home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (4): باب الجسد

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 10, 2016
محتويات المقال:

    مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (4): بَابُ الْجَسَدْ

    خُلَاصَةُ الِافْتِرَاءَاتِ السَّابِقَةْ

    افْتِرَاءَاتٌ زَعَمْنَاهَا فِي الْأَجْزَاءِ السَّابِقَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةْ:

    • الدَّابَّةُ الَّتِي أَكَلَتْ مِنسَأَةَ سُلَيْمَانَ هِيَ نَاقَةُ اللَّهِ الَّتِي بَعَثَهَا إِلَىٰ ثَمُودَ "قَوْمِ صَالِحٍ"۔
    • نَاقَةُ اللَّهِ إِلَىٰ ثَمُودَ لَمْ تَكُنْ مِنْ فَصِيلَةِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُبْصِرَةً، وَالْأَنْعَامُ بِطَبْعِهَا لَا تُبْصِرُ وَإِنْ كَانَتْ تَرَىٰ.
    • صَارَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ "نَاقَةَ اللَّهِ" عَلَىٰ وَجْهِ التَّحْدِيدِ لِأَنَّ اللَّهَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- تَقَبَّلَهَا عِنْدَمَا قُدِّمَتْ قُرْبَانًا لَهُ، فَاللَّهُ لَا يَتَّخِذُ وَلَكِنَّهُ يَقْبَلُ.
    • كَانَ ابْنُ آدَمَ الْمَقْتُولُ (نَبِيُّ اللَّهِ إِدْرِيسُ) مِنْ قِبَلِ أَخِيهِ الْقَاتِلِ (إِسْرَائِيلَ) هُوَ مَنْ قَدَّمَ تِلْكَ النَّاقَةَ قُرْبَانًا لِلَّهِ لِفَضِّ خِلَافٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا لِمَاذَا قَدَّمَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ بَنَاتِهِ بَدَلًا مِنْ ضُيُوفِهِ؟)۔
    • تَقَبَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ (النَّاقَةَ) وَذَلِكَ بِأَنْ أَكَلَتْهُ النَّارُ الْمُقَدَّسَةُ، فَالْقُرْبَانُ تَأْكُلُهُ النَّارُ، فَصَارَتْ "نَاقَةَ اللَّهِ"۔
    • بَعَثَ اللَّهُ تِلْكَ النَّاقَةَ إِلَىٰ ثَمُودَ كَآيَةٍ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ قَوْمُ صَالِحٍ أَنْ يَذْبَحُوا النَّاقَةَ أَوْ أَنْ يَقْتُلُوهَا وَجُلُّ مَا فَعَلُوا هُوَ أَنَّهُمْ مَسُّوهَا بِسُوءٍ عِنْدَمَا عَقَرُوهَا.
    • زَعَمْنَا أَنَّ "الْعَقْرَ" هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَكَانِ لِفَتْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ ثُمَّ الْعَوْدَةُ إِلَىٰ نَفْسِ الْمَكَانِ مَرَّةً أُخْرَىٰ.
    • كَانَ لَابُدَّ لِلنَّاقَةِ الْمُبْصِرَةِ الَّتِي عُقِرَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَى الدِّيَارِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
    • بَقِيَتْ نَاقَةُ اللَّهِ إِلَىٰ ثَمُودَ تَأْكُلُ فِي أَرْضِ اللَّهِ لِأَنَّهَا لَمْ تُقْتَلْ وَلَمْ تُذْبَحْ وَلَكِنَّهَا عُقِرَتْ.
    • بَعْدَ أَنْ بَعَثَ اللَّهُ تِلْكَ النَّاقَةَ كَآيَةٍ لِقَوْمِ صَالِحٍ، أَصْبَحَ صَالِحٌ "رَسُولَ اللَّهِ"، فَتَشَارَكَ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمُحَمَّدٍ فَقَطْ، وَذَلِكَ لِظَنِّنَا أَنَّ وَرَثَةَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَىٰ وَجْهِ التَّحْدِيدِ هِيَ كَلِمَةُ اللَّهِ (وَسَنَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ بَعْدَ حِينٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ)، فَكَانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ بَاقِيَةً لَا تَفْنَىٰ.
    • لَمَّا مَرَّتِ النَّاقَةُ بِمِنسَأَةِ سُلَيْمَانَ الَّتِي كَانَتْ هِيَ أَصْلًا عَصَا مُوسَىٰ قَامَتْ بِأَكْلِهَا، فَأَنْهَتْ بِذَلِكَ عَهْدًا مِنَ الْمُلْكِ لَنْ يُؤْتَىٰ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِ سُلَيْمَانَ.
    • نَتِيجَةٌ: لَقَدْ أَكَلَتْ "نَاقَةُ اللَّهِ" عَصَا مُوسَىٰ، لِأَنَّ عَصَا مُوسَىٰ الَّتِي اهْتَزَّتْ كَأَنَّهَا جَانٌّ بَعْدَ أَنْ أَلْقَاهَا مُوسَىٰ فِي النَّارِ بِأَمْرٍ رَبَّانِيٍّ مَا كَانَتْ لِتَنْتَهِيَ دُونَ قُوَّةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا.
    • رُبَّمَا يُرْشِدُنَا مِثْلُ هَذَا الزَّعْمِ لِلتَّفَكُّرِ بِالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَقْدَمَ مُوسَىٰ عَلَىٰ حَرْقِ عِجْلِ السَّامِرِيِّ بِالنَّارِ (وَهُوَ مَا سَنَعُودُ إِلَى الْحَدِيثِ عَنْهُ –إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ- فِي الْمَقَالَاتِ الْخَاصَّةِ بِقِصَّةِ مُوسَىٰ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ).

    تَدَاعِيَاتُ مَوْتِ سُلَيْمَانَ وَذَهَابُ الْمِنْسَأَةْ

    أَمَّا بَعْدُ،

    انْصَبَّ جُلُّ النِّقَاشِ السَّابِقِ حَوْلَ الظَّنِّ الْمُفْتَرَىٰ بِأَنَّ ذَهَابَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ كَانَ مُقْتَرِنًا بِأَكْلِ الدَّابَّةِ لِمِنْسَأَتِهِ.

    وَزَعَمْنَا أَنَّ فِي ذَهَابِ تِلْكَ الْمِنْسَأَةِ ذَهَبَ جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنَ الْمُلْكِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- إِلَّا بِعَوْدَةِ تِلْكَ الْمِنْسَأَةِ.

    وَرُبَّمَا يُثْبِتُ مِثْلُ هَذَا الظَّنِّ مَا تُؤَكِّدُهُ الْأَحْدَاثُ الَّتِي تَلَتْ عَلَى الْفَوْرِ مَوْتَ سُلَيْمَانَ وَذَهَابَ مِنْسَأَتِهِ: فَمَا الَّذِي حَصَلَ لِلْقَوْمِ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمَانَ؟

    فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

    سورة سبأ

    هَذِهِ هِيَ الْآيَةُ 14 مِنْ سُورَةِ سَبَأٍ، وَلَوْ دَقَّقْنَا فِيهَا مَلِيًّا لَوَجَدْنَاهَا تُصَوِّرُ لَنَا أَنَّ مَوْتَ سُلَيْمَانَ كَانَ مُصَاحِبًا وَمُتَزَامِنًا مَعَ ذَهَابِ الْمِنْسَأَةِ بِالْأَكْلِ مِنْ قِبَلِ الدَّابَّةِ.

    ثُمَّ تَأْتِي الْآيَاتُ الَّتِي تَلِيهَا عَلَى الْفَوْرِ لِتُنَبِّئَنَا بِمَا حَلَّ بِسَبَأٍ (الْمَمْلَكَةِ الَّتِي حَكَمَتْهَا امْرَأَةٌ كَانَتْ قَدْ ظَلَمَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

    لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)

    سورة سبأ

    فَالْجِنُّ (وَمِنْهُمُ الشَّيَاطِينُ) الَّتِي حُكِمَتْ بِمِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ مَا أَنْ تَبَيَّنَتْ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ مَاتَ حَتَّى انْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ يَعِيثُونَ فَسَادًا فِيهَا.

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَمْ يَكُونُوا مُنْضَوِينَ تَحْتَ حُكْمِ سُلَيْمَانَ طَوَاعِيَةً، فَلَقَدْ كَانُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ:

    فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

    سورة سبأ

    فَلَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ يُذِيقُهُمْ (بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهِ) مِنْ أَصْنَافِ الْعَذَابِ إِنْ هُمْ زَاغُوا عَنْ أَمْرِهِ بِتِلْكَ الْمِنْسَأَةِ:

    وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ

    سبأ 12

    كَيْفَ كَانَتِ الْمِنْسَأَةُ "عَذَابَ السَّعِيرِ"؟

    سُؤَالٌ: كَيْفَ كَانَ سُلَيْمَانُ يُذِيقُهُمْ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مِنْ مَعَانِي السَّعِيرِ هِيَ أَدَاةُ التَّعْذِيبِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ:

    إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا

    الإنسان 4

    فَالسَّلَاسِلُ وَالْأَغْلَالُ وَالسَّعِيرُ هِيَ أَدَوَاتُ التَّعْذِيبِ، لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يُذِيقُ مَنْ يَزِغْ عَنْ أَمْرِهِ مِنَ الْجِنِّ بِمِنْسَأَتِهِ الَّتِي كَانَتْ سَعِيرًا عَلَيْهِمْ.

    لِعِلْمِنَا مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ الْجِنَّ يُعَذَّبُونَ بِالسَّعِيرِ حَتَّىٰ فِي نَارِ جَهَنَّمَ:

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ

    لقمان 21

    إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ

    فاطر 6

    وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ

    الملك 5

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَقَدْ كَانَتِ الْمِنْسَأَةُ هِيَ سَعِيرًا يَنْزِلُ عَلَىٰ مَنْ يَزِغْ عَنْ أَمْرِ سُلَيْمَانَ مِنَ الْجَانِّ، وَبِذَهَابِ تِلْكَ الْمِنْسَأَةِ ذَهَبَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الْمُلْكِ.

    لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمَانَ هُنَاكَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُذِيقَ الْجَانَّ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ.

    فِتْنَةُ سُلَيْمَانَ: لُغْزُ الْجَسَدِ عَلَى الْكُرْسِيّْ

    فَلَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ الْمِنْسَأَةُ – حَسَبَ زَعْمِنَا- تَشْغَلُ حَيِّزًا كَبِيرًا مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَلَكِنَّهَا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ لَمْ تَكُنْ تُمَثِّلُ كُلَّ مُلْكِهِ، فَلَقَدْ كَانَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ يَشْمَلُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالطَّيْرَ:

    وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ

    النمل 17

    فَمَا أَنْ مَاتَ سُلَيْمَانُ حَتَّىٰ كَانَتِ الْجِنُّ أَوَّلَ الْهَارِبِينَ مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ.

    فَأَخَذُوا يَعِيثُونَ فَسَادًا فِي مَمْلَكَةِ سُلَيْمَانَ، وَمَا أَنِ اتَّبَعَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْإِنْسِ حَتَّىٰ كَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّ بَدَّلَ اللَّهُ سَبَأَ جَنَّتَيْهِمْ بِجَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ.

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ سُلَيْمَانَ بِأَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مُلْكًا كَمُلْكِ سُلَيْمَانَ بِأَنْ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْمِنْسَأَةُ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يُمْكِنُ السَّيْطَرَةُ عَلَى الْجَانِّ.

    فَمَا عَادَ مُمْكِنًا إِخْضَاعُهُمْ لِحُكْمِ النَّاسِ.

