قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ الْأَرْبَعُونَ [أَسْرَارُ الرُّوحِ وَتَجَلِّيَاتُ الْعَذَابِ وَسِرُّ الذَّهَبِ]
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌْ: الرِّيحُ تَتَحَرَّكُ بِأَمْرِ رَبِّهَا (أَيْ بِالرُّوحِْ)، وَهَذَا الرُّوحُ هُوَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِْ:
لِذَاْ، لَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ وَقَعَ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا لَحْظَةَ أَنْ يَجِيءَ أَمْرُ اللَّهِْ، قَالَ تَعَالَىْ:
وَاللَّهُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرِهِْ:
وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ بَعْضًا مِنْ عِبَادِهِ شَيْئًا مِنَ الْمُلْكِْ، فَتُصْبِحُ تِلْكَ الرُّوحُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ تَجْرِي بِأَمْرِ بَعْضِ عِبَادِ اللَّهِ كَمَا حَصَلَ مَعَ سُلَيْمَانَْ:
فَكَانَتِ الرِّيحُ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِْ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الرِّيحَ مُسَخَّرَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِْ، فَإِنَّ النُّجُومَ مَثَلًا مُسَخَّرَاتٌ أَيْضًا بِأَمْرِهِْ، لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّْ بِأَنَّهُ لَوْ آتَى اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ مُلْكًا يَخُصُّ النُّجُومَ مَثَلًا (كَمَا آتَى اللَّهُ سُلَيْمَانَ مُلْكًا يَخُصُّ الرِّيحَْ)، لَسُخِّرَتْ تِلْكَ النُّجُومُ لَهُْ، فَأَصْبَحَتْ تَجْرِي بِأَمْرِهِْ:
وَلَوْ حَاوَلْنَا عَقْدَ مُقَارَنَةٍ بَيْنَ مَا كَانَ لِدَاوُودَ مَعَ مَا كَانَ لِوَلَدِهِ سُلَيْمَانَْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَخَّرَ الْجِبَالَ لِدَاوُودَْ:
بَيْنَمَا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَخَّرَ الرِّيحَ لِسُلَيْمَانَْ:
لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ الْعَجِيبَةَ تَكْمُنُ – بِرَأْيِنَا- أَنَّ تَسْخِيرَ الْجِبَالِ لِدَاوُودَ لَمْ يَكُنْ بِوُجُودِ الْأَمْرِ (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَْ)، بَيْنَمَا تَسْخِيرُ الرِّيحِ لِسُلَيْمَانَ فَقَدْ كَانَ بِوُجُودِ الْأَمْرِ (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِْ). السُّؤَالُْ: مَا الْفَارِقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَمَّا كَانَتِ الرِّيَاحُ مُسَخَّرَةً بِأَمْرِ سُلَيْمَانَْ، كَانَ النَّتِيجَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِذَلِكَ أَنْ تَجْرِيَ الرِّيَاحُ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَْ. فَحَرَكَةُ الرِّيحِ تَعْتَمِدُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ سُلَيْمَانُ نَفْسُهُْ، لِذَاْ، فَهِيَ تَشْتَدُّ وَتَتَبَاطَأُ وَتَتَوَقَّفُ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَْ). لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الْجِبَالُ مُسَخَّرَةً مَعَ دَاوُودَ (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَْ)، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِْ، فَلَمْ تَكُنْ حَرَكَةُ الْجِبَالِ مُقَيَّدَةً بِمَا يُرِيدُهُ دَاوُودُْ، فَالْجِبَالُ أَصْلًا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِْ:
فَحَرَكَةُ الْجِبَالِ مُقَدَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرًاْ، لَا يَتَدَخَّلُ دَاوُودُ فِي حَرَكَتِهَا بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَتْ مُسَخَّرَةً مَعَهُْ، لَكِنَّهَا لَا شَكَّ تُسَبِّحُْ:
وَهِيَ أَيْضًا تَئُوبُ مَعَ دَاوُودَْ:
السُّؤَالُْ: لِمَاذَا كَانَتِ الْجِبَالُ تُسَبِّحُ؟ وَمَا السِّرُّ الَّذِي يَجْعَلُ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ تَئُوبُ مَعَ دَاوُودَ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: إِنَّهُ الرُّوحُْ
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌْ: افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي الْأَجْزَاءِ السَّابِقَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنَّ الْجِبَالَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مُسْتَقْطِبَاتِ الرُّوحِْ، فَالرُّوحُ الْكَامِنَةُ فِي الْجِبَالِ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْجِبَالَ تَتَحَرَّكُْ، فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِْ:
فَحَرَكَةُ الْجِبَالِ تُشْبِهُ تَمَامًا حَرَكَةَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِْ. وَبِالرَّغْمِ أَنَّ السَّحَابَ يَتَكَوَّنُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِحَجْمٍ لَا يَقِلُّ عَنْ حَجْمِ الْجِبَالِْ:
إِلَّا أَنَّهَا تَتَحَرَّكُْ، فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِْ. فَالرُّوحُ (أَوْ لِنَقُلِ الطَّاقَةُْ) الْكَامِنَةُ فِي الْجِبَالِ هِيَ الْكَفِيلَةُ (نَحْنُ نَظُنُّْ) بِدَيْمُومَةِ حَرَكَتِهَا الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُْ، وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ نَجِدُ أَنَّ بَعْضَ الْأَقْوَامِ السَّابِقَةِ قَدِ اتَّخَذَتْ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًاْ:
فَكَانُوا آمِنِينَْ،
وَكَانُوا فَارِهِينَْ:
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ هُمْ أَصْحَابُ الْحِجْرِْ، فَكَانَ عِقَابُهُمْ بِالصَّيْحَةِْ:
وَهُمْ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا - قَوْمُ صَالِحٍْ:
فَهُمْ ثَمُودُْ:
السُّؤَالُْ: لِمَاذَا اتَّخَذَتْ ثَمُودُ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا؟ وَمَا سِرُّ تِلْكَ الْبُيُوتِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِسِرِّ الرُّوحِ الْكَامِنَةِ فِي الْجِبَالِْ، فَاسْتَفَادُوا مِنْهَا مِنْ أَجْلِ مَنْفَعَتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِْ. فَكَانَتْ بُيُوتُهُمْ هِيَ مَصْدَرُ الْأَمَانِ الَّذِي تَحَصَّلَ لَهُمْْ:
وَبِهَذَا الْفَهْمِ الْمُفْتَرَى يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَوْعِبَ السِّرَّ فِي الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ لِلنَّحْلِ بِأَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًاْ:
وَبِهَذَا الْفَهْمِ الْمُفْتَرَى يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَوْعِبَ السِّرَّ فِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِ هَذَا النَّحْلِ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِْ:
فَالسِّرُّ فِي اتِّخَاذِ النَّحْلِ بُيُوتًا مِنَ الْجِبَالِْ، ثُمَّ خُرُوجِ الشَّرَابِ الْمُخْتَلِفِ أَلْوَانُهُ الَّذِي فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ هُوَ تِلْكَ الرُّوحُ الْكَامِنَةُ فِي الْجِبَالِْ. نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرَةٌ جِدًّاْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ سِرَّ الشِّفَاءِ هُوَ وُجُودُ الرُّوحِْ، فَقَمِيصُ يُوسُفَ جَاءَتْ مَعَهُ الرُّوحُ (رِيحُ يُوسُفَْ)، وَالشِّفَاءُ فِي الشَّرَابِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ هُوَ الرُّوحُ الَّذِي اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْجِبَالِ بِفِعْلِ الرُّوحِ الْمَخْزُونَةِ فِيهَاْ، وَكَذَلِكَ كَانَ سِرُّ الْأَمَانِ فِي أَصْحَابِ الْحِجْرِ هُوَ الرُّوحُ نَتِيجَةَ اتِّخَاذِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًاْ، فَكَانُوا آمِنِينَْ، وَكَانُوا فَارِهِينَْ. وَلَمَّا وَقَعَ عَلَى قَوْمِ صَالِحٍ (ثَمُودَْ) الْعَذَابُْ، كَانَ عَذَابًا بِالصَّاعِقَةِ وَعَذَابًا بِالصَّيْحَةِْ:
السُّؤَالُْ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا وَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا بِالصَّيْحَةِ وَعَذَابًا بِالصَّاعِقَةِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: إِنَّ هَذَا الطَّرْحَ يَدْعُونَا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنْ نَتَدَبَّرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعَذَابِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالصَّاعِقَةِ وَالْعَذَابِ الَّذِي يَحْصُلُ بِالصَّيْحَةِْ.
الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّيْحَةِ وَالصَّاعِقَةِ [تَحْلِيلُ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ الْإِلَهِيِّ]
السُّؤَالُْ: مَنِ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ؟ عِنْدَ بَحْثِنَا فِي آيَاتِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِْ، وَجَدْنَا أَنَّ الْأَقْوَامَ التَّالِيَةَ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمْ عَذَابُ الصَّيْحَةِْ، وَهُمْْ: 1. قَوْمُ صَالِحٍ (ثَمُودُْ)
2. قَوْمُ شُعَيْبٍْ
3. قَوْمُ لُوطٍْ
السُّؤَالُْ: مَنِ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ؟ رَأْيُنَاْ: لَوْ بَحَثْنَا فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَنِ الْأَقْوَامِ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُْ، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الصَّاعِقَةَ قَدْ أَخَذَتْ عَادًا وَثَمُودَْ:
السُّؤَالُْ: فَمَا هِيَ الصَّاعِقَةُ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّاعِقَةِ مِنْ جِهَةٍ وَالصَّيْحَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: تَحَدَّثْنَا فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا عَنِ الصَّاعِقَةِْ، خَاصَّةً عِنْدَمَا تَعَرَّضْنَا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تَخُصُّ بَنِي إِسْرَائِيلَْ:
وَزَعَمْنَا الظَّنَّ حِينَئِذٍ بِأَنَّ الصَّاعِقَةَ تَحْصُلُ عِنْدَمَا يَنْكَشِفُ الْغَمَامُ الَّذِي يَحْجُبُ رُؤْيَةَ الْبَشَرِ لِلْإِلَهِ نَفْسِهِ كَمَا حَصَلَ مَعَ مُوسَىْ:
فَاللَّهُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُْ) يَحْجُبُ نَفْسَهُ عَنْ خَلْقِهِ بِظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِْ:
فَمَا أَنْ تَجَلَّى اللَّهُ لِلْجَبَلِ بِانْكِشَافِ الْغَمَامِ الَّذِي يَحْجُبُ رُؤْيَتَهُ الْمُبَاشِرَةَ حَتَّى حَصَلَتِ الصَّاعِقَةُْ، فَالصَّاعِقَةُ هِيَ إِذَنْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّْ) ذَلِكَ الضَّوْءُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَخْطَفُ الْأَبْصَارَْ، فَهِيَ إِذَنْ قُوَّةُ الضَّوْءِْ، لِأَنَّهَا – بِرَأْيِنَا- تَقَعُ عَلَى الْأَبْصَارِْ، فَالصَّاعِقَةُ الَّتِي أَخَذَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَتْهُمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: الصَّاعِقَةُ تُرَى بِالْأَعْيُنِْ. أَمَّا الصَّيْحَةُ فَهِيَ – بِالْمُقَابِلِ- قُوَّةُ الصَّوْتِْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْأَسْمَاعِْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: الصَّيْحَةُ تُسْمَعُ بِالْآذَانِْ. نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّاْ: فِي حِينِ أَنَّ الصَّاعِقَةَ تَقَعُ عَلَى الْأَبْصَارِْ، فَإِنَّ الصَّيْحَةَ تَقَعُ عَلَى الْأَسْمَاعِْ. وَلَوْ عُدْنَا الْآنَ إِلَى مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنَ الْعَذَابِْ، لَبَدَأْنَا عَلَى الْفَوْرِ بِعَادٍ (الْأُمَّةِ الْأُولَى مِنْ بَعْدِ نُوحٍْ). فَهَؤُلَاءِ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ بِالصَّاعِقَةِْ:
وَلَكِنَّ ثَمُودَ (الْأُمَّةَ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَ عَادٍْ) فَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ بِالصَّاعِقَةِ (كَمَا حَصَلَ لِثَمُودَْ):
وَوَقَعَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا عَذَابٌ بِالصَّيْحَةِْ:
وَحَصَلَ (نَحْنُ نَظُنُّْ) نَتِيجَةَ تِلْكَ الصَّيْحَةِ (قُوَّةِ الصَّوْتِْ) وَالصَّاعِقَةِ (قُوَّةِ الضَّوْءِْ) الرَّجْفَةُْ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا قِصَّةَ ثَمُودَ أَكْثَرَْ، فَإِنَّنَا سَنَجِدُ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَْ:
لِنَخْلُصَ إِلَى النَّتَائِجِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةِ الْخَاصَّةِ بِعَادٍْ: * كَانَ هَلَاكُ عَادٍ قَدْ حَصَلَ بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ الْعَاتِيَةِْ * لَحِقَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَابٌ بِالصَّاعِقَةِْ. وَالنَّتَائِجُ الْمُفْتَرَاةُ الْخَاصَّةُ بِثَمُودَْ: * كَانَ هَلَاكُ ثَمُودَ بِالطَّاغِيَةِْ * لَحِقَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَابٌ بِالصَّيْحَةِْ * لَحِقَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَابٌ بِالصَّاعِقَةِْ * حَصَلَتْ فِيهِمُ الرَّجْفَةُْ. السُّؤَالُْ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِثَمُودَ عَذَابًا أَكْثَرَ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ بِعَادٍْ، فَإِنَّ ثَمُودَ قَدْ تَحَصَّلَ لَهُمْ مِنَ الْآلِهَةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْفَعُهُمْ (وَرُبَّمَا تَضُرُّهُمْْ) أَكْثَرَ مِنَ الْآلِهَةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ عَادٍْ، لِذَا وَجَبَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّْ) إِنْزَالُ عَذَابٍ أَشَدَّ وَأَقْسَى لِلْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ عَلَى الْإِفْكِ الْمَوْجُودِ بِهَذِهِ الْآلِهَةِْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: فِي حِينِ أَنَّ ثَمُودَ قَدْ تَحَصَّنُوا بِالْجِبَالِْ:
لَمْ يَكُنْ عَذَابُ الصَّاعِقَةِ (الضَّوْءِْ) كَافِيًا لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ قَضَاءً مُبْرَمًاْ، لِذَا وَجَبَ إِنْزَالُ عَذَابٍ آخَرَْ، وَهُوَ عَذَابٌ يَطَالُ أَسْمَاعَهُمْ حَتَّى وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَحَصَّنُوا بِالْجِبَالِْ، الَّتِي قَدْ تَمْنَعُ عَنْهُمْ عَذَابَ الصَّاعِقَةِ (الضَّوْءِْ). لِنَخْلُصَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ إِلَى تَصَوُّرَاتٍ مُفْتَرَاةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: عِنْدَمَا يَحِقُّ الْقَوْلُ عَلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِْ، يَصْدُرُ اللَّهُ قَوْلَهُ لِلرُّوحِْ، فَيَتَحَرَّكُ الرُّوحُ عَلَى الْفَوْرِْ، وَيَتَشَكَّلُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُنَاسِبُ عَذَابَ الْقَوْمِْ، فَقَدْ يَدْخُلُ الرُّوحُ فِي الرِّيحِْ، فَتُصْبِحُ رِيحًا صَرْصَرًا عَاتِيَةًْ، فَيَتِمُّ تَدْمِيرُ الْقَوْمِ أَنْفُسِهِمْْ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَْ، بَلْ يَتْبَعُ ذَلِكَ عَذَابٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ وَهُوَ عَذَابُ الصَّاعِقَةِْ، فَتَتَخَطَّفُ أَبْصَارُ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُْ:
وَإِذَا مَا تَحَصَّنُوا مِنْ هَذِهِ الصَّاعِقَةِ (قُوَّةِ الضَّوْءِْ) بِمَا قَدْ يَحْمِيهِمْ مِنْ إِلْحَاقِ الْأَذَى بِهِمْ (كَالْجِبَالِ مَثَلًاْ) حَتَّى يَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ وَهُوَ الصَّيْحَةُْ، فَيَقَعُ الْعَذَابُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ تِلْكَ الصَّيْحَةَ مِنَ النَّاسِْ:
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ مِنْ شَيْءٍْ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِيْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ عَادًا وَثَمُودًا عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ كَانُوا مُسْتَبْصِرِينَْ:
السُّؤَالُْ: كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ ثَمُودُ أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِيِّينَ وَكَيْفَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ بُيُوتًا فَارِهِينَ؟ لَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِقِصَّةِ ثَمُودَْ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْطَنُوا مَكَانَيْنِ اثْنَيْنِ وَهِيَ السُّهُولُ وَالْجِبَالُْ. فَفِي حِينِ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنَ السُّهُولِ قُصُورًاْ:
وَلَكِنْ كَانَتْ بُيُوتُهُمُ الَّتِي نَحَتُوهَا مِنَ الْجِبَالِ هِيَ مَصْدَرُ الرَّفَاهِيَةِ وَالْأَمَانِ لَهُمْْ:
فَكَيْفَ تَحَصَّلَ لَهُمْ ذَلِكَ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِيْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَنَا مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًاْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُْ: كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ لَنَا مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا؟ وَمَا هِيَ تِلْكَ الْأَكْنَانُ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْأَكْنَانَ هِيَ جَمْعُ أَكِنَّةٍْ، وَهِيَ – بِرَأْيِنَا- الْغِلَافُ الَّذِي يُحِيطُ بِالشَّيْءِ لِيَمْنَعَ وُصُولَ التَّأْثِيرِ الْخَارِجِيِّ إِلَيْهِْ، وَلَيْسَ أَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَكِنَّةِ الَّتِي تُغَلِّفُ الْقُلُوبَْ:
فَعِنْدَمَا تَكُونُ الْقُلُوبُ فِي أَكِنَّةٍْ، فَهِيَ إِذَنْ بِمَنْأًى عَنْ دُخُولِ التَّأْثِيرِ الْخَارِجِيِّ إِلَيْهَاْ، لِيُحْدِثَ فِيهَا تَغَيُّرًاْ، فَبَعْضُ النَّاسِ يُمْكِنُ أَنْ يُكِنُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ شَيْئًاْ:
فَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ شَيْئًا خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِْ، كَالْحُبِّ مَثَلًاْ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ النَّاسَ يُحَاوِلُونَ حَجْبَ هَذَا الشُّعُورِ فِي صُدُورِهِمْْ، لِذَا لَابُدَّ مِنْ تَغْلِيفِهِ بِمَا يَمْنَعُ الْآخَرِينَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِْ. السُّؤَالُْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْأَكْنَانِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَنَا مِنَ الْجِبَالِْ:
نَحْنُ نَرَى (رُبَّمَا مُخْطِئِينَْ) أَنَّ هَذِهِ الْأَكْنَانَ كَانَتْ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَحْجُزَ تَأْثِيرًا خَارِجِيًّا فَلَا يَصِلُ إِلَى مَا يَكُونُ بِدَاخِلِهَاْ، وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ لَيْسَ لِهَذَا عَلَاقَةٌ بِالْحَرِّ أَوْ بِبَأْسِ النَّاسِ بَيْنَ بَعْضِهِمْْ، لِأَنَّ الَّذِي يَقِي النَّاسَ مِنَ الْحَرِّْ، وَالَّذِي يَقِيهِمْ مِنْ بَأْسِهِمْ هِيَ السَّرَابِيلُْ: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْْ. لِذَا فَإِنَّ الْأَكْنَانَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّْ- لَا تَقِي النَّاسَ مِنَ الْحَرِّ وَلَا تَقِيهِمْ مِنْ بَأْسِهِمْ مَادَامَ أَنَّ هَذِهِ مُهِمَّةُ السَّرَابِيلِ (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْْ)، لِيَكُونَ السُّؤَالُ إِذَنْ هُوَْ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَقِيَ النَّاسَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ؟
رَأْيُنَاْ: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَْ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ الظَّاهِرِينَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ وِقَايَةٌ مِنْ بَأْسِ اللَّهِْ:
فَقَوْمُ فِرْعَوْنَ كَانُوا كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْمًا ظَاهِرِينَ (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِْ)، لِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَقَّعًا أَنْ تَحْصُلَ لَهُمُ الْوِقَايَةُ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَهُمْْ. لِذَا كَانَ لَابُدَّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقِ نَفْسَهُ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاهِرًاْ. السُّؤَالُْ: مَا الَّذِي فَعَلَتْهُ ثَمُودُ إِذَنْ لِتَقِيَ نَفْسَهَا مِنَ الْبَأْسِ؟ رَأْيُنَاْ: كَانَ لَابُدَّ لِثَمُودَ أَنْ تَعْمَدَ إِلَى اتِّخَاذِ الْأَكْنَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْجِبَالِْ. لَكِنَّ مَعْرِفَتَهُمْ تَعَدَّتْ مَرْحَلَةَ اتِّخَاذِ الْأَكْنَانِ مِنَ الْجِبَالِ فَقَطْْ، بَلْ كَانُوا يَنْحِتُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْْ، فَهُمْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا فَقَطْ مِمَّا هُوَ مُتَوَافِرٌ فِي الْجِبَالِ مِنَ الْأَكْنَانِ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّْ، بَلْ عَمَدُوا إِلَى صِنَاعَةِ هَذِهِ الْبُيُوتِ (كَأَكْنَانٍْ) لِتَقِيَهُمْ مِنَ الْبَأْسِ مَتَى حَلَّ بِهِمْْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: لَمَّا كَانَتْ ثَمُودُ تَتَّخِذُ مِنَ السُّهُولِ قُصُورًاْ، كَانَتْ تِلْكَ هِيَ مَسَاكِنُهُمُ الْيَوْمِيَّةُْ، وَلَكِنْ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسَاكِنَ (الظَّاهِرَةَْ) لَمْ تَكُنْ لِتُشَكِّلَ أَكْثَرَ مِنْ قُرًى ظَاهِرَةٍْ:
لِذَاْ، كَانَ لَابُدَّ مِنْ إِيجَادِ الْمَلْجَأِ الَّذِي يَتَحَصَّنُونَ بِهِ إِنْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْبَأْسُْ، فَكَانَتْ الْجِبَالُ هِيَ مَلَاذُهُمْْ، فَقَدْ سَبَقَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ نُوحٍ عِنْدَمَا ظَنَّ أَنَّ الْجَبَلَ يُمْكِنُ أَنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الْمَاءِْ:
لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعَذَابُ قَدْ جَاءَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ (أَيِ الرُّوحُْ) لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا مَادَامَ أَنَّهُ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَْ. إِنَّ مَا نَوَدُّ إِثَارَتَهُ هُنَا هُوَ الظَّنُّ بِأَنَّ الْجِبَالَ فِيهَا مِنَ الْمَلَاجِئِ الَّتِي قَدْ يَتَّخِذُهَا الْإِنْسَانُ لِيَنْجُوَ مِنَ الْعَذَابِْ. وَقَدْ تَوَافَرَ فِي ثَمُودَ هَذَا الْعِلْمُْ، إِلَّا أَنَّهُمْ بَرَعُوا فِيهِ عِنْدَمَا كَانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الْبُيُوتَ بِأَنْفُسِهِمْْ، فَكَانُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ أَصْحَابَ الْحِجْرِْ:
فَكَانَتْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ حُجُرَاتٍ (مِنَ الْحَجَرِْ) الَّتِي تَقِيهِمُ الْبَأْسَْ، وَلَا زِلْنَا لِغَايَةِ الْيَوْمِ نَقُومُ بِعَمَلِيَّةِ الْحَجْرِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِْ، فَعِنْدَمَا تَحْجُرُ عَلَى شَخْصٍْ، فَإِنَّكَ تُحَاوِلُ أَنْ تَضَعَهُ فِي مَكَانٍ مُحَصَّنٍ حَتَّى لَا يَصِلَ إِلَيْهِ الْآخَرُونَْ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ أَشْبَهَ بِالسِّجْنِ الِانْفِرَادِيِّْ. فَعَمَدَتْ ثَمُودُ إِلَى صِنَاعَةِ الْحَجْرِْ، فَكَانُوا هُمْ – بِرَأْيِنَا- أَصْحَابَ الْحِجْرِْ، وَكَانَ ذَلِكَ لِغَرَضِ الْوِقَايَةِ مِنَ الْبَأْسِ إِنْ جَاءَهُمْْ. فَهُمُ الَّذِينَ اسْتَفَادُوا مِنْ أَكْنَانِ الْجِبَالِ لَا بَلْ وَعَمَدُوا إِلَى صِنَاعَتِهَاْ، حَتَّى أَصْبَحَتْ تُعْرَفُ أَرْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (نَحْنُ نَفْتَرِيْ) بِأَرْضِ الْكِنَانَةِْ. فَمِصْرُ التَّارِيخِيَّةُ هِيَ الْبِلَادُ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا الْأَكْنَانُْ، أَيْ مَا يُشْبِهُ الْحُجُرَاتِ الْجَبَلِيَّةَ الَّتِي تَقِي مِنَ الْبَأْسِ إِنْ حَصَلَْ. وَهَذَا يُوسُفُ يَدْعُو أَهْلَهُ لِيَدْخُلُوا مِصْرَ آمِنِينَْ:
فَكَانَتْ مِصْرُ التَّارِيخِيَّةُ (وَلَازَالَتْْ) هِيَ أَرْضُ الْكِنَانَةِْ. فَيَعْقُوبُ هُوَ الَّذِي طَلَبَ مِنْ أَبْنَاءَهُ أَنْ يَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا يَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌْ: فَالرُّوحُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُْ) تَسْكُنُ فِي أَكْنَانِ مِصْرَْ. لِذَاْ، جَاءَ عَذَابُ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ (قَوْمِ صَالِحٍ – ثَمُودَْ) بِالصَّيْحَةِْ، لِأَنَّ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَطَالَهُمُ الْعَذَابُ بِالرِّيحِ أَوْ الْعَذَابُ بِالْمَاءِ أَوْ الْعَذَابُ بِالصَّاعِقَةِْ، فَكَانَ لَابُدَّ مِنْ حُدُوثِ الصَّيْحَةِْ، وَهُوَ الْعَذَابُ بِالصَّوْتِْ. فَمَنْ تَحَصَّنَ فِي حِجْرِهِْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْقُوَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ الْوَحِيدَةُ الْقَادِرَةُ عَلَى اخْتِرَاقِهِْ. لِذَا نَحْنُ نَرَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ ضَرَبَ عَلَى آذَانِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ سِنِيِّينَ عَدَدًاْ، رُبَّمَا لِيَكُونُوا بِمَنْأًى عَنْ تَأْثِيرِ الصَّوْتِ عَلَيْهِمْْ:
وَأَمَّا فِرْعَوْنُْ، فَقَدْ حَازَ عَلَى عِلْمِ الْقُرُونِ الْأُولَىْ:
لَا بَلْ وَتَحَصَّلَ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْأَقْوَامِ السَّابِقَةِ مُجْتَمِعَةًْ، فَكَانَ لَابُدَّ مِنْ إِنْزَالِ الْعِقَابِ الْمُنَاسِبِ بِهِْ، فَكَانَ الْمَاءُ (أَيِ الْغَرَقُْ) هُوَ نِهَايَتُهُْ:
السُّؤَالُْ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْعَذَابُ بِالْمَاءِ؟ افْتِرَاءَاتٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: * الْعَذَابُ بِالرِّيحِ يُدَمِّرُ الْأَشْيَاءَْ:
* الْعَذَابُ بِالصَّاعِقَةِ تُدَمِّرُ الْأَبْصَارَْ:
* الْعَذَابُ بِالصَّيْحَةِ تُدَمِّرُ الْأَسْمَاعَْ:
* الْعَذَابُ بِالْمَاءِ يُدَمِّرُ الْفُؤَادَْ:
كَانَتْ مُشْكِلَةُ فِرْعَوْنَ (نَحْنُ نَرَىْ) تَكْمُنُ فِي فُؤَادِهِْ، فَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِهِْ، خَاصَّةً مَعَ رَبِّ مُوسَىْ:
وَاللَّهُ هُوَ مَنْ أَرْسَلَ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىْ:
فَكَانَ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ الَّذِي طَرَحَهُ فِرْعَوْنُ عَلَى مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ هُوَْ:
فَجَاءَ رَدُّ مُوسَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
فَجَاءَ السُّؤَالُ الثَّانِي مِنْ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسَى قَائِلًاْ:
فَكَانَ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّْ) عَلَى عِلْمٍ بِتِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَى (أَيْ عَادًا وَثَمُودًاْ)، فَقَدْ حِيزَ لَهُ عِلْمُ مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مَادَامَ أَنَّهُ يَسْأَلُ بِصِيغَةِ مَا بَالُْ، بِالضَّبْطِ كَمَا حَصَلَ مَعَ يُوسُفَ عِنْدَمَا جَاءَهُ رَسُولُ الْمَلِكِْ:
فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ يَعْلَمُ مَا بَالُ تِلْكَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ مَادَامَ أَنَّهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُْ، لَكِنَّهُ كَانَ يُرِيدُ لِلْمَلِكِ أَنْ يَعْرِفَ بِنَفْسِهِ مَا بَالُهُنَّْ. وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْلَمُ مَا بَالُ تِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ، فَقَدْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ بِمَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عِلْمُ تِلْكَ الْقُرُونِ وَهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِْ. انْظُرِ الْآيَاتِ السَّابِقَةَ مَرَّةً أُخْرَىْ. فَالرَّبْطُ هُنَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِْ، وَهُمْْ: عَادٌ وَثَمُودُ وَفِرْعَوْنُْ:
