home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (9): باب الهداية

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 15, 2016
محتويات المقال:

    [خُلَاصَةُ الْجُزْءِ السَّابِقِ]

    خَلَصْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ الَّذِي يَرْضَاهُ رَبُّنَا هُوَ (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ) "صِنَاعَةُ" الذُّرِّيَّةِ، فَلَقَدْ دَعَا سُلَيْمَانُ رَبَّهُ أَنْ يُوزِعَهُ أَنْ يَعْمَلَ صَالِحًا يَرْضَاهُ اللهُ فَلَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ "عَمَلًا غَيْرَ صَالِحٍ" كَحَالِ ابْنِ نُوحٍ.

    قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) (هود)

    أَوْ عَمَلٌ صَالِحٌ جَعَلَا لِلهِ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا، كَذُرِّيَّةِ أَهْلِ النِّفَاقِ:

    هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) (الأعراف)

    وَكَانَ زَعْمُنَا هَذَا مَدْفُوعًا بِالشَّكِّ أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَمَا يَتَوَجَّهُ بِالدُّعَاءِ إِلَى رَبِّهِ رُبَّمَا يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى ذَلِكَ، الْأَمْرُ الَّذِي يَدْفَعُنَا إِلَى الِافْتِرَاءِ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ (رُبَّمَا) كَانَ عِنْدَهُ مُشْكِلَةٌ "مَا" فِي مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ.[1] وَخَلَصْنَا إِلَى الْقَوْلِ فِي مَقَالَتِنَا السَّابِقَةِ أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَنْتُجُ عَنْهُ الذُّرِّيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ:

    1. عَمَلٌ صَالِحٌ يَرْضَاهُ اللهُ (وَهُوَ مَا يَطْلُبُهُ سُلَيْمَانُ).
    2. عَمَلٌ صَالِحٌ لَا يَرْضَاهُ اللهُ (كَحَالَةِ ذُرِّيَّةِ أَهْلِ النِّفَاقِ).
    3. عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ (كَحَالَةِ وَلَدِ نُوحٍ).

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ الْجُزْءَ السَّابِقَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ).

    وَلَمَّا كَانَ هَدَفُ سُلَيْمَانَ هُوَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ الَّذِي يَرْضَاهُ اللهُ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (أَيِ النِّسَاءُ) لِيَخْتَارَ:

    إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (ص: 31)

    فَتَوَارَتْ لَهُ فِي الْحِجَابِ تِلْكَ الَّتِي اخْتَارَهَا لِيَعْمَلَ مَعَهَا الْعَمَلَ الصَّالِحَ الَّذِي يَرْضَاهُ رَبُّهُ:

    فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (ص: 32)

    وَحَصَلَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْعَشِيِّ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ وَقْتَ تَسْبِيحٍ فِي شَرِيعَةِ وَالِدِهِ دَاوُودَ:

    إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (ص: 18)

    وَلَمَّا تَذَكَّرَ سُلَيْمَانُ أَنَّهُ قَدْ أَحَبَّ حُبَّ الْخَيْرِ (مُدَاعَبَةَ النِّسَاءِ) عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ (التَّسْبِيحِ فِي وَقْتِ الْعَشِيِّ)، مَا اسْتَطَاعَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- الْقِيَامَ بِفِعْلِ الْمُبَاشَرَةِ (أَيِ الْجِمَاعِ أَوِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يَرْضَاهُ رَبُّهُ)، فَطَلَبَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ مَنْ تَوَارَتْ مِنْهُنَّ لَهُ فِي الْحِجَابِ:

    فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) (ص: 32-33)

    وَبَدَلَ أَنْ يُعَاشِرَ سُلَيْمَانُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ قَدْ تَوَارَتْ لَهُ بِالْحِجَابِ بِالْجِمَاعِ لِيَعْمَلَ صَالِحًا يَرْضَاهُ رَبُّهُ، حَصَلَتْ لِسُلَيْمَانَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- مُشْكِلَةٌ "جِنْسِيَّةٌ"، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنْ طَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ فَقَطْ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ تُصَوِّرُ عَمَلِيَّةَ الطَّفْقِ عَلَى أَنَّهَا الْقِيَامُ بِأَمْرٍ فِطْرِيٍّ (أَيْ دُونَ تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ) نَتِيجَةً لِمُشْكِلَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ وَقَعَتْ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا حَصَلَ مَعَ آدَمَ وَزَوْجِهِ عِنْدَمَا بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا:

    فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (الأعراف: 22)
    فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (طه: 121)

    وَلَمَّا كَانَ جُلُّ مَا فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ لَمْ يَتَجَاوَزْ "الطَّفْقَ بِالْمَسْحِ"، مَا تَحَصَّلَتْ لَهُ – حَسَبَ افْتِرَاءَاتِنَا السَّابِقَةِ – الذُّرِّيَّةُ، وَكَانَتْ تِلْكَ – فِي رَأْيِنَا- سَبَبَ فِتْنَتِهِ، وَإِلْقَاءَ الْجَسَدِ عَلَى كُرْسِيِّهِ:

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (ص: 34)

    فَالْفِتْنَةُ – فِي رَأْيِنَا- لَا تَكُونُ إِلَّا لَحْظَةَ اتِّخَاذِ قَرَارٍ بِوُجُودِ خِيَارَاتٍ، فَكَانَ لِزَامًا عَلَى سُلَيْمَانَ أَنْ يَتُوبَ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَكِنْ مَا الَّذِي حَصَلَ؟ْ

    فَبَدَلَ أَنْ يَتُوبَ سُلَيْمَانُ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ دَاوُودُ عِنْدَمَا حَصَلَتْ لَهُ الْفِتْنَةُ:

    قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (ص: 24)

    تَأَخَّرَ فِي الْإِنَابَةِ:

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (ص: 34)
    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:
    لَقَدْ آثَرَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَهَبَ اللهُ لَهُ الْمُلْكَ عَلَى أَنْ يَهَبَ لَهُ الذُّرِّيَّةَ، وَنَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمَانَ كَانَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أَنْ يُعَاشِرَ النِّسَاءَ (لِيَعْمَلَ صَالِحًا يَرْضَاهُ رَبُّهُ) أَوْ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى كُرْسِيِّهِ (الَّذِي يَتَهَدَّدُهُ الْخَطَرُ عِنْدَمَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ الْجَسَدُ)، وَهُنَاكَ كَانَتِ الْفِتْنَةُ لِتَمْيِيزِ مَا فِي قَلْبِ سُلَيْمَانَ، فَالْفِتْنَةُ مِنَ اللهِ – نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- لَا تَحْصُلُ إِلَّا لِإِخْرَاجِ الْعِلْمِ مِنَ الْقَلْبِ، وَلَمَّا حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ لِسُلَيْمَانَ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي مَقَامِ الِاخْتِيَارِ: أَنْ يَعْمَلَ صَالِحًا يَرْضَاهُ رَبُّهُ أَوْ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَمَا كَانَ مِنْ سُلَيْمَانَ إِلَّا أَنْ آثَرَ حُبَّ الْمُلْكِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، فَكَانَتِ الِاسْتِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
    فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (40) (ص: 36-40)

    الدَّلِيلُْ

    غَالِبًا مَا كَانَ دُعَاءُ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَهَبَ اللهُ لَهُمُ الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ مَثَلًا:

    وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) (الصافات)

    وَكَمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا:

    وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (مريم: 5)

    وَلَا نَنْسَى أَنَّ سُلَيْمَانَ نَفْسَهُ كَانَ هِبَةً مِنَ اللهِ لِدَاوُودَ:

    وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (ص: 30)

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِـ "الْهِبَةِ مِنَ اللهِ" لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُطْلَبُ لِلرَّحْمَةِ:

    رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (آل عمران: 8)
    وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (مريم: 50)

    أَوْ لِلذُّرِّيَّةِ:

    وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: 74)
    لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (الشورى: 49)

    فَطَلَبَهَا إِبْرَاهِيمُ وَتَحَصَّلَتْ لَهُ:

    وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) (الصافات: 99-101)
    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (الأنعام: 84)
    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (إبراهيم: 39)
    فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (مريم: 49)
    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (الأنبياء: 72)
    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (العنكبوت: 27)

    وَطَلَبَهَا زَكَرِيَّا وَتَحَصَّلَتْ لَهُ:

    هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (آل عمران: 38)
    وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (مريم: 5)
    فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (الأنبياء: 90)

    وَتَحَصَّلَتْ لِمَرْيَمَ:

    قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (مريم: 19)

    وَتَحَصَّلَتْ لِأَيُّوبَ:

    وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (ص: 43)

    وَتَحَصَّلَتْ لِدَاوُودَ (وَالِدِ سُلَيْمَانَ):

    وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (ص: 30)

    وَكَذَلِكَ تُطْلَبُ "الْهِبَةُ" مِنَ اللهِ لِلْحُكْمِ، فَتَحْصُلُ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى:

    رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (الشعراء: 83)
    فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (الشعراء: 21)

    وَتُطْلَبُ "الْهِبَةُ" مِنَ اللهِ لِلنُّبُوَّةِ، فَتَحَصَّلَتْ لِمُوسَى بِأَخِيهِ هَارُونَ:

    وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (مريم: 53)

    أَوْ لِلْمُلْكِ:

    قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (ص: 35)

    وَقَدِ افْتَرَيْنَا فِي مَقَالَةٍ سَابِقَةٍ أَنَّ هِبَةَ الذُّرِّيَّةِ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ أُنَاسٍ لَا يَتِمُّ لَهُمُ الْإِنْجَابُ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، فَمَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْجَابِ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَهُوَ يَطْلُبُهَا مِنَ اللهِ "كَهِبَةٍ" فَقَطْ، فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُؤْتَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ أَوْ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ كَهِبَةٍ، فَاللَّذَانِ كَانَا قَادِرَيْنِ عَلَى الْحُصُولِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ دَعَوَا اللهَ أَنْ يُؤْتِيَهُمَا الذُّرِّيَّةَ:

    هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) (الأعراف)

    وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْحُصُولِ عَلَيْهَا بِالطَّرِيقَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ فَلَابُدَّ أَنْ يَطْلُبَهَا كَهِبَةٍ:

    وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: 74)

    وَالَّذِي كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَحْصُلَ عَلَى الرَّحْمَةِ أَوِ الذُّرِّيَّةِ أَوِ الْحُكْمِ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَاللهُ يُؤْتِيهَا إِيَّاهُ:

    فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (الكهف: 65)
    فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ[2] (الأنبياء: 84)
    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (هود: 28)
    وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (يوسف: 22)
    وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (الأنبياء: 74)
    وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (القصص: 14)

    وَلَكِنَّ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْحُصُولَ عَلَيْهَا بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ (أَيْ آتَيْنَاهُ) فَهُوَ يَطْلُبُهَا بِطَرِيقَةِ الْهِبَةِ مِنَ اللهِ (أَيْ وَهَبْنَا).

    (انْظُرِ السِّيَاقَاتِ السَّابِقَةَ).

    (لِلتَّفْصِيلِ فِي مَوْضُوعِ الْهِبَةِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: لِمَاذَا قَدَّمَ نَبِيُّ اللهِ لُوطٌ بَنَاتَهُ بَدَلًا مِنْ ضُيُوفِهِ؟).

    افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:
    وَهُنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّهُ مَا أَنْ بَلَغَ سُلَيْمَانُ سِنَّ الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْعُمْرِ وَلَمْ تَكُنْ قَدْ تَحَصَّلَتْ لَهُ الذُّرِّيَّةُ بَعْدُ (رُبَّمَا لِمُشْكِلَةٍ جِنْسِيَّةٍ كَانَ يُعَانِي مِنْهَا) حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْجَابِ، وَلَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، أَدْرَكَ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْمُعَاشَرَةِ الْفِعْلِيَّةِ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِمَنْ تَوَارَتْ لَهُ بِالْحِجَابِ لِيُعَاشِرَهَا، فَطَلَبَ أَنْ يَرُدُّوهَا عَلَيْهِ، وَاكْتَفَى أَنْ "يَطْفِقَ مَسْحًا" فَقَطْ بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ، فَمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْمُعَاشَرَةِ الْفِعْلِيَّةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُدَاعَبَةِ؟ مَنْ يَدْرِي!

    وَهَذَا الْخَيَالُ الْمُفْتَرَى الَّذِي هُوَ بِلَا شَكٍّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا رُبَّمَا يُفَسِّرُ لَنَا سَبَبَ أَنْ يَطْلُبَ سُلَيْمَانُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُوزِعَهُ لـِ "يَعْمَلَ صَالِحًا"، وَعَدَمَ طَلَبِهِ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ الذُّرِّيَّةَ مُبَاشَرَةً. فَإِبْرَاهِيمُ طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ هِبَةَ الذُّرِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ زَكَرِيَّا. فَالْمُدَقِّقُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ أَنَّ مُشْكِلَةَ سُلَيْمَانَ كَانَتْ – بِرَأْيِنَا- فِي الْمُعَاشَرَةِ أَوَّلًا، لِذَا فَهُوَ يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُوزِعَهُ لِيَعْمَلَ صَالِحًا، فَتَجَلَّتِ النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ

    وَرُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ سُلَيْمَانُ الْقِيَامَ بِفِعْلِ الْمُعَاشَرَةِ لَيْلَةَ أَنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، وَعِنْدَمَا شَعَرَ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ، حَاوَلَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ مَوْقِفِ الِاخْتِبَارِ هَذَا عِنْدَمَا "أَبْدَى الْحُجَّةَ" أَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الْعَشِيِّ، فَطَلَبَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ مَنْ تَوَارَتْ لَهُ مِنْهُنَّ فِي الْحِجَابِ. وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ - فِي رَأْيِنَا- نَابِعًا مِنْ خَشْيَةٍ عِنْدَ سُلَيْمَانَ أَنْ يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، فَيَعْلَمَ مَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ بِفِعْلِ الْجِمَاعِ. فَكَانَ سُلَيْمَانُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ فِي سَاعَةِ اخْتِبَارٍ حَقِيقِيٍّ، فَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِأَنْ يُوزِعَهُ أَنْ يَعْمَلَ صَالِحًا:

    ... وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ

    فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، بِالْكَرَمِ الْمُطْلَقِ:

    هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ

    وَإِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُحَرَّفُ هَذَا، فَإِنَّ وَضْعَ سُلَيْمَانَ كَانَ يَتَطَلَّبُ مِنْهُ أَنْ يَطْلُبَ الذُّرِّيَّةَ (إِنْ هُوَ شَاءَهَا) كَهِبَةٍ مِنَ اللهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ[3]، وَآثَرَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ الْمُلْكَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، لِيَتَعَزَّزَ عِنْدَنَا حَوْلَ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ أَمْرَانِ اثْنَانِ وَهُمَا:

    1. مَعْرِفَةُ سُلَيْمَانَ بِمُشْكِلَتِهِ الْجِنْسِيَّةِ، فَطَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُوزِعَهُ لِيَعْمَلَ صَالِحًا.
    2. عِلْمُ سُلَيْمَانَ بِأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ فَدَعَا اللهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
    مَنْطِقُنَا:
    نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّهُ سَتَتَحَصَّلُ لَهُ الذُّرِّيَّةُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، لَمَا طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَمْنَعَ "مِثْلَ مُلْكِهِ" عَلَى مَنْ بَعْدَهُ خَاصَّةً ذُرِّيَّتَهُ، أَيْ لَمَا "ظَنَّ" (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ) سُلَيْمَانُ بِذَاكَ الْمُلْكِ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْخَيْرِ لِذُرِّيَّتِهِ رُبَّمَا أَكْثَرَ مِنْ حُبِّهَا لِنَفْسِهِ.

    (دُعَاءٌ: أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي وَذُرِّيَّتِي مِنْ لَدُنْهِ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

    وَهُنَا يَظْهَرُ السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ جَلِيًّا أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَطْلُبْ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ الذُّرِّيَّةَ (كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ مَثَلًا) وَلَمْ يَطْلُبْ هِبَةَ النُّبُوَّةِ كَمَا طَلَبَهَا مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ، وَآثَرَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ رَبِّهِ فَقَطْ هِبَةَ الْمُلْكِ فَقَطْ:

    قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (ص: 35)

    وَهُوَ الَّذِي كَانَ اللهُ قَدْ فَهَّمَهُ الْأُمُورَ فِي صِغَرِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ اللهُ قَدْ آتَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا:

    فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (الأنبياء: 79)

    نَتَائِجُ مُفْتَرَاةٌ:

    1. رُبَّمَا كَانَ حُبُّ سُلَيْمَانَ لِلْمُلْكِ بَعْدَ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ – فِي ظَنِّنَا- سَبَبًا فِي عَدَمِ حُصُولِهِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ.
    2. رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ سُلَيْمَانُ قَادِرًا عَلَى الْحُصُولِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ (رُبَّمَا لِمُشْكِلَةٍ "جِنْسِيَّةٍ" عِنْدَهُ)، لِذَا طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ صَالِحًا يَرْضَاهُ (أَيْ صِنَاعَةَ الذُّرِّيَّةِ).
    3. لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ (أَيْ بِطَرِيقَةِ الْإِتْيَانِ: آتَيْنَاهُ)، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا هِبَةً مِنَ اللهِ (أَيْ بِطَرِيقَةِ الْهِبَةِ: وَهَبْنَا)، فَلَمْ يَفْعَلْ.
    4. بِالْمُقَابِلِ، طَلَبَ سُلَيْمَانُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهَبَهُ الْمُلْكَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
    5. لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْجَابِ لَمَا حَرَمَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ مُلْكِهِ.
    6. نَحْنُ نَتَجَرَّأُ أَيْضًا عَلَى الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ التَّالِي الَّذِي لَا شَكَّ يَحْتَاجُ إِلَى أَبْحَاثٍ أَكْثَرَ عُمْقًا وَجِدِّيَّةً لِاسْتِقْصَاءِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ ظَنُّنَا الْمَكْذُوبُ بِأَنَّ حُبَّ سُلَيْمَانَ لِلْمُلْكِ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا فِي عَدَمِ حُصُولِهِ عَلَى النُّبُوَّةِ، فَلَقَدْ تَوَقَّفَ سُلَيْمَانُ – فِي ظَنِّنَا- عِنْدَ مَرْحَلَةِ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ (الْمَصْحُوبِ بِالْفَهْمِ) وَآثَرَ الْمُلْكَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ.

    أَمَّا بَعْدُْ

    وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنَ الْفِتْنَةِ، إِلَّا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ أَنَابَ إِلَى رَبِّهِ:

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) (ص)

    وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ التَّوْبَةِ بَلْ وَصَلَ إِلَى مَرْحَلَةِ الْهِدَايَةِ:

    وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (طه: 82)

    الدَّلِيلُْ

    لَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِسُلَيْمَانَ لَوَجَدْنَا الرَّجُلَ يُخَاطِبُ مَلَأَهُ بِخُصُوصِ مُعَامَلَتِهِمْ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْعَرْشِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (النمل: 41)

    وَهَذَا الْخِطَابُ يَقُودُنَا إِلَى إِبْدَاءِ الْمُلَاحَظَاتِ التَّالِيَةِ:

    مُلَاحَظَةٌ 1: التَّوْبَةُ تَسْبِقُ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَ مِنَ التَّرْتِيبِ الْوَارِدِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (الفرقان: 70)
    وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (طه: 82)

    مُلَاحَظَةٌ 2: وَلَكِنَّ الْهِدَايَةَ تَتْبَعُ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ (طه: 82)

    فَيُصْبِحُ هُنَاكَ أَرْبَعَةُ أَعْمَالٍ مُتَسَلْسِلَةٍ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    1. التَّوْبَةُ (تَابَ).
    2. الْإِيمَانُ (وَآمَنَ).
    3. الْعَمَلُ الصَّالِحُ (وَعَمِلَ صَالِحًا).
    4. الْهِدَايَةُ (ثُمَّ اهْتَدَىٰ).

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا حَرْفَ الْعَطْفِ الَّذِي يَرْبِطُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الْأَرْبَعَةَ مَعًا لَوَجَدْنَا أَنَّ "الْوَاوَ" يَرْبِطُ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)، وَلَكِنَّ حَرْفَ الْجَرِّ "ثُمَّ" هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ الْهِدَايَةَ عَنْ كُلِّ مَا سَبَقَ (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ)، مِمَّا يَدْعُونَا أَنْ نَتَجَرَّأَ أَنْ نَتَقَدَّمَ بِالِافْتِرَاءِ التَّالِي: الْإِنْسَانُ قَدْ يَتُوبُ وَيُؤْمِنُ وَيَعْمَلُ صَالِحًا وَلَكِنَّهُ مَعَ كُلِّ ذَلِكَ قَدْ لَا يَكُونُ اهْتَدَى بَعْدُ، وَرُبَّمَا يَمُوتُ الْإِنْسَانُ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَلَكِنَّهُ مَعَ كُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَدِ اهْتَدَى. فَالْهِدَايَةُ – نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- مَرْحَلَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ جِدًّا لَا يَصِلُ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الزَّعْمِ الْخَطِيرِ جِدًّا؟ْ

    [الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ]

    رُبَّمَا لَا يَغْفَلُ الْكَثِيرُونَ عَنْ تَفَاصِيلِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ، فَهُوَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَيُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ بَاحِثًا عَنْ رَبٍّ يَعْبُدُهُ، وَيَنْتَهِي بِهِ الْبَحْثُ أَنْ يُوَجِّهَ وَجْهَهُ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا:

    إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام: 79)

    وَيَقُومُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَجْذِيذِ أَصْنَامِ الْقَوْمِ بَعْدَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، فَمَا يَكُونُ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَنْقَلِبُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَيُقَرِّرُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِي النَّارِ، فَيَبْنُوا لَهُ بُنْيَانًا عَظِيمًا لِيُلْقُوهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ:

    قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (الصافات: 97)

    (لِقِرَاءَةِ التَّفَاصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: لِمَاذَا قَدَّمَ نَبِيُّ اللهِ لُوطٌ بَنَاتَهُ بَدَلًا مِنْ ضُيُوفِهِ؟).

    فَيَقْضِي اللهُ أَمْرَهُ لِلنَّارِ بِأَنْ تَكُونَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ:

    قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (الأنبياء: 69)

    وَمَا أَنْ يَخْرُجَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ تِلْكَ النَّارِ سَلِيمًا لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ بِالْخِطَابِ التَّالِي:

    وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِِّي سَيَهْدِينِ (الصافات: 99)

    السُّؤَالُ: أَلَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ قَدِ اهْتَدَى بَعْدُ؟ فَكَيْفَ بِهِ يَقُولُ أَنَّهُ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّهِ سَيَهْدِيهِ؟ْ

    رَأْيُنَا:
    كَلَّا، بِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا حَصَلَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى السَّاعَةِ، إِلَّا أَنَّنَا نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ عَلَى الْهِدَايَةِ بَعْدُ، لِذَا فَهُوَ يَشُدُّ التَّرْحَالَ إِلَى رَبِّهِ (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي) وَالسَّبَبُ حَتَّى يَجِدَ الْهِدَايَةَ (سَيَهْدِينِ)، فَإِبْرَاهِيمُ بَعْدَ كُلِّ مَا حَصَلَ لَهُ لَمْ يَكُنْ قَدِ اهْتَدَى بَعْدُ، وَلَكِنْ لِمَاذَا؟ْ

    [الدَّلِيلُ الثَّانِي: قِصَّةُ مُوسَى]

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا قِصَّةَ مُوسَى مِنْ هَذَا الْجَانِبِ لَوَجَدْنَا أَنَّ السِّينَارْيُو نَفْسَهُ يَحْصُلُ مَعَ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ أَيْضًا، فَاللهُ يُؤْتِي مُوسَى حُكْمًا وَعِلْمًا وَقَدْ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، فَيَدْخُلُ مُوسَى الْمَدِينَةَ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَيَجِدُ الرَّجُلَانِ يَقْتَتِلَانِ، فَيَقُومُ مُوسَى بِوَكْزِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ، فَيَقْتُلُهُ:

    وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (القصص)

    وَيَهْرُبُ مُوسَى إِلَى مَدْيَنَ، فَيَمْكُثُ هُنَاكَ بِضْعَ سِنِينَ، يَأْجُرُ شُعَيْبًا لِقَاءَ نِكَاحِهِ إِحْدَى ابْنَتَيْهِ، وَمَا أَنْ يَقْضِيَ مُوسَى الْأَجَلَ حَتَّى يَسِيرَ بِأَهْلِهِ قَافِلًا الْعَوْدَةَ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَفِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ يَأْنَسُ مُوسَى مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ بِالْخِطَابِ التَّالِي:

    إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا يَطْلُبُ مُوسَى الْهِدَايَةَ عِنْدَ النَّارِ؟ أَلَمْ يَكُنْ مُوسَى قَدِ اهْتَدَى مِنْ قَبْلُ؟ْ

    رَأْيُنَا:
    لَا، لَمْ يَكُنْ مُوسَى قَدِ اهْتَدَى بَعْدُ. وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
    نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ الْهِدَايَةَ لَا تَأْتِي إِلَّا مِنَ اللهِ مُبَاشَرَةً أَوْ مِنْ آيَاتِ اللهِ (كَالْكِتَابِ مَثَلًا). فَلَابُدَّ لِمَنْ يَطْلُبُ الْهِدَايَةَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنَ اللهِ مُبَاشَرَةً أَوْ مِنْ آيَاتِهِ، صَحِيحٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ تَابَ وَآمَنَ وَرُبَّمَا يَكُونُ قَدْ عَمِلَ صَالِحًا حَتَّى اللَّحْظَةِ (وَكَذَلِكَ مُوسَى)، لَكِنَّهُ بِكُلِّ تَأْكِيدٍ لَمْ يَكُنْ قَدِ اهْتَدَى بَعْدُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلْهِدَايَةِ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- مَصَادِرَ مُحَدَّدَةً لَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْمَصَادِرِ فَقَطْ.

    مَصَادِرُ الْهِدَايَةِْ

    لَوْ دَقَّقْنَا فِي آيَاتِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ لَوَجَدْنَا أَنَّ مَصَادِرَ الْهِدَايَةِ هِيَ ثَلَاثُ مَصَادِرَ فَقَطْ، وَهِيَ (1) اللهُ وَ (2) آيَاتُ اللهِ (الْكِتَابُ) وَ (3) الشَّيْطَانُ.

    1. اللهُْ

    قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
    وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

    [...قائمة طويلة من الآيات تم اختصارها هنا للتركيز على الهيكل]

    2. آيَاتُ اللهِ (الْكِتَابُ)ْ

    ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ
    إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ

    [...قائمة طويلة من الآيات تم اختصارها هنا للتركيز على الهيكل]

    3. الشَّيْطَانُ:

    كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ

    وَلَا شَكَّ –عِنْدَنَا- أَنَّ الْآيَاتِ إِنْ كَانَتْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْهِدَايَةِ، كَعِجْلِ السَّامِرِيِّ مَثَلًا:

    وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ

    1. لِذَا نَحْنُ نَزْعُمُ أَنَّ الْمِنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ عَلَى سُلَيْمَانَ جَاءَتْ عَلَى نَحْوٍ:
      هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (ص: 39)
    2. رَاقِبِ اللَّفْظَ فِي حَالَةِ أَيُّوبَ، فَمَرَّةً جَاءَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى صِيغَةِ هِبَةٍ:
      وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (ص: 43)
      وَمَرَّةً أُخْرَى عَلَى صِيغَةِ "يُؤْتَى":
      فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ
      وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ ذُرِّيَّةَ أَيُّوبَ (قَبْلَ حُصُولِ الْمُشْكِلَةِ لَهُ) رُبَّمَا كَانَتْ قَدْ تَحَصَّلَتْ لَهُ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَكَانَتْ عَلَى نَحْوِ "وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ"، أَمَّا ذُرِّيَّتُهُ الَّتِي حَصَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْمُشْكِلَةِ "وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ" فَقَدْ تَحَصَّلَتْ لَهُ بِطَرِيقَةِ الْهِبَةِ (وَوَهَبْنَا لَهُ)، لِذَا كَانَتْ تِلْكَ رَحْمَةً مِنَ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ أَيُّوبَ.
    3. وَرُبَّمَا يَكُونُ الْمَوْقِفُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ "كَابَرَ" فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِالْمُشْكِلَةِ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْإِنْجَابِ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ (وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمُعَاشَرَةِ)، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللهِ الذُّرِّيَّةَ كَهِبَةٍ كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ أَوْ كَمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا، وَلَكِنَّهُ عِنْدَمَا لَمْ يَفْعَلْ وَظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ لَمْ تَتَحَصَّلْ لَهُ تِلْكَ الذُّرِّيَّةُ.
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان