارْ:
فَجَاءَ جَوَابُ الرَّجُلِ هَذِهِ الْمَرَّةَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
السُّؤَالُ الْمُهِمّ: لِمَاذَا كَانَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى نَفْسُهُ الصَّبْرَ عَلَيْهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مُهِمٌّ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنْ يَصْبِرَ.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ تَعَلَّمَ الرَّجُلُ أَنْ يَصْبِرْ؟ وَمَنْ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي تَعَلَّمَ الصَّبْرَ عَلَى أُمُورٍ لَمْ يَتَحَمَّلْهَا مُوسَى (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ)؟ وَمَنِ الَّذِي عَلَّمَهُ الصَّبْرْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ مَنْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تَحُثُّ مُحَمَّدًا عَلَى الصَّبْرْ:
لَفْتَةٌ مُهِمَّةْ: قَبْلَ أَنْ يَنْعَتَنِي الْقَارِئُ الْكَرِيمُ بِالْجُنُونِ عَلَى هَذَا الْخَيَالِ الْجَامِحِ، فَإِنَّنِي أَدْعُوهُ أَنْ يُمْعِنَ النَّظَرَ جَيِّدًا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي جَاءَ مُكَمِّلًا لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ صَبْرِ صَاحِبِ الْحُوتْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: صَاحِبُ الْحُوتِ لَمْ يَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّهِ فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: الْتَقَمَ الْحُوتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: تَرَاجَعَ الرَّجُلُ عَنْ مَوْقِفِهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: تَدَارَكَ اللَّهُ ذَلِكَ الرَّجُلَ بِنِعْمَةٍ مِنْهُ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 5: اجْتَبَى اللَّهُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 6: أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ مَرَّ بِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ الْقَاسِيَةِ قَدْ تَعَلَّمَ (لَا شَكَّ) الدَّرْسَ مِنْهَا جَيِّدًا، لِذَا فَقَدْ تَعَلَّمَ صَاحِبُ الْحُوتِ أَنْ يَصْبِرَ، فَأَصْبَحَتْ – بِرَأْيِنَا - تِلْكَ وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ مُمَيِّزَاتِ شَخْصِيَّتِهِ بَعْدَ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ الَّتِي مَرَّ بِهَا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ ذِكْرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ حَتَّى وَإِنْ ظَنَّ الْكَثِيرُونَ بِأَنَّ مَا نَقُولُهُ يَقَعُ فِي بَابِ الْجُنُونْ:
لِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ لَيْسَ لَنَا فَقَطْ، وَلَكِنَّهُ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينْ:
(دُعَاءْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ يُزْلِقُونَنِي بِأَبْصَارِهِمْ إِنْ هُمْ سَمِعُوا هَذَا الذِّكْرَ، وَأَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَسَّرْتَ لَهُ هَذَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ لِيَكُونَ مِنَ الْمُدَّكِرِينَ - آمِينَ).
أَمَّا بَعْدْ،
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا مَدِينُونَ لِمَنْ يَسْمَعُ هَذَا الذِّكْرَ أَنْ نُفَصِّلَهُ لَهُ، لِيَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ كَيْفَ سَيَكُونُ فِي هَذَا ذِكْرٌ لَيْسَ لَهُ فَقَطْ وَإِنَّمَا لِلْعَالَمِينْ. وَإِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى هَذَا، فَإِنَّ كَلَامَنَا بَعْدَ الْآنَ سَيَصِلُ إِلَى أَقْصَى دَرَجَاتِ الْخَيَالِ الَّتِي قَدْ لَا تَخْطُرُ عَلَى بَالِ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ مَا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يَسَّرَ لَهُ هَذَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرْ. (فَاللَّهَ وَحْدَهُ أَدْعُو أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُدَّكِرِينَ اللَّذِينَ يَسَّرَ لَهُمُ الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أَوْ أَنْ أَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينَ).
كَمَا أَطْلُبُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا يُرِيدُ الْعَبَثَ بِـ "مَوْرُوثَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ" أَنْ يَتَوَقَّفَ عِنْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ لِأَنَّ النِّقَاشَ سَيَذْهَبُ – لَا مَحَالَةَ - بَعِيدًا جِدًّا، تَارِكًا وَرَاءَهُ كُلَّ مَا وَصَلَنَا مِنْ عِنْدِ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةْ، وَذَلِكَ لِأَنَّنَا لَا نُطِيقُ أَنْ نَحْمِلَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا مَادَامَ أَنَّ الْأَفْكَارَ تَخُصُّنَا فَقَطْ، وَهِيَ – بِلَا شَكٍّ - غَيْرُ مُلْزِمَةٍ لِمَنْ لَا يَجِدُ أَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يُثْبِتُهَا.
فَمَنْ تَقَبَّلَ هَذِهِ الْأَفْكَارَ فَلْيَتَقَبَّلْهَا بِقَنَاعَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَلْيَتَحَمَّلْ مَسْؤُولِيَّةَ قَنَاعَاتِهِ بِنَفْسِهِ، أَمَّا مَنْ رَفَضَ هَذِهِ الْأَفْكَارَ فَهُوَ بِلَا شَكٍّ قَدْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَقْصَرَ وَرُبَّمَا الْأَسْلَمَ لَهُ وَلِمَنْ حَوْلَهْ، قَالَ تَعَالَى:
(دُعَاءْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يُضِلُّونَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنْ عِلْمٍ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِيَحْسَبَهُ النَّاسُ مِنَ الْكِتَابِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُونَ عَلَيْكَ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَ)
أَمَّا بَعْدْ،
بَابُ الصَّخْرَةِ
لَوْ حَاوَلْنَا تَدَبُّرَ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الصَّخْرَةَ حَاضِرَةٌ فِي الْمَشْهَدِ بِكُلِّ قُوَّةْ. فَمُوسَى قَدْ عَاهَدَ فَتَاهُ أَنْ لَا يَبْرَحَ حَتَّى يَفْعَلَ شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ، أَلَا وَهُمَا (1) أَنْ يَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ (2) أَنْ يَمْضِيَ حُقُبًا:
وَبِالْفِعْلِ يَبْلُغَا مَعًا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا، وَهُنَاكَ يَنْسَيَا حُوتَهُمَا:
وَلَكِنَّ الرِّحْلَةَ – فِي مِخْيَالِنَا - لَمْ تَتَوَقَّفْ هُنَاكَ، فَيُتَابِعَا الرِّحْلَةَ حُقُبًا (أَيِ الذَّهَابَ فِي الْبَحْرِ) مَعًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَاوَزَا مَجْمَعَ بَيْنِ الْبَحْرَيْنْ:
وَهُنَاكَ يَطْلُبُ مُوسَى مِنْ فَتَاهُ أَنْ يَأْتِيَهُمَا غَدَاءَهُمَا بَعْدَ أَنْ لَحِقَ بِهِمَا النَّصَبُ مِنْ أَعْبَاءِ تِلْكَ الرِّحْلَةِ الشَّاقَّةِ، وَمَا أَنْ يَتَنَاوَلَا غَدَاءَهُمَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْغُلَامُ – عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ - مَا حَصَلَ عِنْدَ الصَّخْرَةْ:
فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ مُوسَى عَلَى كَلَامِ فَتَاهُ هَذَا إِلَّا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَيَرْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا لِيَعُودَا مَرَّةً أُخْرَى (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) إِلَى الصَّخْرَةِ نَفْسِهَا لِيَجِدَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ هُنَاكْ:
وَهُنَا نَنْبَرِي لِنَطْرَحَ سُؤَالَنَا الْأَوَّلَ عَنِ الصَّخْرَةِ: مَا قِصَّةُ تِلْكَ الصَّخْرَةْ؟
رَأْيُنَا: لِكَيْ نَتَمَكَّنَ مِنْ تَقْدِيمِ تَصَوُّرِنَا عَنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ، فَلَابُدَّ (نَحْنُ نَظُنُّ) مِنْ طَرْحِ جُمْلَةٍ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ عَنْهَا، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- مَا هِيَ الصَّخْرَةْ؟
- وَأَيْنَ هِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةْ؟
- وَلِمَاذَا أَوَى مُوسَى مَعَ فَتَاهُ إِلَيْهَا؟
- وَكَيْفَ أَوَى مُوسَى مَعَ فَتَاهُ إِلَيْهَا؟
- وَمَا عَلَاقَةُ الصَّخْرَةِ بِالْقِصَّةِ كُلِّهَا؟
- وَهَلْ هُنَاكَ مُعْتَقَدَاتٌ مَوْرُوثَةٌ فِي الدِّيَانَاتِ السَّمَاوِيَّةِ عَنِ الصَّخْرَةْ؟
- وَكَيْفَ سَتُسْهِمُ قِصَّةُ تِلْكَ الصَّخْرَةِ فِي قِصَّةِ يُونُسَ لِتَكُونَ فِي مُجْمَلِهَا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينْ؟
- إلخ.
بِدَايَةً، لَابُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ أَنَّ جُلَّ مَا فَعَلَهُ مُوسَى مَعَ فَتَاهُ هُنَاكَ هُوَ أَنَّهُمَا أَوَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
لِتَكُونَ التَّسَاؤُلَاتُ الدَّقِيقَةُ الْآنَ هِيَ:
- لِمَاذَا أَوَى مُوسَى مَعَ فَتَاهُ إِلَى الصَّخْرَةْ؟
- كَيْفَ أَوَيَا إِلَى الصَّخْرَةْ؟
- وَكَمْ مَكَثُوا مِنَ الزَّمَنِ هُنَاكْ؟
- وَلِمَاذَا تَرَكُوهَا وَرَحَلُوا عَنْهَا؟
- إلخ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: مَادَامَ أَنَّهُمَا قَدْ أَوَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ أَوَّلًا بِأَنَّ مُكُوثَهُمَا هُنَاكَ كَانَ قَصِيرًا، غَيْرَ مَقْصُودٍ بِذَاتِهِ، فَالَّذِي يَأْوِي إِلَى مَكَانٍ مَا لَا يَكُونُ هَدَفُهُ الْمُكُوثَ فِيهِ إِلَى الْأَبَدْ، فَالْفِتْيَةُ أَوَوْا إِلَى الْكَهْفِ، لِيَنْشُرَ لَهُمْ رَبُّهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ هُنَاكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِهَدَفِ الْمُكُوثِ فِيهِ عَلَى الدَّوَامْ:
وَتَمَّ إِيوَاءُ مَرْيَمَ وَابْنِهَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ، رُبَّمَا لِتَتَمَكَّنَ مِنْ أَنْ تَرْتَاحَ مِنْ أَعْبَاءِ الْوَضْعِ، ثُمَّ لِتَأْكُلَ وَتَشْرَبَ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ هُنَاكَ، وَلِتَقَرَّ عَيْنُهَا:
ثَانِيًا، لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ يَأْوِي إِلَى مَكَانٍ مَا، فَإِنَّ لَدَيْهِ غَايَةً مُحَدَّدَةً، فَابْنُ نُوحٍ مَثَلًا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي (يَظُنُّ أَنَّهُ) سَيَعْصِمُهُ مِنَ الْمَاءْ:
وَكَانَتْ غَايَةُ لُوطٍ مِنَ الْإِيوَاءِ إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ مُخَطَّطَاتِ الْقَوْمِ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهَا قَدْ تُلْحِقُ الْأَذَى بِهِ وَبِضُيُوفِهْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ لُوطٌ يَتَخَيَّلُ ذَلِكَ الرُّكْنَ الشَّدِيدَ الَّذِي سَيَرْكَنُ إِلَيْهْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَابُدَّ أَنَّهُ مَكَانٌ مَا يَجْعَلُهُ وَضُيُوفَهُ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الْخَطَرِ الْمُحْدِقِ بِهِمْ مِنَ الْقَوْمْ.
ثَالِثًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِيوَاءَ يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ الْخُلْوَةَ، فَعِنْدَمَا آوَى يُوسُفُ إِلَيْهِ أَخَاهُ، فَهُوَ قَدْ خَلَا بِهِ مِنْ دُونِ إِخْوَتِهِ الْآخَرِينَ جَمِيعًا:
وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَعَ أَبَوَيْهِ عِنْدَمَا دَخَلُوا عَلَيْهْ:
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا كَانَ يُشَارِكُ الْفِتْيَةَ كَهْفَهُمُ الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ (إِلَّا كَلْبَهُمْ):
كَمَا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ تِلْكَ الرَّبْوَةِ الَّتِي تَمَّ إِيوَاءُ مَرْيَمَ وَابْنِهَا إِلَيْهَا:
رَابِعًا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ فِعْلَ الْإِيوَاءِ يَتَطَلَّبُ الصُّعُودَ قَلِيلًا إِلَى الْأَعْلَى كَمَا نَتَخَيَّلُ ذَلِكَ مَا حَصَلَ مَعَ أَصْحَابِ الْكَهْفْ:
(لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ مَاهِيَّةِ الْكَهْفِ وَمَوْقِعِهِ وَجُغْرَافِيَّتِهِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟)
وَكَمَا حَصَلَ فِعْلًا لِمَرْيَمَ وَابْنِهَا عِنْدَمَا تَمَّ إِيوَاؤُهُمَا إِلَى رَبْوَةْ، فَالرَّبْوَةُ – فِي ظَنِّنَا - مَكَانٌ يَرْتَفِعُ قَلِيلًا عَنْ مَا حَوْلَهْ:
وَكَمَا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ جَلِيًّا ابْنُ نُوحٍ فِي خِطَابِهِ، حَيْثُ كَانَ يَنْوِي أَنْ يَأْوِيَ إِلَى جَبَلْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ مُوسَى وَفَتَاهُ اللَّذَيْنِ أَوَيَا إِلَى الصَّخْرَةْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: مَادَامَ أَنَّ مُوسَى قَدْ أَوَى مَعَ فَتَاهُ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَالصَّخْرَةُ إِذَنْ تَقَعُ فِي طَرِيقِ الرِّحْلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُوسَى وَفَتَاهُ كَانَا مُسْتَفِيدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْإِيوَاءِ، كَمَا تَوَاجَدَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ فَمَا شَارَكَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَا يَأْوِيَانِ إِلَيْهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا قَدِ ارْتَفَعَا قَلِيلًا عَنِ السَّطْحِ الَّذِي كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْوِيَانِ إِلَى الصَّخْرَةِ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ السَّطْحُ يَابِسَةً أَوْ مَاءً.
وَهُنَا تَبْرُزُ تَسَاؤُلَاتٌ أُخْرَى ذَاتُ صِلَةٍ بِالْمَوْضُوعِ نَفْسِهِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- لِمَاذَا جَاءَ ذِكْرُ الصَّخْرَةِ هُنَا؟
- وَلِمَاذَا جَاءَ ذِكْرُهَا عَلَى لِسَانِ فَتَى مُوسَى؟
- وَلِمَاذَا جَاءَ ذِكْرُهَا بِصِيغَةِ التَّعْرِيفْ؟
- إلخ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مَادَامَ أَنَّ ذِكْرَ الصَّخْرَةِ قَدْ جَاءَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ، فَهِيَ إِذًا مَأْلُوفَةٌ لَهُمْ. فَالصَّخْرَةُ بِالنِّسْبَةِ لِمُوسَى وَفَتَاهُ شَيْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ ذِي قَبْلْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي كَانَ مُوسَى وَفَتَاهُ يَعْرِفَانِهَا؟ وَهَلْ هُنَاكَ فِي طَرِيقِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا صَخْرَةٌ وَاحِدَةْ؟ أَلَيْسَ مِنَ الْمُتَوَقَّعِ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ صَخْرَةْ؟ إلخ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ طَرِيقَ الرِّحْلَةِ رُبَّمَا كَانَتْ مَلِيئَةً بِالصَّخْرِ، وَلَكِنَّنَا نُؤْمِنُ يَقِينًا بِأَنَّ مِنْ بَيْنِهَا جَمِيعًا كَانَ هُنَاكَ صَخْرَةٌ وَاحِدَةٌ مُمَيَّزَةٌ عَنْ بَقِيَّةِ الصُّخُورِ الْأُخْرَى (إِنْ وُجِدَتْ)، وَهِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى مَعَ فَتَاهُ فِي طَرِيقِ رِحْلَتِهِمَا بَحْثًا عَنِ الْحُوتِ (وَعَنْ صَاحِبِهِ).
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ تَقَعُ بَيْنَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ مُبَاشَرَةً.
الدَّلِيلُ
لَوْ تَدَبَّرْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا لَرُبَّمَا وَصَلْنَا إِلَى الْفَهْمِ بِأَنَّهُ مَا أَنْ بَلَغَ مُوسَى وَفَتَاهُ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى تَوَجَّهَا مُبَاشَرَةً إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ لِيَأْوِيَا مَعًا إِلَيْهَا فَتْرَةً قَصِيرَةً مِنَ الزَّمَنِ لِهَدَفٍ مُحَدَّدٍ وَلِغَايَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَهِيَ الَّتِي (فِي ظَنِّنَا) قَدْ جَاءَا مِنْ أَجْلِهَا: إِنَّهَا مَكَانُ اللِّقَاءِ مَعَ ذَلِكَ الْعَبْدِ الصَّالِحْ. فَتَوَجَّهَا مُبَاشَرَةً إِلَى مَجْمَعِ بَيْنِ الْبَحْرَيْنِ حَيْتُ تَبْرُزُ تِلْكَ الصَّخْرَةُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) فَوْقَ الْمَاءِ قَلِيلًا.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: إِذَا كَانَتْ عَلَامَةُ لِقَاءِ مُوسَى مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ (كَمَا افْتَرَيْنَا سَابِقًا) هُوَ الْحُوتْ، فَإِنَّ الصَّخْرَةَ هِيَ – بِرَأْيِنَا - الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ الْحُوتُ مَعَ صَاحِبِهِ، لِيَحْصُلَ اللِّقَاءُ بَيْنَ مُوسَى وَذَلِكَ الْعَبْدِ الصَّالِحْ.
السُّؤَالُ: فَمَا الَّذِي حَصَلَ فِعْلًا؟
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ مُوسَى شَخْصًا يَتَعَجَّلُ الْأُمُورَ كَمَا حَصَلَ مَثَلًا فِي لِقَائِهِ مَعَ رَبِّهْ:
وَلَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ كَثِيرًا، كَمَا حَصَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلْ:
لَمْ يَنْتَظِرْ مُوسَى طَوِيلًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَوَى إِلَيْهِ مَعَ فَتَاهُ، أَيْ إِلَى الصَّخْرَةْ. فَمَكَثَ مُوسَى عِنْدَ الصَّخْرَةِ فَتْرَةً أَقَلَّ مِمَّا يَجِبْ، وَلَمَّا ظَنَّ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) أَنَّهُ لَنْ يَجِدَ الرَّجُلَ هُنَاكَ، تَرَكَ مُوسَى وَفَتَاهُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ (فَمَا عَادَا يَأْوِيَانِ إِلَيْهَا)، ثُمَّ تَابَعَا ذَهَابَهُمَا فِي الْبَحْرِ (حُقُبًا) حَتَّى جَاوَزَا مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ حَيْثُ تَقَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فِي خِلَالِ تِلْكَ الْفَتْرَةِ الَّتِي تَرَكَ فِيهَا مُوسَى وَفَتَاهُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ الَّتِي أَوَيَا إِلَيْهَا قِسْطًا مِنَ الزَّمَنِ، جَاءَ صَاحِبُ الْحُوتِ إِلَى هُنَاكَ، فَاتَّخَذَ الْحُوتُ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، فَمَا لَمَحَ ذَلِكَ إِلَّا فَتَى مُوسَى، وَلَكِنَّهُ فِي الْبِدَايَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَعْتَقِدَ بِأَنَّ الْحُوتَ الْمَقْصُودَ هُوَ ذَلِكَ الْحُوتُ الَّذِي اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا هُنَاكَ، فَابْتَعَدَا عَنِ الصَّخْرَةِ فِي عَرْضِ الْبَحْرْ.
وَيَكُونُ مُوسَى وَفَتَاهُ قَدِ ابْتَعَدَا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْعَبْدَ الصَّالِحْ، وَبَعْدَ ذَهَابٍ فِي الْبَحْرِ لِقِسْطٍ مِنَ الزَّمَنِ، رُبَّمَا فَقَدَا الْأَمَلَ فِي الْعُثُورِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهُنَاكَ تَوَقَّفَ مُوسَى عَنِ الْبَحْثِ طَالِبًا مِنْ فَتَاهُ أَنْ يَأْتِيَهُمَا بِغَدَائِهِمَا مِنْ نَصَبِ تِلْكَ الرِّحْلَةْ. وَمَا أَنْ تَنَاوَلَا غَدَاءَهُمَا حَتَّى بَدَأَ الْفَتَى مُرَاجَعَةَ شَرِيطِ الْأَحْدَاثِ وَهُنَاكَ بِالضَّبْطِ تَذَكَّرَ أَنَّهُ رَأَى الْحُوتَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ الَّتِي أَوَيَا إِلَيْهَا:
فَمَا كَانَ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَرْتَدَّ مَعَ فَتَاهُ عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَعَادَا إِلَى حَيْثُ أَوَيَا فِي الْبِدَايَةِ، أَيْ حَيْثُ الصَّخْرَةْ. وَهُنَاكَ وَجَدَ الرَّجُلَ رُبَّمَا جَالِسًا:
فَطَلَبَ مُوسَى صُحْبَتَهُ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ فَتَى مُوسَى هُوَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ الْحُوتَ وَقَدِ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا؟ لِمَ لَمْ يَلْحَظْ مُوسَى ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ صَاحِبِنَا مُحَمَّدِ السِّيسِي: لَمَّا كَانَ مُوسَى وَفَتَاهُ وَاقِفَيْنِ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ تَكَفَّلَ بِمُرَاقَبَةِ وَاحِدًا مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَفِي حِينِ أَنَّ مُوسَى قَدْ رَاقَبَ الْبَحْرَ الْأَوَّلَ مَثَلًا كَانَ فَتَاهُ مُكَلَّفٌ فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ بِمُرَاقَبَةِ الْبَحْرِ الثَّانِي، لِذَا جَاءَ كَلَامُ الْفَتَى لَاحِقًا وَاضِحًا فِي تَحْمِيلِ مَسْؤُولِيَّةِ النِّسْيَانِ عَلَى نَفْسِهْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ قِصَّةِ مُوسَى)
السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى: لِمَاذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَوَاجِدًا عِنْدَ الصَّخْرَةْ؟ لِمَ لَمْ يَحْصُلِ اللِّقَاءُ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرْ؟ وَهَلْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَحْصُلَ اللِّقَاءُ فِي أَيِّ مَكَانٍ غَيْرِ تِلْكَ الصَّخْرَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا. لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ اللِّقَاءُ عِنْدَ الصَّخْرَةْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
الدَّلِيلُ
لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ نَجَاةِ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّهُ قَدْ نُبِذَ فِي الْعَرَاءِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
الْافْتِرَاءَاتُ
- حَصَلَ النَّبْذُ لِيُونُسَ (فَنَبَذْنَاهُ)
- حَصَلَ لَهُ النَّبْذُ بِالْعَرَاءِ (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء)
- حَصَلَ لَهُ النَّبْذُ فِي الْعَرَاءِ وَهُوَ فِي حَالَةِ السَّقَمِ (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ)
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهْ؟
أَوَّلًا، بَابُ النَّبْذِ
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ يُونُسَ قَدْ نُبِذْ؟ فَمَا وَهُوَ النَّبْذْ؟ وَكَيْفَ يَتِمّْ؟
أَوَّلًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّبْذَ يَكُونُ بِالْإِبْعَادْ:
ثَانِيًا، وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّبْذَ يَكُونُ بِالْإِبْعَادِ مَكَانِيًّا، فَمَا يَعُودُ الْمَنْبُوذُ فِي مَدَى بَصَرِ الْآخَرِينَ كَمَا فَعَلَ السَّامِرِيُّ عِنْدَمَا نَبَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولْ
ثَالِثًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَيْضًا أَنَّ النَّبْذَ يَكُونُ بِالْابْتِعَادِ عَنِ الشَّيْءِ الْأَسَاسِيِّ (أَيْ عَنِ الْآخَرِينَ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهِ، فَالَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ هُمْ لَا شَكَّ غَيْرُ رَاغِبِينَ فِيهْ:
رَابِعًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّبْذَ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ فِي أَيِّ مَكَانْ:
وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ النَّبْذُ فِي الْمَاءِ كَمَا فِي حَالَةِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ مَثَلًا:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ فَهْمُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ يُونُسَ عِنْدَمَا نُبِذْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: عِنْدَمَا نُبِذَ يُونُسُ، كَانَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) وَحِيدًا، بَعِيدًا عَنِ الْآخَرِينَ، وَكَانَ مَوْجُودًا فِي مَكَانٍ مَا، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَابِسَةً وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَاءً لَكِنْ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ لِيَسْتَطِيعَ مُسَاعَدَتَهْ.