    وَلَوْ تَأَمَّلْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ دُعَاءَ سُلَيْمَانَ رَبَّهُ كَانَ عَلَىٰ نَحْوِ أَنْ لَا يَهَبَ اللَّهُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مُلْكًا كَمُلْكِ سُلَيْمَانَ، الْأَمْرُ الَّذِي يُرْشِدُنَا إِلَىٰ نُقْطَتَيْنِ جَوْهَرِيَّتَيْنِ فِي النِّقَاشِ وَهُمَا:

    1. أَنَّ طَلَبَ سُلَيْمَانَ كَانَ يَخُصُّ مُلْكَ مَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُ، فَهُوَ لَمْ يَطْلُبْ مُلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مُلْكِ مَنْ سَبَقَهُ.

    2. لَمَّا كَانَتِ الْمِنْسَأَةُ تُمَثِّلُ جُزْءًا مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَ مُلْكَ سُلَيْمَانَ كُلَّهُ، لَمْ يَأْتِ مُلْكُ سُلَيْمَانَ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

    وَهَذَا يَدْعُونَا إِلَىٰ أَنْ نَتَذَكَّرَ الَّذِي حَصَلَ قُبَيْلَ دَعْوَةِ سُلَيْمَانَ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ:

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)

    ص

    فَلَقَدْ كَانَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ حَتَّى اللَّحْظَةِ غَيْرَ مُكْتَمِلٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ بَعْدَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ حَيْثُ يَجِدُ سُلَيْمَانُ جَسَدًا وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ، فَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي دَفَعَ بِسُلَيْمَانَ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ هُوَ حَادِثَةُ ذَلِكَ الْجَسَدِ الَّذِي وَجَدَهُ سُلَيْمَانُ وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ إِلْقَاءً، وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    تَسَاؤُلَاتٌ حَوْلَ الْحَادِثَةْ

    • مَا هُوَ ذَلِكَ الْجَسَدُ الَّذِي وَجَدَهُ سُلَيْمَانُ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ؟
    • مَتَىٰ أُلْقِيَ ذَلِكَ الْجَسَدُ عَلَىٰ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ؟
    • مِنْ أَيْنَ جَاءَ ذَلِكَ الْجَسَدُ؟
    • مَنِ الَّذِي أَلْقَىٰ بِذَلِكَ الْجَسَدِ عَلَىٰ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ؟
    • لِمَاذَا أُلْقِيَ بِذَلِكَ الْجَسَدِ عَلَىٰ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ؟
    • لِمَاذَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ سُلَيْمَانَ عَلَىٰ تِلْكَ الْحَادِثَةِ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ؟
    • هَلْ كَانَ فِي ذَلِكَ أَنَانِيَّةٌ فَرْدِيَّةٌ مِنْ قِبَلِ سُلَيْمَانَ؟

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَىٰ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ سَتُسْعِفُنَا فِي وَضْعِ إِطَارٍ أَشْمَلَ لِقِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ مَعَ تِلْكَ الْمِنْسَأَةِ.

    تَحْلِيلُ حَادِثَةِ "الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ"

    أَمَّا بَعْدُ،

    نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْمَوْقِفَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يُحْدِثُ سُلَيْمَانُ أَمْرًا يَسْتَوْجِبُ حُصُولَ الْفِتْنَةِ لَهُ.

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)

    ص

    نَحْنُ نَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ فِي إِلْقَاءِ الْجَسَدِ عَلَىٰ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ شَيْءٌ مِنَ الْفِتْنَةِ لَهُ، حَتَّىٰ ظَنَّ سُلَيْمَانُ نَفْسَهُ أَنَّهُ قَدْ فُتِنَ.

    فَمَا الَّذِي فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ حَتَّىٰ اسْتَحَقَّ أَنْ يُفْتَنَ، ثُمَّ يُنِيبَ؟

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمَانَ جَاءَتْ بِسَبَبِ مَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ نَفْسُهُ كَمَا تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ حَيْثُ وَرَدَتِ الْآيَةُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ السَّابِقَةِ:

    إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)

    ص

    إِنَّ إِمْعَانَ التَّفَكُّرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْحَاجَةَ إِلَىٰ رَبْطِهَا مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ يُعْطِينَا الْإِشَارَةَ الْقَاطِعَةَ عَنْ وُجُودِ رَابِطٍ بَيْنَ حَادِثَةِ عَرْضِ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ عَلَىٰ سُلَيْمَانَ مَعَ فِتْنَتِهِ بِإِلْقَاءِ الْجَسَدِ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ.

    رَأَيْنَا: بِدَايَةً لَابُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ عُنُقِ الزُّجَاجَةِ الَّتِي وَضَعَنَا فِيهَا جَرَّاءَ تَأْوِيلَاتِ الرِّوَايَاتِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ وَالنَّقْلِ الَّذِي لَمْ يَنْضَبْ مِنْهَا مِنْ قِبَلِ مَنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.

    أَمَّا بَعْدُ،

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْحَادِثَةَ حَصَلَتْ فِي غِطَاءِ اللَّيْلِ، فَاللَّفْظُ الْقُرْآنِيُّ يَدُلُّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِالْعَشِيِّ:

    إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31)

    ص

    فَمَا هُوَ الْعَشِيُّ؟

    جَوَابٌ: الْعَشِيُّ لَيْسَ وَقْتَ الْإِبْكَارِ، وَلَيْسَ وَقْتَ الْغَدَاةِ، وَلَيْسَ وَقْتَ الْإِشْرَاقِ.

    نَتِيجَةٌ: لَابُدَّ لِأَيِّ تَفْسِيرٍ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحُسْبَانِ أَنَّ الْعَرْضَ تَمَّ فِي وَقْتِ الْعَشِيِّ.

    ثَانِيًا: يَتِمُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (الْعَشِيِّ) عَرْضٌ عَلَىٰ سُلَيْمَانَ، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فَمَا هِيَ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ؟

    رَأَيْنَا: لَيْسَ لِذَلِكَ عَلَاقَةٌ بِالْخَيْلِ إِطْلَاقًا لِأَنَّنَا نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالِ أَنْ يَتِمَّ عَرْضُ الْخَيْلِ فِي وَقْتِ الْعَشِيِّ.

    فَاللَّيْلُ قَدْ أَسْدَلَ سِتَارَهُ، وَالْخَيْلُ قَدْ سَكَنَتِ اسْطَبْلَاتِهَا، وَالْجُنْدُ فِي رَاحَةٍ.

    رَأَيْنَا: لَا شَكَّ لَدَيْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ يَخُصُّ التَّأْنِيثَ، فَسُلَيْمَانُ هُوَ الرَّجُلُ، وَمَا عُرِضَ عَلَيْهِ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ جِنْسِهِ) هُوَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ.

    وَيُؤَكِّدُ ظَنَّنَا هَذَا رَدَّةُ فِعْلِ سُلَيْمَانَ الْأُولَىٰ.

    فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَىَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ

    ص

    فَهُنَاكَ مَنْ تَوَارَتْ فِي الْحِجَابِ، وَهُنَاكَ مَنْ طَلَبَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَرُدُّوهَا عَلَيْهِ، فَمَا هِيَ تِلْكَ الْكَيْنُونَةُ؟

    رَأَيْنَا: لَوْ تَتَبَّعْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْعَرْضَ تَمَّ لِمَجْمُوعَةٍ، وَلَكِنَّ الَّتِي تَوَارَتْ فِي الْحِجَابِ كَانَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَكَذَلِكَ طَلَبَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ وَاحِدَةً فَقَطْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَقَدْ كَانَ الْعَرْضُ لِمَجْمُوعَةٍ، وَكَانَ يَتِمُّ بِطَرِيقَةٍ بَسِيطَةٍ تَتَمَثَّلُ – نَحْنُ نَتَخَيَّلُ- بِأَنْ تُعْرَضَ عَلَىٰ سُلَيْمَانَ وَاحِدَةٌ تِلْوَ الْأُخْرَىٰ، وَكَانَتْ تَتَوَارَىٰ فِي الْحِجَابِ بِطَرِيقَةٍ فَرْدِيَّةٍ (وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ مَرَّةٍ).

    رَأَيْنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ رَائِحَةَ النِّسَاءِ تَفُوحُ مِنْهُ، فَالْخَبَرُ جَاءَ عَنِ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ.

    وَلَوْ تَرَكْنَا أَفْهَامَ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا، وَانْطَلَقْنَا نَبْحَثُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ عَنِ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَنْ نَفْهَمَ مَنْ تَكُونُ.

    فَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مُفْرَدَةَ الْجِيَادِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجِيدِ، وَهَا هِيَ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ يُشَدُّ جِيدُهَا بِحَبْلٍ مِنْ مَسَدٍ:

    فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ

    المسد 5

    فَمَنْ - يَا تُرَىٰ- تَكُونُ صَاحِبَةَ جِيدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ عَلَىٰ رَجُلٍ وَقْتَ الْعَشِيِّ؟

    مَعْنَى "تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ"

    رَأَيْنَا: لَوْ تَأَمَّلْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ "مُوَارَاةً" وَهُنَاكَ "حِجَابًا" أَيْضًا، وَلَوَجَدْنَا أَنَّ الْمُوَارَاةَ كَانَتْ تَتِمُّ وَرَاءَ الْحِجَابِ.

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُفْرَدَةَ "تَوَارَتْ" تَعْنِي الذَّهَابَ وَرَاءَ حَاجِزٍ يَحْجُبُ رُؤْيَةَ مَنْ يَكُونُ خَلْفَهُ عَنِ الْآخَرِينَ.

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ "الْحِجَابَ" هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ.

    فَاللَّهُ نَفْسُهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُكَلِّمَ بَشَرًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.

    وَهَا هُوَ الْحِجَابُ يَفْصِلُ بَيْنَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابِ النَّارِ.

    وَاللَّهُ قَدْ جَعَلَ حِجَابًا مَسْتُورًا بَيْنَ نَبِيِّهِ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَتَىٰ مَا قَرَأَ الْقُرْآنَ.[1]

    وَهَا هِيَ مَرْيَمُ تَتَّخِذُ مِنْ دُونِ قَوْمِهَا حِجَابًا يَسْتُرُهَا عَنْهُمْ.

    وَهَا هِيَ الدَّعْوَةُ قَائِمَةٌ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْأَلُوا نِسَاءَ النَّبِيِّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.

    سُؤَالٌ: مَنْ تَكُونُ – يَا تُرَىٰ- تِلْكَ الَّتِي تَوَارَتْ (ذَهَبَتْ وَرَاءَ) فِي الْحِجَابِ (الْحَاجِزِ) عِنْدَ سُلَيْمَانَ؟

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ مَنْ تَوَارَتْ فِي الْحِجَابِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ كَانَتِ امْرَأَةً، وَأَنَّ الَّذِي عُرِضَ عَلَىٰ سُلَيْمَانَ وَقْتَ الْعَشِيِّ كَانَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي تَجَهَّزْنَ لِفِرَاشِ سُلَيْمَانَ.

    وَمَا أَنِ انْغَمَسَ سُلَيْمَانُ فِي تَلْبِيَةِ شَهَوَاتِهِ حَتَّىٰ أَدْرَكَ أَنَّ "حُبَّ الْخَيْرِ" ذَاكَ قَدْ شَغَلَهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ التَّأْكِيدُ أَنَّ هَذَا لَا يَعْنِي بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ قَدْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: يَنْسَىٰ سُلَيْمَانُ (وَإِنْ لَمْ يُعْرِضْ عَنْ) ذِكْرَ رَبِّهِ عِنْدَمَا انْغَمَسَ فِي تَلْبِيَةِ شَهْوَتِهِ فِي مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ، فَمَا أَنْ يَنْسَىٰ حَتَّىٰ يَتَذَكَّرَ رَبَّهُ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ فُتِنَ، وَفِعْلًا تَحْصُلُ الْفِتْنَةُ لِسُلَيْمَانَ بِإِلْقَاءِ الْجَسَدِ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ.

    مُقَارَنَةٌ بَيْنَ فِتْنَةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ

    وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَرْبِطَ بَيْنَ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ وَفِتْنَةِ وَالِدِهِ دَاوُدَ لَرُبَّمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَخْرُجَ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ تُسَاعِدُنَا فِي فَهْمِ الْحَدَثِ كَمَا حَصَلَ.

    فَلَقَدْ حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ لِلْوَالِدِ دَاوُدَ وَلِلْوَلَدِ سُلَيْمَانَ، وَلَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ فِي دِقَّةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ أَنَّ رَدَّةَ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً بَعْضَ الشَّيْءِ.

    فَفِي حِينِ أَنَّ دَاوُدَ "فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ"، كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ سُلَيْمَانَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي "ثُمَّ أَنَابَ" فَقَطْ.

    الِاسْتِنْبَاطَاتُ:

    • كِلَاهُمَا أَنَابَ.
    • دَاوُدُ فَقَطْ هُوَ مَنِ اسْتَغْفَرَ.
    • دَاوُدُ فَقَطْ هُوَ مَنْ خَرَّ رَاكِعًا.
    • حَصَلَتْ إِنَابَةُ دَاوُدَ عَلَى الْفَوْرِ بِدَلِيلِ حَرْفِ الْعَطْفِ "فـ" وَحَرْفِ الْعَطْفِ "و".
    • تَأَخَّرَتْ إِنَابَةُ سُلَيْمَانَ بِدَلِيلِ حَرْفِ الْعَطْفِ "ثُمَّ".

    سُؤَالٌ: مَتَىٰ حَصَلَتْ فِتْنَةُ سُلَيْمَانَ؟ وَمَتَىٰ حَصَلَتْ إِنَابَتُهُ؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَسْتَغْفِرْ سُلَيْمَانُ رَبَّهُ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ دَاوُدُ يَوْمَ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَتَنَهُ؟

    رَبْطُ الْفِتْنَةِ بِقِصَّةِ الْهُدْهُدْ

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَىٰ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ رُبَّمَا يُمْكِنُ لَنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَهَا مِنَ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ.

    لِنُحَاوِلْ أَنْ نُسْقِطَ عَلَىٰ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ تَصَوُّرَنَا لِمَا حَصَلَ عَلَىٰ أَرْضِ الْوَاقِعِ خُطْوَةً خُطْوَةً:

    أَوَّلًا، يَقْضِي اللَّهُ بِالْمَوْتِ عَلَىٰ دَاوُدَ فَتَتَحَصَّلُ الْوِرَاثَةُ لِسُلَيْمَانَ بِالْمُلْكِ، فَيَجْمَعُ سُلَيْمَانُ (الْمَلِكُ الشَّابُّ الْجَدِيدُ) النَّاسَ، وَيَقُومُ خَطِيبًا فِيهِمْ بِلَهْجَةٍ لَا تَخْلُو مِنْ عُنْصُرِ الِافْتِخَارِ.

    ثَانِيًا، مَا يَكُونُ مِنْ سُلَيْمَانَ (الْمَلِكِ الشَّابِّ) بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَسْتَعْرِضَ قُوَّتَهُ الْعَسْكَرِيَّةَ، رُبَّمَا لِيُظْهِرَ مَا يَمْلِكُ مِنْ عَنَاصِرِ الْقُوَّةِ فِي مُلْكِهِ.

    ثَالِثًا، لَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِيُرْضِيَ طُمُوحَ الْمَلِكِ الشَّابِّ، فَيَسِيرُ بِجُنْدِهِ بَاحِثًا عَنْ تَوْسِعَةٍ لِمُلْكِهِ، فَيَأْتِي عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ.

    فَمَا أَنْ سَمِعَ سُلَيْمَانُ تِلْكَ النَّمْلَةَ بِمَا حَبَاهُ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ حَتَّىٰ يَنْفَجِرَ بِالضَّحِكِ.

    وَأَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدِ انْفَجَرَ بِالضَّحِكِ بِسَبَبِ طَرِيقَةِ قَوْلِ تِلْكَ النَّمْلَةِ "فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا".

    الْمُهِمُّ بِالْمَوْضُوعِ بِالنِّسْبَةِ لَنَا هُوَ أَنَّ الزَّهْوَ بِالنَّفْسِ لَازَالَتْ صِفَةً مُلَازِمَةً لِسُلَيْمَانَ.

    وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ لُزُومُ مُلَاحَظَةِ الْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ لِسُلَيْمَانَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ: فَسُلَيْمَانُ يَتَبَسَّمُ وَيَضْحَكُ، فَهُوَ إِذًا فِي حَالَةٍ مِنَ السَّعَادَةِ.

    وَلَكِنِ انْظُرْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- مَاذَا حَصَلَ لِسُلَيْمَانَ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي مُبَاشَرَةً ضَحِكَ سُلَيْمَانَ ذَاكَ فِي وَادِ النَّمْلِ:

    فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)

    النمل

    فَمَا الَّذِي حَصَلَ يَا تُرَىٰ حَتَّىٰ يَخْرُجَ سُلَيْمَانُ غَاضِبًا مُتَهَدِّدًا أَحَدَ جُنْدِهِ (الْهُدْهُدَ) بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ أَوْ حَتَّىٰ بِالْقَتْلِ؟

    رَأَيْنَا: كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا، نَحْنُ لَا نَعْدَمُ الْإِيمَانَ بِأَنَّ ذَلِكَ الطَّيْرَ قَدِ ارْتَكَبَ مِنَ الذَّنْبِ مَا يَجْعَلُهُ يَسْتَحِقُّ مِثْلَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ.

    فَلَابُدَّ – نَحْنُ نَظُنُّ- أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ أَمْرٌ جَلَلٌ دَفَعَ بِسُلَيْمَانَ أَنْ يَخْرُجَ غَاضِبًا مُتَوَعِّدًا بَعْدَ أَنْ كَانَ يَتَبَسَّمُ ضَاحِكًا قَبْلَ قَلِيلٍ.

    سُؤَالٌ: مَا الَّذِي فَعَلَهُ ذَلِكَ الطَّيْرُ (الْهُدْهُدُ) حَتَّىٰ اسْتَحَقَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ فِي نَظَرِ سُلَيْمَانَ؟

    رَأَيْنَا: لِلْأَمْرِ عَلَاقَةٌ بِفِتْنَةِ سُلَيْمَانَ، وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    سِينَارْيُو مُقْتَرَحٌ لِلْأَحْدَاثْ

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرٌ جِدًّا: يَسِيرُ سُلَيْمَانُ بِجُنْدِهِ، يَصِلُ إِلَىٰ وَادِ النَّمْلِ، يَسْمَعُ النَّمْلَةَ، فَيَنْفَجِرُ ضَاحِكًا، وَيَأْمُرُ جُنْدَهُ بِالتَّوَقُّفِ وَرُبَّمَا بِالْمَبِيتِ.

    وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَفِي ذَلِكَ الْوَادِي – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- تُعْرَضُ عَلَىٰ سُلَيْمَانَ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ.

    وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّىٰ يُدْرِكَ سُلَيْمَانُ مَا ارْتَكَبَ مِنَ الذَّنْبِ، بِأَنْ نَسِيَ ذِكْرَ رَبِّهِ بِسَبَبِ حُبِّ ذَلِكَ الْخَيْرِ.

    فَلَا يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا يَخِرُّ رَاكِعًا كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ دَاوُدُ، وَلَكِنَّهُ يُتَابِعُ التَّلَذُّذَ بِالنِّسَاءِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْمَسْحِ بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ.

    سُؤَالٌ: كَيْفَ طَفِقَ سُلَيْمَانُ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ وَهُوَ الَّذِي مَا فَتِئَ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ قَدْ "أَحَبَّ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ"؟

    رَأَيْنَا: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَعْنَاقَ هِيَ آخِرُ الرَّقَبَةِ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ وَلَيْسَ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ.

    أَمَّا السُّوقُ (وَمُشْتَقَّاتُهُ)، فَهُوَ – بِرَأْيِنَا- ذُو عَلَاقَةٍ بِالْحَرَكَةِ.

    وَأَظُنُّ أَنَّهُ مَا يُسْتَنَدُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ لِيُثَبِّتَهُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَا فِي حَالَةِ الزَّرْعِ الَّذِي يَسْتَوِي عَلَىٰ سُوقِهِ.

    وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ "الطَّفْقَ" هُوَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الشَّيْءِ عَلَىٰ عَجَلٍ، بِالضَّبْطِ كَمَا فَعَلَ آدَمُ وَزَوْجُهُ لَحْظَةَ أَنْ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا.

    وَحَتَّىٰ يَتِمَّ "الْمَسْحُ" فَلَابُدَّ أَنْ تُسْتَخْدَمَ الْيَدُ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: يُصَوِّرُ الْمَشْهَدُ وُجُودَ الْأَعْنَاقِ وَوُجُودَ السَّاقِ، كَمَا يُصَوِّرُ حُصُولَ عَمَلِيَّةِ الْمَسْحِ بِالْيَدِ عَلَىٰ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ مِنَ الْجِسْمِ.

    وَإِنْ صَحَّتِ افْتِرَاءَاتُنَا هَذِهِ، فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدِ انْغَمَسَ فِي مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَسْتَغْفِرْ رَبَّهُ مُبَاشَرَةً.

    وَمَا أَنْ يُنْهِيَ سُلَيْمَانُ انْشِغَالَهُ بِمَلَذَّاتِهِ هُنَاكَ فِي خَلْوَتِهِ وَيَعُودَ إِلَىٰ كُرْسِيِّهِ (مَكَانِ حُكْمِهِ) حَتَّىٰ يَجِدَ أَنَّ الْمَكَانَ قَدْ شُغِلَ بِذَلِكَ الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ.

    فَلَا يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ فِي الْحَالِ وَلَا يَخِرُّ سَاجِدًا كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ دَاوُدُ.

    وَجُلُّ مَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ هُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ إِنَابَتَهُ بِدَلِيلِ وُجُودِ حَرْفِ الْجَرِّ "ثُمَّ" كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا.

    رَأَيْنَا: إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُعِيدُنَا فَوْرًا إِلَى السَّبَبِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ لِيَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ وَلِيَتَوَعَّدَ الْهُدْهُدَ بِالذَّبْحِ أَوْ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ.

    لِمَاذَا الْهُدْهُدُ بِالتَّحْدِيدِ؟

    سُؤَالٌ: لِمَاذَا خَرَجَ سُلَيْمَانُ لِيَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ عَلَىٰ وَجْهِ الْخُصُوصِ؟ وَلِمَ سَأَلَ عَنِ الْهُدْهُدِ؟

    جَوَابٌ: رُبَّمَا يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ سُؤَالَ سُلَيْمَانَ عَنِ الْهُدْهُدِ جَاءَ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي الطَّابُورِ التَّفَقُّدِيِّ، وَلَكِنْ إِنْ صَحَّ هَذَا الْقَوْلُ، فَلِمَ يَتْبَعْ سُؤَالَهُ عَنِ الطَّيْرِ بِعِبَارَةِ "أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ"؟

    إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ اسْتِخْدَامِ سُلَيْمَانَ لِتِلْكَ الْعِبَارَةِ هُوَ مَعْرِفَتُهُ الْمُسْبَقَةُ بِوُجُودِ جُزْءٍ مِنَ الْجَيْشِ فِي الْغَائِبِينَ.

    وَلَوْ دَقَّقْنَا أَكْثَرَ فِيمَا فَعَلَ الْهُدْهُدُ لَرُبَّمَا تَأَكَّدَتْ لَدَيْنَا الْفِكْرَةُ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ خَرَجَ أَصْلًا بَاحِثًا عَنِ الْهُدْهُدِ عَلَىٰ وَجْهِ الْخُصُوصِ.

    لِذَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ الْهُدْهُدِ غَايَةً فِي الذَّكَاءِ، فَلَمْ يَقْتَرِبْ كَثِيرًا مِنْ سُلَيْمَانَ، وَبَقِيَ عَلَىٰ مَسَافَةٍ مِنْهُ (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ)، وَحَاوَلَ عَلَى الْفَوْرِ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِإِسْهَابٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَكَانِ تَوَاجُدِهِ.

    وَلَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ عَمَدَ أَيْضًا أَنْ يُبَيِّنَ لِسُلَيْمَانَ أَنَّهُ كَائِنٌ لَا يَقِلُّ فِي إِيمَانِهِ شَأْنًا عَنْ إِيمَانِ غَيْرِهِ مِنْ جُنْدِ سُلَيْمَانَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخَذَ يَخْطُبُ بِسُلَيْمَانَ وَجُنْدِهِ.

    سُؤَالٌ: أَلَمْ يُبَرِّرِ الْهُدْهُدُ إِذًا مَكَانَ تَوَاجُدِهِ؟ أَلَا يَشْفَعُ كُلُّ ذَلِكَ لَهُ؟ وَلَكِنْ هَلْ أَسْكَتَ ذَلِكَ غَضَبَ سُلَيْمَانَ؟

    جَوَابٌ: لَوْ تَدَبَّرْنَا رَدَّةَ فِعْلِ سُلَيْمَانَ عَلَىٰ خِطَابِ الْهُدْهُدِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الشَّكَّ الَّذِي وَقَعَ فِي قَلْبِ سُلَيْمَانَ حَوْلَ مَا فَعَلَ الْهُدْهُدُ لَمْ تُزِلْهُ تِلْكَ الْحُجَّةُ تَمَامًا، فَجَاءَ رَدُّهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

    النمل 27

    إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِ سُلَيْمَانَ هَذِهِ هُوَ أَنَّ غَضَبَ سُلَيْمَانَ كَانَ عَظِيمًا وَخَاصًّا بِالْهُدْهُدِ عَلَىٰ وَجْهِ التَّحْدِيدِ.

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: سُلَيْمَانُ يَعُودُ إِلَىٰ كُرْسِيِّهِ فَيَجِدُ أَنَّ الْكُرْسِيَّ مَشْغُولٌ بِجَسَدٍ وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ إِلْقَاءً.

    فَتَثُورُ ثَائِرَتُهُ لِظَنِّهِ أَنَّ مُلْكَهُ فِي خَطَرٍ.

    فَالَّذِي أَغْضَبَ سُلَيْمَانَ أَشَدَّ الْغَضَبِ هُوَ وُجُودُ دَلِيلٍ عِنْدَهُ عَلَىٰ أَنَّ "شَخْصًا مَا" قَدِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَصِلَ إِلَىٰ كُرْسِيِّهِ وَاسْتَطَاعَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْجَسَدَ.

    لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ ظَنَّ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفَشَلَ الِاسْتِخْبَارَاتِيَّ كَانَ بِسَبَبِ الْهُدْهُدِ.

    رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَىٰ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ.

    إِنَّ الْمُدَقِّقَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ لَا يَجِدُ عَنَاءً كَبِيرًا بِأَنْ يُدْرِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْجَسَدَ الَّذِي وَجَدَهُ سُلَيْمَانُ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ قَدْ جَاءَ بِطَرِيقِ الْإِلْقَاءِ.

    فَالْجَسَدُ لَمْ يُوضَعْ وَضْعًا مَثَلًا، وَلَكِنَّهُ أُلْقِيَ عَلَى الْكُرْسِيِّ إِلْقَاءً، وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِلْقَاءَ لَا يَتِمُّ إِلَّا مِنْ أَعْلَىٰ إِلَىٰ أَسْفَلَ.

    نَتِيجَةٌ: لَقَدْ أَدْرَكَ سُلَيْمَانُ عِنْدَمَا رَأَى الْجَسَدَ مُتَوَاجِدًا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِطَرِيقَةِ الْإِلْقَاءِ، عِنْدَهَا طَارَ ذِهْنُهُ لِيَتَفَكَّرَ بِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِفِعْلَةٍ كَهَذِهِ.

    وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ سُلَيْمَانَ حَتَّى السَّاعَةِ مُنْحَصِرًا بِجُنْدِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، لَمْ يَكُنْ لِيَتَرَدَّدَ فِي فَهْمِ الْأَمْرِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مِنَ الْإِنْسِ، وَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّيْرِ.

    لِذَا خَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ مُتَفَقِّدًا الطَّيْرَ عَلَىٰ وَجْهِ الْخُصُوصِ مِنْ دُونِ جُنْدِهِ كُلِّهِمْ.

    وَلَمَّا جَاءَ الْهُدْهُدُ وَبَرَّرَ لِسُلَيْمَانَ سَبَبَ غِيَابِهِ، لَمْ يُسْكِتْ ذَلِكَ غَضَبَ سُلَيْمَانَ، فَأَجَّلَ الْبَتَّ فِي الْقَضِيَّةِ حَتَّىٰ ثُبُوتِ الدَّلِيلِ لَدَيْهِ.

    مَا هُوَ الْهُدْهُدُ أَصْلًا؟

    رَأَيْنَا: مَا كَانَ يَسْتَطِيعُ الْهُدْهُدُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَ سُلَيْمَانَ، خُصُوصًا إِذَا مَا عَرَفْنَا أَنَّ وَظِيفَةَ الْهُدْهُدِ هِيَ أَصْلًا نَقْلُ الرَّسَائِلِ.

    فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ كَلِمَةَ الْهُدْهُدِ تَعْنِي الذَّاهِبَ الْعَائِدَ، فَهِيَ تَتَأَلَّفُ مِنْ مَقْطَعَيْنِ هُمَا (هُدْ—هُدْ).