لِذَاْ، كَانَ فِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُْ) عَلَى عِلْمٍ بِنُقَاطِ الْقُوَّةِ وَنُقَاطِ الضَّعْفِ الَّتِي كَانَتْ تُمَيِّزُ تِلْكَ الْأَقْوَامِ الَّتِي سَبَقَتْهُْ، وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ اسْتَفَادَ مِنْ نُقَاطِ قُوَّتِهِمْْ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَتَجَنَّبَ نُقَاطَ ضَعْفِهِمْْ. إِنْ صَحَّ هَذَا الْمَنْطِقُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةِْ: اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَقِ نَفْسَهُ الْعَذَابَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ عَلَى تِلْكَ الْأَقْوَامِْ، فَقَدْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَجَنَّبَ عَذَابَ الرِّيحِ وَعَذَابَ الصَّاعِقَةِ وَعَذَابَ الصَّيْحَةِْ. فَلَا الْعَذَابُ بِالرِّيحِ سَيُجْدِي نَفْعًا مَعَهُْ، وَلَا الْعَذَابُ بِالصَّيْحَةِ سَيَنْفَعُْ، وَلَا الْعَذَابُ بِالصَّاعِقَةِ سَيَقْضِي عَلَيْهِ تَمَامًاْ، فَكَيْفَ سَيَقَعُ عَلَيْهِ الْعَذَابُ الْمُبْرَمُ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: جَاءَ الْعَذَابُ عَلَى فِرْعَوْنَ مِنَ النَّوْعِ التَّالِيْ:
فَكَانَ عَذَابُهُ عَلَى نَحْوِ أَنْ يُنَجِّيَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ بِبَدَنِهِْ، فَلَا الرِّيحُ أَهْلَكَتْ بَدَنَهُْ، وَلَا الصَّيْحَةُ أَهْلَكَتْ سَمْعَهُْ، وَلَا الصَّاعِقَةُ أَهْلَكَتْ بَصَرَهُْ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَاءِ سَالِمًا بِبَدَنِهِْ، فَكَانَ لِمَنْ خَلْفَهُ آيَةًْ:
وَلَكِنَّهُ وَإِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ بِبَدَنِهِْ، إِلَّا أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَاءِ (كَمَا نَتَصَوَّرُْ) كَالْأَنْعَامِْ:
فَمَا أَغْنَى عَنْهُ سَمْعُهُ وَلَا بَصَرُهُ وَلَا فُؤَادُهُ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (1): خَرَجَ فِرْعَوْنُ سَلِيمَ جِسْمِهِْ. نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): خَرَجَ فِرْعَوْنُ سَلِيمَةً أُذُنَيْهِْ. نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (3): خَرَجَ فِرْعَوْنُ سَلِيمَةً عَيْنَاهُْ. نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (4): خَرَجَ فِرْعَوْنُ غَيْرَ سَلِيمٍ فُؤَادُهُْ. السُّؤَالُْ: مَا الَّذِي قَضَى عَلَى فُؤَادِ فِرْعَوْنَ؟ رَأْيُنَاْ: إِنَّهُ الْمَاءُْ. انْتَهَىْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: إِنَّ الرُّوحَ هِيَ الْقُوَّةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي تَتَحَرَّكُ بِأَمْرِهِْ، فَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ فِي التُّرَابِ فَتُحَرِّكُهُْ، وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْهَوَاءِ فَتَتَحَكَّمُ بِحَرَكَتِهِْ، وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الضَّوْءِ فَتَتَحَكَّمُ بِقُوَّتِهِْ، وَهِيَ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الصَّوْتِ فَتَتَحَكَّمُ بِارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِْ، وَهِيَ الَّتِي تَسْكُنُ فِي الْمَاءِ فَتَتَحَكَّمُ فِي طُغْيَانِهِْ، فَإِذَا مَا تَحَرَّكَ الرُّوحُ بِأَمْرِ رَبِّهِ حَتَّى تَنْقَلِبَ الْقُوَّى الطَّبِيعَةُ هَذِهِ إِلَى مَصْدَرِ عَذَابٍ عَلَى مَنْ نَزَلَ بِهِمُ الْعِقَابُ الْإِلَهِيُّْ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْهَوَاءِ كَانَتْ رِيحَ عَقِيمٍ وَرِيحَ عَاتِيَةٍْ، وَهَكَذَاْ، وَإِذَا مَا دَخَلَتْ فِي التُّرَابِْ، أَصْبَحَتْ رِيحًا فِيهَا صِرٌّْ، وَرِيحًا صَرْصَرًا عَاتِيَةًْ، وَإِذَا مَا دَخَلَتْ فِي الضَّوْءِ أَصْبَحَتْ صَاعِقَةًْ، وَإِذَا مَا دَخَلَتْ فِي الصَّوْتِ أَصْبَحَتْ صَيْحَةًْ، وَإِذَا مَا دَخَلَتْ فِي الْمَاءِْ، أَصْبَحَتْ طَاغِيَةًْ:
فَالَّذِي يُسَيِّرُ هَذِهِ الْقُوَّى الطَّبِيعَةُ هُوَ الرُّوحُ الَّذِي يَأْتَمِرُ بِأَمْرِ الرَّبِّْ، وَمَا أَنْ يُسَخِّرَ اللَّهُ تِلْكَ الْقُوَّى الطَّبِيعَةُ الْكَامِنَةُ فِيهَا الرُّوحُ تَسْخِيرًا حَتَّى تَكُونَ مَصْدَرَ عَذَابِ هَذِهِ الْأَقْوَامِْ. وَيَتَنَاسَبُ نَوْعُ الْعِقَابِ الرَّبَّانِيِّ مَعَ طَبِيعَةِ آلِهَةِ الْقَوْمِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا كَمَا يَتَنَاسَبُ أَيْضًا مَعَ عَدَدِهَاْ. فَقَدْ يَحُلُّ الْعَذَابُ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَقْوَامِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَرِيقَةٍْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا- تَبَعًا لِعَدَدِ الْآلِهَةِ الْمُتَوَاجِدَةِ فِيهِمْ وَالَّتِي يَظُنُّونَ أَنَّهَا تُسَخِّرُ لَهُمْ قُوَى الطَّبِيعِيَّةِ هَذِهِْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌْ: نَشَأَتْ فِي تِلْكَ الْأُمَمِ الْبَائِدَةِ فِكْرَةُ تَعَدُّدِ الْآلِهَةِْ:
فَكَانَتِ الْفِكْرَةُ الْمُسَيْطِرَةُ فِي هَذِهِ الْأَقْوَامِ (كَمَا نَتَخَيَّلُهَاْ) عَلَى نَحْوِ أَنَّ لِلرِّيحِ إِلَهٌْ، وَأَنَّ لِلتُّرَابِ إِلَهٌْ، وَأَنَّ لِلتَّضَوْءِ إِلَهٌْ، وَأَنَّ لِلصَّوْتِ إِلَهٌْ، وَأَنَّ لِلْمَاءِ إِلَهٌْ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْآلِهَةِ (هُمْ يَظُنُّونَْ) قَادِرٌ عَلَى التَّحَكُّمِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ ظَوَاهِرِ الطَّبِيعَةِ الْخَمْسَةِ هَذِهِْ. وَقَدِ اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الْآلِهَةُ كُلُّهَا فِي الْأُمَّةِ الْأَظْلَمِ وَالْأَطْغَى وَهُمْ قَوْمُ نُوحٍْ:
فَكَانَ فِيهِمْ خَمْسَةُ آلِهَةٍ هِيَْ:
ثُمَّ أَخَذَتْ تَتَلَاشَى شَيْئًا فَشَيْئًاْ، فَرُبَّمَا تَوَاجَدَ فِي عَادٍ مِنَ الْآلِهَةِ اثْنَيْنِْ، وَحَصَلَتْ ثَمُودُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنَ الْآلِهَةِْ، وَحَصَلَ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَاْ:
فَكَانَ لِفِرْعَوْنَ آلِهَةٌْ:
وَلَمَّا تَحَصَّلَ لِفِرْعَوْنَ بِشَخْصِهِ هَذَا الْعَدَدُ الْهَائِلُ مِنَ الْآلِهَةِْ، كَانَ قَادِرًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِفْكِ الْمُفْتَرَى فِي هَذِهِ الْآلِهَةِْ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَخِفَّ قَوْمَهُْ:
ثُمَّ تَجَرَّأَ عَلَى أَنْ يَنْصِبَ مِنْ نَفْسِهِ إِلَهًا لَهُمْْ:
فَكَانَ هُوَ بِزَعْمِهِ رَبَّهُمُ الْأَعْلَىْ:
فأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىْ:
السُّؤَالُْ: كَيْفَ نَصَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ نَفْسِهِ إِلَهًا؟ وَلِمَاذَا صَدَّقَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مَا قَالَهُ لَهُمْ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ (أَيْ أَنَّهُ إِلَهٌ لَهُمْْ، وَأَنَّهُ رَبُّهُمُ الْأَعْلَىْ)؟ جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّاْ: بِالذَّهَبِْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: مِنْ أَجْلِ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِْ، نَجِدُ الضَّرُورَةَ تَسْتَدْعِي أَنْ نَطْرَحَ السُّؤَالَ التَّالِيَ عَلَى الْفَوْرِْ: لِمَاذَا أَخْرَجَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي غِيَابِ مُوسَى إِلَهًا لَهُمْ مِنَ الْحُلِيِّ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَحْنُ نَسْأَلُْ: لِمَاذَا اسْتَخْدَمَ السَّامِرِيُّ حُلِيَّ الْقَوْمِ لِيُخْرِجَ لَهُمْ ذَلِكَ الْعِجْلَ الَّذِي قَالُوا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّهُ إِلَهًا؟
السُّؤَالُْ: كَيْفَ كَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقْنِعَ قَوْمَهُ بِأَنَّهُ إِلَهٌ لَهُمْ؟ جَوَابٌْ: دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِيْ:
إِذَنْْ، كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ مَادَامَ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ نَظِيرَهُ لَمْ يُلْقَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍْ. فَمَا فَائِدَةُ تِلْكَ الْأَسْوِرَةِ مِنْ ذَهَبٍ الْمُلْقَاةِ عَلَى فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّاْ: لَابُدَّ لِمَنْ كَانَ إِلَهًا أَنْ يَتَحَصَّنَ بِالذَّهَبِْ. انْتَهَىْ.
السُّؤَالُْ: مَا فَائِدَةُ أَنْ يَكُونَ عِجْلُ السَّامِرِيِّ مِنَ الْحُلِيِّ إِذَنْ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا الْعِجْلُ إِلَهًاْ، فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ دَاخِلٌ فِي تَكْوِينِهِْ. السُّؤَالُْ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ الْآلِهَةَ الَّتِي عَبَدَتْهَا الْأَقْوَامُ السَّابِقَةُ؟ جَوَابٌْ: لَابُدَّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآلِهَةُ قَدْ دَخَلَ فِي تَرْكِيبِهَا الذَّهَبُْ. السُّؤَالُْ: لِمَاذَا؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: لِأَنَّ الذَّهَبَ (كَمَا أَسْلَفْنَاْ) هُوَ السَّدُّ الْمَنِيعُ مِنِ اقْتِرَابِ الشَّيَاطِينِْ.
السُّؤَالُْ: لِمَاذَا يَكُونُ الذَّهَبُ سَدًّا مَنِيعًا مِنِ اقْتِرَابِ الشَّيَاطِينِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَدْعُونَا إِلَى التَّفَكُّرِ مِنْ جَدِيدٍ بِالسِّرِّ الَّذِي يَتَوَاجَدُ فِي هَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسِْ. وَلِكَيْ نَسْتَبِينَ سِرَّ هَذَا الْمَعْدِنِْ، فَإِنَّنَا نُقَدِّمُ الِافْتِرَاءَاتِ الْخَطِيرَةَ التَّالِيَةَْ:
* أَوَّلًاْ، الذَّهَبُ مَعْدِنٌ لَا يُمْكِنُ تَصْنِيعُهُ فِي الْأَرْضِْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَصْنِيعَ الذَّهَبِ يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ هَائِلَةٍ جِدًّاْ، وَنَحْنُ نَقْتَبِسُ الْعِبَارَةَ التَّالِيَةَ مِنْ أَحَدِ الْمَوَاقِعِ الْمُهْتَمَّةِ بِهَذَا الْمَوْضُوعِْ: "كَانَ الْعُلَمَاءُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَصْدَرَ الذَّهَبِ عَلَى الْأَرْضِ وَ فِي الْكَوْنِ هُوَ انْفِجَارَاتُ السُّوبَرْنُوفَا (الْمُسْتَعِرَاتِ الْعُظْمَىْ) إِذْ لَا يُمْكِنُهَا التَّكَوُّنُ فِي النُّجُومِ نَفْسِهَا مِثْلَ الْكَارْبُونِ وَ الْحَدِيدِْ، لَكِنَّ دَلَائِلَ جَدِيدَةً تُشِيرُ إِلَى مَصْدَرٍ أَعْنَفَ بِكَثِيرٍ لِهَذَا الْعُنْصُرِ الثَّمِينِ – اصْطِدَامٌ بَيْنَ نَجْمَتَيْنِ بِكَثَافَاتٍ خَيَالِيَّةٍْ، حَيْثُ الْمِلْعَقَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ إِحْدَى النَّجْمَيْنِ بِوَزْنِ جَمِيعِ الْبَشَرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِْ"
* ثَانِيًاْ، الذَّهَبُ لَا يَصْدَأُْ، وَلَا يَتَآكَلُ بِمُرُورِ الزَّمَنِْ
* ثَالِثًاْ، الذَّهَبُ هُوَ الْمَعْدِنُ الْأَعْلَى قُدْرَةً عَلَى تَوْصِيلِ الْمُوَجِّهَاتِ الْكَهْرُبَائِيَّةِ (الضَّوْئِيَّةِْ):
* رَابِعًاْ، الذَّهَبُ الْمَعْدِنُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَكُونُ أُحَادِيَّ التَّرْكِيبِْ:
السُّؤَالُْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِالْحَدِيثِ عَنِ الْآلِهَةِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: انْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي الْقِطْعَةِ الْأَثَرِيَّةِ التَّالِيَةِ الَّتِي وُجِدَتْ فِي بَنَمَاْ:
إِنَّ مَا نُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ هُوَ عَلَاقَةُ الذَّهَبِ بِالْإِلَهِْ، فَالذَّهَبُ هُوَ الْمُرَكَّبُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى صِنَاعَتِهِ إِلَّا مَنْ كَانَ إِلَهًاْ، أَوْ مَنْ يَمْلِكُ قُدْرَاتِ الْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّْ. فَالطَّاقَةُ اللَّازِمَةُ لِإِنْتَاجِ ذَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الذَّهَبِ تَحْتَاجُ إِلَى طَاقَةٍ تُعَادِلُ الْتِحَامَ نَجْمَيْنِ مِنْ نَوْعِ الْمُسْتَعِرَاتِ الْعُظْمَى (the collision of two neutron stars). وَلَمَّا كَانَ الذَّهَبُ هُوَ الْعُنْصُرُ الَّذِي لَا يَصْدَأُ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَاعَلُ مَعَ الْأُوكْسِجِينِْ، فَهُوَ أَبَدِيٌّْ، لِذَا عَلِمَ الْأَقْدَمُونَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُْ) سِرَّ أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ مِنْ مُكَوِّنَاتِ الْإِلَهِ كَعِجْلِ السَّامِرِيِّ مَثَلًاْ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أَدْرَكَ الْقِيمَةَ الْحَافِظَةَ لِلذَّهَبِْ، فَأَلْقَى عَلَى نَفْسِهِ أَسْوِرَةً مِنْ ذَهَبٍْ، وَبِالتَّالِي فَقَدْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ دِرْعًا وَاقِعِيًّا مِنَ التَّأْثِيرَاتِ الْخَارِجِيَّةِْ، فَأَصْبَحَ فِي مَنْأًى عَنِ التَّأْثِيرَاتِ الْخَارِجِيَّةِْ. السُّؤَالُْ: لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَثِّرَ شَيْئًا عَلَى الْإِلَهِ نَفْسِهِْ، أَيْ لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ الْإِلَهَ ضُرٌّ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِينَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَمَّا كَانَتْ قُدْرَةُ الْإِلَهِ لَا مُتَنَاهِيَةًْ، فَإِنَّ بِاسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يَصْنَعَ الذَّهَبَْ، فَيُحِيطَ نَفْسَهُ بِتِلْكَ الْهَالَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَعْجَزُ غَيْرُهُ أَنْ يَخْتَرِقَهَاْ، فَتُشَكِّلَ الْحَاجِزَ الْمَانِعَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِْ، أَوْ إِلْحَاقِ الضُّرِّ بِهِْ. تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: تَشَكَّلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ عَنِ الْإِلَهِ فِي أَذْهَانِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِْ، فَكَانَ لَابُدَّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ إِفْكًا فِي آلِهَةٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالسِّرِّ الْمَخْزُونِ فِي هَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسِْ. فَإِلَهٌ بِدُونِ الذَّهَبِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَْ. وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ كَانَ فِرْعَوْنُ يُغَطِّي نَفْسَهُ بِالذَّهَبِْ، وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ جَاءَ عِجْلُ السَّامِرِيِّ مِنَ الذَّهَبِْ. لَكِنْ لَوْ تَدَبَّرْنَا مَا حَصَلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَمَا جَاوَزَ اللَّهُ بِهِمُ الْبَحْرَْ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُمْ قَدْ وَجَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْْ:
فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ مَا حَصَلَ؟ تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: عِنْدَمَا مَرَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِأُولَئِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْْ، ظَنُّوا أَنَّهَا آلِهَةٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُغَطَّاةً بِالذَّهَبِْ، فَظَنُّوا أَنَّهَا فِعْلًا آلِهَةٌْ، فَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا مُشَابِهًا لِآلِهَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِْ، لَكِنَّ مُوسَى كَانَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً لِأَنَّهَا مُتَبَّرَةٌ تَتْبِيرًاْ، أَيْ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ إِلَهًا مُزَيَّفًا لِأَنَّهُ الذَّهَبُ فِيهِ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ قِشْرَةٍ خَارِجِيَّةٍْ، فَكَانَ عَمَلُهُمْ بَاطِلٌْ. لِأَنَّهُمْ لَيْسَ حَقًّا مَادَامَ أَنَّ الْحَقَّ يُمْكِنُ أَنْ يَدْمَغَهُْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌْ: هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ كَانَ فِعْلًا حَقًّا (كُلُّهُ ذَهَبٌ خَالِصٌْ) وَبَيْنَ مَا كَانَ مُتَبَّرٌ تَتْبِيرًاْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِْ. السُّؤَالُْ: مَا السِّرُّ الْمَخْزُونُ فِي هَذَا الْمَعْدِنِ النَّفِيسِ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: دَعْنَا نَتَدَبَّرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَْ:
تَسَاؤُلَاتٌْ: * لِمَاذَا جَاءَ مَبْدَأُ الْمُقَايَضَةِ هُنَا بِتَوَافُرِ عُنْصُرِ الذَّهَبِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟ * إِذَا كَانَ اللَّهُ لَنْ يَقْبَلَ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارًاْ، فَمَاذَا عَنْ مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ مِنَ الْكُفَّارِ؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَ مُنَافِقًا؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا مُقَصِّرًا؟ وَمَاذَا لَوْ أَنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَفَّتْ مَوَازِينُهُمْ؟ فَهَلْ يَقْبَلُ اللَّهُ مَبْدَأَ الْمُقَايَضَةِ مَعَهُمْ بِالذَّهَبِ؟ دَعْنَا نَتَدَبَّرْ أَيْضًا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَْ:
تَسَاؤُلَاتٌْ: * لِمَاذَا تَوَعَّدَ اللَّهُ كُلَّ مَنْ يَكْنِزُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا؟ * وَمَاذَا عَنِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الْأَمْوَالَ الْأُخْرَى غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ فَهَلْ سَيُلَاقُونَ النِّهَايَةَ نَفْسَهَا الَّتِي سَيُلَاقِيهَا مَنْ يَكْنِزُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ؟ * وَلِمَاذَا سَيُحْمَى عَلَيْهَا (أَيْ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِْ) لِتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ؟ * أَلَيْسَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَا النِّسَاءُ وَالْبَنِينَ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ؟
* لِمَاذَا إِذَنْ جَاءَ الْوَعِيدُ الْإِلَهِيُّ خَاصًّا بِمَنْ يَكْنِزُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا؟ * هَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَكْنِزَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ؟ * وَهَلْ إِذَا كُنْتُ أَمْلِكُ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِْ، فَهَلْ عَلَيَّ أَنْ أُنْفِقَهَا كُلَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ * السُّؤَالُْ: لِمَاذَا خَسَفَ اللَّهُ بِقَارُونَ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ؟ أَلَيْسَتْ تِلْكَ أَمْوَالُهُ الْخَاصَّةُ؟
* مَا عَلَاقَةُ وُجُودِ الْكُنُوزِ الْكَبِيرَةِ بِيَدِ قَارُونَ مَعَ وُجُودِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؟ * فَهَلْ مَنْ يَكْنِزُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ هُوَ مِمَّنْ يَبْغِي الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّاْ: نَعَمْ. نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ فِي كَنْزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وُقُوعُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ وَمَا عَلَاقَةُ حُصُولِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِكَنْزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَدَمِ إِنْفَاقِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ غَايَةَ قَارُونَ مِنْ كَنْزِهِ الْكَمِّيَّاتِ الْهَائِلَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هُوَ إِحْدَاثُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِْ، فَاللَّهُ يُبَيِّنُ لَنَا بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مِمَّنْ يَبْغُونَ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَْ)، لِيَكُونَ الِافْتِرَاءُ الْخَطِيرُ جِدًّا الَّذِي سَنُحَاوِلُ تَرُوجِيَهُ الْآنَ هُوَ أَنَّ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُمْ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ دَعْنَا نَتَدَبَّرِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ هَذِهِ الْخَاصَّةَ بِقَارُونَْ:
مُنْطَلِقِينَ مِنَ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةِْ: * كَانَ قَارُونُ مِنْ قَوْمِ مُوسَىْ * بَغَى قَارُونُ عَلَى أُولَئِكَ الْقَوْمِْ * اللَّهُ هُوَ مَنْ آتَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِْ * كَانَ قَارُونُ مِنَ الْفَرِحِينَْ * اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَْ * كَانَ عَلَى قَارُونَ أَنْ يَبْتَغِ فِيمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْكُنُوزِ الدَّارَ الْآخِرَةَْ * كَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْسَى نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَاْ * كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ لِغَيْرِهِ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِْ * كَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِْ * اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَْ. نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ لَهُ هُنَا هُوَ أَنَّ قَارُونَ قَدْ بَغَى عَلَى قَوْمِ مُوسَى فَقَطْْ. كَمَا يَجِبُ أَنْ نَنْطَلِقَ مِنَ الْفَهْمِ الْمُفْتَرَى الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ بَغْيَ قَارُونَ عَلَيْهِمْ لَا يَعْنِي بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِهِمْ زُورًا وَبُهْتَانًاْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَصْدَرَ كُنُوزِهِ مِنَ اللَّهِ نَفْسِهِْ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ أَعْلَمَنَا بِأَنَّ كُنُوزَ قَارُونَ كَانَتْ مِنْهُ (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِْ). فَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الْأَمْرِ بِطَرِيقَةٍ مَعْكُوسَةٍ كَأَنْ نَظُنَّ بِأَنَّ بَغْيَ قَارُونَ عَلَى قَوْمِهِ كَانَ بِاسْتِيلَائِهِ عَلَى أَمْوَالِهِمْْ. لَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ مَطْرُوحًا عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: إِذَا كَانَ مَصْدَرُ كُنُوزِ قَارُونَ مِنَ اللَّهِ نَفْسِهِ (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِْ)، فَكَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ قَدْ قَامَ بِفِعْلِ الْبَغْيِ عَلَيْهِمْ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: لِأَنَّ هَدَفَ الرَّجُلِ مِنْ جَمْعِ الْكُنُوزِ كَانَ بُغْيَةَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِْ. السُّؤَالُْ: وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
رَأْيُنَاْ: لَمَّا جَاءَ الْقَوْلُ الرَّبَّانِيُّ الْمُوَجَّهُ إِلَى شَخْصِ قَارُونَ بِأَنْ لَا يَبْغِيَ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِْ) لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ الْمُفْسِدِينَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَْ)، فَإِنَّ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَهِيًّا صَرِيحًا يُبَيِّنُ لَنَا الْهَدَفَ الْحَقِيقِيَّ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ كَنْزِهِ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَْ. لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُهِمَّةُ جِدًّا الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: كَانَ قَارُونُ مِمَّنْ يَبْغُونَ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِْ، لِذَا كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؟ وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِبَغْيِ الرَّجُلِ عَلَى قَوْمِهِ؟ بِدَايَةًْ، نَحْنُ نُرِيدُ الْخَوْضَ فِي مَعَانِي بَعْضِ مُفْرَدَاتِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ لِأَنَّهَا سَتُشَكِّلُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ (نَحْنُ نَظُنُّْ) فَهْمًا رُبَّمَا يَكُونُ أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً مِنَ الْأَفْهَامِ الْمُتَوَافِرَةِ حَتَّى السَّاعَةِْ. أَوَّلًاْ: وَآتَيْنَاهُ. حَاوَلْنَا التَّفْرِيقَ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا بَيْنَ فِعْلَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ فِعْلُ الْإِتْيَانِ وَفِعْلُ الْعَطَاءِْ. فَاللَّهُ قَدْ آتَى قَارُونَ الْكُنُوزَ إِتْيَانًاْ، وَلَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ عَطَاءً. لِيَكُونَ السُّؤَالُْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تُعْطِيَ وَأَنْ تُؤْتِيَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّاْ: الْعَطَاءُ يَكُونُ دَفْعَةً وَاحِدَةً بَيْنَمَا يَكُونُ الْإِتْيَانُ تَدْرِيجِيًّاْ. قَالَ تَعَالَىْ:
فَالشَّجَرَةُ لَا تُعْطِي أُكُلَهَا عَطَاءً وَلَكِنَّهَا تُؤْتِي أُكُلَهَاْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ثِمَارَ الشَّجَرَةِ لَا يَأْتِي دَفْعَةً وَاحِدَةًْ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ تَدْرِيجِيًّاْ. وَالْآيَاتُ الْإِلَهِيَّةُ قَدْ جَاءَتِ الْأَقْوَامَ تِبَاعًاْ، فَجَاءَتْ بِطَرِيقَةِ الْإِتْيَانِ وَلَيْسَ بِطَرِيقَةِ الْعَطَاءِْ:
وَكَذَلِكَ هِيَ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا آتَاهُ اللَّهُ لِآلِ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًاْ، فَلَمْ يَتَحَصَّلُوا عَلَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةًْ:
وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ جَاءَ مُحَمَّدًا بِطَرِيقَةِ الْإِتْيَانِْ:
فَمَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَعْجَلَ بِهِْ:
وَكَذَلِكَ هِيَ طَرِيقَةُ الْحُصُولِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلْمِْ، بِالْإِتْيَانِْ:
فَالْعِلْمُ لَا يَتَحَصَّلُ دَفْعَةً وَاحِدَه لِأَنَّ الْحُصُولَ عَلَيْهِ يَكُونُ بِطَرِيقَةِ الْإِتْيَانِْ. وَاللَّهُ هُوَ مَنْ آتَى إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُْ:
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةًْ، وَإِنَّمَا هِيَ هِبَةٌ تَدْرِيجِيَّةٌْ، تَحَصَّلَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ شَيْئًا فَشَيْئًاْ. وَاللَّهُ هُوَ مَنْ كَشَفَ عَنْ أَيُّوبَ ضُرَّهُ وَآتَاهُ أَهْلَهُْ:
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةًْ. وَنَحْنُ نَتَصَوَّرُ فِعْلَ الْإِتْيَانِ بِالْمَشْهَدِ الَّذِي حَصَلَ مَعَ مَرْيَمَْ، فَهِيَ مَنْ أَتَتْ قَوْمَهَا تَحْمِلُ الْمَسِيحَْ:
لِذَاْ، يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَضَرَتْ فِي قَوْمِهَا فَجْأَةًْ، فَهِيَ هِيَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُْ) قَادِمَةٌ إِلَيْهِمْ مِنْ بَعِيدٍْ، يَرَوْنَهَا بِأَعْيُنِهِمْْ، فَتَحَقَّقُوا مِنْ شَخْصِيَّتِهَا بَعْدَ أَنْ اقْتَرَبَتْْ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيْهِمْْ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهَا هِيَ مَرْيَمُ نَفْسُهَاْ. لَكِنَّ الْعَطَاءَْ، بِالْمُقَابِلِْ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّْ) دَفْعَةً وَاحِدَةًْ، وَبِطَرِيقَةٍ مُفَاجِئَةٍْ، قَالَ تَعَالَىْ:
فَأَنْتَ عِنْدَمَا تُعْطِي شَخْصًا شَيْئًا مَاْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ مَرَّةً وَاحِدَةًْ، فَأَنْتَ لَا تُجَزِّئُ الشَّيْءَ الَّذِي تُعْطِيهِْ، فَإِذَا مَا كَانَ بِيَدِي رَغِيفًا مِنَ الْخُبْزِْ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَهُ مِنْ يَدِي إِلَى يَدَيْكَْ، لِيُصْبِحَ مِلْكًا لَكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِلْكًا لِيْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَطَاءًْ، فَأَقُولُ أَعْطَيْتُ فُلَانًا رَغِيفًا مِنَ الْخُبْزِْ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ أَقُولَ بِأَنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ رَغِيفًا مِنَ الْخُبْزِْ. لِأَنَّ الرَّغِيفَ انْتَقَلَ مِنِّي إِلَيْكَ كُلُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةًْ. فَاللَّهُ هُوَ مَنْ وَعَدَ مُحَمَّدًا بِالْعَطَاءِْ:
فَكَانَ عَطَاءُهُ هُوَْ:
فَفِي حِينِ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِطَرِيقَةِ الْإِتْيَانِْ، فَإِنَّ الْكَوْثَرَ قَدْ جَاءَهُ بِطَرِيقَةِ الْعَطَاءِْ. فَالْقُرْآنُ جَاءَ مُحَمَّدًا شَيْئًا فَشَيْئًاْ، وَلَكِنَّ الْكَوْثَرَ تَحَصَّلَ لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةًْ. السُّؤَالُْ: مَا هُوَ الْكَوْثَرُ الَّذِي جَاءَ مُحَمَّدًا دَفْعَةً وَاحِدَةً؟ رَأْيُنَاْ: لَنْ نَدْخُلَ بِتَفَاصِيلِ الْقَضِيَّةِ كُلِّهَا هُنَاْ، لَكِنَّنَا سَنُجْمِلُ الْقَوْلَ لِأَنَّ النِّقَاشَ مُنْصَبٌّ عَلَى الْقَضِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِقَارُونَْ، لَكِنْ يَكْفِي أَنْ نَبُوحَ بِالْفَهْمِ أَنَّ الْكَوْثَرَ هُوَ مَصْدَرُ الْعِلْمِْ، أَيْ هُوَ نَافُورَةُ الْعِلْمِْ، أَيْ الْكَأْسُ الَّذِي تَشْرَبُ مِنْهُْ، فَقَدْ شَرِبَ مُحَمَّدٌ مِنْ ذَلِكَ الْكَوْثَرِ حَتَّى ارْتَوَىْ، فَكَانَ كُلُّ مَا خَرَجَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ قَوْلًا صَادِقًاْ، لَا شَائِبَةَ فِيهِْ، فَكَانَ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىْ:
أَمَّا آلِيَّةُ عَمَلِ الْكَوْثَرِْ، فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّاْ، سَنُفْرِدُ لَهَا أَبْحَاثًا خَاصَّةً بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُْ، لِذَا أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَاْ، لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِيْ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُْ. إِنَّ يَهُمُّنَا قَوْلُهُ حَتَّى السَّاعَةِ هُنَا هُوَ أَنَّ فِعْلَ الْإِتْيَانِ هُوَ فِعْلٌ تَدْرِيجِيٌّ لَا يَجِيءُ دَفْعَةً وَاحِدَةًْ، لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ قَارُونَ قَدْ تَحَصَّلَ عَلَى الْكُنُوزِ بِطَرِيقَةِ تَدْرِيجِيَّةٍْ، فَلَمْ يَتَحَصَّلْ عَلَى تِلْكَ الْكُنُوزِ دَفْعَةً وَاحِدَةًْ:
ثَانِيًاْ، كَانَ قَارُونُ مِنَ الْفَرِحِينَْ. السُّؤَالُْ: لِمَاذَا كَانَ قَارُونُ مِنَ الْفَرِحِينَ؟ وَلِمَاذَا لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْفَرِحِينَ؟ فَهَلْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ الْفَرَحَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ هُوَ مَنْ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ أَنَّ النَّاسَ سَيَكُونُوا فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِْ:
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: لَوْ اسْتَعْرَضْنَا آيَاتِ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ الَّتِي تَرِدُ فِيهَا مُفْرَدَةُ الْفَرَحِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْفَرَحَ بِشَكْلٍ عَامٍّ مَذْمُومٌْ، قَالَ تَعَالَىْ:
السُّؤَالُْ: لِمَاذَا جَاءَ الْفَرَحُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَذْمُومًا بِشَكْلٍ عَامٍّ (؟ْ) ... إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76). رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ الْفَرَحِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْفَرَحِ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَىْ. فَالْفَرَحِ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى شَيْءٌ إِيجَابِيٌّْ:
بَيْنَمَا الْفَرَحُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَهُوَ شَيْءٌ مَذْمُومٌْ:
جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: لِأَنَّ الْفَرَحَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْحَقِّْ. انْتَهَىْ. السُّؤَالُْ: لِمَاذَا يَكُونُ الْفَرَحُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ الْحَقِّ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَاْ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يُصْبِحَ الْإِنْسَانُ الَّذِي يَشْعُرُ بِالْفَرَحِ مُخْتَالًا فَخُورًاْ:
السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ يُؤَدِّي الْفَرَحُ إِلَى الِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: بَعِيدًا عَنِ الْمَعْنَى الشَّعْبِيِّ الدَّارِجِ بَيْنَ النَّاسِ لِلْفَرَحِْ، فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ الْفَرَحَ هُوَ الشُّعُورُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَى نِهَايَةِ الْأَمْرِْ، فَالْإِنْسَانُ الْفَرِحُ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ كَبِدَ الْحَقِيقَةِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ نِهَايَةُ الْمَطَافِْ، فَالَّذِي يَفْرَحُ بِالْعِلْمِْ، يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَمْسَكَ بِنَاصِيَةِ الْعِلْمِْ:
وَهَذَا لَا يَكُونُ (نَحْنُ نُؤْمِنُ يَقِينًاْ) مِنْ سُلُوكِ الْإِنْسَانِ الْمُؤْمِنِ الَّذِي مِنْ أَبْجَدِيَّاتِ عَقِيدَةِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَىْ:
فَالْمُؤْمِنُ (الَّذِي عَلَى عِلْمٍْ) يُؤْمِنُ عَلَى الدَّوَامِ بِأَنَّ هُنَاكَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌْ:
فَمَتَى تَحَصَّلَ الْإِنْسَانُ عَلَى عِلْمٍْ، فَإِنَّهُ يُصْبِحُ عَلَى مُفْتَرَقِ طُرُقٍْ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرِحًا بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِْ:
وَهُنَا يُصْبِحُ فَرِحًاْ، فَيُصِيبُهُ الشُّعُورُ بِالِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِْ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْمُقَابِلِ مِمَّنْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِْ، فَلَا يُسَبِّبُ ذَلِكَ لَهُ الْفَخْرَ وَالِاخْتِيَالَْ. (دُعَاءٌْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ أَكُونَ فَرِحًا بِمَا آتَيْنِي مِنَ الْعِلْمِْ، وَأَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ تَزِدْنِي عِلْمًاْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينَْ). وَيَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى مَنْ يُصْبِيهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُْ، فَإِمَّا أَنْ يُصْبِحَ فَرِحًا بِمَا عِنْدَهُْ، وَيَنْتَابُهُ الشُّعُورُ بِالْفَخْرِ وَالِاخْتِيَالِْ:
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَظُنُُّونَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ نِهَايَةَ الْمَطَافِ وَأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌْ:
(دُعَاءٌْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ أَكُونَ فَرِحًا بِمَا أَذَقْتَنِي مِنْ رَحْمَةٍْ، وَأَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ تَزِيدَنِي مِنْ فَضْلِكَْ، إِنَّكَ أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ – آمِينَْ). فَالْفَرَحُ إِذَنْ هُوَ الظَّنُّ بِأَنَّ مَا عِنْدَكَ هُوَ نِهَايَةُ الْمَطَافِْ، وَأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خَيْرٌ مِمَّا عِنْدَكَْ. لِذَا نَجِدُ أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِفِكْرِ حِزْبِهِْ، ظَانًّا أَنَّهُ هُوَ فَقَطْ مَنْ يَمْلِكُ نَاصِيَةَ الْحَقِيقَةِ وَأَنَّ غَيْرَهُ مُخْطِئٌ تَمَامًاْ، فَهُوَ إِذَنْ مِنَ الْفَرِحِينَْ:
(دُعَاءٌْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ أَكُونَ فَرِحًاْ، وَأَسْأَلُكَ وَجْدَكَ أَنْ تَهْدِيَنِي صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ - آمِينَْ). السُّؤَالُْ: لِمَاذَا؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لِأَنَّ الشُّعُورَ بِالْفَرَحِ يَتْبَعُهُ الْعَذَابُْ:
وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْفَخْرِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ ذَلِكَ الْفَرَحُْ:
نَصِيحَةٌ مُهِمَّةٌْ: عَلَى الْإِنْسَانِ الَّذِي أَصَابَهُ الْفَرَحُ وَأَدَّى بِهِ إِلَى الشُّعُورِ بِالْفَخْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فَرَحَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ فَرَحٌ زَائِفٌْ، لِأَنَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا كُلَّهَا لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَتَاعِ الْغُرُورِْ:
السُّؤَالُْ: مَتَى يَكُونُ الْفَرَحُ إِذَنْ حَقِيقِيًّا لَيْسَ مُزَيَّفًا؟ رَأْيُنَاْ: فِي الْآخِرَةِْ:
السُّؤَالُْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِقَارُونَ الَّذِي كَانَ فَرِحًا (؟ْ):
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: أَصَابَ قَارُونَ الشُّعُورُ بِالْفَرَحِْ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ حَازَ عَلَى مَا يُرِيدُ وَأَنَّ هَذَا هُوَ نِهَايَةُ الْمَطَافِْ، وَلَيْسَ هُنَاكَ خَيْرٌ مِمَّا جَمَعَْ. فَكَانَ فَرِحًا فَخُورْ، وَهَذَا – بِرَأْيِنَا- هُوَ سِرُّ خُرُوجِهِ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِْ:
فَجَاءَ رَدُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
فَكَانَتْ عَاقِبَةُ فَخْرِهِ الَّذِي نَتَجَ عَنْ فَرَحِهِ وَبَالًا عَلَيْهِْ:
افْتِرَاءَاتٌ مُهِمَّةٌ لِمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِْ: حَاوِلْ عَزِيزِي الْمُسْلِمَ أَنْ لَا تَفْرَحَ مَهْمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِْ، وَأَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ قَدْ يَنْقَلِبُ نِقْمَةً عَلَيْكَ إِذَا مَا تَحَصَّلَ عِنْدَكَ الشُّعُورُ بِالْفَرَحِْ، عِنْدَمَا ظَنَنْتَ أَنَّكَ قَدْ وَصَلْتَ إِلَى نِهَايَةِ الْمَطَافِْ. فَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِْ:
لِأَنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِْ، وَيُرِيدُونَ إِحْدَاثَ الْفَسَادِ فِيهَاْ، لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْآخِرَةِْ. (دُعَاءٌْ: أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًاْ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – آمِينَْ). نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّاْ: لَمَّا كَانَ قَارُونُ مِنَ الَّذِينَ فَرِحُوا بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُْ، كَانَ مِنَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِْ، لَا بَلْ وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ يَبْغُونَ فَسَادًا فِي الْأَرْضِْ:
السُّؤَالُْ: إِذَا كَانَ قَارُونُ يُرِيدُ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ بِسَبَبِ الْفَرَحِ الَّذِي أَصَابَهُْ، فَكَيْفَ أَرَادَ أَنْ يَبْغِيَ فِي الْأَرْضِ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: كَانَ الْأَوْلَى بِقَارُونَ وَهُوَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ تِلْكَ الْكُنُوزَ الْعَظِيمَةَ (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِْ) كَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَبْتَغِيَ بِذَلِكَ الدَّارَ الْآخِرَةَْ، وَأَنْ لَا يَنْسَ نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَاْ. وَلَكِنَّ الرَّجُلَ عَمَدَ إِلَى فِعْلِ الْعَكْسِ تَمَامًاْ، فَقَدْ وَجَّهَ كُلَّ مَا آتَاهُ اللَّهُ بُغْيَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاْ. وَكَانَ يُرِيدُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِْ. السُّؤَالُْ: كَيْفَ أَفْسَدَ قَارُونُ فِي الْأَرْضِ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: بِتِلْكَ الْكُنُوزِْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ قَارُونَ كَانَ يَعِي تَمَامًا الْهَدَفَ مِنْ جَمْعِهِ لِتِلْكَ الثَّرْوَةِ الْعَظِيمَةِْ. السُّؤَالُْ: وَمَا هِيَ بُغْيَةُ قَارُونَ مِنْ جَمْعِهِ تِلْكَ الثَّرْوَةِ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ قَارُونَ قَدْ جَمَعَ ثَرْوَتَهُ عَلَى شَكْلِ كُنُوزٍ (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِْ). السُّؤَالُْ: وَمَا هِيَ تِلْكَ الْكُنُوزُ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: إِنَّهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُْ:
السُّؤَالُْ: لِمَاذَا جَمَعَ قَارُونُ ثَرْوَتَهُ عَلَى شَكْلِ كُنُوزٍ (أَيْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍْ)؟ لِمَاذَا لَمْ يَجْمَعْ ثَرْوَتَهُ عَلَى أَشْكَالٍ أُخْرَى مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَالنِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ؟ أَلَيْسَتْ تِلْكَ جَمِيعُهَا مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟
السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيُّْ: لِمَاذَا انْحَسَرَتْ شَهْوَةُ قَارُونَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ شَهَوَاتِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟ جَوَابٌ مُفْتَرًىْ: لِأَنَّ قَارُونَ كَانَ يَعِي تَمَامًا مَا يَفْعَلُْ. وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ غَايَةٍ مُحَدَّدَةٍ فِي نَفْسِهِْ. سُؤَالٌْ: وَمَا هِيَ تِلْكَ الْغَايَةُ إِذَنْ؟ رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ قَارُونَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي جَمْعِهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ سَيُحْدِثُ فَسَادًا فِي الْأَرْضِْ. السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ جَوَابٌْ: لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَبْغِيَ عَلَى قَوْمِهِْ:
السُّؤَالُْ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَبْغِيَ قَارُونُ عَلَى قَوْمِهِ عِنْدَمَا يَعْمَدُ إِلَى جَمْعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟ تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا هِيَ أَغْرَبُ مِنَ الْخَيَالِ نَفْسِهِْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ قَارُونَ كَانَ يَعِي تَمَامًا بِأَنَّ فِي جَمْعِهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ سَيُحْدِثُ ضَرَرًا يُصِيبُ قَوْمَهُْ، وَيَكُونُ هَذَا هُوَ بَغْيُهُ عَلَيْهِمْْ. فَالرَّجُلُ عَلَى دِرَايَةٍ تَامَّةٍ بِمَفْعُولِ الذَّهَبِ فِي صَدِّ الشَّيَاطِينِْ. فَإِذَا مَا جَمَعَ قَارُونُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَْ، وَعَمَدَ إِلَى كَنْزِهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍْ، فَهُوَ بِذَلِكَ قَدْ تَرَكَ السَّاحَةَ خَالِيَةً تَمَامًا لِلشَّيَاطِينِ يَفْعَلُونَ بِالنَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ مَا يُرِيدُونَْ. فَإِفْرَاغُ يَدِ النَّاسِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِْ، وَإِفْرَاغُ السُّوقِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِْ، سَيَجْعَلُ الشَّيَاطِينَ قَادِرَةً عَلَى أَنْ يَفْعَلُوا بِالنَّاسِ مَا يُرِيدُونَْ، فَيُحْدِثُونَ الْفَسَادَ كَمَا يَحْلُو لَهُمْْ، لِأَنَّ السُّوقَ كُلَّهُ قَدْ خَلَى مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَصُدُّ الشَّيَاطِينَْ، وَتُعِيقُ حَرَكَتَهُمْ لَا بَلْ وَتَأْثِيرَهُمْ عَلَى النَّاسِْ، فَالشَّيَاطِينُ – كَمَا افْتَرَيْنَا سَابِقًا- تَهَابُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَْ، فَلَا يَقْرَبُونَ الْمَكَانَ الَّذِي يَتَوَاجَدُ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُْ، وَلَا يَقْرَبُونَ النَّاسَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ فِي أَيْدِيهِمْ تِلْكَ الْمَعَادِنَ النَّفِيسَةَْ. الدَّلِيلُْ: لِكَيْ لَا يَبْقَى كَلَامُنَا هَذَا فِي إِطَارِهِ النَّظَرِيِّ دَعْنِي أُقَدِّمْ لِلنَّاسِ بِالْمَجَّانِ هَذَا الِاخْتِبَارَ الْبَسِيطَ الَّذِي (إِنْ صَحَّ رَأْيُنَا فِيهِْ) فَسَيَنْفَعُهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِْ.
الِاخْتِبَارُ [كَشْفُ مَسِّ الشَّيْطَانِ بِاسْتِخْدَامِ الذَّهَبِ]
يَشْتَكِي بَعْضٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ مَسِّ الشَّيَاطِينِْ، فَيَنْقَلِبُ سُلُوكُ هَؤُلَاءِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْجُنُونِ مِنْهُ إِلَى الْوَضْعِ الطَّبِيعِيِّْ. فَتَنْتَابُهُمْ نَوْبَاتٌ مِنَ الصَّرْعِْ. وَتَبْدَأُ رِحْلَتُهُمْ فِي طَلَبِ الْعِلَاجِ مِنْ عِنْدِ أَطِبَّاءِ الْجَسَدِ الْمَادِّيِّ فِي الْعِيَادَاتِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ الْمُرَخَّصَةِْ، وَيُصْرَفُ لَهُمْ أَطِبَّاءُ الْأَجْسَادِ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ الَّتِي قَدْ لَا تُفِيدُ فِي شَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ تَثْبِيطِهِمْْ، لَا بَلْ وَالتَّأْثِيرِ السَّلْبِيِّ عَلَى أَجْسَادِهِمْْ. وَلَمَّا يَجِدُ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْعَقَاقِيرَ الطِّبِّيَّةَ الَّتِي صُفَّتْ لَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَطِبَّاءِ الْجَسَدِ لَا تُفِيدُ فِي شَيْءٍْ، وَلَا يَتَعَدَّى مَفْعُولُهَا أَكْثَرَ مِنْ مُسَكِّنَاتٍ لِلْجَسَدِْ، تَنْتَقِلُ رِحْلَةُ الْبَحْثِ عِنْدَهُمْ فِي اتِّجَاهٍ آخَرَْ، فَيَذْهَبُونَ إِلَى الْأَطِبَّاءِ الرُّوحَانِيِّينَ (أَيْ رِجَالَ الدِّينِْ)، وَيَبْدَأُ هَؤُلَاءِ الْمُشَعْوِذُونَ اللَّعِبَ فِي أَجْسَادِ وَأَرْوَاحِ الْعِبَادِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍْ، فَيُجَرِّبُونَ مَعَهُمْ شَتَّى أَصْنَافِ الْعِلَاجِ الرُّوحَانِيِّْ، وَالَّتِي غَالِبًا لَا تُجْدِي نَفْعًاْ، وَإِنْ حَصَلَ مَفْعُولٌ إِيجَابِيٌّ فِي بَعْضِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مَحْضَ الصُّدْفَةِ لَا أَكْثَرَْ، فَيَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمُشَعْوِذُونَ قَادِرُونَ عَلَى الْعِلَاجِْ، فَيُصَدِّقُونَهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرِيقَ لَا يَهُمُّهُ الْبَلَلُ (كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّْ). السُّؤَالُْ: كَيْفَ الْخُرُوجُ مِنْ هَذَا الْمَأْزَقِ؟ وَهَلْ لَدَيْكَ الْبَدِيلُ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًاْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: دَعْنِي أُقَدِّمْ لَكَ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- الْبَدِيلَ التَّالِيَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تُجَرِّبَهُ بِنَفْسِكَْ، وَتَرَى مَدَى فَاعِلِيَّتِهِ بِأُمِّ عَيْنِكَْ. فَأَنْتَ لِقَنَاعَتِكَ بِصِحَّتِهِ أَوْ أَنْ تَرُدَّهُ بِالتَّجْرِبَةِ الْعَمَلِيَّةِ الْفَرْدِيَّةِْ. فَأَنْتَ لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى طَبِيبٍ جَسَدِيٍّ كَمَا أَنَّكَ لَسْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى طَبِيبٍ رُوحَانِيٍّْ، فَكُنْ أَنْتَ طَبِيبَ نَفْسِكَ وَطَبِيبَ مَنْ حَوْلَكَْ، بَعْدَ أَنْ تَتَيَقَّنَ بِأَنَّ الشِّفَاءَ هُوَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَْ:
إِذَا اشْتَكَى شَخْصٌ مِنْ حَوْلِكَ بِمَسٍّ مِنَ الشَّيْطَانِ (خَاصَّةً النِّسَاءَْ)، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَعْمَدَ إِلَى تَشْخِيصِ الْحَالَةِ أَوَّلًاْ، لِتَعْرِفَ إِنْ كَانَ مَا يَشْكُو مِنْهُ هَذَا الشَّخْصُ الْمُصَابُ هُوَ فِعْلًا مَسٌّ مِنَ الشَّيْطَانِ أَمْ أَوْهَامٌ نَفْسِيِّه لَا عَلَاقَةَ لِلشَّيْطَانِ بِهَاْ. وَالِاخْتِبَارُ بَسِيطٌ جِدًّا هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: خُذْ قِطَعًا مِنَ الذَّهَبِْ، وَاطْلُبْ مِنَ الشَّخْصُ الْمُصَابُ أَنْ يَلْبَسَهَاْ، ثُمَّ انْظُرِ النَّتِيجَةَ الْفَوْرِيَّةَ الَّتِي سَتَرَاهَا بِأُمِّ عَيْنِكَ فِي غُضُونِ سَاعَاتٍ مَعْدُودَةٍْ، أَوْ عَلَى أَكْثَرِ تَقْدِيرٍ أَيَّامًا قَلِيلَةًْ: إِذَا كَانَ مَا أَصَابَ هَذَا الشَّخْصُ هُوَ فِعْلًا مَسٌّ مِنَ الشَّيْطَانِْ، فَلَنْ يُطِيقَ الشَّخْصُ الْمُصَابُ ذَلِكَْ، وَسَتَرَى أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِطَرِيقَةٍ جُنُونِيَّةٍ جِدًّاْ، وَسَيُبَيِّنُ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَى جِسْمِهِ عَلَى الْفَوْرِْ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ تِلْكَ أَوْهَامٌ نَفْسِيَّةٌ لَا عَلَاقَةَ لِلشَّيْطَانِ بِهَاْ، فَإِنَّ ذَلِكَ الذَّهَبَ لَنْ يُحْدِثَ تَأْثِيرًا يُذْكَرُ فِي الشَّخْصِ الْمُصَابِْ. السُّؤَالُْ: لِمَاذَا يَحْصُلُ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَاْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَلْبَسَ الشَّخْصُ الْمُصَابُ قِطَعًا مِنَ الذَّهَبِْ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُسَبِّبُ أَذًى مُبَاشِرًا لِلشَّيَاطِينِ الَّتِي تَسْكُنُ جَسَدَهُْ، لِذَا فَسَتَثُورُ فَوْرًاْ، وَسَتُحَاوِلُ الْخُرُوجَ مِنْ جَسَدِهِْ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ سَيُسَبِّبُ تَأْثِيرًا كَبِيرًا فِي الشَّخْصِ الْمُصَابِْ، لِأَنَّ الذَّهَبَ سَيَحْرِقُ تِلْكَ الشَّيَاطِينَْ، فَسَيَشْعُرُ الشَّخْصُ الْمُصَابُ بِذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ وَيُبَيِّنُ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَى جَسَدِ الشَّخْصِ وَفِي تَصَرُّفَاتِهِ عَلَى الْفَوْرِْ. مُلَاحَظَةٌْ: إِذَا كَانَ هَذَا التَّأْثِيرُ شَدِيدًا جِدًّاْ، اخْلَعِ الذَّهَبَ عَلَى الْفَوْرِْ، وَانْتَظِرْ قَلِيلًاْ، لِأَنَّ الْأَمْرَ رُبَّمَا سَيَكُونُ لَهُ نَتَائِجُ كَارِثِيَّةٌْ. السُّؤَالُْ: مَا الْعَمَلُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَاْ: هَذَا مَا سَنَتَنَاوَلُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ فِي الْجُزْءِ الْقَاَدِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِنْ أَذَنَ اللَّهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَاْ. سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُنَفِّذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِنَاْ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُْ، وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِيْ، وَأَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْهُ سُلْطَانًا نَصِيرًاْ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِبَْ، أَوْ مِمَّنْ يَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقٍّْ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَْ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.
الْمُدَّكِرُونَْ: رَشِيدُ سَلِيمُ الْجَرَّاحُ & مُحَمَّدُ الْمِقْدَادُْ
بِقَلَمِ د. رَشِيدِ الْجَرَّاحِْ
23 أَيَّارَ 2016ْ

تعليقات