[مَنْ هُوَ "هُوْ"؟: ضَرُورَةُ مُرَاجَعَةِ النَّظَرِيَّاتِ اللُّغَوِيَّةِ الْبَشَرِيَّةْ]
مِنَ الْقَضَايَا الْمَنْهَجِيَّةِ الْأَوَّلِيَّةِ الَّتِي لَابُدَّ لَنَا مِنَ التَّعَرُّضِ لَهَا عِنْدَ مُحَاوَلَةِ فَهْمِ النَّصِّ الْقُرْآنِيّْ، بَعِيداً عَنِ التَّحْلِيقِ فِي عَالَمِ الْمَجَازَاتِ وَالِاسْتِعَارَاتْ، تَتَمَثَّلُ - نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا - فِي طَرْحِ النَّظَرِيَّاتِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي صَاغَهَا الْبَشَرُ بِأَيْدِيهِمْ، وَافْتَرَوْا الْقَوْلَ ظُلْماً وَزُوراً بِأَنَّهَا تَنْطَبِقُ عَلَى كِتَابِ اللَّهْ.
وَالْهَدَفُ الرَّئِيسُ مِنْ وَضْعِهَا عَلَى طَاوِلَةِ الْبَحْثِ مُجَدَّداً تَتَمَثَّلُ فِي مُحَاوَلَةِ تَهْذِيبِ هَذِهِ النَّظَرِيَّاتْ (أَوْ لِنَقُلِ الِافْتِرَاءَاتِ الْبَشَرِيَّةْ)، فَنَتَبَنَّى مِنْهَا مَا يُثْبِتُهُ التَّرْكِيبُ الْقُرْآنِيّْ (كَمَا نَفْهَمُهْ)، وَنَتْرُكُ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ مَا نَجِدُ أَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ يَرْفُضُهْ.
وَسَنُقَدِّمُ هُنَا (عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِنَا) بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُبَيِّنَ الْحَاجَةَ الْمَاسَّةَ إِلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الصِّيَاغَاتِ الْبَشَرِيَّةِ لِلْقَوَالِبِ الْكَلَامِيَّةِ الْمُتَوَاِفرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهْ. وَلْنَبْدَأْ بِنَظَرِيَّةِ اسْتِخْدَامِ الضَّمَائِرِ فِي الْكَلَامِ الَّتِي تَعَرَّضْنَا إِلَى بَعْضِ جَوَانِبِهَا فِي الْفَصْلِ السَّابِقْ.
مُبْتَدِئِينَ النِّقَاشَ مِنْ جَدِيدٍ هُنَا بِطَرْحِ التَّسَاؤُلِ الْمِحْوَرِيِّ التَّالِي: لِمَاذَا لَا نَجِدُ لُغَةً بَشَرِيَّةً تَخْلُو مِنْ وُجُودِ الضَّمَائِرِ فِيهَا؟ فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى وُجُودِ الضَّمَائِرِ فِي الْخِطَابِ الْبَشَرِيِّ أَصْلًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَقَدْ سَطَّرَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْكَلَامِ نَظَرِيَّاتِهِمُ الْمُفْتَرَاةَ حَوْلَ حَاجَةِ لُغَةِ التَّخَاطُبِ الْبَشَرِيِّ إِلَى اسْتِخْدَامِ الضَّمَائِرِ مِنْ مِثْلِ أَنَا وَأَنْتَ وَهُوَ وَهِيَ وَهُمْ وَنَحْنُ، وَنَحْوِهَا، فَخَرَجُوا (بَعْدَ جُهْدٍ عَقْلِيٍّ شَاقٍّ مِنْهُمْ) بِتَبْرِيرَاتٍ مُفْتَرَاةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ تَتَمَثَّلُ جُلُّهَا بِالْحَاجَةِ إِلَى اخْتِصَارِ الْكَلَامِ وَالتَّخَلُّصِ مِنَ التَّكْرَارِ وَالْحَشْوِ فِيهِ أَوَّلًا، الْأَمْرُ الَّذِي يُؤَدِّي – بِرَأْيِهِمْ طَبْعاً - إِلَى التَّمَاسُكِ وَالتَّرَابُطِ النَّصِّيِّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اسْتِخْدَامُ الضَّمَائِرِ فِي النَّصّْ (مَكْتُوباً كَانَ أَوْ مَسْمُوعاً)، إِلَخْ.
وَنَحْنُ إِذْ لَا نَجِدُ الْحَاجَةَ مَاسَّةً إِلَى تَفْنِيدِ ادِّعَاءَاتِهِمْ (فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى كُتُبِ التَّنْظِيرِ فِي عِلْمِ اللِّسَانِيَّاتِ عِنْدَ كُلِّ أُمَمِ الْأَرْضْ)، لِنَتَجَرَّأَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّنَا نَسْتَطِيعُ دَحْضَ افْتِرَاءَاتِهِمْ هَذِهِ عِنْدَ تَقْدِيمِ نَظَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ بَدِيلَةٍ لِكُلِّ نَظَرِيَّاتِهِمُ السَّابِقَةِ الْخَاصَّةِ بِاسْتِخْدَامِ الضَّمَائِرْ.
وَنَحْنُ نَتَجَرَّأُ أَيْضاً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ نَظَرِيَّتَنَا الْمُفْتَرَاةَ الَّتِي نَنْوِي طَرْحَهَا عَلَى طَاوِلَةِ الْبَحْثِ لِلتَّدْقِيقِ وَالتَّمْحِيصِ هِيَ نَظَرِيَّةٌ لَمْ نَجِدْ لَهَا مَثِيلًا (عَلَى حَدِّ مَعْرِفَتِنَا الْحَالِيَّةْ) عِنْدَ أَيِّ أُمَّةٍ مِنْ أُمَمِ الْأَرْضْ.
وَعَلَى مَنْ يَجِدُ أَنَّ كَلَامَنَا الْقَادِمَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ قَدْ جَاءَ عِنْدَ غَيْرِنَا مِنَ السَّابِقِينَ، فَيَقَعُ عَلَى عَاتِقِهِ تَذْكِيرُنَا، وَسَنَكُونُ لَهُ – لَا شَكّْ - شَاكِرِينَ مُقَدِّرِينَ، وَمُمْتَنِّينَ لَهُ أَيْضاً أَنْ هُوَ أَرْشَدَنَا إِلَى ذَلِكَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَمِنْ ثَمَّ لِتَوْثِيقِهِ وَنِسْبَةِ الْفَضْلِ فِيهِ إِلَى أَصْحَابِهِ بَعْدَ ذَلِكْ.
فَنَحْنُ لَا نُحَاوِلُ أَنْ نَدَّعِيَ الْمِلْكِيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ لِعِلْمٍ سَبَقَنَا إِلَيْهِ غَيْرُنَا، وَلَكِنَّنَا نَجْتَهِدُ أَنْ نُسَطِّرَ فَقَطْ مَا نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ بَنَاتِ أَفْكَارِنَا الَّتِي لَمْ يَسْبِقْنَا إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِنَا. وَفِي هَذَا الْمَقَامْ، نَجِدُ لِزاماً عَلَيْنَا أَنْ نَلْفِتَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ إِلَى أَنَّ كَلَامَنَا هَذَا لَا يَعْنِي بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنَّ مَا سَنُقَدِّمُهُ هُنَا هُوَ الْحَقُّ الْمُطْلَقُ بِعَيْنِهْ.
فَكَلَامُنَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ الثَّبَاتِ وَالْحَقِيقَةْ، بَلْ هُوَ – بِنَظَرِنَا - لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ نَظَرِيَّةٍ مُنَافِسَةٍ لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ حَالِيّاً. وَمَنْ يَسْتَطِيعُ إِبْطَالَ نَظَرِيَّتِنَا هَذَا بِالدَّلِيلْ، فَلَهُ مِنَ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءْ، فَهُوَ يُسَاهِمُ – لَا شَكّْ - فِي إِرْشَادِنَا إِلَى ضَالَّتِنَا الْمَنْشُودَةْ، فَنَكُونُ – بِإِذْنِ اللَّهْ - مِنَ التَّابِعِينَ لِلْحَقِّ حَيْثُمَا وُجِدْ.
[أَمَّا بَعْدُ: جَوْهَرُ النَّظَرِيَّةِ فِي تَغَيُّرِ الْحَالَةْ]
تَتَلَخَّصُ نَظَرِيَّتُنَا الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ اسْتِخْدَامَ الضَّمَائِرِ فِي التَّخَاطُبِ أَمْرٌ وَاجِبٌ فِي كُلِّ لُغَاتِ الْأَرْضِ وَذَلِكَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، أَلَا وَهُوَ تَغَيُّرُ الْحَالَةْ. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ مَا دَامَ التَّغْيِيرُ يَعْتَرِي الشَّخْصَ (أَوْ الشَّيْءَ) مِنْ لَحْظَةٍ إِلَى أُخْرَى، فَلَابُدَّ إِذاً مِنِ اسْتِخْدَامِ أَدَاةٍ تَعْكِسُ هَذَا التَّغَيُّرْ، لِتَصِفَ الشَّخْصَ (أَوْ الشَّيْءَ) فِي حَالَةٍ رَاهِنَةٍ بِعَيْنِهَا.
فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالْ، أَحْمَدُ هُوَ أَحْمَدُ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالْ، لَكِنَّ أَحْمَدَ الْبَارِحَةِ غَيْرُ أَحْمَدَ الْيَوْمِ بِسَبَبِ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ تَغَيُّرَاتٍ بَدَنِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةْ، إِلَخْ.
وَالشَّجَرَةُ هِيَ الشَّجَرَةُ ذَاتُهَا، لَكِنَّهَا فِي حَالَةِ تَغَيُّرٍ مُسْتَمِرٍّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالظُّرُوفْ، فَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ الْيَوْمَ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْبَارِحَةْ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الشَّجَرَةُ ذَاتُهَا؛ فَشَجَرَةُ الْبَارِحَةِ كَانَتْ مَثَلًا مُثْمِرَةً مُخْضَرَّةْ، وَشَجَرَةُ الْيَوْمِ مُخْضَرَّةٌ لَكِنَّ ثِمَارَهَا قَدْ قُطِفَتْ، وَشَجَرَةُ الْغَدِ لَا خَضِرَةَ وَلَا مُثْمِرَةَ بِسَبَبِ دُخُولِهَا فَصْلَ الْخَرِيفْ، وَهَكَذَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِاسْتِخْدَامِ الضَّمَائِرْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِباً.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ إِذَا كُنَّا نَقْصِدُ الشَّخْصَ أَوْ الشَّيْءَ ذَاتَهُ بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَعْتَرِيهِ مِنْ تَغَيُّرٍ أَوْ تَبْدِيلٍ بِتَقَلُّبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْحَالِ (أَيَّ ذَاتَ الشَّيْءِ)، فَإِنَّنَا سَنَسْتَخْدِمُ الِاسْمَ الدَّالَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كُنَّا نُرِيدُ الْحَدِيثَ عَنِ الشَّخْصِ أَوْ الشَّيْءِ فِي حَالَةٍ مَا مِنْ حَالَاتِهِ الْمُتَعَدِّدَةْ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَخْدِمَ أَدَاةً تَدُلُّ عَلَى هَذَا الشَّخْصِ أَوْ ذَاكَ الشَّيْءِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ.
وَمِنْ هُنَا – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ - جَاءَتِ الْحَاجَةُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ الدَّالِّ عَلَى الشَّخْصِ أَوْ الشَّيْءِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الرَّاهِنَةْ. وَهَذَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ يَدُلُّ عَلَى الشَّخْصِ أَوْ الشَّيْءِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَالَاتِهْ، وَيَعْنِي كَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْكَيْنُونَةُ (الشَّخْصُ أَوْ الشَّيْءُ) الَّتِي يَعُودُ عَلَيْهَا الضَّمِيرُ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ إِطْلَاقاً، فَإِنَّ اسْتِخْدَامَ الضَّمِيرِ يُصْبِحُ غَيْرَ إِلْزَامِيّْ، أَوْ رُبَّمَا يَتَطَلَّبُ اسْتِخْدَامَ الضَّمَائِرِ بِطَرِيقَةٍ مُغَايِرَةْ. انْتَهَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: نَحْتَاجُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ لِيَعْكِسَ حَالَةً وَاحِدَةً مِنْ حَالَاتِ الْكَيْنُونَةِ إِذَا كَانَ يَعْتَرِيهَا التَّغَيُّرُ بِسَبَبِ الظُّرُوفِ الْمُحِيطَةْ، فَكُلُّ كَيْنُونَةٍ قَابِلَةٌ لِلتَّأَثُّرِ (وَبِالتَّالِي التَّغَيُّرْ)، فَهِيَ كَيْنُونَةٌ غَيْرُ ثَابِتَةْ، تَتَغَيَّرُ حَالَتُهَا بِتَغَيُّرِ الظُّرُوفِ الْمُؤَثِّرَةِ فِيهَا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: لَا نَحْتَاجُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ فِي حَالَةِ أَنَّ الْكَيْنُونَةَ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةْ، أَيْ لَا تَتَأَثَّرُ بِالْعَوَامِلِ الْخَارِجِيَّةْ. فَتَكُونُ إِذاً كَيْنُونَةً مُؤَثِّرَةً بِغَيْرِهَا، وَلَا تَتَأَثَّرُ بِغَيْرِهَا. انْتَهَى.
[الدَّلِيلُ: خُصُوصِيَّةُ الضَّمِيرِ فِي حَقِّ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ]
لَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي اسْتِخْدَامِ الضَّمَائِرِ فِي كِتَابِ اللَّهْ، لَوَجَدْنَا مَا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهْ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ لِلذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْمُلْفِتُ لِلِانْتِبَاهِ فِي اسْتِخْدَامِ الضَّمَائِرِ الْعَائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا جَمِيعَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ أَوْ حَتَّى الْكَلَامَ عَلَى جَمِيعِ أَلْسِنَةِ الْبَشَرِ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَأْتِي لَاحِقاً (وَلَيْسَ سَابِقاً) لِلِاسْمِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهْ، فَنَقُولُ مَثَلًا (فُلَانٌ هُوَ ... وَالْقَوْمُ هُمْ ...، إِلَخْ.).
لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ - نَجِدُ الضَّمِيرَ (هُوَ) – عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ - يَأْتِي سَابِقاً لِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى خَاصَّةً اسْمَهُ الْأَوَّلَ (اللَّهْ). وَلْنَقْرَأِ السِّيَاقَاتَ الْقُرْآنِيَّةَ التَّالِيَةَ جَمِيعَهَا مُرَكِّزِينَ عَلَى مَكَانِ تَوَاجُدِ الضَّمِيرِ (هُوَ) مُصَاحِباً لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى جَمِيعَهَا:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا يَأْتِي الضَّمِيرُ "هُوَ" سَابِقاً لِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كَمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ كُلِّهَا بَيْنَمَا يَأْتِي لَاحِقاً لِلْأَسْمَاءِ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ جَمِيعاً دُونَ اللَّهْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا اسْتِخْدَامَ الضَّمِيرِ "هُوَ" مَعَ غَيْرِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَتْبَعُ الِاسْمْ، فَنَقُولُ (فُلَانٌ هُوَ الَّذِي سَرَقَ الْبَيْتَ وَفُلَانٌ هُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِالْمَالْ)، وَرُبَّمَا يَكُونُ هُوَ الشَّخْصُ نَفْسُهُ فِي كِلَا الْحَالَتَيْنْ، فَقَدْ يَكُونُ هُوَ الَّذِي سَرَقَ وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي تَصَدَّقْ.
لَكِنْ بِالرَّغْمِ أَنَّ الشَّخْصَ هُوَ ذَاتُهْ، إِلَّا أَنَّ الضَّمِيرَ هُوَ يُعَبِّرُ عَنِ الشَّخْصِ فِي ظَرْفٍ مَا (زَمَانِيّاً وَمَكَانِيّاً وَنَفْسِيّاً)، فَـ "هُوَ" الْأُولَى (السَّارِقْ) تَخْتَلِفُ عَنْ "هُوَ" الثَّانِيَةِ (الْمُتَصَدِّقْ) بِالرَّغْمِ أَنَّ كِلَاهُمَا يَعُودُ عَلَى ذَاتِ الْكَيْنُونَةِ (فُلَانْ).
وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ (فُلَانْ) الَّذِي سَرَقَ قَدْ كَانَ فِي حَالَةٍ مَا تَخْتَلِفُ (عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ النَّاحِيَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةْ) عَنْ حَالَتِهِ عِنْدَمَا تَصَدَّقْ. فَـ "هُوَ" (الذَّاتْ) لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِالْفِعْلَيْنِ مَعاً فِي الظَّرْفِ ذَاتِهْ، سَوَاءً كَانَ مَكَانِيّاً أَوْ زَمَانِيّاً أَوْ حَتَّى نَفْسِيّاً.
فَنَحْنُ إِذاً نَحْتَاجُ أَنْ نَصِفَ الشَّخْصَ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ حَالَاتِهِ (حَالَتُهُ عِنْدَمَا سَرَقَ وَحَالَتُهُ عِنْدَمَا تَصَدَّقْ، ... إِلَخْ)، وَمَادَامَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُتَغَيِّرٌ فِي كُلِّ لَحْظَةْ، فَهُوَ ذَاتُ الشَّخْصِ (وَلْنَقُلْ أَنَّهُ رَشِيدْ) لَكِنَّهُ لَيْسَ الشَّخْصَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ لَحْظَةْ (رَشِيدُ الَّذِي سَرَقَ وَ رَشِيدُ الَّذِي تَصَدَّقْ).
فَيَبْقَى مُتَقَلِّبَ الْحَالَةِ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ هُوَ ذَاتُ الشَّخْصِ (رَشِيدْ). وَمِنْ هُنَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ رُبَّمَا مُخْطِئِينْ) تَأْتِي الْحَاجَةُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ "هُوَ" لِيُعَبِّرَ عَنِ الشَّخْصِ فِي حَالَةٍ مُحَدَّدَةٍ مِنْ حَالَاتِهِ الْكَثِيرَةْ.
فَلَوْ حَصَلَ نِزَاعٌ – مَثَلًا - عَلَى مَنْ جَهَّزَ الْغَدَاءَ هَذَا الْيَوْمَ مَثَلًا، لَرُبَّمَا قَالَ أَحَدُهُمْ عَلَى الْفَوْرْ: "رَشِيدٌ هُوَ الَّذِي جَهَّزَ الْغَدَاءَ الْيَوْمْ"، وَلَرُبَّمَا رَدَّ عَلَيْهِ آخَرُ بِالْقَوْلْ: "بَلْ أَحْمَدُ هُوَ الَّذِي جَهَّزَ الْغَدَاءَ الْيَوْمْ".
وَلَوْ رَاقَبْنَا هَذَا التَّرْكِيبَ اللُّغَوِيّْ، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَتْبَعُ الِاسْمَ وَلَا يَسْبِقُهْ. وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا نَجِدُهُ فِي اللُّغَاتِ الْأُخْرَى كَالْإِنْجِلِيزِيَّةِ مَثَلًا. فَرُبَّمَا قَالَ أَحَدُهُمْ: It is Rasheed who prepared lunch today، وَلَرُبَّمَا رَدَّ الْآخَرُ قَائِلًا: No. It is Ahmad who prepared lunch today.
لَاحِظْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - التَّطَابُقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي الِاسْتِخْدَامِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ (فَهِيَ هُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ who بِالِانْجِلِيزِيَّةْ) وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَوْقِعْ، فَفِي كِلَا اللُّغَتَيْنِ يَأْتِي الضَّمِيرُ (هُوَ أَوْ who) تَابِعاً لِلِاسْمِ وَلَيْسَ سَابِقاً لَهْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّمِيرَ – بِرَأْيِنَا - يُصَوِّرُ الشَّخْصَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَطْ.
فَرَشِيدٌ هُوَ رَشِيدٌ ذَاتُهْ، لَكِنَّ رَشِيدَ الَّذِي سَرَقَ يَخْتَلِفُ عَنْ رَشِيدَ الَّذِي تَصَدَّقْ، لِأَنَّ رَشِيدَ الَّذِي سَرَقَ كَانَ فِي حَالَةٍ تَخْتَلِفُ عَنْ حَالَتِهِ عِنْدَمَا تَصَدَّقْ، وَهَكَذَا. فَبِالرَّغْمِ أَنَّهُ ذَاتُ الشَّخْصِ إِلَّا إِنَّهُ لَيْسَ الشَّخْصَ نَفْسَهُ فِي كُلِّ حَالَاتِهْ.
فَالضَّمِيرُ – إِذاً - يُصَوِّرُ الشَّخْصَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنّْ) فِي حَالَةٍ مُحَدَّدَةْ، لِذَا يَجِبُ أَنْ يَتْبَعَ الِاسْمَ الَّذِي قَامَ بِالْفِعْلِ فِي تِلْكَ الْحَالَةْ. لِنَصِلَ بِذَلِكَ إِلَى افْتِرَاءِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يُعَبِّرُ عَنْ تَغَيُّرِ الْحَالَةِ لِلشَّخْصِ مِنْ ظَرْفٍ إِلَى آخَرْ.
وَرُبَّمَا نَجِدُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ مِنْ سُؤَالِ أَحَدِهِمْ عَنْ شَخْصٍ مَا. فَلَوْ سَأَلْتَ صَدِيقاً قَدِيماً لَكَ قَابَلْتَهُ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ عَنْ أَحَدِ أَصْدِقَائِكُمُ الْقُدَامَى الْآخَرِينْ، كَأَنْ تَسْأَلَهُ مَثَلًا عَنْ صَدِيقِكُمُ الْقَدِيمِ مَحْمُودْ، لَرُبَّمَا رَدَّ عَلَيْكَ مُحَاوِرُكَ بِالْقَوْلِ "هُوَ هُوَ".
فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا لَكَ عَنْ ذَاكَ الصَّدِيقِ الْقَدِيمِ بِأَنَّهُ "هُوَ هُوَ"؟ أَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ ذَاكَ الشَّخْصَ (مِحْوَرُ الْحَدِيثِ حَسَبَ مَعْرِفَتِكُمَا بِهْ) لَمْ تَتَغَيَّرْ حَالَتُهُ الْكُلِّيَّةْ؟ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ قَدْ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُ وَتَبَدَّلَتْ (بِشَكْلٍ عَامّْ) عَمَّا كَانَ مَأْلُوفاً لَكُمَا مَعاً عَنْهْ، لَمَا رَدَّ عَلَيْكَ بِالْقَوْلِ "هُوَ هُوَ".
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: يَأْتِي الضَّمِيرُ (هُوَ) تَابِعاً لِلِاسْمِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ حَالَةٍ مُحَدَّدَةٍ لِذَاكَ الشَّخْصِ (أَيَّ فِي ظَرْفٍ مَا).