    فَـ "هُدْ" الْأُولَىٰ تَعْنِي الَّذِي يَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ مَا وَ"هُدْ" الثَّانِيَةُ تَعْنِي الَّذِي يَعُودُ بِنَفْسِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَهَا فِي ذَهَابِهِ.

    الدَّلِيلُ:

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْجِذْرَ الثُّنَائِيَّ "هد" لَهُ عَلَاقَةٌ بِأَفْعَالِ الْهِدَايَةِ (هَدَىٰ، يَهْتَدِي، اهْدِي، اهْدِنَا، وَنَحْوِهَا)، وَمِنْهَا اشْتُقَّ حَسَبَ اعْتِقَادِنَا كَلِمَةُ "يَهُودَ".

    فَلَوْ اسْتَثْنَيْنَا الضَّمِيرَ الْمُتَّصِلَ "نَا" مِنْ مُفْرَدَةِ "هُدْنَا"، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْجِذْرِ "هد".

    مُفْرَدَةُ يَهُودَ تَعْنِي فِي ظَنِّنَا الْعَائِدُونَ أَوِ التَّائِبُونَ (أَيْ الرَّاجِعُونَ إِلَى الطَّرِيقِ نَفْسِهَا بَعْدَ أَنْ تَاهُوهَا).

    وَيُؤَكِّدُ مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ مَا قَالَهُ مُوسَىٰ عِنْدَمَا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ، فَحَتَّىٰ لَا يُخْطِئَ الظَّنَّ مُوسَىٰ طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهْدِيَهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ.

    خَاتِمَةُ الْفِتْنَةِ وَبِدَايَةُ الْمُلْكِ الْأَعْظَمْ

    عَوْدَةٌ عَلَىٰ بَدْءٍ.

    يَذْهَبُ مَنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَىٰ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ سُلَيْمَانَ، فَتَقْرَأُهُ مَلِكَتُهُمْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَكُونَ مَفَادُهُ أَنَّ الْكِتَابَ قَدْ جَاءَهَا بِطَرِيقَةِ الْإِلْقَاءِ.

    وَعِنْدَهَا تَبْدَأُ قِصَّةُ سُلَيْمَانَ مَعَ الْمَلِكَةِ الَّتِي سَنَتَنَاوَلُهَا فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنَ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.

    وَلَكِنْ قَبْلَ ذَلِكَ لَابُدَّ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَىٰ مُشْكِلَةِ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ، وَقِصَّةِ الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ.

    عِنْدَمَا أَيْقَنَ سُلَيْمَانُ مِنْ صِدْقِ مَا قَالَهُ الْهُدْهُدُ، وَأَنَّ الْهُدْهُدَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِإِلْقَاءِ ذَلِكَ الْجَسَدِ عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِتْنَةٌ مِنَ اللَّهِ.

    عِنْدَهَا فَقَطْ أَيْقَنَ سُلَيْمَانُ بِأَنَّ مُلْكَهُ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ كَمَا كَانَ يَظُنُّ يَوْمَ أَنْ حَشَرَ النَّاسَ فِي بِدَايَةِ تَسَلُّمِهِ لِلسُّلْطَةِ.

    لَقَدْ وَصَلَ سُلَيْمَانُ إِلَىٰ قَنَاعَةٍ مَفَادُهَا أَنَّ مُلْكَهُ يُمْكِنُ أَنْ يُخْتَرَقَ، وَهَا هُوَ يُخْتَرَقُ مِنْ أَعْلَىٰ (إِلْقَاءٌ)، فَعِنْدَهَا أَنَابَ إِلَىٰ رَبِّهِ، وَدَعَا رَبَّهُ دَعْوَتَهُ الشَّهِيرَةَ بِأَنْ لَا يَهَبَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مُلْكًا كَمُلْكِهِ.

    فَجَاءَتِ الِاسْتِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)

    ص

    سُؤَالٌ: لِمَاذَا سَخَّرَ اللَّهُ لِسُلَيْمَانَ بَعْدَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ الدُّعَاءِ هَؤُلَاءِ: الرِّيحَ، الشَّيَاطِينَ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ؟

    الرِّيحُ: لِأَنَّهَا تَهْوِي.

    الشَّيَاطِينُ: تَتَنَزَّلُ وَتَتْلُو.

    الْمُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ: أَمْ هَلْ هُمُ الْمُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ الَّذِينَ قَامُوا بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ؟ وَمَنْ هُمْ أَصْلًا الْمُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ أَصْلًا؟

    هَذَا مَا سَنُتَابِعُ الْحَدِيثَ عَنْهُ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.

    وَاللَّهُ أَعْلَمُ.


    الْمُدَّكِّرُونَ: رَشِيدْ سَلِيمْ الْجَرَّاحْ، عَلِيّْ مَحْمُودْ سَالِمْ الشَّرْمَانْ

    بِقَلَمِ د. رَشِيدْ الْجَرَّاحْ

    22 تِشْرِينَ أَوَّلْ 2012


    الْحَوَاشِيْ

    1. لَاحِظِ الْفَرْقَ بَيْنَ "الْحِجَابِ" مِنْ جِهَةٍ وَ"الْحِجَابِ الْمَسْتُورِ" مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىٰ، فَالْحِجَابُ هُوَ الْحَاجِزُ الْمَادِّيُّ الَّذِي يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِالْعَيْنِ، وَلَكِنَّ الْحِجَابَ الْمَسْتُورَ هُوَ الْحِجَابُ الَّذِي قَدْ سُتِرَ فَلَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِالْعَيْنِ، فَالْكُفَّارُ لَا يَرَوْنَ الْحِجَابَ الَّذِي أُسْدِلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ وَلَكِنَّهُمْ يَشْعُرُونَ بِهِ. فَاللَّهُ وَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ الْحِجَابَ قَائِمًا فِعْلًا بَيْنَ نَبِيِّهِ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ قَدْ سَتَرَهُ (أَيْ سَتَرَ الْحِجَابَ).
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان