home الرئيسية chevron_left الفقه | فقه الحج chevron_left

فقه الحج - رؤية جديدة 1

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available أبريل 06, 2016
محتويات المقال:

    فِقْهُ الْحَجِّ - رُؤْيَةٌ جَدِيدَةْ (1)

    وَرَدَتْ لَفْظَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللهِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [البقرة: 189]
    "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [البقرة: 196]
    "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ" [البقرة: 197]
    "لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ" [البقرة: 198-200]
    "وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [التوبة: 3]
    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ" [الحج: 27-29]
    "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران: 96-97]
    "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" [البقرة: 158]

    وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَقْدِيمَ رُؤْيَتِنَا الْخَاصَّةِ بِفِقْهِ الْحَجّْ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّتَهُ وَأَحْكَامَهْ، وَشَعَائِرَهُ وَمَنَاسِكَ الْحَجّْ، مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى فَهْمِنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لِمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْخَاصَّةِ بِفَرِيضَةِ الْحَجّْ، دَاعِينَ اللهَ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنَا رُشْدَهْ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى قَوْلِ الْحَقّْ، فَلَا نَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبْ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرْ.

    أَمَّا بَعْدْ،

    بِدَايَةً، لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِ التَّنْبِيهِ لِلْجَمِيعِ بِأَنَّ رَأْيَنَا الَّذِي سَنُحَاوِلُ تَسْوِيقَهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ (كَمَا فِي غَيْرِهِ) لَا يَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ الِاجْتِهَادِ الْبَشَرِيِّ الْقَابِلِ لِلصَّوَابِ وَالْخَطَأْ، رَافِضِينَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ بِكُلِّ مَا أُوتِينَا مِنْ قُوَّةٍ أَنْ يَتَّخِذَ النَّاسُ كَلَامَنَا هَذَا تَشْرِيعًا رَبَّانِيًّا، وَيُكَأَنَّهَا مُسَلَّمَاتٌ ثَابِتَةٌ لَا جِدَالَ فِيهَا.

    فَنَحْنُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ عَلَى التَّخَلِّي عَنْ كُلِّ مَا نَزْعُمُ إِذَا لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُهُ وَوَجَاهَتُهُ بِنَاءً عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْقَوْلِ الْفَصْلْ. لِذَا، نَحْنُ نَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يَضْرِبَ بِكَلَامِنَا هَذَا عُرْضَ الْحَائِطِ إِنْ هُوَ وَجَدَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ التَّشْرِيعَ الرَّبَّانِيَّ الْحَقِيقِيّْ.

    وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقْ، فَإِنَّنَا نَطْلُبُ (كَالْعَادَةِ) مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يَقْرَأَ كَلَامَنَا هَذَا بِعَيْنِ النَّاقِدِ الْمُتَفَحِّصِ وَلَيْسَ بِعَقِيدَةِ التَّابِعِ الْمُقَلِّدْ، لِأَنَّنَا سَنَفْتَرِي كَلَامًا نَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقْ، يَتَعَارَضُ فِي كُلِّيَّتِهِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ مَعَ مُعْظَمِ مَا جَاءَنَا مِنْ عِنْدِ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ مِنْهُمْ فِي بُطُونِ مُؤَلَّفَاتِهِمُ الْكَبِيرَةْ.

    وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ – بِرَأْيِنَا- جِدَّ خَطِيرْ، فَإِنَّنَا سَنُحَاوِلُ مَا اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا التَّدْقِيقَ فِي كُلِّ التَّفَاصِيلْ، حَتَّى وَإِنْ تَطَلَّبَ الْأَمْرُ التَّكْرَارَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقَضَايَا الَّتِي سَبَقَ أَنْ تَطَرَّقْنَا لَهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى. وَهَذَا يَتَطَلَّبُ بِدَايَةً طَرْحَ جَمِيعِ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي قَدْ تَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرْ، فَنَحْنُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ التَّشْرِيعَ الْإِلَهِيَّ الْحَقِيقِيَّ يَسْتَطِيعُ الصُّمُودَ أَمَامَ جَمِيعِ التَّسَاؤُلَاتْ. وَبِخِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَا يَعْدُو أَكْثَرَ مِنِ افْتِرَاءٍ بَشَرِيّْ، لَا يَرْقَى إِلَى دَرَجَةِ قُدْسِيَّةِ النَّصِّ الَّذِي جَاءَنَا مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينْ.

    وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ بِالتَّسَاؤُلَاتِ الْأَوَّلِيَّةِ التَّالِيَةْ:

    • مَا هُوَ الْحَجّْ؟
    • لِمَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْنَا الْحَجّْ؟
    • مَنْ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجّْ؟
    • مَا هُوَ وَقْتُ الْحَجّْ؟
    • مَا هُوَ مَكَانُ الْحَجّْ؟
    • مَا هِيَ شَعَائِرُ الْحَجّْ؟
    • مَا هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجّْ؟
    • كَيْفَ تَخْتَلِفُ شَعَائِرُ الْحَجِّ عَنْ مَنَاسِكِهْ؟
    • مَا فَائِدَةُ الْحَجِّ أَصْلًا؟
    • هَلِ الْحَجُّ مَوْجُودٌ فِي شَعَائِرِ الْأُمَمِ الَّتِي سَبَقَتْنَا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَثَلًا؟
    • كَيْفَ يَخْتَلِفُ الْحَجُّ فِي الْإِسْلَامِ عَنِ الْحَجِّ عِنْدَ الْأُمَمِ السَّابِقَةْ؟
    • لِمَاذَا شَرَعَ اللهُ لَنَا الْحَجَّ إِلَى مَكَّةَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟
    • مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ (عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ) هُوَ وِجْهَةَ الْحُجَّاجْ؟
    • لِمَاذَا شَرَعَ اللهُ الْحَجَّ فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتْ؟
    • مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فِي مَوَاقِيتَ مُحَدَّدَةْ؟
    • مَا الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَدَاءَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ فِعْلُهْ؟
    • إلخ.

    بَابٌ: [مَاهِيَّةُ الْحَجِّ وَتَعْرِيفُهْ]

    افْتِرَاءٌ (1): نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْحَجَّ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّهَابِ فِي رِحْلَةٍ إِلَى مَكَانٍ مُحَدَّدْ، فِي وَقْتٍ مُحَدَّدْ، مِنْ أَجْلِ غَايَةٍ مُحَدَّدَةْ. وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ جَمِيعَهَا مُتَوَافِرَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" [الحج: 27-30]
    "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران: 96-97]
    "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ" [البقرة: 197-200]

    لِذَا، نَحْنُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَنْبِطَ الْأَحْكَامَ التَّالِيَةْ:

    • الْحَجُّ عَمَلٌ يَقُومُ بِهِ النَّاسْ.
    • الْحَجُّ عَمَلٌ يَقُومُ بِهِ النَّاسُ كَحَقٍّ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا).
    • الْحَجُّ عَمَلٌ يَقُومُ بِهِ النَّاسُ كَحَقٍّ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ).
    • الْحَجُّ عَمَلٌ يَقُومُ بِهِ النَّاسُ كَحَقٍّ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ فِي أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ إِلَى مَكَانٍ مُحَدَّدٍ بِذَاتِهِ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).
    • إلخ.

    إِنَّ أَوَّلَ الْمُفَارَقَاتِ الْمُهِمَّةِ جِدًّا الَّتِي نَنْطَلِقُ مِنْهَا هُنَا هُوَ أَنَّ الْحَجَّ عَمَلٌ مَفْرُوضٌ مِنَ اللهِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةْ، قَالَ تَعَالَى:

    "... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران: 97]

    فَاللهُ هُوَ مَنْ طَلَبَ مِنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالنَّاسِ بِالْحَجّْ:

    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ..." [الحج: 27]

    لِذَا، نَحْنُ نُخَالِفُ أَهْلَ الدِّرَايَةِ جَمِيعًا فِي ظَنِّهِمْ بِأَنَّ الْحَجَّ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنَ الْمُسْلِمِينْ. فَالْحَجُّ – بِرَأْيِنَا – فَرِيضَةٌ عَلَى النَّاسِ كَافَّةْ، لِأَنَّ الْحَجَّ يُؤَدَّى إِلَى مَكَانٍ هُوَ أَصْلًا لِلنَّاسِ كَافَّةْ:

    "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ" [آل عمران: 96]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِكُلِّ مُتَّبِعٍ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمْ:

    "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ" [آل عمران: 95-96]

    فَإِبْرَاهِيمُ هُوَ مَنْ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلْ:

    "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ" [البقرة: 127-130]

    فَاللهُ هُوَ مَنْ بَوَّأَ لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتْ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ مَنْ قَامَ بِفِعْلِ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ الرُّكَّعِ السُّجُودْ، وَهُوَ نَفْسُهُ مَنْ طَلَبَ اللهُ مِنْهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالنَّاسِ بِالْحَجّْ:

    "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" [الحج: 26-27]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: [الْحَجُّ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُتَّبِعِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمْ]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْحَجَّ فَرِيضَةٌ مِنَ اللهِ عَلَى كُلِّ رَاغِبٍ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمْ. انْتَهَى.
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ بِالْحَجِّ هُوَ فَقَطْ مَنْ رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمْ. انْتَهَى.

    لِذَا، نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْبَوْحِ بِأَنَّ الْيَهُودِيَّ الْمُتَّبِعَ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُكَلَّفٌ بِالْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقْ، وَأَنَّ كُلَّ نَصْرَانِيٍّ مُتَّبِعٍ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُكَلَّفٌ بِالْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقْ، وَأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ مُتَّبِعٍ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُكَلَّفٌ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقْ.

    فَالْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ إِذَنْ لَيْسَ فِعْلًا مُقْتَصِرًا عَلَى الْمُسْلِمِينْ. وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقْ، نَحْنُ نَدْعُو إِلَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْحَجِّ لِلْجَمِيعِ مَا دَامَ أَنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمْ.

    ثَانِيًا، لَمَّا كَانَ الْحَجُّ مَفْرُوضًا عَلَى كُلِّ مُتَّبِعٍ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمْ، فَإِنَّنَا نُطَالِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مُقْتَصِرًا عَلَى النَّاسِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْآذَانَ بِالْحَجِّ جَاءَ لِلنَّاسِ كَافَّةْ:

    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" [الحج: 27]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةْ، لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نُقَدِّمَ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةْ:

    • جَاءَ الطَّلَبُ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ بِالْآذَانِ فِي النَّاسِ بِالْحَجّْ.
    • كَانَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ مَنْ قَامَ بِفِعْلِ الْآذَانِ بِالْحَجّْ.
    • كَانَ آذَانُ إِبْرَاهِيمَ بِالنَّاسِ كَافَّةً (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ).
    • وَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النَّاسِ تَلْبِيَةُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْكَرِيمَةِ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا).
    • جَاءَ حُضُورُ النِّسَاءِ لِلْحَجِّ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَلَيْسَ التَّكْلِيفِ (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ).
    • جَاءَتْ تَلْبِيَةُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).
    • إلخ.

    تَبِعَاتُ هَذَا الظَّنّْ

    إِنَّ مِنْ أَوَّلِ التَّبِعَاتِ الْخَطِيرَةِ لِهَذَا الظَّنِّ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْحَجِّ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى النَّاسْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآذَانَ بِالْحَجِّ قَدِ انْطَلَقَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّاسِ فَقَطْ:

    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ ..." [الحج: 27]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا مُفْرَدَةَ النَّاسِ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ كُلِّهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالذُّكُورِ فَقَطْ. فَالنَّاسُ هُمْ مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ (أَيِ النِّكَاحَ) مِنَ الذُّكُورْ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

    "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" [آل عمران: 14]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا فِي بَابِ ثُلَاثِيَّةِ الْمَرْأَةْ).

    فَالنَّاسُ هُمْ مَنْ بَلَغُوا مِنَ الذُّكُورِ مَرْحَلَةَ الشَّهْوَةِ لِلنِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ وَالْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثْ. لِتَكُونَ الِافْتِرَاءَاتُ التَّالِيَةُ هِيَ مَحَلَّ اهْتِمَامِنَا:

    • النِّسَاءُ لَسْنَ مِنَ النَّاسْ، لِذَا فَهُنَّ غَيْرُ مُكَلَّفَاتٍ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجّْ.
    • الْبَنُونَ (الْبَنِينَ) لَيْسُوا مِنَ النَّاسْ، لِذَا فَهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجّْ.
    • إلخ.

    الدَّلِيلْ

    جَاءَ الْأَمْرُ مِنَ اللهِ بِأَنْ نُؤَدِّيَ الْأَمْوَالَ لِلْيَتَامَى إِذَا بَلَغُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحِ وَتَحَصَّلَ لَهُمُ الرُّشْدْ، قَالَ تَعَالَى:

    "وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا" [النساء: 6]

    لَمَّا كَانَتِ الْقَنَاطِيرُ الْمُقَنْطَرَةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ هِيَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي بَابِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، فَلَا يَجُوزُ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنْ تُدْفَعَ هَذِهِ الْأَمْوَالُ إِلَى أَصْحَابِهَا الْيَتَامَى إِلَّا عِنْدَمَا يَصِلُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ، وَتَوَافُرِ عُنْصُرِ الرُّشْدِ فِيهِمْ:

    "وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ..." [النساء: 6]

    السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِمَوْضُوعِ الْبَحْثْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْبَنِينَ هُمْ فِئَةٌ مِنَ الذُّكُورِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحِ بَعْدْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَكُونُوا جُزْءًا مِنَ الشَّهَوَاتْ. فَمَا دَامَ الذَّكَرُ مِنَ الْأَوْلَادِ دُونَ سِنِّ النِّكَاحِ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالَى:
    "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" [آل عمران: 14]

    وَهُمْ جُزْءٌ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

    "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" [الكهف: 46]

    أَمَّا الْإِنَاثُ مِنَ الْأَوْلَادْ، فَهُنَّ لَسْنَ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" [النحل: 58-59]

    لِذَا، دَعْنَا نَرْجِعُ إِلَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَيْدِ الْبَحْثِ وَهِيَ:

    "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" [آل عمران: 14]

    بِالِافْتِرَاءَاتِ الْخَطِيرَةِ التَّالِيَةْ:

    • النِّسَاءُ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
    • الْبَنُونَ (الْبَنِينَ) مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
    • الْبَنَاتُ لَسْنَ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

    إِنَّ هَذَا الطَّرْحَ يَدْعُونَا لِلْعَوْدَةِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى مُحَاوَلَةِ فَهْمِ الْمُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ كَمَا يُجَلِّيهَا النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ نَفْسُهْ. وَبِهَذَا الصَّدَدْ، نَحْنُ نَجِدُ لِزَامًا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ التَّالِيَةْ: الْأَوْلَادُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْبَنُونَ (الْبَنِينَ) وَالرِّجَالُ مِنْ جِهَةٍ وَالْبَنَاتُ وَالنِّسَاءُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَمَا فِي الْجَدْوَلِ الْأَوَّلِيِّ التَّالِي:

    أَوْلَادْ بَنُونَ (بَنِينَ) أَبْنَاءْ رِجَالْ بَنَاتْ نِسَاءْ

    طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةْ:

    • مَنْ هُمُ الْأَوْلَادْ؟
    • مَنْ هُمُ الْبَنُونَ (الْبَنِينَ)؟
    • مَنْ هُمُ الْأَبْنَاءْ؟
    • مَنْ هُمُ الرِّجَالْ؟
    • مَنْ هُنَّ الْبَنَاتْ؟
    • مَنْ هُنَّ النِّسَاءْ؟
    • كَيْفَ تَخْتَلِفُ كُلُّ فِئَةٍ عَنِ الْفِئَةِ الْأُخْرَى؟
    • مَا هِيَ الْأَحْكَامُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُبْنَى عَلَى هَذِهِ التَّفْرِيقَاتْ؟
    • إلخ.

    أَوَّلًا: [الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَبْنَاءْ]

    لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُحَذِّرُنَا مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِنَا وَأَوْلَادِنَا، لِأَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا عَدُوًّا لَنَا، قَالَ تَعَالَى:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [التغابن: 14]

    السُّؤَالْ: مَنْ هُمُ الْأَوْلَادْ؟ وَمَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا عَدُوًّا لَنَا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَوْلَادِ تَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
    "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء: 11]

    بَيْنَمَا لَا تَشْمَلُ مُفْرَدَةُ الْأَبْنَاءِ – بِالْمُقَابِلِ- إِلَّا الذُّكُورَ مِنَ الذُّرِّيَّةْ.

    الدَّلِيلْ

    لَوْ حَاوَلْنَا تَفَقُّدَ مُفْرَدَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالذُّكُورِ مِنَ الْأَوْلَادْ، فَالْفَصْلُ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ وَالنِّسَاءِ وَاضِحٌ فِي قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَانَ يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ (مِنَ الذُّكُورِ) وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ (مِنَ الْإِنَاثْ):

    "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ" [البقرة: 49]
    "أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" [البقرة: 246]
    "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ" [الأعراف: 127]
    "وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ" [الأعراف: 141]
    "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ" [إبراهيم: 6]
    "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" [القصص: 4]
    "فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ" [غافر: 25]

    لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَبْنَاءِ لَا تَشْمَلُ الْإِنَاثَ لِأَنَّ التَّقْتِيلَ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْأَبْنَاءِ (الذُّكُورِ) بَيْنَمَا كَانَ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ نَصِيبِ النِّسَاءِ (الْإِنَاثْ).

    وَهَذَا الْفَصْلُ (بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ) وَاضِحٌ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" [آل عمران: 61]

    وَهَا هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ:

    "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" [المائدة: 18]

    وَالرَّبْطُ وَاضِحٌ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ (الذُّكُورِ) مِنْ جِهَةٍ وَالْآبَاءِ (الذُّكُورِ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:

    "... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء: 11]
    "لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [المجادلة: 22]

    وَيَأْتِي الْقَوْلُ الْفَصْلُ مِنَ اللهِ جَلِيًّا لَا لَبْسَ فِيهِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي الْكِتَابِ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ:

    "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة: 146]
    "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" [الأنعام: 20]

    وَالْفَصْلُ أَيْضًا وَاضِحٌ لَا لَبْسَ فِيهِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ وَالْأَزْوَاجِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة: 24]

    فَالذُّكُورَةُ وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ فِي الْأَبْنَاءِ فِي قَوْلِهِ الْحَقّْ:

    "مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ" [الأحزاب: 4]

    وَيَأْتِي التَّحْرِيمُ الْمَفْرُوضُ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لِيَشْمَلَ الْأَبْنَاءَ (لِذُكُورَتِهِمْ):

    "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [النور: 31]
    "لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا" [الأحزاب: 55]

    وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ لَنَا رُبَّمَا بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ بِأَنَّ الْأَبْنَاءَ هُمُ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الذُّكُورِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُمْ حَلَائِلْ:

    "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" [النساء: 23]

    لِنَصِلَ مِنْ خِلَالِ النِّقَاشِ السَّابِقِ كُلِّهِ إِلَى النَّتِيجَةِ الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِيَةْ: الْأَبْنَاءُ هُمُ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الذُّكُورِ الَّذِينَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ زَوْجَاتٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ.

    الْأَوْلَادْ تَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ
    الْأَبْنَاءْ تَشْمَلُ الذُّكُورَ فَقَطْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ

    ثَانِيًا: [الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنِينَ (الْبَنُونَ)]

    لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ، لَوَجَدْنَا فِيهِمَا مَا يَدْعُو إِلَى الِاسْتِغْرَابِ وَرُبَّمَا الدَّهْشَةْ، فَفِي حِينِ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ الْبَنِينَ هُمْ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

    "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" [الكهف: 46]

    وَتُبَيِّنُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الثَّانِيَةُ التَّالِيَةُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) بِأَنَّ الْبَنِينَ جُزْءٌ مِنَ الشَّهَوَاتِ الَّتِي هِيَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

    "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" [آل عمران: 14]

    فَإِنَّ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ التَّالِيَةِ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَنَحْنُ لَا نَدْرِي مِقْدَارَ نَفْعِهِمْ لَنَا:

    "... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء: 11]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ إِذَنْ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ الْبَنِينَ جُزْءٌ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ الْبَنِينَ هُمْ جُزْءٌ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بَيْنَمَا نَجِدُ أَنَّ الْأَبْنَاءَ قَدْ لَا نَدْرِي مِقْدَارَ نَفْعِهِمْ لَنَا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فَهْمَ هَذَا التَّضَارُبِ الظَّاهِرِيِّ يَتَطَلَّبُ مِنَّا الْوُقُوفَ عِنْدَ مَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ بِالدِّقَّةِ الْمَطْلُوبَةِ الَّتِي تَرْقَى إِلَى مَكَانَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهْ.

    السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَفَحَّصْنَا مُفْرَدَةَ (الِابْنِ) فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ عَلَى مِسَاحَتِهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَى طَرِيقَتَيْنِ، فَهُنَاكَ الْأَبْنَاءُ (جَمْعُ ابْنٍ) وَهُنَاكَ الْبَنُونَ جَمْعُ (ابْنٍ) أَيْضًا.

    ابْنٌ بَنُونَ (بَنِينَ)
    أَبْنَاءْ

    السُّؤَالْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مُفْرَدَةِ الِابْنِ الَّتِي جُمِعَتْ عَلَى بَنِينَ (فِي حَالَةِ النَّصْبِ وَالْجَرِّ) وَ بَنُونَ (فِي حَالَةِ الرَّفْعِ) مِنْ جِهَةٍ وَمُفْرَدَةِ الِابْنِ الَّتِي جُمِعَتْ عَلَى (أَبْنَاءٍ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟ لِتَكُونَ التَّسَاؤُلَاتُ ذَاتُ الِاسْتِحْقَاقِ فِي التَّدَبُّرِ الْآنَ هِيَ:

    • مَنْ هُمُ الْبَنُونَ؟
    • وَمَنْ هُمُ الْأَبْنَاءْ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِدَايَةً، نَحْنُ نَرْفُضُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا أَنْ يَكُونَ هَذَا مُجَرَّدَ تَنَاوُبٍ لَفْظِيٍّ لِأَغْرَاضٍ إِعْرَابِيَّةٍ أَوْ شَكْلِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ – بِرَأْيِنَا- فُرُوقَاتٌ كَبِيرَةٌ فِي الشَّكْلِ تُؤَدِّي أَغْرَاضًا جَوْهَرِيَّةً فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيّْ، لِذَا وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا وَتَدَبُّرُهَا مَلِيًّا، عَلَّنَا نَخْرُجُ مِنْهَا بِأَفْهَامٍ رُبَّمَا تُسَاعِدُنَا فِي فَهْمِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا، وَتُمَكِّنُنَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى اسْتِنْبَاطَاتٍ جَوْهَرِيَّةٍ تَمَسُّ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ الَّتِي نُؤْمِنُ بِهَا. فَمَا الْفَرْقْ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَنِينَ (أَوِ الْبَنُونَ) هُمُ الذُّكُورُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ، فَهُمْ إِذَنْ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:
    "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"
    وَهُمْ جُزْءٌ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:
    "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"
    وَلَكِنْ مَا أَنْ يَصِلَ هَؤُلَاءِ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الذُّكُورِ (أَيِ الْبَنُونَ) إِلَى مَرْحَلَةِ النِّكَاحِ حَتَّى يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى الزَّوَاجِ فَيُصْبِحُوا أَبْنَاءً، فَيَكُونُونَ قَادِرِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا حَلَائِلَ لَهُمْ:
    "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ... وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ..."
    وَفِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ (أَيْ مَرْحَلَةِ الْأَبْنَاءِ) يُصْبِحُوا قَادِرِينَ عَلَى إِحْدَاثِ النَّفْعْ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ نَفْعُهُمْ لَنَا أَوْ أَنْ يَنْقُصْ، فَلَا نَدْرِي أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَنَا نَفْعًا، آبَاؤُنَا أَمْ أَبْنَاؤُنَا:
    "... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"

    فَيُصْبِحُ الْجَدْوَلُ السَّابِقُ (حَسَبَ فَهْمِنَا لِمُفْرَدَاتِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ هَذِهِ) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    ابْنٌ بَنُونَ (بَنِينَ) الذُّكُورُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ، فَيَكُونُونَ جُزْءًا مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ..."
    "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..."
    أَبْنَاءْ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الذُّكُورِ الَّذِينَ وَصَلُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ أَوْ أَنْ يَنْقُصَ نَفْعُهُمْ لَنَا "... وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ..."
    "... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا..."

    تَلْخِيصُ مَا سَبَقْ:

    يَتَحَصَّلُ لِلشَّخْصِ الْمُتَزَوِّجِ ذُرِّيَّةٌ مِنَ الْأَوْلَادْ، فَيَكُونُوا بَنِينَ وَبَنَاتْ:

    "وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ" [الأنعام: 100]

    تَكُونُ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الْبَنِينَ هُمْ جُزْءٌ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

    "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" [الكهف: 46]

    وَفِي حِينِ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي تَحَصَّلَتْ لَهُ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ يَتَضَايَقُ إِذَا بُشِّرَ بِالْبَنَاتِ (الْأُنْثَى):

    "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" [النحل: 58]
    "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ" [الزخرف: 17]

    إِلَّا أَنَّهُ يَشْعُرُ بِالسُّرُورِ فِي حَالَةِ تَحَصُّلِ الذُّرِّيَّةِ لَهُ مِنَ الْبَنِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

    "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" [آل عمران: 14]

    فَيَكُونُونَ هَؤُلَاءِ الذُّرِّيَّةُ مِنَ الذُّكُورِ (أَيِ الْبَنُونَ) جُزْءًا مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:

    "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" [الكهف: 46]

    لَكِنْ مَا أَنْ يَصِلَ هَؤُلَاءِ الْبَنُونَ إِلَى مَرْحَلَةِ النِّكَاحِ حَتَّى يُصْبِحُوا ضِمْنَ فِئَةِ الْأَبْنَاءِ الْقَادِرِينَ عَلَى النِّكَاحِ وَاتِّخَاذِ الْحَلَائِلْ:

    "... وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" [النساء: 23]

    وَيَكُونُوا حِينَئِذٍ قَادِرِينَ عَلَى إِحْدَاثِ النَّفْعْ:

    "... آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" [النساء: 11]

    فَيُصْبِحُ الْجَدْوَلُ – بِرَأْيِنَا- عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    وَلَدٌ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ
    ابْنٌ بَنُونَ أَوْ بَنِينَ غَيْرُ بَالِغِينَ
    ابْنٌ أَبْنَاءٌ بَالِغِينَ
    ابْنَةٌ بَنَاتٌ غَيْرُ بَالِغِينَ
    ابْنَةٌ نِسَاءٌ وُصُولُ مَرْحَلَةِ الْمَحِيضِ

    وَلَوْ حَاوَلْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِمَرْحَلَةِ الْبُلُوغِ (سِنِّ النِّكَاحِ)، يُصْبِحُ الْجَدْوَلُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    وَلَدٌ أَوْلَادٌ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ
    ابْنٌ بَنِينَ (بَنُونَ) أَبْنَاءٌ ذُكُورٌ: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ...
    وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ
    ابْنَةٌ بَنَاتٌ نِسَاءٌ إِنَاثٌ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ
    وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا

    السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِقَضِيَّةِ الْحَجِّ قَيْدِ الْبَحْثْ؟

    رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ الْحَجُّ (كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ) هُوَ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ الْقِيَامُ بِهِ عَلَى مَنْ وَصَلَ مَرْحَلَةَ الْبُلُوغِ (النِّكَاحِ)، لِذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَشْمَلَ ذَلِكَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتْ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَالنِّسَاءْ.

    السُّؤَالْ: لَكِنْ هَلِ التَّكْلِيفُ وَاحِدٌ فِي الْحَالَتَيْنِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ مَشْرُوعِيَّةَ الْحَجِّ وَشَعَائِرَهُ وَمَنَاسِكَهُ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ بِذَلِكَ هُمْ مِنْ فِئَةِ النَّاسِ فَقَطْ، قَالَ تَعَالَى:
    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"

    لَكِنْ يَبْرُزُ هُنَا سُؤَالٌ مِفْصَلِيٌّ هُوَ: هَلْ كُلُّ النَّاسِ مُكَلَّفِينَ بِالْحَجّْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ الْآذَانَ بِالْحَجِّ يَشْمَلُ النَّاسَ كَافَّةً، لَكِنَّ التَّكْلِيفَ بِأَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى فِئَةٍ مُحَدَّدَةٍ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الرِّجَالْ، وَتَدَبَّرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- الْآيَةَ السَّابِقَةَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ هَذَا الْجَانِبْ:
    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"
    فَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ مِنَ النَّاسِ هُمُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمْ تَلْبِيَةُ هَذَا النِّدَاءِ وَهُمُ الرِّجَالْ، فَالَّذِي يَأْتِي إِلَى الْحَجِّ هُمُ الرِّجَالْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا)؟

    السُّؤَالْ: مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ رِجَالًا الَّتِي جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ؟

    ثَالِثًا: [الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءْ]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَقَدْ تَعَرَّضْنَا لِهَذِهِ الْمُفْرَدَةِ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا، وَحَاوَلْنَا مُخَالَفَةَ أَهْلِ الدِّرَايَةِ فِي ظَنِّهِمْ بِأَنَّ الْمُفْرَدَةَ تَعْنِي رَاجِلِينَ، أَيْ سَائِرِينَ عَلَى الْأَقْدَامْ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ نَذْكُرُ مِنْهَا:

    أَوَّلًا: جَاءَتِ التَّلْبِيَةُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فَكَيْفَ إِذَنْ سَيَسْتَطِيعُ مَنْ يَسْكُنُ الْأَمْرِيكِيَّتَيْنِ أَوِ الْقَارَّةَ الْأُسْتُرَالِيَّةَ مَثَلًا أَنْ يَقْدَمَ إِلَى الْحَجِّ رَاجِلًا مَا دَامَ أَنَّ هُنَاكَ بِحَارًا وَمُحِيطَاتٍ مَائِيَّةً عِمْلَاقَةً تَفْصِلُ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ؟ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ مَنْ يَسْكُنُ الْقَارَّةَ الْأَمْرِيكِيَّةَ مَثَلًا أَنْ يُلَبِّيَ نِدَاءَ الْحَجِّ رَاجِلًا؟ مَنْ يَدْرِي؟!!

    ثَانِيًا: لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ يُحَدِّدُ الْقُدُومَ بِطَرِيقَةِ الْمَشْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ (رَاجِلًا)، فَهَذَا يَعْنِي عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّكُوبِ عَلَى أَيِّ وَسِيلَةِ نَقْلٍ، فَلِمَ إِذَنْ حَجَّ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَى رَاحِلَتِهِ؟ أَلَمْ يَكُنِ الْأَوْلَى بِهِ (إِنْ صَحَّ مَنْطِقُ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ) أَنْ يَمْشِيَ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَلَا يَسْتَخْدِمَ دَابَّتَهُ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُحَدَّدِ (الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) لِأَدَاءِ شَعَائِرِ الْحَجّْ؟

    ثَالِثًا: هَلْ فِعْلًا فَهِمْنَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ رِجَالًا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيّْ؟ وَلِمَاذَا جَاءَ الْآذَانُ بِالْحَجِّ فِي النَّاسِ كَافَّةً بَيْنَمَا جَاءَتِ التَّلْبِيَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ فَقَطْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ حَاوَلْنَا تَدَبُّرَ مُفْرَدَةِ الرِّجَالِ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ كُلِّهَا، لَوَجَدْنَا التَّرَابُطَ وَاضِحًا بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْ جِهَةٍ وَالنِّسَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، قَالَ تَعَالَى:
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ..." [البقرة: 282]
    "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" [النساء: 1]
    "لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا" [النساء: 7]
    "وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" [النساء: 32]
    "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..." [النساء: 34]
    "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" [النساء: 75]
    "إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" [النساء: 98]
    "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [النساء: 176]
    "إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ" [الأعراف: 81]
    "أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" [النمل: 55]
    "هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" [الفتح: 25]

    لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هِيَ أَنَّ مُفْرَدَةَ الرِّجَالِ (الذُّكُورِ) يُقَابِلُهَا مُفْرَدَةُ النِّسَاءِ (الْإِنَاثِ)، لِذَا وَجَبَ تَصْحِيحُ الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ السَّابِقِ لِيُصْبِحَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:



    وَبِهَذَا نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْبَنَاتِ تَشْمَلُ فِئَةً مِنَ الْإِنَاثِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا مَرْحَلَةَ الْمَحِيضِ (فَالنِّكَاحِ)، كَمَا تَشْمَلُ أَيْضًا مَنْ وَصَلَ مِنْهُنَّ مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ.

    الدَّلِيلْ

    قَالَ تَعَالَى:

    "وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ" [الأنعام: 100]
    "فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ" [الصافات: 149]
    "أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ" [الصافات: 153]
    "أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ" [الزخرف: 16]
    "أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ" [الطور: 39]
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْبَنَاتِ يُقَابِلُهَا الْبَنِينَ (الْبَنُونَ)، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مَرْحَلَةَ النِّكَاحْ.

    لَكِنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ مُفْرَدَةَ الْبَنَاتِ تُقَابِلُ أَيْضًا مَرْحَلَةَ الْأَبْنَاءِ (أَيْ مَنْ بَلَغَ سِنَّ النِّكَاحِ)، بِدَلِيلِ أَنَّ النِّكَاحَ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ عَلَى مَنْ كَانَتْ مِنَ الْبَنَاتِ مِنَ الْإِنَاثِ، قَالَ تَعَالَى:

    "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" [النساء: 23]
    "وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ" [هود: 78-79]
    "قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" [الحجر: 71]
    "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" [الأحزاب: 50]
    "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" [الأحزاب: 59]
    "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" [القصص: 27]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: مَنِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمْ تَلْبِيَةُ النِّدَاءِ بِالْحَجِّ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ (مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ بِالْحَجِّ هُمْ فِئَةُ الرِّجَالِ فَقَطْ:
    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ"

    السُّؤَالْ: لِمَ جَاءَ التَّكْلِيفُ خَاصًّا بِالرِّجَالْ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ كُلُّ الرِّجَالِ تَلْبِيَةَ النِّدَاءِ بِالْحَجّْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: بِدَايَةً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النِّسَاءَ لَسْنَ مُكَلَّفَاتٍ بِتَلْبِيَةِ النِّدَاءِ بِالْحَجّْ، كَمَا نَظُنُّ (مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ لَا يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ الرِّجَالْ. فَلَيْسَ جَمِيعُ الرِّجَالِ مُكَلَّفِينَ بِذَلِكَ. انْتَهَى.

    السُّؤَالْ: لِمَاذَا لَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ عَلَى جَمِيعِ الرِّجَالْ؟ أَلَا يُنَاقِضُ هَذَا كُلَّ افْتِرَاءَاتِكَ السَّابِقَةْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ، لَرُبَّمَا بَانَ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ مَا نَقْصِدُ مِنْ قَوْلِنَا بِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْحَجِّ لَا يَقَعُ عَلَى كُلِّ الرِّجَالْ. فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) تُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ هُنَاكَ فِئَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تَسْتَطِيعُ أَدَاءَ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهَا، لِذَا فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ التَّكْلِيفِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ نَوْعِهْ، قَالَ تَعَالَى:
    "إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" [النساء: 98]

    وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْهِجْرَةَ (أَيِ الِانْتِقَالَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَتَوَاجَدُونَ فِيهْ):

    "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" [النساء: 97-98]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْأُخْرَى التَّالِيَةْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ قَدْ جَاءَهُمُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الِانْتِقَالِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَتَوَاجَدُونَ فِيهْ، قَالَ تَعَالَى:

    "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" [النساء: 75]

    لِتُصْبِحَ هُنَاكَ – بِرَأْيِنَا ثَلَاثُ فِئَاتٍ هُمْ مُسْتَثْنَوْنَ جَمِيعًا مِنَ التَّكْلِيفْ، وَهُمْ:

    • الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الرِّجَالْ.
    • النِّسَاءْ.
    • الْوِلْدَانْ.

    رَابِعًا: [الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْوِلْدَانْ]

    بِدَايَةً، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَوْلَادَ (كَمَا سَبَقَ وَذَكَرْنَا) تَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثْ:

    "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ..." [النساء: 11]

    وَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ مِنْ مَغَبَّةِ قَتْلِ أَوْلَادِنَا خَشْيَةَ إِمْلَاقْ:

    "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ..." [الأنعام: 151]

    كَمَا حَذَّرَنَا مِنْ أَمْوَالِنَا وَأَوْلَادِنَا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِتْنَةٌ لَنَا:

    "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [الأنفال: 28]

    وَبَيَّنَ لَنَا بِأَنَّهُمْ لَنْ يَنْفَعُونَا يَوْمَ الْقِيَامَةْ، وَلَنْ يُقَرِّبُونَا عِنْدَهُ زُلْفَى:

    "لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" [الممتحنة: 3]
    "وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ" [سبأ: 37]

    وَنَهَانَا بِأَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي أَنْ تُلْهِيَنَا عَنْ ذِكْرِ اللهْ:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [المنافقون: 9]

    لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَصِلُ إِلَى مَرْحَلَةِ الْعَدَاوَةْ:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ..." [التغابن: 14]

    لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَوْلَادَ يَمُرُّونَ بِمَرْحَلَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَهُمَا مَرْحَلَةُ الْوِلْدَانْ، كَمَا جَاءَ بِنَصِّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ..." [النساء: 75]
    "إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" [النساء: 98]
    "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا" [النساء: 127]
    "فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا" [المزمل: 17]
    "يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ" [الواقعة: 17]
    "وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا" [الإنسان: 19]

    وَمَرْحَلَةُ الرُّجُولَةْ، حَيْثُ يَنْقَسِمُ هَؤُلَاءِ الْوِلْدَانُ إِلَى أَبْنَاءٍ وَبَنَاتْ، فَيَكُونُونَ قَادِرِينَ عَلَى النِّكَاحْ. وَهُنَا يَنْتَقِلُ الْأَبْنَاءُ لِيُصْبِحُوا رِجَالًا، وَتُصْبِحُ الْبَنَاتُ نِسَاءْ. فَيُصْبِحُ الْجَدْوَلُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    مُفْرَدْ جَمْعْ مَرْحَلَةٌ عُمْرِيَّةٌ (1) مَرْحَلَةٌ عُمْرِيَّةٌ (2) مَرْحَلَةٌ عُمْرِيَّةٌ (3) مَرْحَلَةُ التَّكْلِيفْ
    وَلَدٌ (ذَكَرٌ) أَوْلَادٌ وِلْدَانٌ بَنِينَ أَبْنَاءٌ رِجَالٌ
    وَلَدٌ (أُنْثَى) أَوْلَادٌ وِلْدَانٌ بَنَاتٌ بَنَاتٌ نِسَاءٌ

    بَابُ مُفْرَدَةِ رِجَالًا

    وَهُنَا لَا بُدَّ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ الْمُثِيرَ التَّالِي: مَا عَلَاقَةُ مُفْرَدَةِ رِجَالًا فِي آيَةِ الْآذَنِ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَيْدِ التَّدَبُّرِ الْآنْ:

    "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" [الحج: 27]

    مَعَ مُفْرَدَةِ رِجَالًا الَّتِي جَاءَتْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 239]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ هُوَ: أَلَا تَعْنِي مُفْرَدَةُ رِجَالًا الْمَشْيَ عَلَى الْأَرْجُلْ؟ أَلَا يُقَابِلُهَا مُفْرَدَةُ رُكْبَانًا؟ فَكَيْفَ إِذَنْ تَزْعُمُ (رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَ) أَنَّ مُفْرَدَةَ رِجَالًا فِي آيَةِ الْحَجِّ تَعْنِي فِئَةً مُحَدَّدَةً مِنَ الذُّكُورْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ تَسَاؤُلَاتٌ وَجِيهَةٌ جِدًّا، لَكِنَّ الْإِجَابَةَ عَلَيْهَا تَتَطَلَّبُ بِدَايَةً تَدَبُّرَ مَعْنَى الْمُفْرَدَةِ بِالدِّقَّةِ اللَّازِمَةْ.

    السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ مُفْرَدَةَ رِجَالًا إِذَنْ لِنَسْتَطِيعَ الرَّبْطَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مُفْرَدَةَ رِجَالًا لَهَا عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِالْأَرْجُلِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:


    صورة توضيحية للساق البشرية (Human Leg)

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيُّ الْآنَ هُوَ: مَا هِيَ الْأَرْجُلْ؟ أَوْ مَا هِيَ الرِّجْلُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْجِسْمْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: بَعْدَ تَفَقُّدِنَا الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِمُفْرَدَةِ الْأَرْجُلِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيّْ، وَجَدْنَا التَّلَازُمَ وَاضِحًا بَيْنَ الْأَرْجُلِ مِنْ جِهَةٍ وَالْأَيْدِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، قَالَ تَعَالَى:
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ..."
    "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ..."
    "أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا..."
    "يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"
    "الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ"

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ حُدُودَ الرِّجْلِ يَتَجَاوَزُ الْكَعْبَيْنْ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ حَدِّ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الرِّجْلَيْنْ، قَالَ تَعَالَى:

    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ..." [المائدة: 6]

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَ الْمُؤْمِنَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِأَنْ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّْ:

    "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ... وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ..." [النور: 31]

    وَقَدْ زَعَمْنَا الْقَوْلَ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا بِأَنَّ الضَّرْبَ يَتَطَلَّبُ إِدْخَالَ شَيْءٍ فِي شَيْءٍ آخَرْ، كَمَا فَعَلَ مُوسَى عِنْدَمَا ضَرَبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهْ:

    "فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" [الشعراء: 63]

    أَوْ عِنْدَمَا ضَرَبَ الْحَجَرَ، فَانْفَلَقَ وَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا:

    "وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا..." [البقرة: 60]

    كَمَا زَعَمْنَا الْقَوْلَ أَيْضًا بِأَنَّ ضَرْبَ النِّسَاءِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:

    "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ... وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ..." [النساء: 34]

    تَتَطَلَّبُ فَتْحَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ لِإِدْخَالِ قَضِيبِ الرَّجُلِ فِيهِ حَتَّى يُصْبِحَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ كَمَا فِي الْأَشْكَالِ التَّوْضِيحِيَّةِ التَّالِيَةْ:



    صورة توضيحية لأرجل النساء (Woman Legs)

    وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ انْفِرَاجٌ بَيْنَ الْأَيْدِي وَبَيْنَ الْأَرْجُلْ، قَالَ تَعَالَى:

    "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ... وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ..." [النور: 31]

    وَالْأَرْجُلُ هِيَ الْأَدَاةُ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ لِلْمَشْيْ:

    "أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا..." [الأعراف: 195]
    "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ..." [النور: 45]

    وَالْمَرْأَةُ الْمُؤْمِنَةُ مَأْمُورَةٌ بِأَنْ لَا تَضْرِبَ بِرِجْلَيْهَا حَتَّى لَا يُعْلَمَ مَا تُخْفِي مِنْ زِينَتِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرْبَ بِالْأَرْجُلِ، أَيْ إِدْخَالَ شَيْءٍ بِالْأَرْجُلِ يُؤَدِّي أَنْ يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ زِينَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي وَجَبَ عَلَيْهَا إِخْفَاءَهَا. فَمَا هِيَ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) أَنَّهُ عِنْدَمَا تَضْرِبُ الْمَرْأَةُ بِرِجْلَيْهَا، فَإِنَّهَا تَقُومُ بِإِدْخَالِ شَيْءٍ فِي شَيْءٍ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ شَيْءٍ مِنْ زِينَتِهَا، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَفْعَلُهُ – بِرَأْيِنَا بِالطَّبْعِ- بَعْضُ النِّسَاءِ عِنْدَمَا يَتَجَرَّأْنَ عَلَى لُبْسِ مَا يُسَمَّى بِالْبِنْطَالِ كَمَا فِي الْأَشْكَالِ التَّوْضِيحِيَّةِ التَّالِيَةْ:


    صورة توضيحية لنساء يرتدين البنطال (Jeans)
    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرَةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّهْيَ الْإِلَهِيَّ قَدْ جَاءَ لِلنِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ بِأَنْ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ مَخَافَةَ أَنْ يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ زِينَتِهَا، وَنَحْنُ نَفْهَمُ هَذَا النَّهْيَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْمُورَاتٌ أَنْ لَا يَخْرُجْنَ لَابِسَاتِ الْبِنْطَالَ فَقَطْ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْشِفُ شَيْءٍ مِنْ زِينَتِهَا.

    السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْحَجّْ؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِآيَةِ الْحَجِّ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا مُفْرَدَةُ رِجَالًا أَصْلًا؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: وَأَنَا شُو بَدْرِينَا؟! هُوَ إِحْنَا لِسَّهْ دَخَلْنَا بِمَوْضُوعِ الْحَجِّ أَصْلًا؟

    هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ فِعْلَهُ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ، لِذَا، لَنْ نَمَلَّ مِنْ دُعَاءِ رَبِّنَا أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ وَأَنْ يَزِدْنَا عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ.

    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمِ الْجَرَّاحْ & عَلِيُّ مَحْمُودِ سَالِمِ الشَّرْمَانْ
    بِقَلَمِ د. رَشِيدِ الْجَرَّاحْ
    18 أَيْلُولْ
    أنت تقرأ في قسم: الفقه | فقه الحج