وَالْآنَ لِنُطَبِّقَ هَذَا الِافْتِرَاءَ الَّذِي هُوَ – لَا شَكّْ - مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَلَى اسْتِخْدَامِ الضَّمِيرِ الْمُصَاحِبِ لِلذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ. وَأَوْلُ مَا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ هُنَا هُوَ أَنَّنَا نَجِدُ أَنَّ الضَّمِيرَ "هُوَ" يَأْتِي سَابِقاً لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى جَمِيعِهَا (اللَّهْ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْقُدُّوسُ، إِلَخْ): هُوَ اللَّهُ، لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
فَمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ ذَلِكْ؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَحْنُ نَسْأَلُ: لِمَاذَا يَأْتِي الضَّمِيرُ هُوَ سَابِقاً لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى جَمِيعِهَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ اللَّهُ لَا تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ الظُّرُوفُ وَالْأَحْوَالْ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِتَقَلُّبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانْ، كَانَ "سَرْمَداً" أَبَدِيّاً. لِذَا، فَإِنَّ الضَّمِيرَ "هُوَ" الَّذِي يُسْتَخْدَمُ مَعَ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى يَبْقَى مُطْلَقَ الثَّبَاتْ، فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالظُّرُوفِ وَالْأَحْوَالِ مَهْمَا تَغَيَّرَتْ وَتَبَدَّلَتْ، وَبِالتَّالِي لَا نَحْتَاجُ أَنْ نَصِفَهُ فِي حَالَةٍ مَا مُحَدَّدَةٍ بِعَيْنِهَا.
فَهُوَ اللَّهْ، وَهُوَ الرَّحْمَنُ، وَهُوَ الرَّحِيمُ، وَهُوَ الْقُدُّوسُ، وَهُوَ السَّلَامُ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ، وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ، وَهُوَ الْجَبَّارُ، إِلَخْ. لِذَا، جَاءَ الضَّمِيرُ (هُوَ) سَابِقاً لِكُلِّ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
السُّؤَالُ: فَمَنْ هُوَ اللَّهْ؟
لَعَلَّ لِهَذَا الطَّرْحِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا تَبِعَاتٌ جَمَّةْ، يَصْعُبُ أَنْ نَتَنَاوَلَهَا جَمِيعاً فِي هَذَا الْمَقَامْ، وَسَنُفْرِدُ لَهَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ مَقَالَاتٍ خَاصَّةً مُنْفَصِلَةْ. لَكِنَّ مَا سَنَطْرَحُهُ الْآنَ هِيَ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ مُحَدَّدَةٌ بِعَيْنِهَا، وَسَنَتَجَرَّأُ عَلَى افْتِرَاءَاتٍ رُبَّمَا غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ فِي هَذَا الصَّدَدْ.
نَرْجُو أَنْ نَجِدَ الْآذَانَ صَاغِيَةً حَتَّى نِهَايَةِ النِّقَاشْ، وَنَدْعُو الْقَارِئَ الْكَرِيمَ أَنْ يَجِدَ فِي نَفْسِهِ الْجُرْأَةَ عَلَى الصَّبْرِ مَعَنَا فِي هَذَا الطَّرْحِ رُبَّمَا غَيْرِ الْمَأْلُوفِ عَلَى أَسْمَاعِهِ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرْ. سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنَا رُشْدَنَا وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
[أَمَّا بَعْدُ: جَدَلِيَّةُ اسْمِ الذَّاتِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى]
غَالِباً مَا تَنَاقَشَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي اسْمِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ، طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَ الْكَبِيرَ التَّالِي: مَا هُوَ اسْمُ الذَّاتِ لِلْإِلَهِ الَّذِي نَعْبُدْ؟ فَخَرَجُوا بِآرَاءٍ وَافْتِرَاءَاتٍ كَثِيرَةْ، لَا نَوَدُّ مُنَاقَشَتَهَا هُنَا، فَمَنْ أَرَادَهَا، فَعَلَيْهِ بِكُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْغَزِيرَةِ بِالْمَعْرِفَةْ.
أَمَّا نَحْنُ فَسَنَكْتَفِي بِإِبْدَاءِ الرَّأْيِ الَّذِي رُبَّمَا يُخَالِفُ كُلَّ مَا هُوَ مَعْهُودٌ عِنْدَ النَّاسِ مِمَّا وَصَلَهُمْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْعِلْمْ. ظَانِّينَ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَدِّدَ اسْمَ الذَّاتِ لِلْإِلَهِ الَّذِي نَعْبُدْ.
وَهَذَا الطَّرْحُ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ يُحَتِّمُ عَلَيْنَا التَّخَلِّيَ عَنِ الْمَوْرُوثِ كَامِلًا، طَارِحِينَ جَانِباً رَأْيَهُمُ الَّذِي مَفَادُهُ بِأَنَّ اسْمَهُ هُوَ اللَّهُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَوْ الرَّحِيمُ، إِلَخْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى وَلَيْسَتِ اسْمَ ذَاتٍ لَهْ. وَدَلِيلُنَا عَلَى كَلَامِنَا الْمُفْتَرَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:
فَاللَّهُ وَالرَّحْمَنُ هِيَ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى (Divine Names) وَلَيْسَتْ أَسْمَاءَ ذَاتٍ (Proper names) لِلْإِلَهْ. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الدِّيَانَاتِ السَّابِقَةَ كَانَتْ تَدْعُوهُ بِأَسْمَاءٍ غَيْرِ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ بِالْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ أَصْلًا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينْ:
فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (Divine names) مِثْلُ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ، إِلَخْ. هِيَ لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنَ الصِّيغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ كَمَا جَاءَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى الَّتِي تَلَقَّتْ رِسَالَاتٍ سَمَاوِيَّةً مِثْلَ الرِّسَالَةِ الَّتِي جَاءَتْنَا بِلِسَانِ قَوْمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدْ (أَيَّ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينْ).
فَهُنَاكَ إِذاً تَبَايُنٌ لَفْظِيٌّ وَاضِحٌ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَمِ السَّابِقَةْ، فَهِيَ لَيْسَتْ كَمَا هِيَ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّفْظِيَّةْ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ اسْمُ الذَّاتِ (Proper name) الَّذِي اسْتَخْدَمَهُ قَوْمُ مُوسَى لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْإِلَهِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَعْبُدُوهْ؟
وَمَاذَا كَانَ اسْمُ الذَّاتِ (Proper name) فِي لِسَانِ قَوْمِ نُوحٍ أَوْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ، إِلَخْ؟ وَمَاذَا كَانَ اسْمُ الذَّاتِ لِلْإِلَهِ (Proper name) فِي لِسَانِ حَوَارِيِّي الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمْ؟ فَهَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ يَسْتَخْدِمُونَ الِاسْمَ "اللَّهْ" ذَاتَهُ كَمَا نَسْتَخْدِمُهُ نَحْنُ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِلِسَانِهِمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانٍ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَقْوَامُ (وَتِلْكَ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ) جَمِيعُهَا قَدِ اسْتَخْدَمَتِ اللَّفْظَ نَفْسَهُ الَّذِي نَسْتَخْدِمُهُ نَحْنُ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّ أَهَمَّ مَا نَبْغِي الْوُصُولَ إِلَيْهِ هُوَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا وَالَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ قَدْ كَانَتْ تَسْتَخْدِمُ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى (اللَّهَ وَالرَّحْمَنَ وَالرَّحِيمَ، إِلَخْ) بِلِسَانِهَا.
فَفِي الْعِبْرِيَّةِ التَّوْرَاتِيَّةِ يُسْتَخْدَمُ الِاسْمُ إِلُوهِيمْ (Elohim)، وَفِي الْآرَمِيَّةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ هُوَ إِلَاهْ (Elah) وَفِي الْعَرَبِيَّةِ هُوَ اللَّهْ (Allah). وَيَظُنُّ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ اسْمَهُ لِمُوسَى عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ يَهْوَهْ (Yahwah)، وَهَكَذَا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا مُهِمَّةٌ جِدّاً: عَلَيْنَا إِذاً أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى (Divine names) وَاسْمِ الذَّاتِ (Proper name) لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْإِلَهِ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَعْبُدُوهُ جَمِيعُهُمْ. فَالْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى تُعَبِّرُ عَنِ الصِّفَاتِ الْعُلْيَا لِلْإِلَهْ (various qualities of a Supreme Being)، لَكِنَّ اسْمَ الذَّاتِ هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى الْكَيْنُونَةِ الْعُلْيَا (a Supreme Being) ذَاتِهْ.
وَلَوْ دَقَّقْنَا مَثَلًا فِي هَذَا النَّصِّ الْمُتَرْجَمِ الْمُقْتَبَسِ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ مَثَلًا: Moses said to God, “Suppose I go to the Israelites and say to them, ‘The God of your fathers has sent me to you,’ and they ask me, ‘What is his name?’ Then what shall I tell them?” God said to Moses, “I am who I am. … .”
لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ بِأَنَّ الْإِلَهَ قَدْ رَدَّ عَلَى سُؤَالِ مُوسَى عَنْ اسْمِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْعُلْيَا عَلَى نَحْوِ (I am who I am). وَالْمُدَقِّقُ فِي هَذَا النَّصِّ يَجِدُ أَنَّ الْإِلَهَ قَدْ ذَكَرَ اسْمَهُ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ "هُوَ هُوَ". وَلَمْ يُقَدِّمْ نَفْسَهُ بِأَيٍّ مِنْ صِفَاتِهِ الْعُلْيَا أَوْ مَا نَعْرِفُهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدّاً (لَا تُصَدِّقُوهُ إِنْ شِئْتُمْ): نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ اسْمَ الذَّاتِ الَّذِي يَعُودُ عَلَى الْإِلَهِ الَّذِي عُبِدَ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالرِّسَالَاتْ.
فَاسْمُ الذَّاتِ لِأَيِّ شَخْصٍ يَبْقَى ثَابِتاً مَهْمَا تَغَيَّرَ اللِّسَانْ، فَأَنَا – عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ – رَجُلٌ أُطْلِقَ عَلَيَّ اسْمُ "رَشِيدْ" فِي الْعَرَبِيَّةِ مُنْذُ وِلَادَتِي، فَهَذَا الِاسْمُ إِذاً يَبْقَى ثَابِتاً لَا يَتَغَيَّرُ مَهْمَا تَغَيَّرَ اللِّسَانْ، فَأَنَا رَشِيدٌ فِي الْعَرَبِيَّةْ، وَأَنَا رَشِيدٌ فِي الْإِنْجِلِيزِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ وَالْفَرَنْسِيَّةِ وَالرُّوسِيَّةِ وَالصِّينِيَّةْ.
فَبِالرَّغْمِ أَنَّ اسْمِي "رَشِيدْ" لَهُ دَلَالَةٌ فِي الْمَعْنَى، إِلَّا أَنِّي لَا أَقُومُ بِتَرْجَمَةِ هَذَا الْمَعْنَى إِذَا مَا سُئِلْتُ عَنْ اسْمِي بِلِسَانِ الْقَوْمِ الْآخَرِينْ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ أَقُولَ بِأَنَّ اسْمِي (Wiseman) إِذَا مَا تَحَدَّثْتُ بِالْإِنْجِلِيزِيَّةِ مَثَلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الذَّاتِ (Proper Name) لَا يَتَغَيَّرُ مَهْمَا تَغَيَّرَ اللِّسَانْ.
فَرُبَّمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ بَعْضُ التَّغْيِيرَاتِ الصَّوْتِيَّةِ بِاللِّسَانِ الْآخَرِ وَذَلِكَ لِضَرُورَاتٍ صَوْتِيَّةٍ بَحْتَةْ، لَكِنْ يَبْقَى الِاسْمُ مُحَافِظاً عَلَى تَرْكِيبِهِ فِي اللِّسَانِ الْآخَرْ. فَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالْ، نَجِدُ الْإِنْجِلِيزَ يَلْفِظُونَ الِاسْمَ الْعَرَبِيَّ "عَلِيّْ" عَلَى نَحْوِ Ali، وَذَلِكَ لِأَنَّ صَوْتَ الْعَيْنِ غَيْرُ مُتَوَافِرٍ فِي اللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةْ، وَيَتِمُّ الِاسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِصَوْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنْهُ (A). انْتَهَى.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَادَامَ أَنَّ اسْمَ الذَّاتِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ اللِّسَانْ، فَنَحْنُ نَطْرَحُ السُّؤَالَ الْجَرِيءَ التَّالِي: مَا هُوَ اسْمُ الذَّاتِ لِلْإِلَهِ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرٌ جِدّاً: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ اسْمَ الذَّاتِ لِلْإِلَهِ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ هُوَ "هُوْ" (who)، لَمْ يَتَغَيَّرْ بِتَغَيُّرِ اللِّسَانْ. فَهُوَ "هُوْ" فِي لِسَانِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالْحَوَارِيِّينَ وَمُحَمَّدْ.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: هُوْ.
فَلَوْ رَاقَبْنَا الِاسْمَ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ أَتْبَاعُ الدِّيَانَاتِ السَّمَاوِيَّةِ جَمِيعِهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهَا هُوَ الْمَقْطَعُ الصَّوْتِيُّ "هُوْ" (HU). وَجَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي كُلِّ لِسَانٍ نَزَلَ بِهِ كِتَابٌ كَرِيمٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَسْتَخْدِمُ هَذَا الْمَقْطَعَ الصَّوْتِيَّ (HU).
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ الَّتِي جَاءَتْ لِتَنْفِيَ صِفَةَ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمْ:
لَوَجَدْنَا فِيهِ شَيْئاً غَرِيباً جِدّاً، شَرِيطَةَ أَنْ نَقْرَأَ الْآيَةَ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الطَّرِيقَةِ الْمُعْتَادَةْ. فَنَحْنُ نَطْلُبُ (رُبَّمَا مُخْطِئِينْ) أَنْ تُقْرَأَ الْآيَةُ بِالْوَقْفِ بَعْدَ مُفْرَدَةِ "هُوَ" عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: "لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ ..." ثُمَّ مُتَابَعَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: "... الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمْ".
فَيُصْبِحُ الْمَعْنَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ اللَّهَ (اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الدَّالَّةِ عَلَيْهْ) هُوَ (اسْمُ ذَاتِهْ، أَيَّ اسْمُهُ هُوَ) الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمْ. فَالْمَسِيحُ لَيْسَ هُوَ (ذَاتَ اللَّهْ)، وَإِنَّمَا الْمَسِيحُ:
فَالْمَسِيحُ لَيْسَ ذَاتَ اللَّهِ (هُوَ) وَإِنَّمَا كَلِمَتُهُ وَرُوحٌ مِنْهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا قِصَّةَ الْخَلْقِ الْأُولَى، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ اللَّهَ (هُوَ) قَدْ نَفَخَ بِالْمَخْلُوقِ الْجَدِيدِ (آدَمْ) مِنْ رُوحِهْ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا نَطَقَ بِهِ آدَمُ هُوَ (Hu).
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذَا الصَّوْتِ الْمَقْطَعِيِّ (Hu)، لَوَجَدْنَا بِأَنَّهُ الصَّوْتُ الَّذِي يُحْدِثُ الْحَيَاةْ. فَعَمَلِيَّةُ التَّنَفُّسِ لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ إِخْرَاجِ هَذَا الصَّوْتِ مِنَ الْإِنْسَانْ. وَمَا أَنْ يَنْقَطِعَ هَذَا الصَّوْتُ مِنَ الْإِنْسَانِ حَتَّى تَنْتَهِيَ حَيَاتُهُ بِأَكْمَلِهَا.
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ بِهَذَا الصَّوْتِ مِنَ النَّاحِيَةِ اللَّفْظِيَّةْ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّهُ أَوَّلُ صَوْتٍ يَخْرُجُ مِنْ مَجْرَى النُّطْقِ الْبَشَرِيّْ، فَهَذَا الصَّوْتُ يَنْطَلِقُ مِنْ أَوَّلِ مَخْرَجٍ صَوْتِيٍّ لِلْإِنْسَانِ فِي مِنْطَقَةِ الْحَنْجَرَةِ (أَوْ مَا يُسَمَّى بِعِلْمِ الصَّوْتِيَّاتِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ بِـ larynx) وَيَنْتَهِي عِنْدَ آخِرِ صَوْتٍ يَخْرُجُ مِنْ مَجْرَى الْكَلَامِ وَهُوَ (و) أَوْ (u بِالرُّمُوزِ الْأَجْنَبِيَّةْ).
فَمُفْرَدَةُ "هُوَ" تَبْدَأُ مِنْ عِنْدِ أَوَّلِ مَخْرَجٍ صَوْتِيٍّ فِي الْحَنْجَرَةِ وَهِيَ مِنْطَقَةُ larynx بِصَوْتِ الْهَاءِ وَتَنْتَهِي عِنْدَ آخِرِ مَخْرَجٍ صَوْتِيٍّ عِنْدَ الشِّفَاهِ بِالْـ و (HU).
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذَا الصَّوْتِ اللَّفْظِيِّ (هـ) مِنْ حَيْثُ الْكِتَابَةْ، لَوَجَدْنَاهُ يُكْتَبُ بِالْعَرَبِيَّةِ بِعِدَّةِ أَشْكَالٍ حَسَبَ مَوْقِعِهِ مِنَ الْكَلِمَةِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
وَلَوْ تَدَبَّرَ الْمُغْرَمُونَ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الشَّكْلِ وَالْمَضْمُونْ، لَوَجَدُوا بِأَنَّ كِتَابَةَ هَذَا الصَّوْتِ يُعَبِّرُ تَمَاماً عَنْ مَعْنَاهْ، فَرَأْسُ الْهُدْهُدِ (بِعَيْنِهِ وَمِنْقَارِهِ وَتَاجِهْ) يَعْكِسُ شَكْلَ الصَّوْتِ نَفْسِهِ (هـ)، وَشَكْلُ الْهَدِيَّةِ الْمُغَلَّفَةِ بِشَكْلٍ دَائِرِيٍّ يَعْكِسُ رَسْمَ الصَّوْتِ نَفْسِهِ (بِمُحِيطِهِ الْغِلَافْ) وَمَضْمُونَهُ أَوْ قِيمَتَهُ (عَيْنَ الشَّيْءِ دَاخِلَ الْغِلَافْ).
وَشَكْلُ الْكَهْفِ بِتَجْوِيفِهِ وَمَا فِي دَاخِلِهْ، يَعْكِسُ رَسْمَ الصَّوْتِ نَفْسِهْ. وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي رَسْمِهَا بِمُفْرَدَةِ كَهْفْ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُشَكِّلُ الرَّمْزَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى اللَّانِهَايَةِ (ـهـ)، وَنُقْطَةُ الْمِيَاهِ تُشَكِّلُ دَائِرَةً خَارِجِيَّةً حَوْلَ النُّقْطَةِ ذَاتِهَا، وَتَدُلُّ عَلَى الْإِحَاطَةِ، وَهَكَذَا.
وَرُبَّمَا مِنْ هُنَا، جَاءَتِ الثَّقَافَاتُ الْقَدِيمَةُ لِتُصَوِّرَ لَنَا مَا سَمَّوهُ بِعَيْنِ حُورُسَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِيهَا مَلِيّاً، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْفِكْرَةَ بِمُجْمَلِهَا يَعْكِسُهَا رَسْمُ صَوْتِ (هـ) نَفْسِهْ. فَهُمْ يَظُنُّونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ تَرْمُزُ إِلَى الْمُرَاقَبَةِ الدَّائِمَةِ لِلْكَوْنِ. وَلَكِنَّ الْقَائِمَ الدَّائِمَ عَلَى الْكَوْنِ هُوَ "هُوْ" الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ:
فَمَنِ الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهُ هُوْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ شَيْءٍ (يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) شَاءَ أَمْ أَبَى:
فَمَادَامَ أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ (هـ) يَخْرُجُ مِنْكَ، فَأَنْتَ لَا مَحَالَةَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ (هُوْ)، لِأَنَّكَ عَلَى الدَّوَامِ تَنْطِقُ بِاسْمِهِ شِئْتَ أَمْ أَبَيْتْ، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي تَنْفَدُ مِنْكَ هَذِهِ الطَّاقَةُ الرَّهِيبَةُ (شَيْءٌ مِنْ رُوحِهْ)، فَأَنْتَ لَا مَحَالَةَ فِي عِدَادِ الْأَمْوَاتْ.
فَمَا يَنْطِقُ بِاسْمِ (هُوْ HU) فَهُوَ حَيٌّ، وَمَا لَا يَنْطِقُ بِاسْمِ (هُوْ)، فَهُوَ مَيِّتٌ. انْتَهَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: عِنْدَمَا نَفَخَ اللَّهُ مِنْ رُوحِهِ (هُوْ) فِي آدَمْ، كَانَ أَوَّلُ مَا خَرَجَ مِنْ فَمِ آدَمَ هُوَ هَذَا الصَّوْتُ (هُوْ)، فَكَانَ آدَمُ حَيّاً بِرُوحِ اللَّهْ.
لَكِنْ لَمَّا حَصَلَتِ الْمَعْصِيَةُ، وَوَقَعَ آدَمُ فِي الْمَحْظُورِ اخْتَلَطَ الْأَمْرُ، فَجَاءَتِ الْهَمْزَةُ (الْغُصَّةْ)، فَكَانَتِ الْمُشْكِلَةْ. فَالْهَاءُ تَفْتَحُ مَجْرَى الْحَيَاةْ، وَالْهَمْزَةُ تَقْفِلُ ذَلِكَ الْمَجْرَى. فَأَصْبَحَ الصِّرَاعُ فِي آدَمَ بَيْنَ الْهَاءِ (الْحَيَاةْ) وَالْهَمْزَةِ (الْمَوْتْ).
(وَسَنَتَعَرَّضُ لِهَذَا بِالتَّفْصِيلِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ لَاحِقاً لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ تَفَاصِيلَ دَقِيقَةً جِدّاً رُبَّمَا يَصْعُبُ الدُّخُولُ فِيهَا الْآنَ لِأَنَّهَا سَتَنْقُلُنَا بَعِيداً عَنِ الْفِكْرَةِ الْمَطْرُوحَةِ لِلنِّقَاشِ الْآنْ. فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمَ وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ بِإِذْنِ اللَّهْ



تعليقات
مشكور دكتور
كلنا نعلم أن الصوفيين يذكرون الله ب (هو).
ولكنك تقول أنه افتراء خطير، هل يرجع ذلك للقاعدة الأخرى أنك لا تؤمن بالسياق في تحديد معنى الكلمة؟ وأن للكلمة معنى واحد يصدق على الكلمة في كل المواقع. فهل لو تتبعنا كلمة (هو) في القرآن وأسقطنا عليها معنى ذات الإله فستكون النتائج خطيرة؟
استمر ونحن من خلفك
* ... هو الله: هو ضمير الشأن ويأتي للتعظيم و يسمى ضمير القصة
... استخدامات ضمير الشّأن تعود لما كان العرب يعتادون عليه من تقديم ضمير قبل الجمل ثمّ تقوم الجملة بتفسيره، وهذا في المواقع التي يُراد بها التّفخيم والتّعظيم للشّيء، ويُعدّ استخدامه في الجمل أحد الأساليب البلاغيّة، فيكون تحصيل البلاغة من خلال إضمار الشيء المهمّ أوّلًا ثمّ تفسيره ثانيًا؛ لكونه شيئًا مبهمًا لدى النّفس فيجعلها تتطلّع وتتشوّق لفهمه، وفيما يلي بيان الفرق في المعنى عند استخدام ضمير الشّأن في السّياق الكلاميّ:[٤]