قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونْ
افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةْ، بِأَنَّ الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَدْ شَرَوْا أَنْفُسَهُمْ بِمَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.
وَكَانَ ذَلِكَ الثَّمَنُ هُوَ الذَّهَبْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّهَبَ هُوَ الْمَعْدِنُ النَّفِيسُ الَّذِي يَضُرُّ الشَّيَاطِينَ وَلَا يَنْفَعُهُمْ:
وَيَكْمُنُ ضُرُّهُمْ فِي أَنَّ الذَّهَبَ يُشَكِّلُ خَطَّ دِفَاعٍ قَوِيٍّ ضِدَّ فِعْلِ الشَّيْطَانْ. وَلِكَيْ لَا يَفْقِدَ الشَّيَاطِينُ قُدْرَتَهُمْ فِي التَّأْثِيرِ بِالنَّاسِ كَانَ لَابُدَّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِلَبْدِ الذَّهَبْ،
أَيْ بِتَشْكِيلِ مَا يُشْبِهُ الْحَاجِزَ الَّذِي يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى هَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسْ.
وَجَلَبْنَا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَفْعُولِ الذَّهَبِ الْعَجِيبِ فِي الْمَرْأَةْ. فَمَا أَنْ تُزَيِّنَ الْمَرْأَةُ جِسْمَهَا بِقِطَعِ الذَّهَبِ اللَّامِعِ حَتَّى تَهْدَأَ نَفْسِيَّتُهَا، وَتَتَغَيَّرَ طِبَاعُهَا فَوْرًا إِلَى الْهُدُوءِ وَالسَّكِينَةْ.
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا سُلُوكِيَّاتِ النِّسَاءِ بِالتَّزَيُّنِ بِالذَّهَبِ فِي كُلِّ الْمُجْتَمَعَاتِ وَعَلَى مَرِّ الْعُصُورْ، لَوَجَدْنَا فِيهِ مِنَ الْغَرَابَةِ مَا يَدْعُو لِلتَّدَبُّرْ.
فَالنِّسَاءُ تَتَحَلَّى بِالذَّهَبِ بِلُبْسِهِ فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَعَلَى الصُّدُورْ، لَا بَلْ وَفِي الْآذَانْ، وَتَظْهَرُ عَادَاتُ التَّثْقِيبِ (أَوْ piercing بِالْمُفْرَدَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ) عَلَى كُلِّ فَتَحَاتِ الْجِسْمْ،
كَالْأَنْفِ وَالْحَوَاجِبِ الَّتِي تَعْلُو الْعَيْنَيْنْ، وَشِفَاهِ الْفَمْ، وَحَتَّى الْمَنَاطِقِ الْحَسَّاسَةِ فِي الْجِسْمِ كَالْأَعْضَاءِ التَّنَاسُلِيَّةْ.
وَنَحْنُ نُحَاوِلُ التَّرْوِيجَ لِافْتِرَائِنَا بِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِي بَابِ الْمُصَادَفَةْ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ (وَإِنْ كُنَّا لَا نَفْقَهُ كَثِيرًا عِلَّتَهُ).
وَرُبَّمَا يَعُودُ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا – أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحَاوِلُ تَحْصِينَ فَتَحَاتِ الْجِسْمِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلشَّيَاطِينِ أَنْ تَنْفُذَ إِلَيْهَا مِنْ خِلَالِهَا.
فَمُجَرَّدُ وُجُودِ قِطْعَةٍ مِنَ الذَّهَبِ عَلَى أَيِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ جِسْمِ الْمَرْأَةِ كَفِيلٌ بِأَنْ يُبْعِدَ خَطَرَ الشَّيْطَانِ عَنْهَا، فَلَا يَنْفُذُ إِلَيْهَا مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ الْعُضْوِ مِنْ جِسْمِهَا.
وَأَوَّلُ مَا يَصُدُّ خَطَرَ الشَّيَاطِينِ فِي الذَّهَبِ هُوَ لَوْنُهُ الْأَصْفَرُ اللَّامِعُ الَّذِي يَسُرُّ النَّاظِرِينْ. فَهَذَا اللَّوْنُ الْأَصْفَرُ الْفَاقِعُ هُوَ مَا يُخِيفُ الشَّيَاطِينَ لِظَنِّهِمْ بِأَنَّ هَذَا مِنْ نَوْعِ الْعَذَابِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِمْ كَخَطَرِ الشِّهَابِ الرَّصَدِ الَّذِي يَمْنَعُ الشَّيَاطِينَ مِنَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى:
وَكَلَوْنِ الْعَذَابِ الَّذِي سَيَقَعُ عَلَيْهِمْ فِي جَهَنَّمْ:
فَالشَّرَرُ الَّذِي تُرْمَى بِهِ الشَّيَاطِينُ فِي جَهَنَّمَ هُوَ مِنَ النَّوْعِ وَيْكَأَنَّهُ (جِمَالَتٌ صُفْرٌ). فَهَذَا اللَّوْنُ الْأَصْفَرُ هُوَ مَا تَهَابُهُ الشَّيَاطِينُ فَلَا تَقْتَرِبُ مِنْهُ.
وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا – مِنْ تِلْكَ الْبَقَرَةِ الصَّفْرَاءِ الْفَاقِعِ لَوْنُهَا الَّتِي تَسُرُّ النَّاظِرِينْ:
فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ اللَّوْنَ الْأَصْفَرَ الْفَاقِعَ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ أَسْرَارِ اخْتِيَارِ تِلْكَ الْبَقَرَةِ الَّتِي طَلَبَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يَذْبَحُوهَا:
فَوَاحِدَةٌ مِنْ أَسْبَابِ وُقُوعِ الِاخْتِيَارِ عَلَى تِلْكَ الْبَقَرَةِ بِذَاتِهَا كَانَ – بِرَأْيِنَا – لَوْنَهَا الْأَصْفَرَ الْفَاقِعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَةَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ – لَمْ تَكُنْ عُرْضَةً لِخَطَرِ الشَّيَاطِينْ.
فَمَادَامَ أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَةَ كَانَتْ صَفْرَاءَ فَاقِعٌ لَوْنُهَا، كَانَتْ بِمَنْأًى (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) عَنْ خَطَرِ دُخُولِ الشَّيَاطِينِ فِيهَا. لِذَا كَانَتْ بَقَرَةً مُتَطَهِّرَةً مِنْ أَذَى الشَّيَاطِينْ.
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا لَوْنَ تِلْكَ الْبَقَرَةِ، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّهُ السَّبَبُ فِي أَنْ تَكُونَ الْبَقَرَةُ تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ).
وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ أَكْثَرَ مِنْ لَوْنِ الذَّهَبِ الْأَصْفَرِ اللَّامِعْ. فَمُجَرَّدُ رُؤْيَةِ الذَّهَبِ بِلَوْنِهِ الْأَصْفَرِ اللَّامِعِ يُدْخِلُ السُّرُورَ إِلَى قَلْبِ النَّاظِرِينْ.
فَالذَّهَبُ بِلَمَعَانِهِ الْأَصْفَرِ يُشْبِهُ مَنْظَرَ مَا زَيَّنَ اللَّهُ بِهِ السَّمَاءْ:
(وَسَنَتَحَدَّثُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ عَنْ هَذِهِ الْبَقَرَةِ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَدْعُوهُ أَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ).
وَافْتَرَيْنَا الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مَفْعُولَ الذَّهَبِ الْعَجِيبَ فِي صَدِّ خَطَرِ الشَّيَاطِينِ لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَ شَخْصًا مِثْلَ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ لِآيَاتِ اللَّهِ عَنِيدًا.
فَاسْتَفَادَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ لِنَفْسِهِ. وَتَمَثَّلَ ذَلِكَ بِمَا نَجِدُهُ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ (كَمَا نَفْهَمُهَا):
فَكَانَتْ تِلْكَ الْمَنَافِعُ تَتَمَثَّلُ فِي التَّالِي:
- مَنَافِعُ جَسَدِيَّةٌ، فَكَانَ فِرْعَوْنُ وَحِيدًا.
- مَنَافِعُ مَالِيَّةٌ، فَكَانَ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا.
- مَنَافِعُ عَائِلِيَّةٌ، فَكَانَ لَهُ بَنِينَ شُهُودًا.
- إِلَخْ.
وَسَنُحَاوِلُ فِي الْفِقْرَاتِ التَّالِيَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُنَاقَشَةَ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الَّتِي جَلَبَهَا فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ بِوَاسِطَةِ مَعْرِفَتِهِ الدَّقِيقَةِ بِقِيمَةِ هَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسِ تِبَاعًا.
بَابٌ: [ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا: فِرْعَوْنُ وَالْخُلُودُ الْجَسَدِيّْ]
حَاوَلْنَا التَّرْوِيجَ لِافْتِرَائِنَا فِي الْأَجْزَاءِ السَّابِقَةِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ شَخْصِيًّا وَحِيدًا عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ كَانَ مِنَ النَّاحِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ عَلَى أَحْسَنِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ التَّقْوِيمِ (أَيِ الْبِنْيَةِ الْجَسَدِيَّةِ). قَالَ تَعَالَى:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي نَوَدُّ إِثَارَتَهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ: لِمَاذَا لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ لِيُصَابَ بِأَذًى؟ فَلِمَ لَمْ يُصَبْ فِرْعَوْنُ بِنُصْبٍ أَوْ عَذَابٍ كَمَا حَصَلَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ مَثَلًا؟
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي جَاءَتْ لِتُبَيِّنَ لَنَا مَا حَلَّ بِنَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ مَسَّ أَيُّوبَ نَفْسَهُ بِنُصْبٍ وَعَذَابْ.
لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَمَسَّ أَيُّوبَ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ وَلَمْ يَمَسَّ فِرْعَوْنَ ذَلِكَ؟
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ سَيْطَرَتِهِ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَجْلِ هَدَفٍ وَاحِدٍ، أَلَا وَهُوَ الْخُلُودُ إِلَى الْأَرْضْ. وَانْظُرْ – إِنْ شِئْتَ – الْآيَةَ نَفْسَهَا فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ الْخُلُودَ إِلَى الْأَرْضِ؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْخُلُودَ إِلَى الْأَرْضِ يَتَطَلَّبُ وُجُودَ الْمَصَانِعْ:
السُّؤَالُ: هَلْ فِعْلًا اتَّخَذَ فِرْعَوْنُ مَصَانِعَ مِنْ أَجْلِ الْخُلُودِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدِ اتَّخَذَ مَصَانِعَ لِلْخُلُودِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا – مِمَّا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ – كَمَا نَفْهَمُهَا – تُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَقُومُ وَقَوْمُهُ بِفِعْلِ الصِّنَاعَةِ، وَهُوَ مَا دَمَّرَهُ اللَّهُ (بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) فِي نِهَايَةِ الْمَطَافْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْمَصَانِعُ الَّتِي اتَّخَذَهَا فِرْعَوْنُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا فِيهَا الْعَجَبْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هِيَ صِنَاعَةُ اللَّهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ مِنَ الصِّنَاعَةِ هُوَ النَّجَاةُ، كَمَا فَعَلَ نُوحٌ عِنْدَمَا صَنَعَ الْفُلْكَ:
فَالسَّفِينَةُ هِيَ أَدَاةُ النَّجَاةِ مِنَ الْغَرَقِ، وَهِيَ سَبَبٌ مُبَاشِرٌ فِي وِرَاثَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ نَجَا مَعَ نُوحٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: تَحَدَّثْنَا فِي الْأَجْزَاءِ السَّابِقَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَنْ سِرِّ الْجِبَالِ فِي الْأَرْضِ، وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْجِبَالَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُسْتَقْطِبَاتِ الرُّوحِ، فَهِيَ إِذَنْ مَخْزَنُ الطَّاقَةِ الْكَوْنِيَّةِ لِلْأَرْضْ.
فَالْجِبَالُ تَعْمَلُ عَلَى جَمْعِ الطَّاقَةِ الْكَوْنِيَّةِ لِتُخَزِّنَهَا فِي قَاعِدَتِهَا، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ شَحْنِ كُتْلَةِ الْأَرْضِ، لِذَا فَإِنَّ الْأَرْضَ تَسْبَحُ فِي الْفَلَكِ بِسَبَبِ هَذِهِ الطَّاقَةِ الْمُخَزَّنَةِ فِي الْجِبَالْ.
وَبِكَلِمَاتٍ عِلْمِيَّةٍ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَخَيَّلَ الْجِبَالَ وَيْكَأَنَّهَا بَطَّارِيَّاتُ الشَّحْنِ الَّتِي تُشَغِّلُ الْجِهَازَ كُلَّهُ. فَوُجُودُ الْبَطَّارِيَّةِ الْمُمْتَلِئَةِ بِالطَّاقَةِ هِيَ الَّتِي تُشَغِّلُ الْجِهَازَ كُلَّهُ، وَنَفَاذُ الطَّاقَةِ مِنْ هَذِهِ الْبَطَّارِيَّةِ يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ تَعَطُّلَ الْجِهَازِ كُلِّهِ عَنِ الْعَمَلْ.
فَالْجِهَازُ لَا يَعْمَلُ إِلَّا إِذَا وُجِدَ فِي بَطَّارِيَّتِهِ مِنَ الطَّاقَةِ مَا يَكْفِي لِتَشْغِيلِهِ. وَبِهَذَا الْفَهْمِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَوْعِبَ سِرَّ حَرَكَةِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، فَالْأَرْضُ لَا تَتَحَرَّكُ بِفِعْلِ الْجَاذِبِيَّةِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمُ الْعِلْمِيَّةْ.
وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْجَاذِبِيَّةَ الْمَزْعُومَةَ تَتَلَاشَى بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ مِنْ مَجَالِ الْكُتْلَةْ. فَلَوْ أَنَّ هُنَاكَ قُوَّةَ جَاذِبِيَّةٍ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالشَّمْسِ مَثَلًا، لَصَارَ لِزَامًا أَنَّ الْجِسْمَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ نِطَاقِ جَاذِبِيَّةِ الْأَرْضِ مَثَلًا سَيَقَعُ فَرِيسَةً لِجَاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ نَفْسِهَا.
فَمَادَامَ أَنَّ الشَّمْسَ قَادِرَةٌ عَلَى جَذْبِ كُتْلَةٍ عَظِيمَةٍ كَالْأَرْضِ، فَتُبْقِيهَا فِي مَجَالِهَا، فَهِيَ إِذَنْ لَا تَعْجِزُ عَنْ جَذْبِ كُلِّ كُتْلَةٍ تَخْرُجُ مِنْ نِطَاقِ الْأَرْضِ إِلَيْهَا.
فَلَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ أَهْلُ الدِّرَايَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ أَيَّ جِسْمٍ صَغِيرٍ سَيَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَنْفُذَ مِنْ جَاذِبِيَّةِ الشَّمْسْ، وَلَظَلَّ كُلُّ جِسْمٍ خَرَجَ مِنْ نِطَاقِ مُحِيطِ الْأَرْضِ مُنْجَذِبًا (لَا بَلْ وَمَحْكُومًا) بِجَاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْلِتَ مِنْهَا.
وَنَحْنُ نُثِيرُ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَفْلِتَ مِنْ جَاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ لَهَا (كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ)، فَلِمَ تَفْلِتُ الْأَجْسَامُ الصَّغِيرَةُ (كَالْمَرْكَبَاتِ الْفَضَائِيَّةِ مَثَلًا) مِنْ جَاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ لَهَا؟ هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ اسْتِحَالَةَ الْفِرَارِ مِنْ جَاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ لِكُلِّ الْكُتَلِ الَّتِي تَقَعُ فِي مُحِيطِهَا؟
فَالْأَرْضُ تُخَزِّنُ فِيهَا طَاقَةً كَافِيَةً لِتَحْرِيكِهَا، وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ (وَكُلُّ الْأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ). وَالْجِبَالُ هِيَ – بِرَأْيِنَا الْمُفْتَرَى – مَخْزَنُ تِلْكَ الطَّاقَةِ لِلْأَرْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجِبَالَ هِيَ مَصْدَرُ الْحَرَكَةْ:
فَالْجِبَالُ (وَلَيْسَ الْأَرْضُ) هِيَ مَصْدَرُ الْحَرَكَةِ، وَهَذِهِ الْجِبَالُ تَتَحَرَّكُ – بِرَأْيِنَا – بِسَبَبِ الطَّاقَةِ الْمُخَزَّنَةِ فِيهَا، وَمَادَامَ أَنَّ الْجِبَالَ هِيَ الَّتِي تَتَحَرَّكُ كَحَرَكَةِ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِنَّهَا تَدْفَعُ بِالْكُتْلَةِ كُلِّهَا (أَيِ الْأَرْضِ) لِأَنْ تَتَحَرَّكَ مَعَهَا.
وَقَدْ جَلَبْنَا سَابِقًا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْجِبَالَ هِيَ مُسْتَقْطِبَةُ تِلْكَ الطَّاقَةِ الْمُشَغِّلَةِ لِلْحَرَكَةِ مِنْ قِصَّةِ الطَّيْرِ الَّتِي طَلَبَ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَصُرْهُنَّ إِلَيْهِ وَيَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا:
فَالطَّلَبُ الْإِلَهِيُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَضَعَ تِلْكَ الطُّيُورَ الَّتِي صَرَّهُنَّ إِلَيْهِ عَلَى الْجِبَالِ يُعْزَى – بِرَأْيِنَا – إِلَى أَنَّ الْجِبَالَ هِيَ مُسْتَقْطِبَاتُ تِلْكَ الطَّاقَةْ.
فَمَا أَنْ وَضَعَ إِبْرَاهِيمُ تِلْكَ الطُّيُورَ عَلَى الْجِبَالِ حَتَّى تَمَّ شَحْنُ أَجْسَادِهَا بِالطَّاقَةِ، فَعَادَتْ إِلَيْهَا الْحَيَاةُ، فَإِذَا بِهَا تَسْعَى مِنْ جَدِيدٍ كَمَا كَانَتْ تَسْعَى مِنْ ذِي قَبْلْ.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِمَصَانِعِ الْخُلُودِ الَّتِي كَانَتْ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِوُجُودِ هَذِهِ الطَّاقَةِ الْكَوْنِيَّةِ (أَيِ الرُّوحِ)، وَأَنَّ هَذِهِ الرُّوحَ هِيَ بِمَثَابَةِ الطَّاقَةِ الْمُشَغِّلَةِ لِلْكَوْنِ بِأَكْمَلِهِ.
فَعَمَدُوا إِلَى اتِّخَاذِ الْمَصَانِعِ الَّتِي تُوَفِّرُ لَهُمْ تِلْكَ الطَّاقَةَ بِطَرِيقَةِ التَّجْمِيعِ مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيّْ، وَمَا أَنْ يَتِمَّ تَوْفِيرُ تِلْكَ الطَّاقَةِ حَتَّى يَتِمَّ اسْتِخْدَامُهَا مِنْ أَجْلِ الْخُلُودْ.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْخُلُودُ؟
لَعَلَّنَا لَا نَحْتَاجُ إِلَى جُهْدٍ كَبِيرٍ لِتَسْوِيقِ ظَنِّنَا بِأَنَّ الْخُلُودَ هُوَ النَّقِيضُ لِلْفَنَاءِ (أَوِ الْهَلَاكِ). فَمَنْ هَلَكَ فَهُوَ الَّذِي خَسِرَ الْخُلُودَ، وَلَابُدَّ لِمَنْ أَرَادَ الْخُلُودَ أَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْفَنَاءِ. لَكِنْ كَيْفَ لَهُ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَهْلِكُ مَادَامَ أَنَّ فِي جِسْمِهِ مَا يَكْفِي مِنَ الطَّاقَةِ (أَيِ الرُّوحِ) الَّتِي تُشَغِّلُهُ. فَمَا أَنْ تَنْفَذَ تِلْكَ الطَّاقَةُ (أَيِ الرُّوحِ) مِنَ الْجِسْمِ حَتَّى يَكُونَ مَصِيرُ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْحَتْمِيُّ هُوَ الْهَلَاكْ.
فَمَنْ أَرَادَ لِجِسْمِهِ أَنْ لَا يَهْلِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى مِقْدَارٍ مِنَ الطَّاقَةِ تَكْفُلُ لَهُ تَشْغِيلَ هَذَا الْجِسْمْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ تَكُنْ نِهَايَةُ فِرْعَوْنَ بِالْهَلَاكِ؟ وَلِمَ لَمْ يُصَبْ فِرْعَوْنُ بِمَسٍّ مِنَ الشَّيْطَانِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْلَمُ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّاقَةِ اللَّازِمَةِ لِتَشْغِيلِ جِسْمِهِ، لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ الْفَنَاءُ (أَيِ الْهَلَاكُ)،
وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْلَمُ كَيْفَ يُحَافِظُ عَلَى شَحْنِ جِسْمِهِ بِتِلْكَ الطَّاقَةِ، كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْفَظَ جِسْمَهُ مِنْ أَذَى الشَّيْطَانْ.
فَلَوْ أَصَابَ فِرْعَوْنَ الْأَذَى مِنَ الشَّيْطَانِ، لَاسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَشْحَنَ جِسْمَهُ بِكَمِّيَّةٍ كَافِيَةٍ مِنَ الطَّاقَةِ كَفِيلَةٍ بِأَنْ تَتَغَلَّبَ عَلَى أَذَى الشَّيْطَانِ مِنَ النُّصْبِ وَالْعَذَابْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ مَا كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: عَمَدَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ إِلَى بِنَاءِ تِلْكَ الْمَصَانِعِ الَّتِي غَايَتُهَا الْخُلُودْ.
فَكَانَتْ أَشْبَهَ مَا تَكُونُ بِالْجِبَالِ الَّتِي تَسْتَقْطِبُ الطَّاقَةَ الْكَوْنِيَّةَ (أَيِ الرُّوحِ). وَمَا أَنْ يُصَبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَذًى حَتَّى يَتِمَّ شَحْنُ جِسْمِهِ مِنْ جَدِيدٍ بِكَمِّيَّةٍ كَافِيَةٍ مِنَ الطَّاقَةِ اللَّازِمَةِ لِلتَّغَلُّبِ عَلَى أَذَى الشَّيْطَانْ.
[الدَّلِيلُ: جَنَّاتُ فِرْعَوْنَ وَمَصَانِعُ الْخُلُودْ]
نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يَعِيشُونَ فِي جَنَّاتْ:
كَمَا نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مِنْ أَبْسَطِ مَعَانِي الْعَيْشِ فِي الْجَنَّاتِ هُوَ عَدَمُ حُصُولِ الْمَرَضْ. فَمَهْمَا تَحَصَّلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَغَدِ الْحَيَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَرْقَى إِلَى مُسْتَوَى الْعَيْشِ فِي الْجَنَّاتِ مَادَامَ خَطَرُ الْمَرَضِ يُهَدِّدُهُ.
فَمَا مَعْنَى أَنْ تَتَحَصَّلَ لَكَ الزُّرُوعُ وَالْمَقَامُ الْكَرِيمُ وَالنِّعْمَةُ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ مَادَامَ أَنَّ خَطَرَ الْإِصَابَةِ بِالنُّصْبِ وَالْعَذَابِ وَارِدٌ؟
تَخَيَّلْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ – طَبِيعَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي سَتَشْعُرُ بِهَا لَوْ أَنَّ كُلَّ رَغَدِ الْحَيَاةِ قَدْ حِيزَتْ لَكَ وَلَكِنْ تَنْقُصُكَ الصِّحَّةُ الْجَيِّدَةُ لِتَتَمَتَّعَ بِمَا لَدَيْكَ مِنَ النِّعْمَةِ؟ فَهَلْ سَيُصْبِحُ لِتِلْكَ الْحَيَاةِ مَعْنًى؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَصِفَ حَيَاتَكَ بِحَيَاةِ مَنْ يَعِيشُ فِعْلًا فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَصِفَ حَيَاةَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ عَلَى نَحْوِ أَنَّهَا جَنَّاتٌ لَوْ أَنَّ خَطَرَ الْإِصَابَةِ بِالْمَرَضِ وَارِدٌ عِنْدَهُمْ.
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ سَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُقْنِعَ مَنْ حَوْلَهُ بِأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى لَوْ أَنَّهُ كَانَ وَاقِعًا تَحْتَ تَهْدِيدِ الْإِصَابَةِ بِالنُّصْبِ وَالْعَذَابِ (أَيِ الْمَرَضِ).
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ يُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ، فَهَدَاهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَشْفِيهِ إِنْ أَصَابَهُ الْمَرَضْ:
وَلَكِنْ كَانَ فِرْعَوْنُ – بِالْمُقَابِلِ – يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ لِمَنْ هُمْ حَوْلَهُ:
السُّؤَالُ: أَلَيْسَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ إِلَهٌ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطْعِمَ وَيَسْقِيَ؟ أَلَيْسَ هُوَ أَيْضًا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَشْفِيَ؟ أَلَا يَدِينُ بِذَلِكَ لِمَنْ آمَنَ بِأَنَّهُ إِلَهٌ لَهُ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِعْلًا فِرْعَوْنُ يَدِينُ لِمَلَئِهِ بِأَنْ يُطْعِمَهُمْ وَيَسْقِيَهُمْ ثُمَّ إِذَا مَا مَرِضُوا أَنْ يَشْفِيَهُمْ؟!
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَقَدِ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا – التَّغَلُّبَ عَلَى مُشْكِلَةِ الْمَرَضِ (أَيِ النُّصْبِ وَالْعَذَابِ). فَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ سَيَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَرْهِنَ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ لِمَنْ هُمْ حَوْلَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ فَعَلَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ اسْتَطَاعَ الْقِيَامَ بِذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْمَالِ. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ تَغَلَّبَ فِرْعَوْنُ عَلَى مُشْكِلَةِ الْمَرَضِ بِالْمَالِ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ – كَمَا نَفْهَمُهَا – تُصَوِّرُ لَنَا مَا فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ فِي هَذَا الْمَجَالْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ الْمَالَ اللُّبَدَا؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمَالَ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ مَصَادِرِ الْخُلُودْ:
إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ شَخْصٍ مُحَدَّدٍ وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، فَحَسِبَ أَنَّ مَالَهُ هَذَا سَيَكُونُ سَبَبًا فِي خُلُودِهِ.
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ عَلَى فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ. وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِوُجُودِ الشَّيَاطِينِ، قَالَ تَعَالَى:
وَرُبَّمَا يُبَادِرُنَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ بِالتَّسَاؤُلِ التَّالِي: وَأَيْنَ ذِكْرُ الشَّيَاطِينِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذِكْرَ الشَّيَاطِينِ قَدْ جَاءَ فِي الْمُفْرَدَةِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ مُفْرَدَةُ (هُمَزَةٍ).
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَتَوَعَّدُ بِالْوَيْلِ مَنْ كَانَ هُمَزَةً (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ). فَمَنْ هُوَ إِذَنْ مَنْ كَانَ هُمَزَةً؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْمُفْرَدَةَ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْأُخْرَى، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ:
فَلِلشَّيَاطِينِ إِذَنْ هَمَزَاتٌ (بِفَتْحِ الْهَاءِ)، وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ لَهُمْ هَمَزَاتٌ (بِفَتْحِ الْهَاءِ) هُمْ أَنْفُسُهُمْ هُمَزَاتٌ (بِضَمِّ الْهَاءِ).
فَكُلُّ شَيْطَانٍ هُوَ هُمَزَةٌ بِحَدِّ ذَاتِهِ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِحْدَاثِ الْهَمَزَاتِ (بِفَتْحِ الْهَاءِ).
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَيْضًا هَمَّازْ:
فَهَذَا الْهَمَّازُ هُوَ أَيْضًا:
- حَلَّافٌ مَهِينٌ.
- مَنَّاعٌ لِلْخَيْرِ.
- مُعْتَدٍ أَثِيمٌ.
- عُتُلٌّ.
- زَنِيمٌ.
- كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ.
- كَانَ يَنْعَتُ آيَاتِ اللَّهِ بِأَنَّهَا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ هَذَا الشَّخْصُ؟
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ هُوَ مَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَهُوَ إِذَنِ الشَّخْصُ الَّذِي تَكَفَّلَ اللَّهُ بِمُوَاجَهَتِهِ شَخْصِيًّا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى (ذَرْنِي). فَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ مُوَاجَهَةَ هَذَا الشَّخْصِ مُوَاجَهَةً مُبَاشِرَةً وَالتَّصَدِّي لَهُ إِلَّا اللَّهُ نَفْسُهُ.
فَاللَّهُ هُوَ مَنْ طَلَبَ أَنْ لَا يَعْبَثَ أَحَدٌ آخَرُ مَعَ هَذَا الشَّخْصِ فِي مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ، لِأَنَّ النَّتِيجَةَ سَتَكُونُ لَا مَحَالَةَ لِصَالِحِ هَذَا الشَّخْصِ. وَبِهَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَخَيَّلَ مِقْدَارَ مَا كَانَ يَمْلِكُ فِرْعَوْنُ مِنْ بَطْشٍ.
وَالْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ تُبَيِّنُ لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا بِالطَّبْعِ) بِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ قَدْ خَلَقَهُ اللَّهُ وَحِيدًا. فَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَارِيَ فِرْعَوْنَ فِي خِلْقَتِهِ. فَهُوَ مَنْ كَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ خَلَقَهُ اللَّهُ.
وَلَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِهَذَا النَّصِّ يَجِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَعَتَ هَذَا الشَّخْصَ بِأَنَّهُ زَنِيمٌ (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ). فَمَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّخْصُ زَنِيمٌ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْفِرْعَوْنَ هُوَ مَنِ اعْتَلَى عَرْشَ مِصْرَ بَعْدَ وَفَاةِ الْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَرَبَّى مُوسَى فِي كَنَفِهِ.
فَذَاكَ الْفِرْعَوْنُ الْأَوَّلُ كَانَ – رُبَّمَا كَمَا نَعْلَمُ جَمِيعًا – لَا يَمْلِكُ الذُّرِّيَّةَ بِدَلِيلِ مَا طَلَبَتْهُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ بِأَنْ يُبْقِيَ عَلَى الطِّفْلِ مُوسَى فَلَا يَقْتُلُوهُ، لِيَكُونَ لَهُمْ وَلَدًا:
فَلَوْ كَانَ هَذَا الْفِرْعَوْنُ مِمَّنْ لَهُ الْوَلَدُ، لَمَا طَلَبَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ الْإِبْقَاءَ عَلَى حَيَاةِ مُوسَى الطِّفْلِ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْغَايَةِ (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا).
فَهَذَا الْفِرْعَوْنُ الْأَوَّلُ الَّذِي تَرَبَّى مُوسَى فِي كَنَفِهِ كَانَ يُعَانِي مِنْ نَقْصِ الذُّرِّيَّةِ. وَمَا أَنْ مَاتَ هَذَا الْفِرْعَوْنُ حَتَّى كَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا فِي غَفْلَةٍ عِنْدَمَا دَخَلَهَا مُوسَى:
وَقَدْ تَحَدَّثْنَا فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا عَنْ قِصَّةِ مُوسَى بِأَنَّ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ فِرْعَوْنِ الطُّفُولَةِ (الَّذِي تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُ) وَفِرْعَوْنِ الرِّسَالَةِ (الَّذِي جَاءَهُ مُوسَى بِالرِّسَالَةِ).
فَمَا أَنْ مَاتَ الْفِرْعَوْنُ الْأَوَّلُ حَتَّى عَمَّ الْمَدِينَةَ الْفَوْضَى السِّيَاسِيَّةُ بِسَبَبِ صُعُوبَةِ انْتِقَالِ السُّلْطَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَادَامَ أَنَّ هَذَا الْفِرْعَوْنَ الْمُتَوَفَّى لَيْسَ لَهُ وَرِيثٌ شَرْعِيٌّ لِيَعْتَلِيَ سُدَّةَ الْحُكْمِ مِنْ بَعْدِهِ،
فَآلَ الْأَمْرُ بِرُمَّتِهِ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَهُمُ الَّذِينَ تَآمَرُوا عَلَى قَتْلِ مُوسَى فِي غِيَابِ الْفِرْعَوْنِ صَاحِبِ الْقَرَارِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَسْعَى لِيُحَذِّرَ مُوسَى مِنْ تَآمُرِ الْمَلَأِ بِهِ:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فِي خِلَالِ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ كَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا فِي غَفْلَةٍ بِسَبَبِ الْفَرَاغِ السِّيَاسِيِّ الَّذِي أَحْدَثَهُ مَوْتُ الْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُ.
فَحَاوَلَ نَفَرٌ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى (أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) التَّمَرُّدَ عَلَى الْحُكْمِ، فَحَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الْمُبَاشِرَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. فَعَادَ مُوسَى لِيَدْخُلَ الْمَدِينَةَ (بَعْدَ أَنْ كَانَ هَارِبًا مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) لِيَقُودَ ذَلِكَ التَّمَرُّدَ،
وَمَا أَنْ وَجَدَ مُوسَى وَاحِدًا مِنْ شِيعَتِهِ يَسْتَغِيثُهُ عَلَى الْآخَرِ الَّذِي هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ حَتَّى وَكَزَهُ مُوسَى، فَقَضَى عَلَيْهِ.
وَحَاوَلَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي تَكْرَارَ الْفِعْلَةِ نَفْسِهَا لَوْلَا أَنْ نَبَّهَهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ مُوسَى أَنْ يَبْطِشَ بِهِ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ سُلُوكِ الْمُفْسِدِينَ وَلَيْسَ سُلُوكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينْ:
فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى صَوَابِهِ، فَجَاءَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَسْعَى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ لِيُحَذِّرَهُ مِنْ خَطَرِ تَآمُرِ الْمَلَأِ بِهِ بِالْقَتْلِ، وَنَصَحَهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً أُخْرَى:
فَخَرَجَ مُوسَى مِنَ الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، وَتَوَجَّهَ هَذِهِ الْمَرَّةَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ. وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانَ عَلَى الْمَلَأِ – نَحْنُ نَتَخَيَّلُ – أَنْ يَتَّخِذُوا قَرَارَهُمُ التَّارِيخِيَّ الْحَاسِمَ بِمَنْ سَيَخْلُفُ هَذَا الْفِرْعَوْنَ الَّذِي مَاتَ (وَهُوَ مَنْ تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُ) عَلَى عَرْشِ مِصْرَ مَادَامَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ.
فَوَقَعَ اخْتِيَارُهُمْ بَعْدَ جَدَلٍ كَبِيرٍ عَلَى فِرْعَوْنَ جَدِيدْ.
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي اخْتِيرَ لِيَكُونَ هُوَ الْفِرْعَوْنَ الْجَدِيدَ عَلَى عَرْشِ مِصْرَ خَلِيفَةً لِلْفِرْعَوْنِ السَّابِقِ الَّذِي مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانَ الْجَمِيعُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ الْفِرْعَوْنُ الْجَدِيدُ مِنْهُمْ. فَأَصْبَحَ هُنَاكَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) تَنَافُسٌ عَائِلِيٌّ لِلْوُصُولِ إِلَى كُرْسِيِّ عَرْشِ مِصْرَ مَادَامَ أَنَّهُ الْآنَ شَاغِرًا.
وَأَصْبَحَتْ كُلُّ عَائِلَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ) تَظُنُّ أَنَّهَا صَاحِبَةُ الْحَقِّ فِي أَنْ يَكُونَ الْفِرْعَوْنُ الْجَدِيدُ مِنْهَا، بِالضَّبْطِ كَمَا يَحْصُلُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) فِي حَالَاتِ التَّخَاصُمِ عَلَى السُّلْطَةِ الْوِرَاثِيَّةِ.
فَأَقْطَابُ الْعَائِلَةِ الْمُمْتَدَّةِ تُحَاوِلُ جُهْدَهَا بِأَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِمْ. فَكَيْفَ بِهِمْ سَيَحْسِمُوا هَذَا الْجَدَلَ الدَّائِرَ بَيْنَهُمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ الَّذِي حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ كَانَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَمْ تَكُنْ لِتَرْضَى أَيُّ عَائِلَةٍ بِأَنْ يَؤُولَ الْحُكْمُ إِلَى غَيْرِهِمْ.
لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُقَوِّمَاتٌ أَسَاسِيَّةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَقِّيَّةَ الْمُلْكِ، فَعَلَى مَنْ أَرَادَ الْوُصُولَ إِلَى كُرْسِيِّ الْحُكْمِ أَنْ يُقَدِّمَ مِنَ الْمُسَوِّغَاتِ مَا يَجْعَلُهُ صَاحِبَ حَقٍّ فِي ذَلِكَ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ مُقَوِّمَاتُ الْوُصُولِ إِلَى كُرْسِيِّ الْحُكْمِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجِدَالِ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ عِنْدَمَا بَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ مَلِكًا:
وَمَا أَنْ بَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا:
حَتَّى تَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَنَحْنُ نَفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ أَحَقِّيَّةَ الْمُلْكِ (بِالنِّسْبَةِ لِلنَّاسِ) تَكْمُنُ فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا الْوِرَاثَةُ وَالْمَالْ.
فَالِابْنُ الْأَكْبَرُ لِلْمَلِكِ هُوَ الْوَرِيثُ الشَّرْعِيُّ مِنْ بَعْدِهِ (حَتَّى وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ مُقَوِّمَاتُ الرُّجُولَةِ الْكَثِيرَةِ). فَرُبَّمَا يَكُونُ الْأَخُ الْأَصْغَرُ أَكْثَرَ كَفَاءَةً وَرَجَاحَةَ عَقْلٍ مِنْ أَخِيهِ الْأَكْبَرِ إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْأَخَ الْأَكْبَرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَرِيثَ الشَّرْعِيَّ لِلْمُلْكِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ قُدْرَاتِهِ عَلَى الْمُسْتَوَى الْفَرْدِيّْ.
وَفِي حَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ الْأَبْنَاءِ، يُصْبِحُ الْأَخُ هُوَ الْوَرِيثَ وَهَكَذَا. فَهَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْ طَالُوتَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ. لِذَا فَهُمْ قَدِ ادَّعَوُا الْأَحَقِّيَّةَ بِالْمُلْكِ (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ).
وَإِذَا مَا تَعَذَّرَ أَنْ يُحْسَمَ الْأَمْرُ بِالْوِرَاثَةِ، أَصْبَحَ الْمَالُ هُوَ أَدَاةَ الْحَسْمِ، فَهَذَا الرَّجُلُ الْمَبْعُوثُ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (وَالْغَرِيبُ فِيهِمْ) لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ). لِذَا ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ هَذَا يُفْقِدُهُ الْأَحَقِّيَّةَ فِي الْمُلْكِ.
لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الصُّورَةَ نَفْسَهَا قَدْ حَصَلَتْ فِي آلِ فِرْعَوْنَ عِنْدَمَا مَاتَ الْفِرْعَوْنُ الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ مَنْ تَرَبَّى مُوسَى عِنْدَهُ. فَكَيْفَ بِهِمْ سَيَحْسِمُوا أَمْرَ الْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ قَرَارُهُمْ عَلَى نَحْوِ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ يَتَوَافَقُونَ جَمِيعًا عَلَيْهِ، فَأَصْبَحَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَسَادَ الْفَرَاغُ السِّيَاسِيُّ بَعْضًا مِنَ الْوَقْتِ فِي غِيَابِ الْفِرْعَوْنِ الْأَكْبَرِ.
وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ كُلُّ عَائِلَةٍ مُصَغَّرَةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَظُنُّونَ أَنَّ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْمُلْكِ، أَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ تَحْدِيدُ شَخْصِيَّةِ الْفِرْعَوْنِ الْجَدِيدِ بِالْوِرَاثَةِ، فَانْتَقَلَ حَسْمُ الْمَوْضُوعِ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) إِلَى عَامِلِ وَفْرَةِ الْمَالِ،
فَوَقَعَ اخْتِيَارُهُمْ عَلَى مَنْ كَانَ ذَا سَعَةٍ مِنَ الْمَالِ، فَوَجَدُوا ضَالَّتَهُمْ فِيمَنْ كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحِيدًا:
وَرُبَّمَا كَانَ هَدَفُهُمْ مِنْ ذَلِكَ (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَتَخَيَّلُ) حَتَّى يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْحُكْمِ فِي ظِلِّ حُكْمِ هَذَا الْفِرْعَوْنِ الْجَدِيدِ، مَادَامَ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ "وَحِيدًا" (فَلَا نَاصِرَ لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ).
وَلَكِنْ لَمْ يَكُونُوا مُدْرِكِينَ سِرَّ هَذَا الرَّجُلِ (الْفِرْعَوْنِ الْجَدِيدِ)، فَهُوَ مَنْ كَانَ زَنِيمًا.
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ زَنِيمًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ مُفْرَدَةَ زَنِيمٍ لَهَا عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِمُفْرَدَتَيِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي اللَّتَانِ وَرَدَتَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
فَهُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِفِعْلِ الزِّنَا مِنَ الْإِنَاثِ وَهِيَ الزَّانِيَةُ، وَهُنَاكَ مَنْ يَقُومُ بِفِعْلِ الزِّنَا مِنَ الذُّكُورِ وَهُوَ الزَّانِي. وَهُنَاكَ – بِرَأْيِنَا – مَنْ يُولَدُ جَرَّاءَ فِعْلِ الزِّنَا، أَيِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي تَتَحَصَّلُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
فَمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَ الذُّرِّيَّةَ الَّتِي تَتَحَصَّلُ بِفِعْلِ الزِّنَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي يَكُونُ نِتَاجَ عَمَلِيَّةِ الزِّنَا هُوَ الزَّنِيمُ.
لِذَا نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الِافْتِرَاءِ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) بِأَنَّ هَذَا الْفِرْعَوْنَ الْوَحِيدَ الَّذِي اعْتَلَى عَرْشَ مِصْرَ بَعْدَ مَوْتِ الْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ هُوَ نِتَاجُ عَمَلِيَّةِ زِنَا، فَكَانَ زَنِيمًا:
[الدَّلِيلُ: الْحَلَّافُ الْمَهِينُ وَالْقَسَمُ الصَّادِقْ]
لَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ رُبَّمَا تَتَّضِحُ الصُّورَةُ لَنَا أَكْثَرْ:
فَمِنْ مُوَاصَفَاتِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ زَنِيمًا هُوَ أَنَّهُ حَلَّافٌ مَهِينٌ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ حَلَّافٍ مَّهِينٍ؟
لَوْ تَفَقَّدْنَا مُفْرَدَةَ (الْحَلِفِ) فِي جَمِيعِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْحَلِفَ يَكُونُ بِاللَّهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلَوْ دَقَّقْنَا أَكْثَرَ فِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الْحَلِفُ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مِنْ أَوَّلِ مُوَاصَفَاتِ مَنْ يَحْلِفُ هُوَ الْكَذِبْ:
لِذَا نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ بِأَنَّ مَنْ يَلْجَأُ إِلَى الْحَلِفِ هُوَ كَاذِبٌ، لِأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَخَفَّى بِهَذَا الْحَلِفِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا فِي نَفْسِهِ. فَالَّذِي يَحْلِفُ فَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى الْكَذِبِ وَهُوَ يَعْلَمُ (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
فَهَذَا الْحَلَّافُ يَعْرِفُ إِيمَانَ النَّاسِ بِاللَّهِ، فَيَسْتَغِلُّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ التَّغْطِيَةِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا فِي نَفْسِهِ، وَهِيَ لَا شَكَّ عَكْسُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَهُمْ يَتَجَرَّءُونَ عَلَى الْحَلِفِ لِلَّهِ كَمَا يَحْلِفُونَ لِلنَّاسِ (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ النَّجَاةَ بِذَلِكَ مِنْ سُوءِ مَا فَعَلُوا أَوْ مَا ظَنُّوا.
إِنَّ الَّذِي يَهُمُّنَا الْآنَ مِنْ هَذَا الطَّرْحِ هُوَ أَنَّ الْحَلِفَ يَكُونُ بِاللَّهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ كَمَا نَزْعُمُ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُقْسِمُ وَلَكِنَّهُ لَا يَحْلِفُ.
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالْقَسَمِ؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِالْقَسَمِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ يَقُومُ بِفِعْلِ الْقَسَمِ:
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ النَّاسُ، فَهُمْ يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ:
السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ وَمَنْ يُقْسِمُ بِاللَّهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي يَحْلِفُ يَقُومُ بِهَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ كَاذِبٌ، أَيْ هُوَ يَعْلَمُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ إِلَّا لِيُغَطِّيَ عَلَى كَذِبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ:
أَمَّا الَّذِي يُقْسِمُ فَهُوَ الَّذِي يَقُومُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ فِعْلًا مُؤْمِنٌ بِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ. فَالَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ عَقِيدَتُهُمْ فِعْلًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذَا السُّلُوكَ فِي الْمَحَاكِمِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا وَلَكِنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا يَطْلُبُ الْقَاضِي مِمَّنْ يَشْهَدُ فِي الْقَضِيَّةِ أَنْ يُقْسِمَ وَلَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقَاضِيَ يَطْلُبُ مِنَ الشَّاهِدِ فِي الْقَضِيَّةِ أَنْ يُقْسِمَ لِأَنَّهُ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يُدْلِيَ بِشَهَادَتِهِ بِصِدْقٍ كَمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ فِعْلًا، فَلَا يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ الْكَذِبَ، وَلَا يُحَاوِلُ أَنْ يُخْفِيَ شَيْئًا مِنَ الْحَقِيقَةِ، أَيْ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ الْكَذِبَ وَهُوَ يَعْلَمُ.
فَرُبَّمَا تَكُونُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا، وَلَا يَجُرُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْعِقَابَ إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَلَكِنْ يَقَعُ عَلَى الشَّاهِدِ الْعِقَابُ – بِرَأْيِنَا – إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي الشَّهَادَةِ.
فَأَنْتَ (كَشَاهِدٍ) تَقُولُ مَا عِنْدَكَ كَمَا تَظُنُّ فِعْلًا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ، فَلَا تُحَاوِلُ أَنْ تُخْفِيَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا تُحَاوِلُ أَنْ تَزِيدَ فِيهِ شَيْئًا بِتَوَخِّي أَقْصَى دَرَجَاتِ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ.
وَلَوْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي أَنَّكَ تُدْلِي بِشَهَادَتِكَ وَأَنَّكَ تَكْذِبُ فِيهَا، لَحَقَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُوقِعَ عَلَيْكَ الْعُقُوبَةَ، لِأَنَّكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ قَدْ حَلَفْتَ وَلَكِنَّكَ لَمْ تُقْسِمْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): الَّذِي يُقْسِمُ هُوَ الَّذِي يُدْلِي بِشَهَادَتِهِ وَهُوَ يُبْطِنُ مَا يُظْهِرُ فَقَطْ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهَا.
السُّؤَالُ: مَاذَا إِذَنْ عَنْ فِرْعَوْنَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يُقْسِمُ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ، لِأَنَّهُ كَانَ يُبْطِنُ مَا لَا يُظْهِرُ.
السُّؤَالُ: هَلْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ وَهَلْ كَانَ فِرْعَوْنُ أَصْلًا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ حَتَّى يَحْلِفَ بِهِ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَظُنُّ بِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ إِلَهٌ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ بِأَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى؟
أَلَمْ يَقُلْ لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُهُ؟
أَلَيْسَ مِنَ الْمُتَوَقَّعِ أَنْ يَحْلِفَ هَؤُلَاءِ بِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ؟ أَلَمْ يُقْسِمِ السَّحَرَةُ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ هُمُ الْغَالِبُونَ؟
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ مَنْ هُمْ حَوْلَ فِرْعَوْنَ مُؤْمِنُونَ بِأُلُوهِيَّتِهِ فَيَحْلِفُونَ بِهِ (وَيُقْسِمُونَ بِهِ)، فَمَا بَالُ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ؟ فَبِمَنْ سَيَحْلِفُ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ؟ هَلْ سَيَحْلِفُ بِنَفْسِهِ؟
جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ سَيَحْلِفُ بِآلِهَتِهِ.
السُّؤَالُ: وَهَلْ كَانَ لِفِرْعَوْنَ آلِهَةٌ؟ أَلَيْسَ هُوَ نَفْسُهُ إِلَهٌ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ كَانَ هُوَ إِلَهٌ لِقَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّ لَهُ آلِهَةً.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ آلِهَةً؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: دَعْنَا نَتَفَقَّدُ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ مَا قَالَهُ مَنْ كَانَ حَوْلَ فِرْعَوْنَ وَهُمْ مَنْ ظَنُّوا أَنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ هُوَ إِلَهٌ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: تُبَيِّنُ لَنَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ بِأَنَّهُ كَانَ لِفِرْعَوْنَ آلِهَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ).
لِتَكُونَ الصُّورَةُ كَمَا نَتَخَيَّلُهَا الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ نَفْسُهُ إِلَهٌ لِقَوْمِهِ، فَهُمْ إِذَنْ يَحْلِفُونَ بِهِ (وَيُقْسِمُونَ بِهِ)، لَكِنْ كَانَ هُنَاكَ آلِهَةٌ خَاصَّةٌ لِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، وَهَذِهِ الْآلِهَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَحْلِفُ بِهَا.
وَلَمَّا كَانَ لِفِرْعَوْنَ أَكْثَرُ مِنْ إِلَهٍ وَاحِدٍ (أَيْ آلِهَةٌ)، كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِهِمْ جَمِيعًا، لِذَا فَقَدْ كَانَ حَلَّافٌ (أَيْ كَثِيرُ الْحَلِفِ):
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ التَّنْظِيمُ الدِّينِيُّ فِي أَرْضِ مِصْرَ حِينَئِذٍ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
| آلِهَةُ فِرْعَوْنَ |
|---|
| فِرْعَوْنُ الْإِلَهُ (يَحْلِفُ بِآلِهَتِهِ) |
| قَوْمُ فِرْعَوْنَ (يَحْلِفُونَ بِإِلَهِهِمْ فِرْعَوْنَ) |
لِذَا كَانَ فِرْعَوْنُ (كَإِلَهٍ) هُوَ حَلْقَةَ الْوَصْلِ بَيْنَ قَوْمِهِ مِنْ جِهَةٍ وَآلِهَةِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ. فَقَوْمُ فِرْعَوْنَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَى آلِهَةِ فِرْعَوْنَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ.
السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ حَصَلَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْمَالِ وَالْبَنِينَ؟
لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ جَمِيعَ مَا تَحَصَّلَ لِفِرْعَوْنَ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ جَعَلَ لِهَذَا الرَّجُلِ الْوَحِيدِ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا، إِلَّا أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمْ:
فَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَجِدُ (نَحْنُ نَرَى) الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ تُصَوِّرُ مَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ فِي يَوْمِ الدِّينِ هُوَ شَخْصٌ ذُو مَالٍ، لَكِنَّ هَذَا الْمَالَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ (مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ)، وَأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ سُلْطَانٍ، لَكِنَّهُ هَذَا السُّلْطَانَ قَدْ هَلَكَ عَنْهُ (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ).
فَهُوَ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ)، وَإِنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِوُجُودِ آلِهَةٍ أُخْرَى لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، كَمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ).
فَكَانَ حَلَّافًا بِآلِهَتِهِ (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ)، مَنَّاعًا لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ)، حَتَّى وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ (أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ كُلَّ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: كَانَ فِرْعَوْنُ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ)، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِآلِهَتِهِ الَّتِي هِيَ لَا شَكَّ مِنْ دُونِ اللَّهِ (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ).
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي اسْتَفَادَهُ فِرْعَوْنُ مِنْ إِيمَانِهِ بِآلِهَتِهِ هَذِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِيمَانَ فِرْعَوْنَ بِهَذِهِ الْآلِهَةِ هُوَ مَا مَكَّنَهُ مِنْ تَحْقِيقِ مَا يُرِيدُ، حَتَّى أَصْبَحَ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ، وَحَتَّى أَصْبَحَتِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ حَلَّافٌ مَهِينٌ (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ)، يَنْعَتُ خَصْمَهُ بِأَنَّهُ مَهِينٌ (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ)، ظَانًّا بِأَنَّهُ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَجَاءَ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ هُوَ (أَيْ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ) مَنْ كَانَ فِعْلًا مَهِينْ:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ مَهِينٍ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْمَهِينِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْهَيِّنْ:
فَهَذِهِ الْآيَةُ تُبَيِّنُ لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) بِأَنَّ الْمَهِينَ هُوَ عَكْسُ الْعَظِيمِ، فَهُنَاكَ مَنْ حَسِبَ أَنَّ الْأَمْرَ هَيِّنٌ (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا)، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي حِسْبَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَ اللَّهِ فِعْلًا عَظِيمٌ (وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ).
فَهَذَا زَكَرِيَّا يَتَعَجَّبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ هُوَ عَلَى اللَّهِ هَيِّنٌ:
وَهَذِهِ مَرْيَمُ تَتَعَجَّبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ:
فَبِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ خَلْقَ يَحْيَى مِنْ وَالِدِهِ الَّذِي بَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ، بَلْ عَلَى الْعَكْسِ فَهُوَ عَلَى اللَّهِ أَمْرٌ هَيِّنٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ خَلْقُ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ مِنْ أُمٍّ دُونَ أَنْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ.
وَهَذَا لَيْسَ اسْتِثْنَاءً لِأَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ كُلَّهُ جَاءَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ طِينْ:
فَمِنْ صِفَاتِ الْخَالِقِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِمَّا هُوَ مَهِينٌ (كَالْمَاءِ أَوِ التُّرَابِ)، وَأَنَّ الْعَمَلِيَّةَ بِرُمَّتِهَا هِيَ عَمَلِيَّةٌ هَيِّنَةٌ (هَيِّنٌ)، لِأَنَّهَا لَا تُعْجِزُهُ. فَالْخَلْقُ عَلَى اللَّهِ عَمَلٌ هَيِّنٌ، وَيُصْبِحُ أَهْوَنَ عِنْدَمَا يُعِيدُهُ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَفِيدَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي ضَوْءِ حَدِيثِنَا عَنْ فِرْعَوْنَ؟
رَأْيُنَا: كَانَ يَظُنُّ فِرْعَوْنُ أَنَّ إِلَهَ مُوسَى مَهِينٌ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ مَا هُوَ عَظِيمٌ. فَظَنَّ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ بِنَفْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى فِعْلِ مَا هُوَ عَظِيمٌ، لِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ (كَمَا زَعَمَ) لَيْسَ مَهِينْ.
فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ بِأَنَّهُ هُوَ (أَيْ فِرْعَوْنَ) فِعْلًا مَهِينٌ، بَعْدَ أَنْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ حَلَّافْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ مَهِينًا، لِأَنَّهُ كَانَ حَلَّافًا، أَيْ يَقُولُ الْقَوْلَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْذِبُ فِيهِ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَقُومُ بِهِ فِرْعَوْنُ مِنْ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ لِيَتَحَصَّلَ لَهُ بِفِعْلِ قُدْرَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، فَهُوَ شَخْصِيًّا لَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُومُ بِذَلِكَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ.
السُّؤَالُ: مَنْ هُمُ الَّذِينَ كَانَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِرْعَوْنُ لِتَنْفِيذِ مَا يُرِيدُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّهُمْ آلِهَتُهُ الَّذِينَ كَانَ يُؤْمِنُ بِهِمْ. فَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِرْعَوْنُ فِي تَنْفِيذِ مَا يَبْدُو لِلنَّاسِ أَنَّهَا أَفْعَالٌ خَارِقَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ مِنَ الْبَشَرِ الْعَادِيِّينْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: فِي حِينِ أَنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَإِلَهٍ هُوَ الَّذِي يَقُومُ لَهُمْ بِكُلِّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَبْدُو عَظِيمَةً، كَجَعْلِ أَرْضِ مِصْرَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِ أَنْهَارُهَا،
جَاءَ الْقَوْلُ الرَّبَّانِيُّ لِيُبَيِّنَ لَنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ كَانَ مَهِينًا، لِأَنَّهُ كَانَ بِشَخْصِهِ أَضْعَفَ مِنْ أَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ. لَكِنَّهُ كَانَ يَسْتَعِينُ بِمَنْ يَفْعَلُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَبْدُو لِلنَّاسِ وَيْكَأَنَّهُ هُوَ مَنْ فَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ.
[الدَّلِيلُ: سِرُّ الْهَلَاكِ بِالْمَاءِ وَالْآلِهَةُ الْمَادِّيَّةْ]
السُّؤَالُ: مَنْ هُمْ إِذَنْ آلِهَةُ فِرْعَوْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعِينُ بِهِمْ لِعَمَلِ الْخَوَارِقِ مِنَ الْأَفْعَالِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَدْعُونَا إِلَى طَرْحِ تَسَاؤُلٍ رُبَّمَا يَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى بِأَنَّهُ غَرِيبٌ. وَالسُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا كَانَتْ نِهَايَةُ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ كُلَّهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْعِقَابَ بِالْمَاءِ لَمْ يَحْدُثْ إِلَّا فِي الْحَالَاتِ التَّالِيَةْ:
- قَوْمُ نُوحٍ.
- يُونُسُ.
- إِلَهُ السَّامِرِيِّ.
- فِرْعَوْنُ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتْ نِهَايَةُ قَوْمِ نُوحٍ بِالْغَرَقِ بِالْمَاءِ؟ لِمَ لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ عِقَابًا عَلَى قَوْمِ نُوحٍ غَيْرَ الْعِقَابِ بِالْمَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُهْلِكَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ بِعَذَابٍ غَيْرِ الْمَاءِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ الْإِلَهُ لَيْسَ مَحْضَ صُدْفَةٍ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرًا، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَلَاكَ قَوْمِ نُوحٍ بِالْمَاءِ كَانَ مُقَدَّرًا، كَمَا نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانٍ أَنْ يُهْلِكَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ بِغَيْرِ الْمَاءِ.
لَا بَلْ وَنَتَجَرَّأُ عَلَى الْبَوْحِ بِعَقِيدَتِنَا الَّتِي مَفَادُهَا بِأَنَّهُ لَوِ اسْتَخْدَمَ اللَّهُ عِقَابًا غَيْرَ الْمَاءِ فِي إِهْلَاكِ قَوْمِ نُوحٍ لَمَا هَلَكُوا جَمِيعًا. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: تَحَدَّثْنَا عَنْ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ سَابِقًا وَزَعَمْنَا الظَّنَّ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) بِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُوجَدَ قُوَّةٌ كَوْنِيَّةٌ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْلِكَ مَنْ كَانَ إِلَهًا بِغَيْرِ الْمَاءِ، لِذَا عَمَدَ مُوسَى إِلَى أَنْ يَنْسِفَ الْعِجْلَ (إِلَهَ السَّامِرِيِّ) بِالْيَمِّ بَعْدَ أَنْ حَرَّقَهُ:
لِذَا، كَانَ لَابُدَّ مِنَ اسْتِخْدَامِ الْمَاءِ لِيُهْلِكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ إِلَهًا مِنْ دُونِهِ (كَعِجْلِ السَّامِرِيِّ).
السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، فَلِمَ يَقَعُ الْعَذَابُ بِالْمَاءِ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ مَثَلًا؟ هَلْ كَانَ فِيهِمْ آلِهَةٌ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِالْعَذَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِقَوْمِ نُوحٍ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْدَمَ الْمَاءَ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الْأَرْضِ وَالْمَاءَ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى الْتَقَيَا:
فَطَغَى الْمَاءُ:
فَأَصْبَحَ الْمَاءُ كُتْلَةً وَاحِدَةً، فَذَهَبَ الْفُلْكُ الَّذِي صَنَعَهُ نُوحٌ (كَأَدَاةٍ لِلنَّجَاةِ مِنَ الْغَرَقِ) يَغُوصُ فِي دَاخِلِ هَذَا الْمَاءِ. لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ مَا صَنَعَهُ نُوحٌ لَمْ تَكُنْ فَقَطْ سَفِينَةً:
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ أَيْضًا فُلْكًا:
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّفِينَةِ وَالْفُلْكِ؟ هَلْ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كُلَّ فُلْكٍ هِيَ سَفِينَةٌ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ سَفِينَةٍ هِيَ فُلْكٌ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ السَّفِينَةَ هِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى الْمَاءِ، أَمَّا الْفُلْكُ فَهِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي تَجْرِي فِي الْمَاءِ:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفُلْكَ هِيَ أَشْبَهَ مَا تَكُونُ بِالْغَوَّاصَةِ الَّتِي تَسِيرُ دَاخِلَ الْمَاءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ):
وَحَتَّى تَجْرِيَ الْفُلْكُ دَاخِلَ الْمَاءِ، فَلَابُدَّ أَنْ تَكُونَ مَشْحُونَةً:
فَالسَّفِينَةُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَرَّكَ دُونَ أَنْ تُشْحَنَ، لِأَنَّ قُوَّةَ الرِّيَاحِ هِيَ الَّتِي تُحَرِّكُهَا. أَمَّا الْفُلْكُ الَّتِي تَجْرِي فِي الْمَاءِ، فَإِنَّ حَرَكَتَهَا مَحْكُومَةٌ بِالتَّيَّارَاتِ الْمَائِيَّةِ دَاخِلَ الْمَاءِ،
وَلَكِنْ حَتَّى تُقَارِعَ هَذِهِ الْفُلْكُ التَّيَّارَاتِ الْمَائِيَّةَ وَيُصْبِحَ بِالْإِمْكَانِ تَوْجِيهُهَا فَلَابُدَّ مِنْ أَنْ تُشْحَنَ، أَيْ لَابُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُحَرِّكِ الَّذِي يَتَحَكَّمُ بِحَرَكَتِهَا لِتَوْجِيهِ دَفَّتِهَا، لِيَتَغَلَّبَ عَلَى قُوَّةِ التَّيَّارَاتِ الْمَائِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ دَاخِلَ الْمَاءِ.
فَجَمِيعُ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ الْفُلْكِ (كَمَا نَفْهَمُهَا) تُصَوِّرُهَا دَاخِلَ الْمَاءِ:
وَسَنُحَاوِلُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ تِبْيَانَ تَبِعَاتِ هَذَا الْفَهْمِ عَلَى طَرِيقَةِ دُخُولِ يُونُسَ فِي الْفُلْكِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ – آمِينْ.
لَكِنْ مَا يَهُمُّنَا هُنَا هُوَ التَّرْكِيزُ عَلَى فِكْرَةِ اسْتِخْدَامِ الْمَاءِ فِي الْعَذَابِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ. فَلِمَاذَا (نَحْنُ نَسْأَلُ) اسْتَخْدَمَ اللَّهُ الْمَاءَ فِي إِهْلَاكِ قَوْمِ نُوحٍ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى وُجُودِ الْآلِهَةِ، قَالَ تَعَالَى:
فَقَوْمُ نُوحٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَدْ أَصَرُّوا عَلَى أَنْ لَا يَذَرُوا آلِهَتَهُمْ (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ). وَجَاءَ التَّحْدِيدُ عَلَى نَحْوِ أَنْ لَا يَذَرُوا وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا.
السُّؤَالُ: مَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي نَجِدُهَا عِنْدَ قَوْمِ نُوحٍ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْآلِهَةُ الَّتِي كَانَ يَسْتَعِينُ بِهَا قَوْمُ نُوحٍ لِتَحْقِيقِ مُرَادِهِمْ حَتَّى أَصْبَحَتْ بِلَادُهُمْ جَنَّاتْ:
فَالسِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ يُبَيِّنُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ ضَلُّوا بِسَبَبِ هَذِهِ الْآلِهَةِ الَّتِي كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِهَا (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا). وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْأُخْرَى، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ قَوْمَ نُوحٍ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ كَانَ هُمُ الْأَظْلَمَ وَالْأَطْغَى عَلَى مَرِّ التَّارِيخْ:
فَلَا شَكَّ إِذَنْ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا أَظْلَمَ وَأَطْغَى مِنْ عَادٍ الْأُولَى وَمِنْ ثَمُودَ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا؟ مَا الَّذِي جَعَلَ قَوْمَ نُوحٍ هُمُ الْأَظْلَمَ وَالْأَطْغَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ الَّتِي حَقَّ عَلَيْهَا الْعَذَابُ، قَدْ عَبَدُوا آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَبَعْضُهُمْ قَدْ عَبَدُوا وَلَاتَ:
وَبَعْضُهُمْ عَبَدُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى:
وَكَانَتْ هَذِهِ جَمِيعًا (فِي نَظَرِ الْأَقْوَامِ السَّابِقَةِ) آلِهَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعْبَدَ، لَا بَلْ فَقَدْ كَانَتْ مُعْضِلَةُ هَذِهِ الْأَقْوَامِ فِي دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ تَتَمَثَّلُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ قَدْ جَعَلُوا الْآلِهَةَ جَمِيعًا إِلَهًا وَاحِدًا، وَهُوَ مَا نَعَتُوهُ بِالشَّيْءِ الْعُجَابْ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِعِبَادَاتِ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُمْ يَنْعَتُوهَا بِأَنَّهَا أَصْنَامٌ، كَمَا جَاءَ فِي دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ:
فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ يَتَسَاءَلُ عَنْ عِبَادَةِ قَوْمِهِ، فَيَجِدُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا:
وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ هِيَ آلِهَتَهُمْ:
وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ أَنْ يَعْبُدُوا الْأَصْنَامَ:
وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْكَوَاكِبِ أَوْ بِالشَّمْسِ أَوْ بِالْقَمَرِ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي رَفَضَ أَنْ يَعْبُدَ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا أَبُوهُ وَقَوْمُهُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْكَوْكَبِ وَإِلَى الشَّمْسِ وَإِلَى الْقَمَرِ كَبَدَائِلَ لِهَذِهِ الْأَصْنَامْ:
فَهَذِهِ الْأَصْنَامُ هِيَ مُتَوَاجِدَةٌ عَلَى الْأَرْضِ بِدَلِيلِ مَا وَجَدَهُ مُوسَى وَقَوْمُهُ عِنْدَ قَوْمٍ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ اللَّهُ بِهِمُ الْبَحْرَ:
وَقَدْ تَعَرَّضْنَا سَابِقًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْنَامِ وَالتَّمَاثِيلِ، فَزَعَمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ فِي حِينِ أَنَّ التَّمَاثِيلَ هِيَ لِلِاعْتِكَافِ:
فَإِنَّ الْهَدَفَ مِنْ وُجُودِ الْأَصْنَامِ هِيَ الْعِبَادَةُ مَادَامَ أَنَّ الْقَوْمَ يَتَّخِذُونَهَا آلِهَةً:
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ: أَلَمْ يَثُرْ إِبْرَاهِيمُ عَلَى عِبَادَةِ قَوْمِهِ لِلْأَصْنَامِ؟ أَلَمْ يَجِدْ أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ؟
أَلَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمُ قَرَارَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ هِيَ عَدُوٌّ لَهُ؟
لِمَ إِذَنْ يَطْلُبُ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ)؟ وَكَيْفَ بِهَذِهِ الْأَصْنَامِ تُضِلُّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ)؟
السُّؤَالُ: مَا السِّرُّ فِي هَذِهِ الْأَصْنَامِ؟ هَلْ هِيَ فِعْلًا حِجَارَةٌ صَمَّاءُ كَمَا صَوَّرَهَا لَنَا أَهْلُ الدِّينِ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَمْ تَكُنْ عِبَارَةً عَنْ حِجَارَةٍ صَمَّاءَ لِأَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْحِجَارَةِ لَمْ تَكُنْ لِتُضِلَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، وَلِأَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْحِجَارَةِ لَنْ تُشَكِّلَ هَاجِسًا لِإِبْرَاهِيمَ نَفْسِهِ لِيَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِيهِ مِنْ عِبَادَتِهَا.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ إِذَنْ تِلْكَ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَادَامَ أَنَّ تِلْكَ الْأَصْنَامَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِفِعْلِ الضَّلَالِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تَقُومُ بِذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا هِيَ مَنْ أَضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ تَقُومُ الْأَصْنَامُ بِفِعْلِ الضَّلَالِ؟ أَوْ كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْأَصْنَامُ (الَّتِي نَظُنُّ بِأَنَّهَا حِجَارَةٌ صَمَّاءُ) هِيَ مَنْ تُضِلُّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ؟
وَلِمَاذَا فُتِنَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ بِهَذِهِ الْأَصْنَامِ حَتَّى عَكَفُوا عَلَيْهَا عَابِدِينَ؟ فَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَقَدْ تَجَاوَزَ بِهِمُ اللَّهُ الْبَحْرَ، فَيُنْجِيهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَهَا هُمْ لَازَالُوا بِصُحْبَةِ مُوسَى نَفْسِهِ،
وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ هَا هُمْ يَطْلُبُونَ مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً مِثْلَ تِلْكَ الْآلِهَةِ الَّتِي يَعْكُفُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْقَرْيَةِ الَّتِي أَتَوْا عَلَيْهَا فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةْ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي جَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَنْعَتُونَ هَذِهِ الْأَصْنَامَ بِأَنَّهَا آلِهَةٌ، فَيَطْلُبُونَ مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ آلِهَةٌ مِنَ الْأَصْنَامِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَتَبَّعْنَا قِصَّةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُمْ قَدْ وَقَعُوا فِي الضَّلَالَةِ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى يَدِ السَّامِرِيِّ عِنْدَمَا أَخْرَجَ لَهُمْ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارْ:
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا مَا جَاءَ فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ أَنْفُسَهُمْ يَنْعَتُونَ هَذَا الْعِجْلَ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَهُمُ السَّامِرِيُّ مِنْ حُلِيِّهِمْ هُوَ فِعْلًا إِلَهٌ، حَتَّى قَالُوا بِأَنَّ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ).
رَأْيُنَا: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، لَابُدَّ (نَحْنُ نَرَى) مِنَ التَّعَرُّضِ لِمَاهِيَّةِ هَذَا الْعِجْلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ السَّامِرِيُّ لِلْقَوْمِ. فَلَقَدْ زَعَمْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ السَّامِرِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَطِيعَ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْعِجْلَ الَّذِي لَهُ خُوَارٌ مِنْ حُلِيِّهِمْ لَوْلَا تِلْكَ الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا:
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا السَّامِرِيُّ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ؟ وَكَيْفَ اسْتَطَاعَ السَّامِرِيُّ بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ الَّتِي قَبَضَهَا مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ ذَلِكَ الْعِجْلَ الْجَسَدَ الَّذِي لَهُ خُوَارٌ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: عِنْدَمَا تَعَرَّضْنَا لِهَذَا التَّسَاؤُلِ فِي مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ بَابُ السَّامِرِيّْ، زَعَمْنَا أَنَّ الْقَبْضَةَ الَّتِي قَبَضَهَا السَّامِرِيُّ كَانَ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْعَصَا الَّتِي تَرَكَهَا مُوسَى مَعَ أَخِيهِ هَارُونَ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَخْلُفَهُ فِي قَوْمِهِ:
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا السَّامِرِيُّ إِذَنْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ مُوسَى عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ رَبِّهِ فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ، فَاسْتَعْجَلَ مُوسَى اللِّقَاءَ، فَذَهَبَ مُتَعَجِّلًا إِلَى رَبِّهِ:
وَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ الْمَكَانَ، أَعْطَى مُوسَى الْعَصَا الَّتِي كَانَتْ بِيَدِهِ إِلَى أَخِيهِ هَارُونَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَتَهُ فِي قَوْمِهِ:
وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَضَعُوا أَوْزَارَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَحْمِلُونَهَا مَعَهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ السَّامِرِيُّ، فَأَلْقَى أَوْزَارَهُ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا:
وَمَا أَنْ أَلْقَى السَّامِرِيُّ أَوْزَارَهُ مَعَ أَوْزَارِ الْقَوْمِ حَتَّى أَبْصَرَ مَا لَمْ يُبْصِرْهُ الْآخَرُونَ:
فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى عَصَا مُوسَى الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً حِينَئِذٍ مَعَ أَوْزَارِ الْقَوْمِ، وَهُنَا طَارَتِ الْفِكْرَةُ إِلَى رَأْسِ السَّامِرِيِّ بِأَنْ يَقْبِضَ قَبْضَةً مِنْ تِلْكَ الْعَصَا، الَّتِي شَهِدَ السَّامِرِيُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْعَجَائِبِ الَّتِي فَعَلَتْهَا تِلْكَ الْعَصَا فِي يَوْمِ الزِّينَةْ:
فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ قَبْضَةً مِنْهَا لِيَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَ لَهُ تِلْكَ الْقَبْضَةْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْقَبْضَةُ الَّتِي قَبَضَهَا السَّامِرِيُّ مِنْ عَصَا مُوسَى؟
رَأْيُنَا: تَحَدَّثْنَا كَثِيرًا فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ عَنْ عَصَا مُوسَى، وَتَصَوَّرْنَا بِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَصًا طَوِيلَةٍ، وَعَلَى رَأْسِهَا مَا يُشْبِهُ قَبْضَةَ الرَّجُلِ، وَهِيَ مَا نَظُنُّ أَنَّهَا تُسَمَّى بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ بِـ bludgeon ، وَالَّتِي يُعَرِّفُهَا الْقَامُوسُ الْإِنْجِلِيزِيُّ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
a heavy stick which is thick at one end and is used as a weapon
فَهِيَ إِذَنْ عِبَارَةٌ عَنْ عَصًا يَكُونُ أَحَدُ طَرَفَيْهَا ثَخِينًا بِمَا يُشْبِهُ قَبْضَةَ الرَّجُلِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
فَعَمَدَ السَّامِرِيُّ إِلَى أَخْذِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنَ الْعَصَا بِقَبْضَتِهِ، فَأَصْبَحَتِ الْعَصَا بَعْدَ ذَلِكَ قَصِيرَةً، وَانْتَهَتْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بِأَنْ تَكُونَ مِنْسَأَةً فِي يَدِ سُلَيْمَانْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ بَابُ السَّامِرِيّْ، وَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ)
وَبِتِلْكَ الْقَبْضَةِ اسْتَطَاعَ السَّامِرِيُّ أَنْ يُدْخِلَ الْحَيَاةَ إِلَى الْعِجْلِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لَهُمْ مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَدَبَّتْ فِيهِ الْحَيَاةُ بِفِعْلِ تِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَأَصْبَحَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارْ،
وَهُنَا لَمْ يَتَرَدَّدِ الْقَوْمُ أَنْ يَنْعَتُوا هَذَا الْعِجْلَ بِأَنَّهُ إِلَهٌ، فَقَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ بِأَنَّ هَذَا إِلَهُهُمْ وَإِلَهُ مُوسَى:
وَلَمَّا أَصْبَحَ هَذَا الْعِجْلُ إِلَهًا، لَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِالتَّحْرِيقِ، بَلْ كَانَ عَلَى مُوسَى أَنْ يَنْسِفَهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا:
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِلَهَ لَا يُمْكِنُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهِ – كَمَا أَسْلَفْنَا – إِلَّا بِالْمَاءِ. فَاللَّهُ هُوَ مَنْ أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ (الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ إِلَهٌ بِالْمَاءِ)، وَكَذَلِكَ كَانَ الْهَدَفُ – بِرَأْيِنَا – مِنْ إِغْرَاقِ قَوْمِ نُوحٍ بِالْمَاءِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْآلِهَةِ الَّتِي تَتَوَاجَدُ فِيهِمْ:
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِفَحْوَى النِّقَاشِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الصَّنَمُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ مَادِّيٍّ، كَانَ لَابُدَّ مِنْ وُجُودِ الْحَيَاةِ بِدَاخِلِهِ حَتَّى يَنْعَتَهُ النَّاسُ بِصِفَةِ الْإِلَهِ.
فَالْقَوْمُ الَّذِينَ أَتَى عَلَيْهِمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ اللَّهُ بِهِمُ الْبَحْرَ كَانُوا يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَظَنَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ هِيَ آلِهَةٌ، فَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ آلِهَةٌ:
فَالسَّامِرِيُّ هُوَ مَنْ أَخْرَجَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ كَإِلَهٍ:
وَهَا هُمْ أَنْفُسُهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْ مُوسَى شَخْصِيًّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً:
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ يَتَصَوَّرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ مُوسَى لِيُخْرِجَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ آلِهَةٌ لَوْ أَنَّ مُوسَى فِعْلًا نَزَلَ عِنْدَ طَلَبِهِمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ أَنَّ مُوسَى نَزَلَ عِنْدَ رَغْبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَئِذٍ، لَعَمَدَ مُوسَى إِلَى شَيْءٍ مَادِّيٍّ، وَلَوَضَعَ فِيهِ الْحَيَاةَ، وَمَا أَنْ تَدِبَّ الْحَيَاةُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ هَذَا الشَّيْءُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ صَنَمْ.
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مَا يَعْبُدُهُ النَّاسُ مِنْ دُونِ اللَّهِ هِيَ أَوْثَانْ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ يَنْعَتُ كُلَّ مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ دُونِهِ بِأَنَّهَا فِعْلًا آلِهَةْ:
وَالْمُتَدَبِّرُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يَجِدُ أَنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا هَذِهِ الْأَوْثَانَ كَآلِهَةٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّمَا خَلَقُوا إِفْكًا:
فَحَتَّى تُصْبِحَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلَابُدَّ أَنْ يُخْلَقَ فِيهَا الْإِفْكُ، وَأَنَّ هَذَا الْإِفْكَ الَّذِي يُخْلَقُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ صُنْعِ النَّاسِ أَنْفُسِهِمْ.
وَمَادَامَ أَنَّ مَا خَلَقُوهُ هُوَ إِفْكٌ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِفْكَ هُوَ تَصْوِيرُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِصَّةِ الْإِفْكِ الَّتِي جَاءَتْ بِهِ الْعُصْبَةْ:
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ يَأْتِي بِالْإِفْكِ، إِنَّمَا يَجِيءُ بِهِ لِغَايَةٍ فِي نَفْسِهِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ حَدِيثُ الْإِفْكْ)
وَبِهَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا تِلْكَ الْأَصْنَامَ آلِهَةً، قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ نَتِيجَةَ مَا رَأَوْهُ مِنَ الْعَجَبِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ،
فَهِيَ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَنْ أَشْيَاءَ جَامِدَةٍ لَا حَرَاكَ فِيهَا، ثُمَّ عَمَدَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى إِدْخَالِ الْحَيَاةِ فِيهَا بِطَرِيقَةٍ مُحَدَّدَةٍ (كَمَا فَعَلَ السَّامِرِيُّ مَثَلًا)، فَتَجَسَّدَتْ وَتَحَرَّكَتْ بَعْدَ أَنْ دَبَّتْ فِيهَا الْحَيَاةُ،
فَكَانَتْ تِلْكَ عِبَارَةً عَنْ أَوْثَانٍ، أَيْ أَصْنَامٍ (جَامِدَةٍ) قَدْ دَبَّتْ بِهَا الْحَيَاةُ، فَكَانَتْ أَوْثَانًا، فَأَصْبَحَتْ مَثَارَ تَسَاؤُلٍ لِمَنْ رَآهَا.
فَمَا كَانَ مِنَ الَّذِينَ خَلَقُوهَا (وَمِنَ الَّذِينَ رَأَوْهَا بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ) إِلَّا أَنْ يَنْعَتُوهَا بِأَنَّهَا آلِهَةٌ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَدَفِ التَّغْطِيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَجَاءَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ خَلْقِ الْإِفْكْ:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ الْهَدَفُ الْأَوَّلُ لِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الَّذِي يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا أَنْ يَصُدُّوا النَّاسَ عَنْ عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَوْحَدِ، رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا،
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ، وَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضْ:
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ سِرُّ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ. وَلَمَّا كَانَتْ فِئَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ يَعْلَمُونَ سِرَّ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ اسْتَغَلُّوا ذَلِكَ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ،
فَكَانَ أَوَّلُ مَا فَعَلُوهُ هُوَ اسْتِخْدَامُ ذَلِكَ الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ خَلْقِ الْإِفْكِ، فَتَمَثَّلَ ذَلِكَ فِي عِبَادَةِ الْآلِهَةِ (الْأَوْثَانِ) الَّتِي هِيَ آلِهَةٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
لِنَخْلُصَ مِنْ خِلَالِ هَذَا النِّقَاشِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ هَذِهِ الْكَيْنُونَاتِ الَّتِي عَبَدَتْهَا الْأَقْوَامُ السَّابِقَةُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ صَنِيعَةِ النَّاسِ أَنْفُسِهِمْ، فَهُمُ الَّذِينَ خَلَقُوا الْإِفْكَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَضَلُّوا النَّاسَ عَنْ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ بِهَذِهِ الْكَيْنُونَاتِ الَّتِي تُضِلُّ النَّاسْ:
فَاللَّهُ هُوَ مَنْ فَتَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعِجْلِ، وَالسَّامِرِيُّ هُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَ اللَّهُ هُوَ مَنْ يَعْلَمُ مَا فِي صُدُورِ الْعِبَادِ، كَانَ لَابُدَّ مِنْ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا كَانَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ وَجَدُوهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ اللَّهُ بِهِمُ الْبَحْرَ:
فَبِالرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَهُ مُوسَى لَهُمْ عَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنْهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ فُتِنُوا بِتِلْكَ الْأَصْنَامِ الَّتِي وَجَدُوهَا عِنْدَ الْقَوْمِ فِي طَرِيقِ خُرُوجِهِمْ.
فَكَانَ لَابُدَّ أَنْ يُمَحِّصَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينْ:
فَكَانَ الْعِجْلُ هُوَ أَشْبَهَ مَا يَكُونُ بِمَا طَلَبُوا. فَبِالرَّغْمِ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَنْزِلْ عِنْدَ طَلَبِهِمْ لِإِيمَانِهِ بِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هُوَ بَاطِلٌ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ:
لَمْ يَكُنْ رَدُّ مُوسَى لِيُرْضِيَهُمْ تَمَامَ الرِّضَا، فَلَازَالَ بَيْنَهُمْ مَنْ يُسَاوِرُهُ الشَّكُّ بِمَا فَعَلَهُ مُوسَى، فَاسْتَغَلَّ السَّامِرِيُّ هَذَا الشَّكَّ الَّذِي كَانَ يَمْلَأُ صُدُورَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ لِكَيْ يُخْرِجَ لَهُمُ الْعِجْلَ كَمِثَالٍ عَلَى تِلْكَ الْآلِهَةِ الَّتِي طَلَبُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ مُوسَى.
وَضَلَّ هَذَا الْعِجْلُ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى بَعْدَ أَنْ تَمَّ التَّخَلُّصُ مِنْهُ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ):
السُّؤَالُ: كَيْفَ فَعَلَ السَّامِرِيُّ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: لَقَدْ صَنَعَ السَّامِرِيُّ مِنْ حُلِيِّ الْقَوْمِ عِجْلًا، فَخَلَقَ فِيهِ الْإِفْكَ، فَكَانَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارْ:
فَكَانَ هَدَفُ السَّامِرِيِّ هُوَ صَدَّ النَّاسِ عَنْ عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَوْحَدِ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ (وَهِيَ لَا شَكَّ عِنْدَنَا فِيهَا سِرُّ الْحَيَاةِ)، مَادَامَ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْعَصَا الَّتِي أَعَادَ اللَّهُ فِيهَا الْحَيَاةَ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُلْقِيَهَا فِي النَّارْ:
فَاسْتَخْدَمَ مَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيُضِلَّ النَّاسَ عَنْ عِلْمْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا هُوَ أَنَّ هَؤُلَاءِ النَّاسَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا إِلَهَهُمْ هَوَاهُمْ (كَالسَّامِرِيِّ) قَدِ اسْتَخْدَمُوا الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ لِتَنْفِيذِ مَآرِبِهِمُ الْخَاصَّةِ، وَذَلِكَ هَوًى مِنْ أَنْفُسِهِمْ. فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا النَّاسَ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ أَنْ يُضِلُّوا النَّاسَ بَعْدَ أَنْ ضَلُّوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِمَا تَحَصَّلَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْعِلْمُ؟
جَوَابٌ: إِنَّهُ عِلْمُ الْقُرُونِ الْأُولَى.
سُؤَالٌ: مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا هَوَاهُمْ:
وَهُنَا طَلَبَ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ أَنْ يَقْصُصَ الْقَصَصَ مُبَاشَرَةً بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مُبَاشَرَةً. وَهُنَا تَبْدَأُ قِصَّةُ سُورَةِ الْقَصَصِ نَفْسِهَا الَّتِي مَطْلَعُهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَقَدِ افْتَرَيْنَا سَابِقًا أَنَّ عِلْمَ الْقُرُونِ الْأُولَى الَّتِي تَحَصَّلَتْ لِفِرْعَوْنَ هِيَ الْآيَاتُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَدَأَتْ بِهَا سُورَةُ الْقَصَصْ:
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثَةُ هِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ:
- ط (الْعِلْمُ الْخَاصُّ بِتَسْخِيرِ الْجِنِّ).
- س (الْعِلْمُ الْخَاصُّ بِالْفَلَكِ).
- م (الْعِلْمُ الْخَاصُّ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ).
[الدَّلِيلُ: عِلْمُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَدَرْءُ الْقَتْلْ]
لَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ تَسْخِيرَ الْجِنِّ يَحْتَاجُ إِلَى الْأَدَاةِ، وَهِيَ بِظَنِّنَا تِلْكَ الْعَصَا.
أَمَّا الْعِلْمُ الْخَاصُّ بِالْفَلَكِ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى بُلُوغِ الْأَسْبَابْ.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْخَاصُّ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، فَهُوَ الْعِلْمُ الْخَاصُّ بِدَرْءِ الْقَتْلِ عَنِ النَّفْسْ.
دَعْنَا نَبْدَأُ الْقِصَّةَ مِنْ آخِرِهَا، مَادَامَ أَنَّ حَدِيثَنَا مُنْصَبًّا فِي بَابِ الْقَتْلِ هُنَا عَنْ عِلْمِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ. لِنَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّ هَذَا التَّسَاؤُلَ يُعِيدُنَا مُبَاشَرَةً إِلَى قِصَّةِ الشِّفَاءِ مِنَ الْمَرَضِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ يَنْسِبُ الْمَرَضَ لِنَفْسِهِ بَيْنَمَا يُؤْمِنُ أَنَّ الشِّفَاءَ هُوَ مِنَ اللَّهِ:
وَلَكِنَّنَا نَجِدُ بِالْمُقَابِلِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ نَفْسُهُ إِلَهٌ، لِذَا لَمْ يَكُنْ لِيَمْرَضَ، فَمَا أَصَابَهُ الْأَذَى فِي حَيَاتِهِ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ فِعْلَ ذَلِكَ؟
هَذَا مَا سَنُتَابِعُ الْبَحْثَ فِيهِ فِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَدْعُو أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي،
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَأَدْعُوهُ أَنْ يَزِدْنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا. وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ – آمِينْ.

تعليقات