ثَانِيًا، بَابُ الْعَرَاءِ
السُّؤَالُ: كَيْفَ نُبِذَ يُونُسُ فِي الْعَرَاءِ؟ وَأَيْنَ هُوَ ذَلِكَ الْعَرَاءُ الَّذِي نُبِذَ فِيهْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مَسَاحَتِهِ لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ مُفْرَدَةَ الْعَرَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ قَدْ وَرَدَتْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ شَخْصٍ آخَرَ غَيْرِ يُونُسَ (صَاحِبِ الْحُوتِ)، فَقَدْ جَاءَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا:
السُّؤَالُ: كَيْفَ نُبِذَ يُونُسُ فِي الْعَرَاءِ؟ وَأَيْنَ هُوَ ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي هُوَ عَرَاءٌ (حَيْثُ نُبِذَ صَاحِبُ الْحُوتِ)؟
خَيَالٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا (2): نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ مُفْرَدَةَ الْعَرَاءِ تَعْنِي:
1. عَدَمَ وُجُودِ نَبَاتٍ فِي الْمَكَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ أُنْبِتَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينٍ (وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْكَثِيرُونَ مِنْ قَبْلِنَا)
2. عَدَمَ وُجُودِ تُرْبَةٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَالْمَكَانُ لَا تُرْبَةَ فِيهِ يُمْكِنُ أَنْ تَنْبُتَ فِيهِ النَّبَاتَاتُ (وَهَذَا مَا نَتَخَيَّلُهُ نَحْنُ وَرُبَّمَا لَمْ يَسْبِقْنَا إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ)
السُّؤَالُ: أَيْنَ هُوَ ذَلِكَ الْمَكَانْ؟
* مَا الَّذِي تَقُولُهُ يَا رَجُلْ؟ هَلْ جُنِنْتَ؟ هَلْ ذَلِكَ الْعَرَاءُ الَّذِي نُبِذَ فِيهِ يُونُسُ هُوَ مَكَانٌ لَا نَبَاتَ فِيهِ وَلَا تُرْبَةَ فِيهِ وَلَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ؟ هَلْ تُرِيدُنَا أَنْ نُصَدِّقَ مِثْلَ هَذَا الْخَيَالِ "الْمَجْنُونِ"؟
رَأْيُنَا: بِدَايَةً نَحْنُ لَا نُلْزِمُ أَحَدًا أَنْ يُصَدِّقَ مَا نَقُولُ مَا لَمْ يَجِدْ أَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يُثْبِتُهُ، لَكِنْ دَعْنَا نُذَكِّرُكُمْ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى بِسِيَاقِ الْآيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ صَاحِبِ الْحُوتِ قَبْلَ الْمُضِيِّ قُدُمًا فِي هَذَا النِّقَاشْ:
نَعَمْ، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَسْمَعُ الْكَثِيرُونَ مِنْكُمْ هَذَا الذِّكْرَ، رُبَّمَا سَتَكُونُ رَدَّةُ الْفِعْلِ الْأُولَى عِنْدَهُ هِيَ أَنْ يُصَنِّفَ قَوْلَنَا هَذَا فِي بَابِ الْجُنُونِ (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)، وَلَكِنَّ ذَلِكَ – لَا مَحَالَةَ - ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ شَاءَ مَنْ شَاءَ وَغَضِبَ مَنْ غَضِبَ (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ). وَرُبَّمَا يَبِينُ لِلْكَثِيرِينَ ذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَلَكِنَّنَا نَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ لَا يُزْلِقُونَنَا بِأَبْصَارِهِمْ إِنْ هُمْ فِعْلًا سَمِعُوا الذِّكْرَ فِي ذَلِكَ (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ).
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ الذِّكْرُ الَّذِي تَتَحَدَّثُ عَنْهْ؟ وَكَيْفَ سَنُزْلِقُكَ بِأَبْصَارِنَا رُبَّمَا يَزِيدُ الْبَعْضُ قَائِلًا؟ لَمْ نَفْهَمْ شَيْئًا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الذِّكْرَ الَّذِي نَقْصِدُهُ هُوَ رَبْطُ الْآيَاتِ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ لِيَبِينَ لِلْقَارِئِ صِحَّةَ افْتِرَاءِنَا بِأَنَّ "الْعَرَاءَ" الَّذِي نُبِذَ بِهِ يُونُسُ هُوَ مَكَانٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. فَهَلْ تُصَدِّقُونَ ذَلِكَ (يَا سَادَة)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِذَا كَانَ يَصْعُبُ عَلَيْكُمْ – يَا سَادَة – تَصْدِيقُ ذَلِكَ، فَدَعْنَا نَتَحَاكَمُ وَإِيَّاكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، لِتَرَوْا بِأُمِّ أَعْيُنِكُمْ أَنَّ الْعَرَاءَ الَّذِي نُبِذَ بِهِ يُونُسُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَيَكْفِينَا هُنَا أَنْ نُذَكِّرَكُمْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي وَضَعْنَاهَا فِي بِدَايَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُبَاشَرَةً تَحْتَ عُنْوَانِهَا الرَّئِيسِ، لِنَتَدَبَّرَهَا مَعًا مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَالْآيَةُ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَالْآنَ دَقِّقْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - مَلِيًّا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَلَا تَتَعَجَّلْ، فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِيهَا مَا تَحِيرُ لَهُ الْأَلْبَابُ، وَتَنْقُلُ الْمُتَدَبِّرَ إِلَى مَرْحَلَةٍ هِيَ أَقْرَبُ لِلْجُنُونِ مِنْهَا لِلرُّكُونِ إِلَى مُسَلَّمَاتِ الْفِكْرِ الْكَسُولْ، الَّذِي يُعَوِّلُ عَلَى نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ تَدَبُّرِهِ لِلنَّصِّ نَفْسِهِ، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا يَجْعَلُنَا نَضَعُ الْعَقْلَ فِي الْكَفِّ (كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ)، وَلْنَنْظُرْ كَيْفَ دَأَبَ الْكَثِيرُونَ عَلَى التَّفَكُّرِ طِوَالَ هَذِهِ الْقُرُونِ مِنَ الزَّمَنِ بَعِيدًا عَنِ الْقَوْلِ الْفَصْلِ الَّذِي تُسَطِّرُهُ مُفْرَدَاتُ الْآيَةِ نَفْسِهَا.
السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ لَمْ أَفْهَمْ شَيْئًا؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلْ.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: أَلَا تَرَى - عَزِيزِي الْقَارِئَ - أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَتَحَدَّثُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَمَاكِنَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَوَاجَدَ بِهَا مِثْقَالُ الْحَبَّةِ مِنْ خَرْدَلْ؟
أَلَا وَهِيَ:
- صَخْرَةٌ (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ)
- السَّمَاوَاتُ (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ)
- الْأَرْضُ (فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ)
السُّؤَالُ: هَلْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ جُزْءٌ مِنَ الْأَرْضِ؟ أَمْ هَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ؟ أَمْ هَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ تَمَامًا عَنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ السَّمَاوَاتِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ السَّمَاوَاتِ لَمَا كَانَ هُنَاكَ دَاعٍ لِذِكْرِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُصْبِحُ مِنْ بَابِ الْإِطْنَابِ وَالْحَشْوِ فِي الْكَلَامِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ مِنْهُ، وَهُوَ مَا نَنْفِيهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عَنِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ الْمَقْصُودُ بِلَفْظِهِ، فَلَا زِيَادَةَ تَشُوبُهُ وَلَا نَقْصَ يَعِيبُهُ، انْتَهَى.
جَوَابٌ مُفْتَرًى 2: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ لَمَا كَانَ هُنَاكَ دَاعٍ لِذِكْرِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُصْبِحُ مِنْ بَابِ الْإِطْنَابِ وَالْحَشْوِ فِي الْكَلَامِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ مِنْهُ، وَهُوَ مَا نَنْفِيهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عَنِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ الْمَقْصُودُ بِلَفْظِهِ، فَلَا زِيَادَةَ تَشُوبُهُ وَلَا نَقْصَ يَعِيبُهُ، انْتَهَى.
جَوَابٌ مُفْتَرًى 3: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ هِيَ كَيْنُونَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِذَاتِهَا، مُنْفَصِلَةٌ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَمُنْفَصِلَةٌ أَيْضًا عَنِ الْأَرْضِ.
السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا جِدًّا: مَا هِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ السَّمَوَاتِ أَوْ الْأَرْضِ؟ وَأَيْنَ تَقَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةُ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: قَبْلَ مُحَاوَلَتِنَا تَقْدِيمَ إِجَابَتِنَا الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، رُبَّمَا نَجِدُ مِنَ الضَّرُورِيِّ إِعَادَةَ رَبْطِ الْقِصَّةِ بِالتُّرَاثِ الدِّينِيِّ الْمُتَوَافِرِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَالَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ التَّشْوِيهُ (مِنَ اللَّذِينَ كَانُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)، فَبِالرَّغْمِ أَنَّ لِلْقِصَّةِ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا - أُصُولٌ دِينِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ إِلَّا أَنَّ تَفَاصِيلَهَا الْمُتَوَافِرَةَ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ قَدْ شُوِّهَتْ كَثِيرًا بِمَا خَطَّتْهُ أَقْلَامُ أَهْلِ الْعِلْمْ. وَنَحْنُ نَقْصِدُ هُنَا قِصَّةَ مَا يُسَمَّى بِـ "قُبَّةِ الصَّخْرَةِ" فِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ. فَالْمَوْرُوثَاتُ الشَّعْبِيَّةُ قَدْ سَطَّرَتْ حَوْلَهَا مَا يُشْبِهُ الْأَسَاطِيرَ، كَارْتِفَاعِ تِلْكَ الصَّخْرَةِ عَنِ الْأَرْضِ فِي رِحْلَةِ الْمِعْرَاجِ الْمَزْعُومَةِ مَثَلًا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِذَا كُنَّا نَنْفِي تَفْصِيلَ تِلْكَ الْحِكَايَةِ الشَّعْبِيَّةِ عَنِ الصَّخْرَةِ، فَإِنَّ جُمْلَتَهَا لَدَيْنَا مَوْثُوقَةٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْإِرْثُ الدِّينِيُّ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي مَفَادُهُ بِأَنَّ هُنَاكَ صَخْرَةً (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَكَانِهَا) هِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْأَرْضِ مَادَامَتْ أَنَّهَا قَدْ ارْتَفَعَتْ عَنِ الْأَرْضِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنَ السَّمَاءِ مَادَامَ أَنَّهَا لَمْ تَعْرُجْ فِيهَا. لِذَا بَقِيَتْ مُعَلَّقَةً (فِي مِخْيَالِهِمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا نُكَذِّبُ رِوَايَاتِهِمْ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
- أَنَّ هُنَاكَ مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ قَدْ حَصَلَ
- أَنَّ الصَّخْرَةَ قَدْ ارْتَفَعَتْ عَنِ الْأَرْضِ
- أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْقُدْسِ هِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي لَهَا أُصُولٌ دِينِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ
- إلخ.
لِنَفْتَرِيَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا الْبَدِيلَ بِمَا يَلِي:
- أَنَّ هُنَاكَ صَخْرَةً لَهَا مِيزَةٌ خَاصَّةٌ وَقِصَّةٌ دِينِيَّةٌ عَظِيمَةُ الْأَثَرِ وَالتَّأْثِيرِ فِي التُّرَاثِ الدِّينِيِّ
- أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ قَدْ ارْتَبَطَتْ بِإِرْثِ مُوسَى الدِّينِيِّ
- أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
- أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ هِيَ الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى وَفَتَاهُ، وَهِيَ الْمَوْجُودَةُ بَيْنَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ
- إلخ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ فِعْلًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَتِ الصَّخْرَةُ وَاحِدَةً مِنَ الْأَحْدَاثِ الْمُمَيَّزَةِ فِي سِيرَةِ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى، لَمْ تَسْلَمْ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَى أَيْدِي اللَّذِينَ كَانَتْ مُهِمَّتُهُمْ عَلَى الدَّوَامِ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهْ. وَبَدَلَ أَنْ يَبْحَثُوا عَنْ تَفَاصِيلِ الْقِصَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي النُّصُوصِ الدِّينِيَّةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا، طَارَتْ خَيَالَاتُهُمْ شَرْقًا وَغَرْبًا لِرَسْمِ الْأَسَاطِيرِ وَنَسْجِ الْحِكَايَاتِ حَوْلَهَا عَنْ عِلْمٍ تَارَةً وَمِنْ دُونِ عِلْمٍ تَارَةً أُخْرَى، فَاخْتَلَطَتِ الْأُمُورُ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ أَنْ حَرَّفَ أَهْلُ الْعِلْمِ قِصَّتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ، فَأَخْفَقُوا فِي تَحْدِيدِ مَكَانِهَا الْحَقِيقِيِّ، وَشَطُّوا فِي تَفْسِيرِ أَهَمِّيَّتِهَا، حَتَّى اسْتَقَرَّ بِهِمُ الْحَالُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ إِلَى تَقْدِيسِ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ فِي الْقُدْسِ أَسْمَوْهُ الصَّخْرَةْ.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ انْتَقَلَتْ تِلْكَ "الْخُزَعْبَلَاتُ" الْمَكْذُوبَةُ بِتَفَاصِيلِهَا بِحُلْوِهَا وَمُرِّهَا مِنْ شُرُوحَاتِ التَّوْرَاةِ فِي التَّلْمُودِ وَأَقْوَالِ عُلَمَاءِ صُهْيُونَ لِتَسْتَقِرَّ (رُبَّمَا دُونَ تَمْحِيصٍ وَلَا تَدْلِيلٍ) فِي بَعْضِ بُطُونِ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَتْ حَنَاجِرُ الْكَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ بِمِثْلِ تِلْكَ الْقِصَصِ الَّتِي صَعُبَ عَلَى أَهْلِ الدِّرَايَةِ مِنْهُمْ جَلْبُ الدَّلِيلِ عَلَى إِثْبَاتِهَا أَوْ نَفْيِهَا. وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ حَتَّى طَارَتْ خَيَالَاتُ الْآخَرِينَ حَوْلَ فِكْرَةِ وُجُودِ الصَّخْرَةِ فِي قِصَصِهِمُ الْأُخْرَى مِنْ مِثْلِ قِصَّةِ النَّاقَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبَعْضُ مِنْهُمْ مِنْ صَخْرَةْ. بِالرَّغْمِ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْأَلْ وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ أَوْ مَتَى خَرَجَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ (إِنْ صَحَّتْ أَقْوَالُهُمْ) مِنْ صَخْرَةٍ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ.
رَأْيُنَا: أَمَّا نَحْنُ، فَإِنَّنَا نُحَاوِلُ أَنْ نُعِيدَ قِرَاءَةَ قِصَّةِ تِلْكَ الصَّخْرَةِ مِنَ الْمَصَادِرِ الْمَوْثُوقِ بِهَا، وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ لِقَنَاعَتِنَا الرَّاسِخَةِ بِمَا جَاءَ فِيهِ، فَهُوَ الْكِتَابُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونْ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا - مَوْضُوعُ الصَّخْرَةْ:
السُّؤَالُ: مَا قِصَّةُ الصَّخْرَةِ الْحَقِيقِيَّةْ؟
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ الصَّخْرَةِ بِالْعَرَاءِ الَّذِي نُبِذَ بِهِ يُونُسْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُبَاشِرَةٌ شَرِيطَةَ أَنْ نَفْهَمَ مَا هُوَ الْعَرَاءُ أَصْلًا. فَلَقَدْ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ سَابِقًا أَنَّ الْمَكَانَ (أَيَّ مَكَانٍ) يُصْبِحُ عَرَاءً إِذَا تَوَافَرَ فِيهِ شَرْطَانِ اثْنَانِ، وَهُمَا:
- عَدَمُ وُجُودِ النَّبَاتِ
- عَدَمُ وُجُودِ التُّرَابِ
الدَّلِيلُ
رُبَّمَا لَا يَحْتَاجُ الْقَارِئُ الْكَرِيمُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْعَرَاءَ يَخْلُو مِنَ النَّبَاتِ، فَهَذَا مُسَطَّرٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ، وَهُوَ مَطْبُوعٌ فِي أَذْهَانِ النَّاسِ جَمِيعًا، الْعَالِمِ مِنْهُمْ وَالْمُتَعَلِّمْ. كَمَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِجَلْبِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهِ الَّذِي يُبَيِّنُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْبَتَ عَلَى يُونُسَ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ بَعْدَ أَنْ نُبِذَ بِالْعَرَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْمَكَانُ مُتَوَافِرًا فِيهِ الشَّجَرُ رُبَّمَا (نَحْنُ نَظُنُّ) مَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكْ:
لَكِنَّنَا نَبْقَى – لَا شَكَّ - مَدِينِينَ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ بِجَلْبِ الدَّلِيلِ الَّذِي يُثْبِتُ أَنَّ الْعَرَاءَ هُوَ مَكَانٌ لَا تُرْبَةَ فِيهِ، فَأَيْنَ يُمْكِنُ جَلْبُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نَتَدَبَّرُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ تَعْرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُهِمَّةَ الشَّيْطَانِ لِلْإِطَاحَةِ بِآدَمَ وَزَوْجِهِ كَانَتْ تَتَمَثَّلُ بِأَنْ يَنْزِعَ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا النُّورَانِيَّ الَّذِي أَلْبَسَهُمَا اللَّهُ إِيَّاهُ فِي الْجَنَّةِ فَلَا تُكْشَفُ سَوْءَاتُهُمَا:
وَبِالْفِعْلِ اسْتَطَاعَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا فَأَصَابَ آدَمَ وَزَوْجَهُ الْعُرْيُ، فَأَخَذَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ لِسَتْرِ تِلْكَ السَّوْءَةِ:
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِقِصَّةِ يُونُسْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: عِنْدَمَا الْتَقَمَ يُونُسَ الْحُوتُ، كَانَ الْحُوتُ فِي دَاخِلِ الْمَاءِ، وَلَكِنَّ الْحُوتَ الْتَقَمَ يُونُسَ مِنَ الْمَاءِ، لِيُخَلِّصَهُ مِنَ الْغَرَقِ، فَحَمَلَهُ مِنْ عَرْضِ الْبَحْرِ وَتَوَجَّهَ بِهِ نَحْوَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُنَاكَ كَانَتِ الصَّخْرَةُ الَّتِي هِيَ عَرَاءٌ، فَنُبِذَ يُونُسُ بِهَا وَهُوَ سَقِيمْ.
الدَّلِيلُ: مَعْنَى مُفْرَدَةِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ الْأَرْضْ؟
افْتِرَاءٌ 1: نَحْنُ بِدَايَةً نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَرْضِ الَّتِي تَرِدُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَا تُشِيرُ فِي كُلِّ سِيَاقَاتِهَا الْقُرْآنِيَّةِ إِلَى مَا نُسَمِّيهِ فِي أَيَّامِنَا بِـ "الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ"، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْيَابِسَةِ فَقَطْ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ لِلْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ أَنْ تُنْبِتْ؟
وَيُمْكِنُ لِلْأَرْضِ أَنْ تُثِيرَهَا الْبَقَرْ:
السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ لِلْبَقَرِ أَنْ يُثِيرَ الْمُحِيطَاتِ وَالْبِحَارَ وَالْأَنْهَارْ؟
وَالْأَرْضُ يُمْكِنُ أَنْ تَمُوتَ وَتَحْيَا، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِنُزُولِ الْمَاءِ عَلَيْهَا:
السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ لِلْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ أَنْ تَحْيَا بَعْدَ نُزُولِ الْمَاءِ عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لَهَا أَنْ تَمُوتَ إِذَا مَا تَوَقَّفَ نُزُولُ الْمَاءِ عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءْ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ الْأَرْضَ هِيَ الَّتِي تُنْبِتْ. وَالْأَرْضُ هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْبَقَرِ أَنْ يُثِيرَهَا، وَالْأَرْضُ هِيَ الَّتِي تَحْيَا وَتَمُوتُ بِنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَيْهَا أَوْ تَوَقُّفِ نُزُولِ الْمَطَرِ عَنْهَا. انْتَهَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ بِأَنَّ الْكُتْلَةَ الْمَائِيَّةَ الْمَوْجُودَةَ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ (كَالْأَنْهَارِ وَالْبُحَيْرَاتِ وَالْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ) لَيْسَتْ مِنَ الْأَرْضِ.
افْتِرَاءٌ 2: لَمَّا كَانَتِ الْأَرْضُ – فِي ظَنِّنَا - لَا تَعْنِي الْكُرَةَ الْأَرْضِيَّةَ وَإِنَّمَا الْيَابِسَةَ مِنْهَا، بَحَثْنَا أَكْثَرَ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ سِيَاقَاتٍ أُخْرَى عَدِيدَةٍ تُشِيرُ بِشَكْلٍ لَا لَبْسَ فِيهِ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَرْضِ لَا تَعْنِي كُلَّ الْيَابِسَةِ، فَعِنْدَمَا يُشِيرُ الْقُرْآنُ إِلَى الْيَابِسَةِ كُلِّهَا فَإِنَّهُ يَسْتَخْدِمُ عِبَارَةَ "الْأَرْضِ جَمِيعًا" كَمَا فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةِ:
وَإِلَيْكَ عَزِيزِي الْقَارِئَ بَعْضَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي رُبَّمَا تُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ هَذَا الْافْتِرَاءِ الَّذِي هُوَ بِلَا شَكٍّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:
أَوَّلًا، فَهَذَا يُوسُفُ مَثَلًا يَطْلُبُ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضْ:
السُّؤَالُ: فَهَلْ كَانَ يُوسُفُ يَتَوَلَّى خَزَائِنَ الْأَرْضِ كُلِّهَا أَمْ فَقَطْ خَزَائِنَ مِصْرْ؟
ثَانِيًا، وَهَذَا أَحَدُ إِخْوَةِ يُوسُفَ (وَهُوَ كَبِيرُهُمْ) يُقْسِمُ أَنْ لَا يَبْرَحَ الْأَرْضَ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: فَهَلْ رَفَضَ كَبِيرُ إِخْوَةِ يُوسُفَ أَنْ يَبْرَحَ الْأَرْضَ كُلَّهَا أَمِ الْمَكَانَ الَّذِي يَتَوَاجَدُ فِيهِ وَهِيَ أَرْضُ مِصْرْ؟
ثَالِثًا، قَالَ تَعَالَى:
فَهَلْ سَكَنَ مَنْ نَجَا مَعَ مُوسَى الْأَرْضَ كُلَّهَا أَمْ أَرْضَ مِصْرْ؟
رَابِعًا، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: فَهَلْ خُسِفَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا بِقَارُونَ وَبِدَارِهِ أَمْ هَلْ هِيَ فَقَطْ تِلْكَ الْأَرْضُ الَّتِي كَانَ يَقْطُنُهَا وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ مِصْرْ؟
ثُمَّ لِنُحَاوِلَ أَنْ نَتَدَبَّرَ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ التَّالِيَ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ كَمَا وَرَدَتْ فِي سُورَةِ طه:
وَهَا هِيَ الْقِصَّةُ تَتَكَرَّرُ فِي سُورَةِ الدُّخَانْ:
رُبَّمَا يُدْرِكُ الْمُتَدَبِّرُ لِلسِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ الْحَدِيثَ هُنَا عَنْ قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ الْخِطَابَ الرَّبَّانِيَّ جَاءَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ وَرِثُوا الْأَرْضَ الَّتِي خَسِرَهَا فِرْعَوْنُ (كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ لَمْ تَبْكِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَمَا خَسِرُوهَا، وَلَا أَخَالُ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا غَيْرَ الْأَرْضِ الَّتِي خَسِرُوهَا.
إِنَّ الْمُلْفِتَ لِلْانْتِبَاهِ هُنَا هُوَ – بِرَأْيِنَا - التَّطَابُقُ الْقُرْآنِيُّ فِي قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْأَرْضِ وَقِصَّةِ آدَمَ وَزَوْجِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَفِي السِّيَاقِ السَّابِقِ الْمُوَجَّهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَ الْخِطَابُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَجَاءَ الْخِطَابُ الَّذِي وُجِّهَ لِآدَمَ وَمَنْ هَبَطَ مَعَهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
الْأَمْرُ الَّذِي يَدْعُونَا إِلَى الْاسْتِنْبَاطِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْخِطَابَ عَنِ الْأَرْضِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَى صِيَغٍ أَرْبَعٍ:
- الْخِطَابُ عَنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا كَكُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَكُونُ مُفْرَدَةُ الْأَرْضِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، قَالَ تَعَالَى:
"قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" [البقرة: 33]
- الْخِطَابُ عَنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَتَكُونُ مُفْرَدَةُ الْأَرْضِ مَسْبُوقَةً بِحَرْفِ جَرٍّ:
"وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ" [آل عمران: 109]"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" [الكهف: 7]
- الْخِطَابُ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَتَكُونُ مُفْرَدَةُ الْأَرْضِ مَسْبُوقَةً بِحَرْفِ جَرٍّ:
"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" [النساء: 97]
- الْخِطَابُ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَتَكُونُ مُفْرَدَةُ الْأَرْضِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِحَرْفِ جَرٍّ، قَالَ تَعَالَى:
"وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا" [الإسراء: 104]
إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ الْخِطَابَ عَنِ الْأَرْضِ يَدُلُّ عَلَى الْمِنْطَقَةِ الْيَابِسَةِ وَعَلَى جُزْءٍ مِنْهَا وَلَيْسَ جَمِيعَهَا كَمَا فِي قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ اللَّذِينَ أَوْرَثَهُمُ اللَّهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ:
لِنَخْلُصَ إِلَى النَّتِيجَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ أَلَا وَهِيَ: أَنَّ الْمَاءَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْسِمَ الْأَرْضَ، فَمَا وَقَعَ شَرْقَ الْبَحْرِ (النَّهْرِ) هُوَ أَرْضٌ وَمَا كَانَ وَاقِعًا غَرْبَهُ فَهِيَ أَيْضًا أَرْضْ. وَهُنَا يَتَحَدَّثُ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ عَنْ مِيرَاثِ الْأَرْضِ، وَتَتَأَكَّدُ فِكْرَةُ مِيرَاثِ الْأَرْضِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَسُؤَالُنَا هُوَ: هَلْ يَرِثُ الْأَرْضَ (كُلَّ الْأَرْضِ) عِبَادُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ؟ فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ، لَمَا كَانَ لِغَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مَوْطِئُ قَدَمٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْهَا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْأَرْضِ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ فِي خِطَابِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ مِنْ قَوْمِ مُوسَى.
وَلِتَأْكِيدِ فِكْرَةِ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَرْضِ قَدْ تَعْنِي جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ الْأَرْضَ كُلَّهَا نُورِدُ الدَّلِيلَ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَاسِمًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ نَفْسِهِ، قَالَ تَعَالَى:
وَنَحْنُ نَتَسَاءَلُ عَنْ سَبَبِ وُرُودِ كَلِمَةِ "جَمِيعًا" فِي هَذَا السِّيَاقِ، أَيْ لِمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ"؟ أَلَيْسَتِ الْأَرْضُ حِينَئِذٍ بِقَبْضَةِ اللَّهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يُصْبِحُ مِنَ الْإِطْنَابِ غَيْرِ الضَّرُورِيِّ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ كُتْلَةً وَاحِدَةً فِي قَبْضَةِ الرَّحْمَنِ. لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ وُرُودَ كَلِمَةِ "جَمِيعًا" فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ) رُبَّمَا لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ هِيَ مُقَسَّمَةٌ إِلَى أَجْزَاءٍ، حَيْثُ يُشَكِّلُ كُلُّ جُزْءٍ أَرْضًا مُسْتَقِلَّةً تَكُونُ جَمِيعًا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ. إِنَّ مُرَادَ الْقَوْلِ أَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ (كُتْلَةٍ) مِنَ الْأَرْضِ هِيَ أَرْضٌ، فَأَرْضُ مَدْيَنَ هِيَ أَرْضٌ، وَأَرْضُ قَوْمِ صَالِحٍ هِيَ أَرْضٌ، وَأَرْضُ قَوْمِ نُوحٍ هِيَ أَرْضٌ، وَقَارَّةُ آسِيَا هِيَ أَرْضٌ وَقَارَّةُ أَفْرِيقِيَا هِيَ أَرْضٌ، وَتَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَمِيعًا قَبْضَةَ الرَّحْمَنِ لَا يَنْفَلِتُ مِنْهَا شَيْءٌ.
فِي ضَوْءِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ).
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ السَّمَوَاتِ؟
افْتِرَاءٌ 1: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ السَّمَاءَ (كَمَا نَفْهَمُهَا مِنَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ) تَعْنِي كُلَّ ارْتِفَاعٍ عَنْ سَطْحِ الْأَرْضِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مِقْدَارِهِ، فَاللَّهُ يُنَزِّلُ لَنَا الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ بِالرَّغْمِ أَنَّهَا تَأْتِي مِنَ الْغُيُومِ الَّتِي قَدْ تُلَامِسُ سَطْحَ الْأَرْضْ:
فَالسَّحَابُ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَطَرَ مَبْسُوطٌ فِي السَّمَاءِ:
وَالسَّمَاءُ تَبْدَأُ بِوُجُودِ الْغَازَاتِ الضَّرُورِيَّةِ لِعَمَلِيَّةِ التَّنَفُّسِ وَتَسْتَمِرُّ السَّمَاءُ مَعَ تَنَاقُصِ تِلْكَ الْغَازَاتْ:
وَهَذِهِ - بِرَأْيِنَا - هِيَ مِنْطَقَةُ جَوِّ السَّمَاءِ الَّتِي أَصْبَحَتِ الطُّيُورُ مُسَخَّرَاتٍ فِيهَا:
وَتَبْدَأُ السَّمَاءُ مَعَ فَرْعِ الشَّجَرَةْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟ لِتَرَى رَأْيَنَا بِكَيْفِيَّةِ هَزِّ مَرْيَمَ لِجِذْعِ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ جُذُوعِ النَّخْلِ وَفَرْعِهَا)
وَالسَّمَاءُ هِيَ الْمَرْفُوعَةُ بِغَيْرِ عَمَدٍ نَرَاهَا:
افْتِرَاءٌ مُهِمٌّ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُصَوِّرُ لَنَا عَمَلِيَّةَ الْحَرَكَةِ مِنْ وَإِلَى الْأَرْضِ (الْوُلُوجُ وَالْخُرُوجُ) مِنْ وَإِلَى السَّمَاءِ (نُزُولٌ وَعُرُوجٌ):
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّ أَيَّ حَرَكَةٍ إِلَى الْأَعْلَى عَنْ سَطْحِ الْأَرْضِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مِقْدَارِهَا تُؤَدِّي بِكَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْأَرْضِ وَالْعُرُوجِ فِي السَّمَاءِ.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَيْضًا بِأَنَّ النُّزُولَ مِنَ السَّمَاءِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصِلَ الشَّيْءُ النَّازِلُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ.
الدَّلِيلُ
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَاءَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لَا يَكْتَمِلُ تَنْزِيلُهُ مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَسْتَفِيدَ مِنْهُ الْأَرْضُ لِتُخْرِجَ بِهِ الثَّمَرَاتِ مِنَ الرِّزْقِ:
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى قَدْ نَزَلَتْ لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْمَائِدَةُ:
وَلَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ بَقِيَ مُعَلَّقًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ قَدْ نَزَلَ عَلَيْنَا:
وَكَذَلِكَ هُوَ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سَلْسَلَةَ مَقَالَاتِنَا "مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ" - الْجُزْءُ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْهَدَفُ هُوَ فَهْمُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: 33])
نَتَائِجُ مُهِمَّةٌ جِدًّا ذَاتُ عَلَاقَةٍ بِفَحْوَى النِّقَاشِ هُنَا
السُّؤَالُ: مَا مُفْرَدُ كَلِمَةِ الْأَرْضِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: الْأَرْضُ
السُّؤَالُ: مَا جَمْعُ كَلِمَةِ الْأَرْضِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: الْأَرْضُ
السُّؤَالُ: مَا مُفْرَدُ كَلِمَةِ سَمَاءٍ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: السَّمَاءُ
السُّؤَالُ: مَا جَمْعُ كَلِمَةِ سَمَاءٍ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: السَّمَوَاتُ
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
أَجْرَيْنَا هَذَا النِّقَاشَ هُنَا لِغَايَةٍ مُحَدَّدَةٍ أَلَا وَهِيَ إِثْبَاتُ افْتِرَاءِنَا بِأَنَّ الصَّخْرَةَ شَيْءٌ وَالْأَرْضَ شَيْءٌ آخَرُ وَأَنَّ السَّمَاءَ شَيْءٌ ثَالِثٌ مُسْتَقِلٌّ، وَأَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ (مَوْضُوعَ نِقَاشِنَا) لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ الصَّخْرَةَ جُزْءٌ مِنَ الْأَرْضِ (كَمَا قَدْ يَظُنُّ الْقَارِئُ فَوْرَ قِرَاءَتِهِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ)، لَرُبَّمَا جَاءَ التَّرْتِيبُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِشَكْلٍ مُغَايِرٍ. فَلَوْ أَمْعَنَّا النَّظَرَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ لَوَجَدْنَاهَا قَدْ أُفْرِدَتْ بَعِيدًا عَنِ الْأَرْضِ لِتَفْصِلَ بَيْنَهُمَا مُفْرَدَةُ السَّمَوَاتِ. فَجَاءَ التَّرْتِيبُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي (فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ):
وَلَوْ كَانَ ظَنُّ الْمُخَالِفِ لِرَأْيِنَا صَحِيحًا لَرُبَّمَا جَاءَتْ مُفْرَدَةُ الْأَرْضِ سَابِقَةً أَوْ لَاحِقَةً مُبَاشَرَةً لِمُفْرَدَةِ الصَّخْرَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ
- أَوْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: فَتَكُنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ
- أَوْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي الْأَرْضِ
- أَوْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي صَخْرَةٍ
السُّؤَالُ: لِمَاذَا جَاءَتْ مُفْرَدَةُ الصَّخْرَةِ مُنْفَصِلَةً عَنْ مُفْرَدَةِ الْأَرْضِ تَمَامًا؟ أَوْ لِمَاذَا تَوَسَّطَتْ مُفْرَدَةُ السَّمَوَاتِ بَيْنَ الصَّخْرَةِ مِنْ جِهَةٍ وَالْأَرْضِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَمَا أَنَّهُ يَصْعُبُ عَلَيْنَا تَخَيُّلُ أَنْ تَكُونَ الصَّخْرَةُ جُزْءًا مِنَ السَّمَاءِ فَلَا يَجِبُ أَنْ نَتَخَيَّلَ بِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْأَرْضِ، فَهِيَ مَكَانٌ يَقْبَعُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَا هِيَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ وَلَا جُزْءٌ مِنْ تِلْكْ؟
السُّؤَالُ: أَيْنَ هِيَ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهَا تَقَعُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضْ؟
السُّؤَالُ الْمُحَيِّرُ: إِذَا كُنْتَ قَدْ زَعَمْتَ بِأَنَّ الْأَرْضَ هِيَ سَطْحُ الْيَابِسَةِ وَأَنَّ كُلَّ مَا عَلَا ذَلِكَ هُوَ جُزْءٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَيْنَ هِيَ الْمِنْطَقَةُ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْكَرِيمْ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْأَرْضَ هِيَ الَّتِي تُنْبِتُ، أَيْ سَطْحُ الْيَابِسَةِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مَا تَحْتَ سَطْحِ الْيَابِسَةِ هُوَ لَيْسَ أَرْضًا وَإِنَّمَا هُوَ مَا تَحْتَ الثَّرَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَا ارْتَفَعَ عَنْ سَطْحِ الْيَابِسَةِ هِيَ سَمَاءٌ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 4: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ مَا يُسَمَّى مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَمَا هُوَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا: إِنَّهُ الْمَاءُ الَّذِي عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ، فَالْمُسَطَّحَاتُ الْمَائِيَّةُ الْمُتَوَاجِدَةُ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ مِنَ الْمُحِيطَاتِ وَالْبِحَارِ وَالْبُحَيْرَاتِ وَالْأَنْهَارِ هِيَ الْمِنْطَقَةُ الَّتِي تُسَمَّى فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ (حَسَبَ زَعْمِنَا) "مَا بَيْنَهُمَا"، أَيْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: إِنَّ هَذَا الْافْتِرَاءَ الْخَطِيرَ يَقُودُنَا إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي مُسَطَّحِ مَاءٍ، تَرْتَفِعُ عَنْهُ قَلِيلًا، يُمْكِنُ أَنْ تُشَكِّلَ مَكَانًا يُؤْوِي إِلَيْهِ مَنْ كَانَ فِي الْبَحْرِ. وَهِيَ نَفْسُهَا الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى مَعَ فَتَاهُ عِنْدَمَا كَانَا ذَاهِبَيْنِ فِي رِحْلَتِهِمَا الْبَحْرِيَّةِ بَحْثًا عَنْ صَاحِبِ الْحُوتْ:
الدَّلِيلُ
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ مُعْضِلَةً خَطِيرَةً جِدًّا فِي الْفِكْرِ الدِّينِيِّ تَتَمَثَّلُ بِطَرْحِ الْمُلَاحَظَةِ التَّالِيَةِ بَعْدَ تَدَبُّرِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا:
فَاللَّهُ هُوَ مَنْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
فَهَلِ اللَّهُ هُوَ إِلَهُ مَا بَيْنَهُمَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا. اللَّهُ لَيْسَ إِلَهَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّهُ رَبُّ مَا بَيْنَهُمَا فَقَطْ. انْتَهَى.
نَتَائِجُ مُفْتَرَاةٌ:
أَوَّلًا، اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَهُوَ إِلَهٌ فِي السَّمَاءِ
ثَانِيًا، اللَّهُ هُوَ رَبُّ الْأَرْضِ وَهُوَ إِلَهٌ فِي الْأَرْضِ
ثَالِثًا، اللَّهُ هُوَ رَبُّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ إِلَهَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَيُمْكِنُ تَوْضِيحُ ذَلِكَ بِالشَّكْلِ التَّالِي:
| السَّمَاوَاتُ | الْأَرْضُ | مَا بَيْنَهُمَا |
| رَبٌّ | رَبٌّ | رَبٌّ |
| إِلَهٌ | إِلَهٌ | X |
تَبِعَاتُ هَذَا الظَّنِّ
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَحَكِّمُ بِذَلِكَ كُلِّهْ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ إِلَهَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَطْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ مَوْجُودٌ فَقَطْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضْ.
السُّؤَالُ الْمُفْتَرَى: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَيْسَ بِإِلَهِ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُتَوَاجِدَةَ بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (أَيِ الْكَائِنَاتِ الْبَحْرِيَّةِ بِكُلِّ أَشْكَالِهَا وَأَنْوَاعِهَا) لَيْسَتْ مُكَلَّفَةً بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَهِيَ مُسَخَّرَةٌ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ فَقَطْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَأْكُلُ صَيْدَ الْبَحْرِ وَطَعَامَهُ؟ أَيْ لِمَاذَا نَأْكُلُ كُلَّ الْكَائِنَاتِ الْبَحْرِيَّةِ حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ مُفْتَرِسَةً؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ تِلْكَ الْكَائِنَاتِ غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ بِالْعِبَادَةِ، فَاللَّهُ هُوَ رَبُّهَا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ إِلَهًا لَهَا. انْتَهَى.
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ)
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
عِنْدَمَا نُبِذَ يُونُسُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي أُوِيَ إِلَيْهِ هُوَ الْعَرَاءَ:
وَهُنَاكَ أُنْبِتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينٍ، لِتَكُونَ لَهُ شِفَاءً (نَحْنُ نَظُنُّ) مِنَ السَّقَمِ الَّذِي أَصَابَهُ. فَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟ وَأَيْنَ حَصَلَ ذَلِكَ؟ وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصَّخْرَةِ الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا مُوسَى مَعَ صَاحِبِهِ؟ وَأَيْنَ هِيَ تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي حَصَلَ اللِّقَاءُ عِنْدَهَا؟
ثَالِثًا، بَابُ وَهُوَ سَقِيمٌ
السُّؤَالُ: كَيْفَ نُبِذَ يُونُسُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ؟
رَأْيُنَا: كَانَ يُونُسُ هُوَ مَنْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ بِنَفْسِهْ:
وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ الْحُوتُ مُسَاهِمًا، وَحَصَلَ لَهُ الدَّحْضُ مَعَ آخَرِينْ:
لِذَا، كَانَ يُونُسُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) فِي أَقْصَى دَرَجَاتِ قُوَّتِهِ الْبَدَنِيَّةِ، لِدَرَجَةِ أَنَّ شُعُورَهُ حِينَئِذٍ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهْ:
وَلَكِنْ مَا أَنْ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ، حَتَّى دَخَلَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَهُنَاكَ نَادَى بِنِدَائِهِ الشَّهِيرِ: أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينْ.
وَمَا أَنْ حَصَلَتِ الْاسْتِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ لَهُ حَتَّى كَانَ بَطْنُ الْحُوتِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) قَدْ أَخَذَ مِنْ يُونُسَ مَأْخَذًا عَظِيمًا، فَمَا نُبِذَ يُونُسُ بِالْعَرَاءِ حَتَّى كَانَ السَّقَمُ هُوَ نَصِيبَهْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا نُبِذَ يُونُسُ بِالْعَرَاءِ (أَيْ إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِيَتِمَّ شِفَاؤُهُ مِنَ السَّقَمِ الَّذِي لَحِقَ بِهِ جَرَّاءَ بَقَائِهِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ فِي بَطْنِ الْحُوتْ:
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ تَمَّ شِفَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ السَّقَمِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِوَاسِطَةِ شَجَرَةٍ مِنْ يَقْطِينْ؟
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ إِذَنْ؟
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ تَنْبُتُ شَجَرَةٌ فِي صَخْرَةٍ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَنْبُتَ شَجَرَةٌ فِي صَخْرَةٍ؟
جَوَابٌ: نَعَمْ، يُمْكِنُ أَنْ تَنْبُتَ شَجَرَةٌ بِالْعَرَاءِ (أَيْ فِي صَخْرَةٍ).
السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ تِلْكَ الشَّجَرَةْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْحُوتَ قَدْ حَمَلَ يُونُسَ مِنْ دَاخِلِ الْبَحْرِ فِي بَطْنِهِ، وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى تِلْكَ الصَّخْرَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَهُنَاكَ أَفْرَغَ ذَلِكَ الْحُوتُ حُمُولَتَهُ، فَأَصْبَحَ يُونُسُ مَنْبُوذًا فِي الْعَرَاءِ سَقِيمًا مِنْ جَرَّاءِ مَا لَحِقَ بِهِ مِنَ الْأَذَى فِي بَطْنِ الْحُوتِ. وَهُنَاكَ أَنْبَتَ اللَّهُ عَلَى يُونُسَ شَجَرَةً مِنْ فَصِيلَةِ الْيَقْطِينِ (شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ)، فَكَانَتْ فِي تِلْكَ الصَّخْرَةِ (الَّتِي لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ) حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ، فَنَبَتَتْ تِلْكَ الْحَبَّةُ حَتَّى أَصْبَحَتْ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، فَكَانَ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ الشِّفَاءُ التَّامُّ لِيُونُسَ مِنْ سَقَمِهْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الشَّجَرَةُ وَأَيْنَ تُوجَدْ؟
خَيَالٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا (8): إِنَّهَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْجَارِ الْمَرْجَانِيَّةِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي صُخُورِ الْبَحْرِ، وَخَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا شُطْآنُ (coral reefs) الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ الْمَرْجَانِيَّةِ (أَوْ coral reefs بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ).
خَيَالٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَدْعُوكُمْ – يَا سَادَة - لِلذَّهَابِ فِي رِحْلَةٍ بَحْرِيَّةٍ إِلَى تِلْكَ الشُّعَبِ الْمَرْجَانِيَّةِ وَالْبَحْثِ هُنَاكَ فِيهَا عَنْ شَجَرَةٍ مِنْ يَقْطِينٍ فِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السَّقَمِ، لِيَكُونَ هَذَا الذِّكْرُ (إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى هَذَا) ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينْ.
فَهَلْ أَنَا مَجْنُونٌ؟ مَنْ يَدْرِي؟!!!
وَاللَّهُ أَعْلَمْ.
الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرُ:
- القرآن الكريم (موقع quran.com).
- سلسلة مقالات "قصة يونس" - د. رشيد الجراح.
- سلسلة مقالات "كيف تم خلق عيسى بن مريم".
- سلسلة مقالات "قصة موسى".
- سلسلة مقالات "ما دلهم على موته إلا دابة الأرض".
- سلسلة مقالات "ما يؤكل وما لا يؤكل".
تعليقات