مُقَدِّمَةْ: [تَسَاؤُلَاتٌ حَوْلَ مَوْقِفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الْمُعْجِزَةْ]
خَلَصْنَا فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ عِنْدَ طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةِ حَوْلَ مَا حَصَلَ عِنْدَ شَقِّ الْبَحْرِ بِعَصَا مُوسَىْ:
أَلَمْ يَتَرَاءَى الْجَمْعَانْ، أَلَمْ يَرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ كَيْفَ شُقَّ الْبَحْرُ بِعَصَا مُوسَىْ؟
وَإِذَا كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمْ، لِمَ أَقْدَمَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ عَلَى اللَّحَاقِ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ مَجْهُولَةِ الْمَخَاطِرْ؟
لِمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنْ؟ لِمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنْ؟
لِمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ جُنُودِ فِرْعَوْنْ؟ هَلْ وَصَلَ الْغَبَاءُ بِهِمْ لِهَذَا الْحَدّْ؟
أَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِمْ جَمِيعًا عَاقِلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ عَنْ طُغْيَانِهِ أَمَامَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةْ؟
أَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْنِهِمْ شَخْصٌ وَاحِدٌ تَجْرِي فِي دِمَائِهِ جِينَاتُ حُبِّ الْخِيَانَةِ لِقَائِدِهِ الْخَالِدِ الرَّمْزْ، كَحَالِ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يُظْهِرُونَ الشَّجَاعَةَ مُنْقَطِعَةَ النَّظِيرِ عِنْدَمَا يَنْهَارُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ تِمْثَالُ الْقَائِدِ الرَّمْزِ بِأَحْذِيَةِ الْعَسْكَرِ مِنْ بَنِي الْأَصْفَرْ؟
لِمَ لَمْ يُرَاجِعْ هَؤُلَاءِ النَّاسُ حِسَابَاتِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةْ؟ لَوْ كُنْتَ (عَزِيزِي الْقَارِئْ) وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ، أَلَنْ تُراجِعَ حِسَابَاتِكَ وَتَنْكِصَ عَلَى عَقِبَيْكَ بَعْدَ أَنْ تَرَى بِأُمِّ عَيْنِكَ مَا حَصَلَ لِلْبَحْرْ؟
وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذَا كُلِّهِ بِالسُّؤَالِ الْمِحْوَرِيِّ التَّالِيْ: لِمَاذَا لَمْ يَنْكِصْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَوْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَوْ مِنْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ عَلَى عَقِبَيْهِ بَعْدَ أَنْ شَقَّ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ حَتَّى كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمْ؟
وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى أَنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَرَوْا مَا فَعَلَ مُوسَى مِنْ أَمْرِ شَقِّ الْبَحْرْ، وَاسْتَنْبَطْنَا ذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ مَنْ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ (هَامَانْ) فِي تِلْكَ اللَّحْظَةْ:
وَافْتَرَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ أَسْبَابِ سَيْطَرَةِ فِرْعَوْنَ عَلَى قَوْمِهِ، فَكَانَ عِنْدَهُ – بِرَأَيْنَا - مِنَ الْإِمْكَانِيَّاتِ مَا يَجْعَلُهُ يَحْجُبُ الْقَوْمَ عَنْ رُؤْيَةِ مَا يَحْصُلُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ.
وَتَخَيَّلْنَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ قَدْ حَصَلَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: عِنْدَمَا تَرَاءَى الْجَمْعَانْ، ظَنَّ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ الْيَوْمَ غَالِبُونْ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ (هَامَانُ وَجُنُودُهُ) هُوَ مَنْ يُؤَيِّدُ لَهُمْ ظَنَّهُمْ هَذَا.
وَفِي الْمُقَابِلِ أَصَابَ أَصْحَابَ مُوسَى الذُّعْرُ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ مُدْرَكُونْ. لَكِنَّ ثِقَةَ مُوسَى بِرَبِّهِ الرَّحْمَنِ دَائِمَةٌ لَا تَنْقَطِعْ، وَظَنُّهُ بِهِ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ سَيَهْدِيهِ لَا يَتَزَعْزَعُ مَهْمَا حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ.
فَجَاءَهُ الْوَحْيُ بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرْ، فَمَا كَانَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِاسْمِ رَبِّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ. فَلَمْ يَكُنِ الْبَحْرُ لِيَقْدِرَ أَنْ يَتَحَمَّلَ قُوَّةَ تِلْكَ الضَّرْبَةْ، فَانْفَلَقَ حَتَّى كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمْ.
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ هَامَانُ وَفِرْعَوْنْ، فَنَكَصَ هَامَانُ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ جُنُودُهُ، فَلَمْ يَكُونَا مِنَ الْمُغْرَقِينْ. لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أَصَرَّ عَلَى الْمُوَاجَهَةْ، فَكَانَ لَابُدَّ أَنْ يَحْجُبَ مَا حَصَلَ مِنْ أَمْرِ شَقِّ الْبَحْرِ عَنْ قَوْمِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ.
فَلَمْ يَكُنْ مَنْ كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ إِلَّا أَنْ يَرَوْنَ فَقَطْ إِلَّا مَا يُرِيهِمْ هُوَ بِنَفْسِهِ:
فَحَجَبَ الرُّؤْيَةَ عَنْ قَوْمِهِ، وَخَاضَ بِهِمُ الطَّرِيقَ لِيَلْحَقَ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، فَكَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَضَلَّ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىْ:
وَتَوَقَّفْنَا فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ عِنْدَ طَرْحِ التَّسَاؤُلِ الْمُثِيرِ التَّالِيْ: لِمَاذَا أَقْدَمَ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ عَلَى الْخَوْضِ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُ جُنُودُهُ بَعْدَ أَنْ رَأَى فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ مَا فَعَلَ مُوسَى بِعَصَاهُ مِنْ أَمْرِ شَقِّ الْبَحْرْ؟
وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ (رُبَّمَا مُخْطِئِينْ) بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أَصَرَّ عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ الْمُوَاجَهَةَ الْفِعْلِيَّةَ مَعَ إِلَهِ مُوسَى نَفْسِهِ.
فَالْفُرْصَةُ الْآنَ قَدْ سَنَحَتْ لَهُ لِمُوَاجَهَةِ إِلَهِ مُوسَى الَّذِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَظُنُّ أَنَّهُ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينْ:
وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ مُتَابَعَةَ التَّفْكِيرِ فِي هَذَا الِاتِّجَاهْ، لِنَرَى مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورْ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا أَحْسَنَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ مِنْهُ.
وَنَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِبْ، أَوْ مِمَّنْ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقّْ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمْ – آمِينْ.
أَمَّا بَعْدْ،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ
السُّؤَالْ: [هَلْ أَرَادَ فِرْعَوْنُ الْمُوَاجَهَةَ الْفِعْلِيَّةَ مَعَ الْإِلَهْ؟]
بِدَايَةْ، دَعْنَا نَتَدَبَّرُ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي ظَنَنَّا أَنَّهَا جَاءَتْ لِتُصَوِّرَ لَنَا جَانِبًا مِمَّا حَصَلَ مِنْ أَمْرِ فِرْعَوْنْ:
لِنَخْرُجَ بِالِاسْتِنْبَاطَاتِ التَّالِيَةْ:
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا (الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا).
- انْسَلَخَ فِرْعَوْنُ مِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ (فَانسَلَخَ مِنْهَا).
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ).
- كَانَ فِرْعَوْنُ مِنَ الْغَاوِينَ (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ).
- لَمْ تَقْضِ مَشِيئَةُ اللَّهِ أَنْ يَرْفَعَ فِرْعَوْنَ بِهَا لِأَنَّ مَشِيئَةَ فِرْعَوْنَ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا).
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ، أَيْ أَرَادَ الْخُلُودَ فِي الْأَرْضِ (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ).
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).
- كَانَ مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَثَلِ الْكَلْبِ الَّذِي إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث).
- كَانَ فِرْعَوْنُ يَحْمِلُ شَيْئًا، وَهُوَ فِي ظَنِّنَا الْكِتَابْ.
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِنَا (ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا).
- كَانَتْ تِلْكَ هِيَ قَصَّ الْقَصَصِ (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ).
- تِلْكَ الْقَصَصُ بِحَاجَةٍ أَنْ نُعْمِلَ التَّفْكِيرَ فِيهَا (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
الدَّلِيلْ: [فِرْعَوْنُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَىْ]
لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الْمُوَجَّهَةَ مِنَ اللَّهِ إِلَى مُوسَى، لَرُبَّمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ أَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ فِعْلًا مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهْ:
فَاللَّهُ يَنْهَى مُوسَى أَنْ يَصُدَّهُ عَنِ السَّاعَةِ مَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوحُ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ: مَنْ هَذَا الَّذِي حَذَّرَ اللَّهُ مُوسَى مِنْهُ حَتَّى لَا يَصُدَّهُ عَنِ السَّاعَةْ؟
أَلَيْسَ هُوَ مَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالسَّاعَةْ؟ أَلَيْسَ هُوَ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهْ؟ فَمَنْ هُوَ إِذَنْ؟
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، فَكَانَتْ ضَلَالَةُ اللَّهِ لَهُ عَنْ عِلْمٍ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى سَمْعِهِ وَجَعَلَ عَلَى قَلْبِهِ غِشَاوَةْ:
لِذَا جَاءَتْ عَقِيدَةُ فِرْعَوْنَ الَّذِي كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ الْهَلَاكَ سَبَبُهُ الدَّهْرُ، وَانْظُرْ إِنْ شِئْتَ – عَزِيزِي الْقَارِئْ - الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ السَّابِقَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُصَوِّرُ أَنَّ مَنْ جَاءَهُمْ مُوسَى فَكَفَرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى هُمْ مَنِ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ مِنْ بَيْنِهِمْ جَمِيعًا هُوَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَقِيدَةَ مَنْ جَاءَهُمْ مُوسَى مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى اتِّبَاعِهِمْ أَهْوَاءَهُمْ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ مَنْ أَضَلَّ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىْ:
السُّؤَالْ: [لِمَاذَا كَانَ مَثَلُ فِرْعَوْنَ كَمَثَلِ الْكَلْبِ وَلَيْسَ الْحِمَارْ؟]
جَوَابْ: لَوْ عُدْنَا إِلَى الْآيَةِ الْأُولَى لَوَجَدْنَا أَنَّ مَثَلَ فِرْعَوْنَ هُوَ مَثَلُ الْكَلْبِ الَّذِي إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ:
وَلَا عَجَبَ – عِنْدَنَا - أَنَّ الَّذِي يَلْهَثُ هُوَ مَنْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ حَرَكَةَ صُعُودٍ إِلَى الْأَعْلَىْ. وَالْآيَةُ التَّالِيَةُ تُصَوِّرُ لَنَا مَنْ أَرْهَقَهُ اللَّهُ صُعُودًا:
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ جَمِيعَهَا لَوَجَدْنَاهَا تَتَحَدَّثُ – بِرَأَيْنَا - عَنْ فِرْعَوْنْ. فَاللَّهُ يَتَحَدَّثُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِدَايَةً بِصِيغَةِ ذَرْنِي:
وَهَا هُوَ فِرْعَوْنُ يَتَحَدَّثُ بِالصِّيغَةِ نَفْسِهَا:
فَجَاءَ رَدُّ مُوسَى عَلَى ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: فَكَانَ فِرْعَوْنُ مُتَكَبِّرًا لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَهُوَ مَا جَاءَ التَّحْذِيرُ الْإِلَهِيُّ لِمُوسَى مِنْهُ مِنْ ذِي قَبْلْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يُؤْمِنُ بِالسَّاعَةْ؟ وَلِمَاذَا لَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابْ؟
جَوَابْ: لِأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ مَنْ فَكَّرَ وَقَدَّرْ:
وَقَدْ جَاءَ حَتْفُهُ مِنْ بَابِ تَقْدِيرِهِ:
وَفِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي نَظَرَ:
وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَمَا بَلَغَ الْأَسْبَابْ:
وَهُوَ الَّذِي عَادَ مِنْ هُنَاكَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تُرْضِيهِ، عِنْدَمَا وَجَدَ أَنَّ هُنَاكَ إِلَهٌ لِمُوسَى، فَهُوَ الَّذِيْ:
وَفِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ:
وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَمَا أَرَاهُ مُوسَى الْآيَةَ الْكُبْرَىْ:
فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْقَوْلْ:
وَجَاءَ رَأْيُهُ هَذَا وَاضِحًا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَفِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي سَتَكُونُ نِهَايَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
وَنَحْنُ نَدْعُو الْقَارِئَ الْكَرِيمَ أَنْ يُعِيدَ تَدَبُّرَهُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ مَرَّةً أُخْرَى بِهَذَا الْفَهْمِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لِيَرَى مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ لَاحِقًا.
السُّؤَالْ: [لِمَاذَا كَانَ مَثَلُ فِرْعَوْنَ كَالْكَلْبِ إِذَنْ؟]
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَثَلُ فِرْعَوْنَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، لَمْ يَكُنْ إِذَنْ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنَ النَّصِّ الدِّينِيِّ، قَالَ تَعَالَىْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: عِنْدَمَا يَحْمِلُ النَّاسُ شَيْئًا مِنَ النَّصِّ الدِّينِيِّ (كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) وَلَا يَحْمِلُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَهُمْ يَكُونُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحِمَارَ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَفِيدُ مِمَّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَأْتِهِ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ الدِّينِيَّةِ ذَاتِ الْمَصْدَرِ الْإِلَهِيِّ. لِذَا لَمْ يَحْصُلِ التَّشْبِيهُ لِفِرْعَوْنَ بِالْحِمَارْ.
ثَانِيًا، لَمَّا كَانَ صَوْتُ الْحِمَارِ هُوَ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتْ:
لَمْ يَكُنْ صَوْتُ فِرْعَوْنَ نُكْرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَوْصِيلِ رِسَالَتِهِ لِمَنْ حَوْلَهُ، فَهُوَ رَجُلٌ يَتَحَدَّثُ بِكَلَامٍ يَسْتَطِيعُ مَنْ حَوْلَهُ أَنْ يَفْهَمَهُ.
لَكِنَّ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْحِمَارِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُرَدِّدُونَ كَلَامًا عَلَى مَسَامِعِ النَّاسِ غَيْرَ مَفْهُومٍ حَتَّى مَهْمَا ارْتَفَعَتْ نَبْرَةُ أَصْوَاتِهِمْ.
وَالْقَارِئُ الْكَرِيمُ مَدْعُوٌّ لِلتَّفَكُّرِ فِي الْحَاجَةِ لِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ عَالِيَةً عَلَى مَنَابِرِ الْخَطَابَةِ فِي حِينِ أَنَّ الرِّسَالَةَ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ، تَكْرَارٌ لِمَا قَدْ قِيلَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ، فَهِيَ كَأَصْوَاتِ الْحَمِيرِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الْحَاجَةُ عِنْدَ الْحِمَارْ. (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَاتِ قِصَّةِ يُوسُفْ).
عَلَى أَيِّ حَالٍ، مَا أَوَدُّ قَوْلَهُ هُنَا هُوَ أَنَّ صَوْتَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ كَصَوْتِ الْحِمَارِ، لَكِنْ كَانَ مَثَلُ فِرْعَوْنَ – لَا شَكَّ - كَمَثَلِ الْكَلْبْ.
السُّؤَالْ: [لِمَاذَا الْكَلْبُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟]
افْتِرَاءَاتٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَظُنُّ أَنَّهَا ذَاتُ عَلَاقَةٍ بِالْمَوْضِعِ قَيْدِ النِّقَاشِ وَهُوَ تَشْبِيهُ فِرْعَوْنَ بِالْكَلْبْ:
- الْكَلْبُ لِلْحِرَاسَةِ.
- الْكَلْبُ حَرِيصٌ عَلَى مَا عِنْدَهُ، فَلَا يُفَرِّطُ بِمَا عِنْدَهُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَأْخُذَ مَا عِنْدَهُ بِسُهُولَةْ.
- الْكَلْبُ يَلْهَثْ.
- الْكَلْبُ دَائِمُ الْمُرَاقَبَةْ.
- الْكَلْبُ حَرَكَتُهُ سَرِيعَةْ.
- الْكَلْبُ يُمْكِنُ التَّفَاهُمُ مَعَهُ بِالتَّدْرِيبْ.
- الْكَلْبُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَرَارَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَهُوَ فِي وَضْعِ الِاسْتِعْدَادِ لِلِانْطِلَاقْ.
- الْكَلْبُ يَأْكُلُ اللُّحُومَ، فَتَجِدُهُ يَرْكُضُ لِلظَّفَرِ بِالْعَظْمَةْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ (الْكَلْبَ) كَانَ يُرِيدُ اللَّحَاقَ بِمُوسَى لِلظَّفَرِ بِالْعَصَا الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ مُوسَىْ:
الدَّلِيلُ: [الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِرْعَوْنُ كَلْبُ حِرَاسَةْ]
تَحَدَّثْنَا فِي مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ لَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ (كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟) عَنْ مُهِمَّةِ الْكَلْبِ الَّذِي كَانَ مُتَوَاجِدًا فِي كَهْفِ الْفِتْيَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمْ.
وَظَنَنَّا (مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) بِأَنَّ مُهِمَّةَ ذَلِكَ الْكَلْبِ كَانَتْ تَكْمُنُ فِي حِرَاسَةِ مَوْجُودَاتِ الْكَهْفِ الَّذِي أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَيْهِ.
وَطَارَ الْخَيَالُ بِنَا إِلَى تَصَوُّرِ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَنَّ الْكَهْفَ كَانَ يَحْتَوِي عَلَى مُقْتَنَيَاتٍ قَيِّمَةٍ جِدًّا، فَكَانَ تَوَاجُدُ الْكَلْبِ فِي ذَلِكَ الْكَهْفِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ مِنْ أَجْلِ حِرَاسَةِ تِلْكَ الْمُقْتَنَيَاتِ فِي غِيَابِ الْفِتْيَةِ عَنِ الْكَهْفِ أَوْ فِي وَقْتِ نَوْمِهِمْ.
وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ الْقَيِّمَةَ فِي ذَلِكَ الْكَهْفِ هِيَ الرَّقِيمُ (جَمْعُ كِتَابٍ مَرْقُومٍ). فَكَانَ الْفِتْيَةُ هُمْ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمْ:
وَكَانَ الْكَلْبُ هُوَ الْمُوَكَّلَ إِلَيْهِ حِرَاسَةُ تِلْكَ الْكُتُبِ الْمَرْقُومَةِ (الرَّقِيمْ):
وَبِهَذَا الْفَهْمِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْدِيمِ افْتِرَاءٍ خَطِيرٍ جِدًّا جَدِيدٍ يَخُصُّ فِرْعَوْنَ الَّذِي جَاءَ مَثَلُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ (كَمَا فَهِمْنَاهُ) كَمَثَلِ الْكَلْبْ، وَالِافْتِرَاءُ هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
لَمَّا كَانَ مَثَلُ فِرْعَوْنَ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ (رُبَّمَا مُخْطِئِينْ) بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ هُوَ مَنْ يَحْرُسُ مَا يُشْبِهُ مَا كَانَ كَلْبُ الْفِتْيَةِ يَحْرُسُهُ، إِنَّهُ الْكِتَابُ، الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
الدَّلِيلُ: [بَابُ رُكْنِ فِرْعَوْنَ]
لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ لَهُ رُكْنٌ خَاصٌّ بِهِ:
وَبِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا لِمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَإِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْرُجَ بِالِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةْ:
- أَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ).
- أَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ).
- تَوَلَّى فِرْعَوْنُ عَنْ مُوسَى (فَتَوَلَّى).
- تَوَلَّى فِرْعَوْنُ عَنْ مُوسَى بِرُكْنِهِ (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ).
- كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ فِرْعَوْنَ عَلَى مَا جَاءَهُ بِهِ مُوسَى عَلَى أَنَّ مُوسَى سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
- أَخَذَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ فَنَبَذَهُمْ فِي الْيَمِّ (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ).
- كَانَ فِرْعَوْنُ فِي حَالَةِ مُلِيمٍ (وَهُوَ مُلِيمٌ).
وَهَذِهِ الِافْتِرَاءَاتُ تُلْزِمُنَا طَرْحَ بَعْضِ التَّسَاؤُلَاتِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- مَا هُوَ السُّلْطَانُ الْمُبِينُ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ بِهِ؟
- لِمَاذَا تَوَلَّى فِرْعَوْنُ عَنْ مُوسَىْ؟
- لِمَاذَا تَوَلَّى فِرْعَوْنُ إِلَى رُكْنِهِ؟
- مَا هُوَ رُكْنُ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِهِ؟
- أَيْنَ هُوَ رُكْنُ فِرْعَوْنَ ذَاكَ؟
- لِمَاذَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ فِرْعَوْنَ عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةْ؟
- لِمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ النِّهَائِيَّةُ هِيَ النَّبْذَ فِي الْيَمِّ؟
- لِمَاذَا كَانَ مُلِيمًا؟
- وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقِصَّةِ يُونُسَ الَّتِي بَدَأْنَا هَذِهِ السِّلْسِلَةَ مِنَ الْمَقَالَاتِ بِهَا؟
- أَلَمْ يَكُنْ يُونُسُ هُوَ أَيْضًا مُلِيمًا؟
- أَلَمْ تَكَدْ تَكُونُ نِهَايَةُ يُونُسَ كَنِهَايَةِ فِرْعَوْنَ (النَّبْذَ فِي الْبَحْرِ) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السُّلْطَانَ الْمُبِينَ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ هُوَ الْعَصَا، فَكَانَتْ هِيَ الْآيَةَ الْكُبْرَى الَّتِي أَرَاهَا مُوسَى لِفِرْعَوْنَ فِي رُكْنِهِ:
فَلَقَدْ أَصَابَ فِرْعَوْنَ الذُّهُولُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) عِنْدَمَا وَجَدَ أَنَّ مُوسَى هُوَ مَنْ يَمْلِكُ الْآيَةَ الْكُبْرَى، فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ أَكْثَرَ مِنَ التَّكْذِيبِ وَالْعِصْيَانِ (فَكَذَّبَ وَعَصَى).
السُّؤَالْ: لِمَاذَا كَذَّبَ فِرْعَوْنُ وَعَصَىْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا: لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ بِيَدِهِ عَصًا تُشْبِهُ فِي فِعْلِهَا الْعَصَا الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ مُوسَى. انْتَهَىْ.
لِذَا لَمَّا وَجَدَ فِرْعَوْنُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَمْلِكُ عَصًا تُشْبِهُ الْعَصَا الَّتِي بِيَدِهِ، وَهِيَ – لَا شَكَّ - سِرُّ قُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ، جُنَّ جُنُونُهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَدِّقَ مَا تَرَاهُ عَيْنَاهْ.
فَكَذَّبَ مُوسَى، وَعَصَى، فَأَصَرَّ عَلَى أَنَّ عَصَاهُ هِيَ الْعَصَا الْوَحِيدَةُ الْقَادِرَةُ عَلَى فِعْلِ الْأَعَاجِيبْ. (وَسَنَتَحَدَّثُ عَنْ عَصَا فِرْعَوْنَ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ).
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنْ أَرَاهُ مُوسَى الْآيَةَ الْكُبْرَىْ؟
جَوَابْ: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىْ.
السُّؤَالْ: إِلَى أَيْنَ تَوَجَّهَ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنْ أَدْبَرَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يَتَوَاجَدُ فِيهِ مَعَ مُوسَىْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: تَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِرُكْنِهِ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا تَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِرُكْنِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ مِنْ تَوَلِّي فِرْعَوْنَ بِرُكْنِهِ هُوَ جَمْعُ كَيْدِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
السُّؤَالْ: مَا هُوَ الْكَيْدُ الَّذِي جَمَعَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ أَنْ تَوَلَّى بِرُكْنِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْكَيْدَ لَيْسَ قُوَّةً مَادِيَّةً يُمْكِنُ تَحْضِيرُهَا مِنْ أَجْلِ مُوَاجَهَةِ الْخَصْمِ، وَلَكِنَّهَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) عِبَارَةٌ عَنِ اتِّخَاذِ التَّدَابِيرِ اللَّازِمَةِ لِإِنْجَاحِ الْمُؤَامَرَةِ ضِدَّ الْخَصْمِ، كَمَا كَانَ يُخَطِّطُ إِخْوَةُ يُوسُفَ بِأَخِيهِمْ:
أَوْ كَمَا فَعَلَتِ النِّسْوَةُ بِيُوسُفْ:
فَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ قَدِ اسْتَخْدَمُوا شَيْئًا مِنَ الْقُوَّةِ الْمَادِيَّةِ كَالْأَسْلِحَةِ مَثَلًا، لَكِنَّهُمْ كَادُوا لَهُ، وَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّ النِّسْوَةَ قَدِ اسْتَخْدَمْنَ أَسْلِحَةً مَادِيَّةً لِلْإِيقَاعِ بِيُوسُفَ، لَكِنَّهُنَّ كِدْنَ لَهُ.
وَهَذَا فِرْعَوْنُ يَطْلُبُ مِنَ السَّحَرَةِ أَنْفُسِهِمْ أَنْ يَجْمَعُوا كَيْدَهُمْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْكَيْدَ هُوَ مَا يُشْبِهُ مَا يَقُومُ بِهِ السَّاحِرْ:
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ أَيْضًا صَاحِبُ كَيْدٍ، لَكِنَّ كَيْدَهُ - لَاشَكَّ - ضَعِيفٌ:
لَكِنَّ اللَّهَ – بِالْمُقَابِلِ - هُوَ صَاحِبُ الْكَيْدِ الْمَتِينْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ تَوَلَّى بِرُكْنِهِ، وَكَانَتِ الْغَايَةُ مِنْ تَوَلِّيهِ بِرُكْنِهِ هُوَ حَتَّى يَجْمَعَ كَيْدَهُ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: كَانَتْ أَدَوَاتُ كَيْدِ فِرْعَوْنَ مَوْجُودَةً فِي رُكْنِهِ.
السُّؤَالْ: مَا هِيَ أَدَوَاتُ كَيْدِ فِرْعَوْنَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي رُكْنِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَدَوَاتِ كَيْدِ فِرْعَوْنَ هُمَا اثْنَتَانِ: عَصًا وَكِتَابْ. انْتَهَىْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا تَوَلَّى فِرْعَوْنُ لِيَجْمَعَ كَيْدَهُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَمْدُدَ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ:
السُّؤَالْ: هَلْ فِعْلًا مَدَّ فِرْعَوْنُ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ لِيَنْظُرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْ، لَقَدْ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لِيَبْلُغَ بِهِ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَىْ:
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدِ اسْتَطَاعَ بِمَا جَهَّزَهُ لَهُ هَامَانُ (أَيِ الصَّرْحَ) أَنْ يَبْلُغَ الْأَسْبَابَ لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَحَاوَلَ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ، لَكِنْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ عَكْسَ مَا تَمَنَّى وَرَغِبَ، فَوَجَدَ إِلَهَ مُوسَى، وَخَابَ كَيْدُ فِرْعَوْنَ، وَلَمْ يَكُنْ كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ كَانَ كَيْدُ فِرْعَوْنَ فِي تَبَابْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كَيْدَ فِرْعَوْنَ كُلَّهُ كَانَ فِي تَبَابٍ لِأَنَّهُ كَيْدٌ كُتِبَ بِيَمِينِ النَّاسِ، فَكُلُّ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ الَّذِي خَطَّهُ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ، كَمَا فَعَلَ أَبُو لَهَبٍ الَّذِي تَبَّتْ يَدَاهُ:
تَلْخِيصُ مَا سَبَقْ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ مَا حَصَلَ مِنْ أَمْرِ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: أَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ، كَانَ ذَلِكَ السُّلْطَانُ هُوَ الْعَصَا، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ أَرَاهُ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ هُوَ تِلْكَ الْعَصَا (الْآيَةَ الْكُبْرَى)، فَجُنَّ جُنُونُ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّهُ عَلِمَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُقَارِعُهُ عَلَى مُلْكِهِ الَّذِي أَسَّسَهُ وَحَمَاهُ بِالْعَصَا الَّتِي بِيَدِهِ هُوَ.
وَهُنَا سَأَلَ فِرْعَوْنُ مُوسَى عَلَى الْفَوْرِ عَنِ الْقُرُونِ الْأُولَىْ:
فَتَأَكَّدَ لِفِرْعَوْنَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَمْلِكِ الْكِتَابَ (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ) وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ الْعَصَا (الْآيَةَ الْكُبْرَى). وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ تَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِرُكْنِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ مُوسَى بِالسِّحْرِ وَالْجُنُونْ:
وَكَانَتِ الْغَايَةُ مِنْ تَوَلِّيهِ بِرُكْنِهِ هِيَ أَنْ يَجْمَعَ كَيْدَهُ كُلَّهُ. فَكَانَ كَيْدُ فِرْعَوْنَ فِي تَبَابٍ (أَيْ مَكْتُوبٌ بِخَطِّ الْيَدِ) – وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ عِلْمُ الْقُرُونِ الْأُولَى كُلِّهَا، وَعَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مَا تَحَصَّلَ لِعَادٍ وَثَمُودَ مِنْ قَبْلِهِ:
الدَّلِيلُ: [مَفْهُومُ التَّوَلِّيْ]
نَحْنُ نَجِدُ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ فِي مُفْرَدَةِ "فَتَوَلَّى".
السُّؤَالْ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لَمَّا جَاءَتِ الْمُفْرَدَةُ مَبْدُوءَةً بِالْفَاءِ "فَتَوَلَّى"، ظَنَنَّا (رُبَّمَا مُخْطِئِينْ) أَنَّ هُنَاكَ أَحْدَاثًا سَابِقَةً قَدْ حَصَلَتْ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِرُكْنِهِ. وَأَنَّ تِلْكَ الْأَحْدَاثَ كَانَتْ هِيَ السَّبَبَ فِي أَنْ يَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِرُكْنِهِ.
فَنَحْنُ نَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ مُفْرَدَةِ "فَتَوَلَّى" الَّتِي قَامَ بِهَا فِرْعَوْنُ:
وَمُفْرَدَةِ "ثُمَّ تَوَلَّى" الَّتِي قَامَ بِهَا مُوسَى بَعْدَ أَنْ سَقَى لِلْمَرْأَتَيْنِ فِي مَدْيَنَ:
فَمُوسَى تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ بَعْدَ أَنْ سَقَى لَهُمَا، وَلَمْ تَكُنْ سِقَايَتُهُ لَهُمَا هِيَ سَبَبَ تَوَلِّيهِ إِلَى الظِّلِّ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مَا حَصَلَ بَعْدَ أَنْ سَقَى لَهُمَا، لِذَا جَاءَتْ فِي النَّصِّ عَلَى نَحْوِ (ثُمَّ تَوَلَّى).
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي سِيَاقِ قِصَّةِ مُوسَى لَوَجَدْنَا أَنَّ الْفَاءَ قَدْ جَاءَتْ مُصَاحِبَةً لِلْفِعْلِ "فَسَقَى"، لِذَا كَانَتْ سِقَايَةُ مُوسَى لَهُمَا نَاتِجَةً عَنْ سَبَبٍ سَبَقَهَا وَهُوَ مَا جَاءَ فِي رَدِّهِمَا عَلَى سُؤَالِهِ، انْظُرِ الْآيَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعْ:
فَحُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَ مُوسَى أَنَّ أَبَ الْمَرْأَتَيْنِ شَيْخٌ كَبِيرٌ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي دَعَاهُ أَنْ يَسْقِيَ لَهُمَا، فَجَاءَ النَّصُّ عَلَى نَحْوِ "فَسَقَى".
إِنَّ مَا يَهُمُّنَا طَرْحُهُ هُنَا هُوَ أَنَّ سَبَبَ تَوَلِّي فِرْعَوْنَ بِرُكْنِهِ (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) هُوَ مَا حَصَلَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ حُصُولُ الْعِلْمِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ بِأَنَّ مُوسَى يَمْلِكُ بِيَدِهِ الْعَصَا (الْآيَةَ الْكُبْرَى) لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَعْدُ الْكِتَابْ.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ (نَحْنُ لَا زِلْنَا نَتَخَيَّلُ) كَانَ عَلَى فِرْعَوْنَ أَنْ يَجْمَعَ كَيْدَهُ الْمَوْجُودَ فِي ذَلِكَ الرُّكْنْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرَةٌ جِدًّا: فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ كَانَتْ خَشْيَةُ فِرْعَوْنَ تَكْمُنُ فِي ظَنِّهِ أَنَّ مُوسَى قَدْ وَصَلَ إِلَى رُكْنِ فِرْعَوْنَ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ الْكِتَابُ (كَيْدُهُ)، وَهُوَ كِتَابُ عِلْمِ الْقُرُونِ الْأُولَىْ.
فَفِرْعَوْنُ يَظُنُّ أَنَّ فِي وُصُولِ مُوسَى إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَحُصُولِهِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ هُوَ مَا يَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى تَفْعِيلِ الْعَصَا الَّتِي بِيَدِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ نَفْسَهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) كَانَ بِيَدِهِ عَصًا يَقُومُ بِتَفْعِيلِهَا بِسَبَبِ وُجُودِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ تَفْعِيلِهَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابْ.
فَمَنِ امْتَلَكَ عِلْمَ ذَلِكَ الْكِتَابِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوَفِّرَ لِنَفْسِهِ عَصًا تَفْعَلُ الْأَعَاجِيبَ كَالَّتِي بِيَدِ مُوسَى. فَمَا أَنْ أَدْرَكَ فِرْعَوْنُ أَنَّ مُوسَى يَمْلِكُ الْعَصَا وَلَا يَمْلِكُ عِلْمَ الْقُرُونِ الْأُولَى الْمَوْجُودَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ حَتَّى تَوَلَّى هُوَ بِنَفْسِهِ بِرُكْنِهِ لِيَجْمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ يَأْتِيْ:
وَهُنَا نَطْرَحُ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
- كَيْفَ تَوَلَّى فِرْعَوْنُ؟
- وَمَا هُوَ الرُّكْنُ الَّذِي تَوَلَّى بِهِ فِرْعَوْنُ؟
بَابُ التَّوَلِّيْ: [تَحْلِيلٌ لُغَوِيٌّ قُرْآنِيٌّ]
أَوَّلًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ التَّوَلِّيَ يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ اتِّخَاذَ اتِّجَاهْ:
ثَانِيًا، يُمْكِنُ تَحْدِيدُ هَذَا الِاتِّجَاهْ:
ثَالِثًا، وَالتَّوَلِّي يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ تَغَيُّرَ الِاتِّجَاهْ:
رَابِعًا، وَغَالِبًا مَا يَكُونُ هَذَا التَّوَلِّي مَدْفُوعًا بِتَغَيُّرِ الْمَبْدَأِ وَالْغَايَةْ:
خَامِسًا، وَهَذَا التَّوَلِّي يَكُونُ فِيهِ مُقَارَعَةٌ لِلْخَصْمِ، فَتَنْتَفِي الطَّاعَةْ:
سَادِسًا، وَهَذَا التَّوَلِّي غَالِبًا مَا يَكُونُ الْمُحَرِّضُ عَلَيْهِ هُوَ الشَّيْطَانْ:
سَابِعًا، وَغَالِبًا مَا يَكُونُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ غَالِبِيَّةَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنْ:
ثَامِنًا، أَمَّا الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَهُمُ الْفِئَةُ الْقَلِيلَةْ:
تَلْخِيصُ مَا سَبَقْ: إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ هُنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَذَّبَ:
وَأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ تَوَلَّى بِرُكْنِهِ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا مَا قَالَهُ مُوسَى كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ، لَوَجَدْنَا فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْغَرَابَةِ، قَالَ تَعَالَىْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا تَوَجَّهَ مُوسَى بِالدُّعَاءِ إِلَى رَبِّهِ بِأَنْ يُهْلِكَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَجِدُ أَنَّ مُوسَى قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ بِأَنَّ الْعَذَابَ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.
السُّؤَالْ: مِنْ أَيْنَ عَلِمَ مُوسَى أَنَّ الْعَذَابَ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ بِهِمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) تُبَيِّنُ لَنَا السَّبَبَ:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةْ: يُرْسِلُ اللَّهُ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ، فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِرْعَوْنَ أَكْثَرَ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَمْ يَكْتَفِ فِرْعَوْنُ بِالتَّكْذِيبِ وَلَكِنَّهُ تَوَلَّى أَيْضًا.
مَا أَنْ رَأَى مُوسَى رَدَّةَ فِعْلِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ هَذِهِ، حَتَّى تَأَكَّدَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ بِأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مَا قَدْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ مِنْ قَبْلُ (أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى).
السُّؤَالْ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: فِي اللِّقَاءِ الْأَوَّلِ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ مُوسَى وَرَبِّهِ فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ، جَاءَ الطَّلَبُ الْإِلَهِيُّ مِنْ مُوسَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا لَمْ يَرُدَّ مُوسَى عَلَى رَبِّهِ بِالسُّؤَالِ عَنْ نِهَايَةِ فِرْعَوْنَ؟ لِمَ لَمْ يَسْأَلْ مُوسَى رَبَّهُ كَيْفَ سَتَكُونُ نِهَايَةُ فِرْعَوْنَ (أَنْ يَتَذَكَّرَ أَوْ أَنْ يَخْشَى)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ قَدْ سَأَلَ رَبَّهُ عَنْ نِهَايَةِ فِرْعَوْنَ، فَكَانَ الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ لَهُمَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
لِذَا، نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّهُ مَا أَنْ سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ عَنْ نِهَايَةِ فِرْعَوْنَ حَتَّى كَانَتِ الْإِجَابَةُ الرَّبَّانِيَّةُ لَهُ تَكْمُنُ فِي مُرَاقَبَةِ رَدَّةِ فِعْلِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، كَانَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ أَنْ يُرَاقِبَا رَدَّةَ فِعْلِ فِرْعَوْنَ، فَإِنْ هُوَ كَذَّبَ وَتَوَلَّى فَإِنَّ الْعَذَابَ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ بِهِمْ.
جَوَابْ: لِمَاذَا تَوَلَّى فِرْعَوْنُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ تَوَلِّيَ فِرْعَوْنَ كَانَ هَدَفُهُ الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضْ:
السُّؤَالْ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ سُنَّةً كَوْنِيَّةً لِمَنْ يَتَوَلَّى، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ تَوَلَّى لِيُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ فِعْلًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نُدَقِّقُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ نِهَايَةَ فِرْعَوْنَ فِي الْغَرَقْ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ هَذَا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِرْعَوْنُ مِنْ قَبْلُ:
السُّؤَالْ: مَنْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ التَّقْتِيلَ فِي النَّاسِ، فَفِرْعَوْنُ كَانَ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَهْلَ الْأَرْضِ شِيَعًا، فَاسْتَضْعَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ وَأَخَذَ يَعْمَلُ فِيهِمُ التَّقْتِيلْ.
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ عَلَى النَّقِيضِ مِنَ الْمُفْسِدِ (الَّذِي يَقْتُلُ) هُوَ الْمُصْلِحُ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ الرَّجُلُ الثَّانِي لِمُوسَى عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي الْيَوْمِ التَّالِيْ:
لِذَا أَصْبَحَ السِّينَارِيُو هُوَ التَّقَابُلَ بَيْنَ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (فِرْعَوْنَ) وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (مُوسَى). وَأَصْبَحَتْ أَدَوَاتُ الْمُوَاجَهَةِ هِيَ الْعَصَا وَالْكِتَابْ.
لِنَخْلُصَ إِلَى النَّتِيجَةِ التَّالِيَةِ: كَانَ بِيَدِ مُوسَى عَصًا وَكَانَ بِيَدِ فِرْعَوْنَ عَصًا، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى قَدْ حَازَ بَعْدُ عَلَى كِتَابِ عِلْمِ مَا فِي الْقُرُونِ الْأُولَى بَيْنَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ عِنْدَهُ هَذَا الْكِتَابْ:
| مِنَ الْمُصْلِحِينَ (مُوسَى) | مِنَ الْمُفْسِدِينَ (فِرْعَوْنَ) |
|---|---|
| عَصَا | عَصَا |
| ............ | كِتَابْ |
لِذَا كَانَتِ الْكِفَّةُ تَرْجَحُ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ لِصَالِحِ فِرْعَوْنَ. فَهُوَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَفَوَّقَ عَلَى مُوسَى مَتَى مَا حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الْفِعْلِيَّةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
لَكِنَّ مُوسَى كَانَ يَعْلَمُ سُنَّةَ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةَ فِي الْمُفْسِدِينَ وَهِيَ اسْتِبْدَالُهُمْ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، قَالَ تَعَالَىْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَمَّا عَلِمَ مُوسَى أَنَّ رَدَّةَ فِعْلِ فِرْعَوْنَ هِيَ التَّكْذِيبُ وَالتَّوَلِّي، كَانَ عَلَى عِلْمٍ إِذَنْ بِأَنَّ الْعَذَابَ لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ بِهِمْ، وَأَنَّ اسْتِبْدَالَهُمْ لَا مَحَالَةَ حَاصِلٌ، وَهَذَا مَا حَصَلَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافْ:
فَكَانَتْ وِرَاثَةُ الْأَرْضِ لِلْقَوْمِ الصَّالِحِينْ:
(دُعَاءْ: أَسْأَلُكَ اللَّهَ أَنْ أَكُونَ وَذُرِّيَّتِي مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الْمُصْلِحِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ - آمِينْ).
خُرُوجٌ عَنِ النَّصِّ فِي اسْتِرَاحَةٍ قَصِيرَةْ: [دَوْرَةُ الْحَرْبِ وَالْأَرْكَانْ]
السُّؤَالْ: إِذَا كَانَ هَذَا مَا فَهِمْنَاهُ حَتَّى السَّاعَةِ مِنْ مَعْنَى التَّوَلِّي، فَلِمَا تَوَلَّى فِرْعَوْنُ بِرُكْنِهِ؟ فَمَا هُوَ الرُّكْنْ؟ وَأَيْنَ هُوَ رُكْنُ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَوَلَّى بِهِ؟
جَوَابْ: لَازَالَ الْعَسْكَرُ (وَخَاصَّةً الْقَادَةَ مِنْهُمْ) حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا يَعْقِدُونَ دَوْرَاتِ الْحَرْبِ وَالْأَرْكَانْ. فَيُنْعَتُ مَنْ يَجْتَازُ مِنْهُمْ هَذِهِ الدَّوْرَةَ بِـ لَقَبِ "الرُّكْنِ"، فَيَقُولُونَ مَثَلًا أَنَّ فُلَانًا هُوَ عَقِيدُ رُكْنٍ أَوْ عَمِيدُ رُكْنٍ، وَهَكَذَا.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا هِيَ دَوْرَةُ حَرْبٍ وَأَرْكَانْ؟ وَلِمَاذَا هُوَ عَمِيدُ رُكْنٍ أَوْ عَقِيدُ رُكْنٍ مَثَلًا؟ مَا مَعْنَى أَنْ تَكُونَ دَوْرَةَ أَرْكَانْ؟ هَلْ يَفْهَمُ هَؤُلَاءِ الْعَسْكَرُ مَعْنَى الْمُفْرَدَةِ الَّتِي يُلَقِّبُونَ بِهَا؟ مَنْ يَدْرِي؟!!!
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَطْلُبُ مِمَّنْ يَقْرَءُونَ هَذِهِ السُّطُورَ أَنْ يُنَاقِشُوا مَنْ يَعْرِفُونَ مِنَ قَادَةِ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ اجْتَازُوا هَذِهِ الدَّوْرَةَ وَيَحْمِلُونَ اللَّقَبَ عَنْ سِرِّ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ، وَسَنَكُونُ شَاكِرِينَ لَهُمْ إِنْ وَجَدُوا جَوَابًا أَنْ يُوصِلُوهُ لَنَا.
أَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا سَنُقَدِّمُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ رَأْيَنَا الْمُفْتَرَى فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَهُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الرُّكْنَ هُوَ "غُرْفَةُ الْعَمَلِيَّاتِ الْحَرْبِيَّةِ". فَمِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنَّ الْقَادَةَ مِنَ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ يَجْتَازُونَ هَذِهِ الدَّوْرَةَ قَادِرُونَ عَلَى إِدَارَةِ الْمَعْرَكَةِ مِنْ رُكْنِهِمْ (أَيْ مِنْ غُرْفَةِ الْعَمَلِيَّاتِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ). انْتَهَىْ.
الدَّلِيلُ: [الرُّكُونُ وَالْحِصْنْ]
لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الرُّكُونَ (مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرُّكْنِ) هُوَ الْمَيْلُ إِلَى جَانِبِ طَرَفٍ عَلَى حِسَابِ طَرَفٍ آخَرْ:
فَاللَّهُ هُوَ مَنْ يَنْهَانَا أَنْ نَرْكَنَ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، لِأَنَّ النَّتِيجَةَ سَتَكُونُ وَخِيمَةً، وَاللَّهُ هُوَ مَنْ نَهَى النَّبِيَّ الْكَرِيمَ أَنْ يَرْكَنَ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا:
لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ سَتَكُونُ حِينَهَا وَخِيمَةْ:
السُّؤَالْ: كَيْفَ إِذَنْ سَيَرْكَنُ النَّبِيُّ إِلَيْهِمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نُدَقِّقُ فِيمَا قَالَهُ لُوطْ:
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ لُوطًا قَدْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي حَرَجٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ قَوْمُهُ مَعَ ضُيُوفِهِ، فَهُوَ الْآنَ فِي مَوْقِفٍ لَا يُحْسَدُ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُدَافِعَ عَنْ ضُيُوفِهِ فِي ضَوْءِ إِصْرَارِ قَوْمِهِ (أَهْلِ الْمَدِينَةِ) عَلَى الظَّفَرِ بِهِمْ.
لِذَا فَهُوَ يَتَمَنَّى شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ: الْقُوَّةَ (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً)، أَوْ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ). لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ: كَيْفَ نَتَصَوَّرُ ذَلِكَ الرُّكْنَ الَّذِي يَتَمَنَّى لُوطٌ أَنْ يَأْوِيَ إِلَيْهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: إِنَّهُ مَا يُشْبِهُ الْحِصْنَ، الَّذِي يَصْعُبُ عَلَى الْعَدُوِّ اخْتِرَاقُهُ، وَمِنْ ثَمَّ الْوُصُولُ إِلَى مَنْ يَأْوِي بِدَاخِلِهِ.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ فِرْعَوْنَ يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ رُكْنًا (أَيْ غُرْفَةَ عَمَلِيَّاتٍ) لِيُدِيرَ مِنْ دَاخِلِهَا مَعْرَكَتَهُ الْحَاسِمَةَ مَعَ خَصْمِهِ (مُوسَى).
السُّؤَالْ: مَاذَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الرُّكْنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَمْلِكُ فِي ذَلِكَ الرُّكْنِ شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا:
- كِتَابٌ (الْعِلْمُ).
- عَصًا (الْقُوَّةُ الْعَسْكَرِيَّةُ).
بَابُ الْكِتَابِ: [عِلْمُ الْقُرُونِ الْأُولَىْ]
رَأْيُنَا: لَقَدِ افْتَرَيْنَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ سَابِقٍ أَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ مَنْ وَرِثَ عِلْمَ الْقُرُونِ الْأُولَى، فَفِرْعَوْنُ هُوَ ذُو الْأَوْتَادْ:
لِذَا، كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ فِرْعَوْنُ حِوَارَهُ مَعَ مُوسَى يَخُصُّ تِلْكَ الْقُرُونَ الْأُولَىْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ: لِمَاذَا بَادَرَ فِرْعَوْنُ مُوسَى بِالسُّؤَالِ عَنِ الْقُرُونِ الْأُولَىْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ فِرْعَوْنَ يَعْلَمُ مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى بَيْنَمَا يَنْقُصُ مُوسَى الْعِلْمُ بِهَا.
السُّؤَالْ: أَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَعْلَمُ مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى بَيْنَمَا لَمْ يَكُنْ مُوسَى عَلَى عِلْمٍ بِهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ جَلْبُهُ مِنْ صِيغَةِ الْخِطَابِ نَفْسِهِ خَاصَّةً الْعِبَارَةَ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ وَهِيَ عِبَارَةُ (فَمَا بَالُ)؟
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: عِنْدَ بَحْثِنَا عَنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَمْ نَجِدْهَا إِلَّا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
دَقِّقْ – إِنْ شِئْتَ - عَزِيزِي الْقَارِئَ جَيِّدًا فِي هَذَا السِّيَاقِ الْخَاصِّ بِقِصَّةِ يُوسُفَ لِتَجِدَ أَنَّ الَّذِي اسْتَخْدَمَ صِيغَةَ "مَا بَالُ" عَلَى سَبِيلِ طَرْحِ السُّؤَالِ هُوَ يُوسُفُ نَفْسُهُ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَىْ: لِأَنَّ يُوسُفَ كَانَ عَلَى عِلْمٍ بِتَفَاصِيلِ مَا فَعَلَتِ النِّسْوَةُ. فَالْمُتَحَدِّثُ الَّذِي يَطْرَحُ السُّؤَالَ عَلَى مُحَاوِرِهِ بِصِيغَةِ "مَا بَالُ" هُوَ (نَحْنُ نَظُنُّ) عَلَى عِلْمٍ بِمَا حَدَثَ، وَلَكِنَّ الْمُحَاوِرَ هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تِلْكَ التَّفَاصِيلْ.
فَيُوسُفُ هُوَ مَنْ يَسْأَلُ بِصِيغَةِ مَا بَالُ لِأَنَّهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) يَعْلَمُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، أَمَّا الْمَسْئُولُ (وَهُوَ الْمَلِكُ) قَدْ لَا يَكُونُ عَلِمَ بِتَفَاصِيلِ مَا حَدَثَ، وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا عَلَى عِلْمٍ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعُمُومِيَّاتْ.
وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِحْضَارِهِ النِّسْوَةَ وَسُؤَالِهِنَّ عَنْ مَا جَرَى عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ فِعْلًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّهُ عِنْدَمَا طَرَحَ فِرْعَوْنُ التَّسَاؤُلَ عَلَى مُوسَى عَنِ الْقُرُونِ الْأُولَى بِصِيغَةِ "مَا بَالُ"، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ (السَّائِلَ) كَانَ عَلَى عِلْمٍ دَقِيقٍ بِتَفَاصِيلِ تِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ.
لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ - لَمَّا كَانَ عِلْمُ مُوسَى بِهَا يَقَعُ فِي بَابِ الْعُمُومِيَّاتِ جَاءَ رَدُّهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
السُّؤَالْ: كَيْفَ عَلِمَ فِرْعَوْنُ التَّفَاصِيلَ الدَّقِيقَةَ عَنْ تِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَوْ تَفَقَّدْنَا رَدَّ مُوسَى بِشَيْءٍ مِنَ الدِّقَّةِ، لَوَجَدْنَا فِيهِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) الْعَجَبَ. وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مِنَ الْخَطَأِ حَمْلَ قَوْلِ مُوسَى عَلَى سَبِيلِ فَهْمِ الْعَوَامِّ الَّذِي لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعْ. لَكِنَّنَا لَا شَكَّ بِحَاجَةٍ أَنْ نَتَدَبَّرَ الصِّيغَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا رَدُّ مُوسَى جَيِّدًا لِنَخْرُجَ بِافْتِرَاءَاتٍ رُبَّمَا تُسَاعِدُنَا عَلَى فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: غَالِبًا مَا ظَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ أَنَّ مُوسَى يَقُولُ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِتِلْكَ الْقُرُونِ مَوْجُودٌ فِي كِتَابٍ عِنْدَ رَبِّهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالْ: وَمَا الْخَطَأُ فِي هَذَا الْفَهْمْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نُرِيدُ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يَتَفَكَّرَ جَيِّدًا فِي قَوْلِ مُوسَى خَاصَّةً قَضِيَّةَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ.
دَقِّقْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - فِي مَكَانِ وُجُودِ عِبَارَةِ (فِي كِتَابٍ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ:
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ ذَلِكَ؟
جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّ عِلْمَ الْقُرُونِ الْأُولَى مَوْجُودٌ فِي كِتَابٍ وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَيْسَ مَوْجُودًا عِنْدَ رَبِّ مُوسَىْ.
السُّؤَالْ: هَلْ جُنِنْتَ يَا رَجُلْ؟ مَا هُوَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ رَبِّ مُوسَى إِذَنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: إِنَّهُ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ:
السُّؤَالْ: وَأَيْنَ ذَلِكَ الْكِتَابُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ رَبِّ مُوسَى إِذَنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نُحَاوِلُ تَسْوِيقَ ظَنِّنَا الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى يَقْصِدُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ مَوْجُودٌ عِنْدَ رَبِّهِ، لَرُبَّمَا جَاءَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ – بِرَأَيْنَا - عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: "قَالَ عِلْمُهَا فِي كِتَابٍ عِنْدَ رَبِّي...".
فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيِّنٌ أَنْ يَأْتِيَ النَّصُّ عَلَى هَذَا النَّحْوِ (قَالَ عِلْمُهَا فِي كِتَابٍ عِنْدَ رَبِّي...) أَوْ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ مُوسَى فِعْلًا:
السُّؤَالْ: مَا الْفَرْقْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا: لَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَ الْقُرُونِ الْأُولَى مَوْجُودٌ عِنْدَ رَبِّ مُوسَى (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي)، لَكِنْ مَادَامَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهَا عِنْدَ رَبِّ مُوسَى، فَهَذَا بِرَأَيْنَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهَا مَوْجُودًا فِي مَكَانٍ آخَرَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْوَسِيلَةَ لِلْحُصُولِ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ هُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابْ. فَالْمَعْلُومَةُ مُتَوَافِرَةٌ فِي الْكِتَابِ، وَلَا ضَيْرَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ كَجَلِيسِ سُلَيْمَانَ مَثَلًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ لَا نَجِدُ تَعَارُضًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الَّذِي عِنْدَ رَبِّ مُوسَى مَوْجُودًا فِي كِتَابٍ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَصَّلَ الْبَعْضُ مِنَّا عَلَى عِلْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، كَمَا فَعَلَ مَنْ أَحْضَرَ الْعَرْشَ لِسُلَيْمَانْ. فَهُوَ قَدْ أَحْضَرَهُ بِمَا تَحَصَّلَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا الْمُفْتَرَى هَذَا، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْدِيمِ النَّتَائِجِ التَّالِيَةْ:
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (1): هُنَاكَ كِتَابٌ مَوْجُودٌ فِيهِ عِلْمُ الْقُرُونِ الْأُولَىْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ وَالْحُصُولُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي ذَلِكَ الْكِتَابْ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (3): يُمْكِنُ الْحُصُولُ عَلَى عِلْمِ الْكِتَابِ كُلِّهِ:
السُّؤَالْ: مَنْ مِنَ النَّاسِ تَحَصَّلَ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى عِلْمِ الْكِتَابْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ تَحَصَّلَ لَهُ ذَلِكَ. انْتَهَىْ.
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ أَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، وَأَعُوذُ بِكَ وَحْدَكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، إِنَّكَ كُنْتَ بِي بَصِيرًا – آمِينْ).
السُّؤَالْ: كَيْفَ تَحَصَّلَ لِفِرْعَوْنَ ذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّهُ هُوَ الشَّخْصُ الْوَحِيدُ الَّذِي تَحَصَّلَ لَهُ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْأَوْتَادِ، فَكَانَ هُوَ بِشَخْصِهِ "ذُو الْأَوْتَادِ":
بَابُ: [مَنْ هُوَ فِرْعَوْنُ؟]
بَعْدَ تَفَقُّدِنَا لِكَثِيرٍ مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِفِرْعَوْنَ وَجَدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ:
وَكَانَتِ الْمَعْلُومَةُ الَّتِي جَلَبَتِ انْتِبَاهَنَا هِيَ طَرِيقَةُ مُخَاطَبَةِ فِرْعَوْنَ لِمَنْ هُمْ حَوْلَهُ، فَهُوَ يُوَجِّهُ لَهُمُ الْخِطَابَ بِصِيغَةِ أَنَّهُمْ قَوْمُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: "...قَالَ يَا قَوْمِ...".
السُّؤَالْ: لِمَاذَا وَجَّهَ فِرْعَوْنُ لِلنَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ الْخِطَابَ بِهَذِهِ الصِّيغَةْ؟ أَلَيْسَ هُوَ رَبَّهُمُ الْأَعْلَىْ؟
أَلَيْسَ هُوَ مَنْ قَالَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُهُ؟
فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ إِلَهًا، وَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ رَبًّا، أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْمٌ فَيُخَاطِبَهُمْ عَلَى نَحْوِ (يَا قَوْمِ)؟ نَحْنُ نَسْأَلْ.
السُّؤَالْ: مَنِ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُخَاطِبَ مَنْ حَوْلَهُ بِصِيغَةِ (يَا قَوْمِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: بَعْدَ تَفَقُّدِ هَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَجَدْنَاهَا مَحْصُورَةً بِمَنْ كَانَ نَذِيرًا، أَيْ مَنْ كَانَ رَسُولًا.
فَهَذَا مُوسَى مَثَلًا يُخَاطِبُ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ (يَا قَوْمِ):
وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ قَبْلِهِ يَسْتَخْدِمُ الصِّيغَةَ نَفْسَهَا:
وَهَذَا نُوحٌ مِنْ قَبْلِهِمَا يُوَجِّهُ الْخِطَابَ لِمَنْ حَوْلَهُ بِالصِّيغَةِ نَفْسِهَا:
وَكَذَلِكَ فَعَلَ هُودٌ فِي عَادْ:
وَاسْتَخْدَمَ صَالِحٌ الصِّيغَةَ نَفْسَهَا فِي ثَمُودْ:
وَكَذَلِكَ فَعَلَ شُعَيْبٌ فِي مَدْيَنَ:
وَاسْتَخْدَمَ لُوطٌ الصِّيغَةَ نَفْسَهَا:
وَكَذَلِكَ قَالَ هَارُونُ فِي غِيَابِ مُوسَىْ:
وَجَاءَتِ الصِّيغَةُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ:
وَقَدْ وَجَدْنَا أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ قَدِ اسْتُخْدِمَتْ عَلَى لِسَانِ الَّذِي كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ فِي ظَنِّنَا مَنْ عَزَّزَ اللَّهُ بِهِ مُوسَى وَهَارُونَ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَخْدَمُوا هَذِهِ الصِّيغَةَ:
وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ كَانَ فِرْعَوْنُ يُنَادِي فِي قَوْمِهِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ يُخَاطِبُ مَنْ حَوْلَهُ بِصِيغَةِ يَا قَوْمِ، فَهُوَ إِذًا عَلَى عِلْمٍ بِمَا حَلَّ بِالْأُمَمِ السَّابِقَةْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا لَمْ يُؤْمِنْ فِرْعَوْنُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي تَحَصَّلَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ جَعَلَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّ هَذَا الطَّرْحَ يَدْعُونَا عَلَى الْفَوْرِ لِتَدَبُّرِ سِيرَةِ حَيَاةِ هَذَا الرَّجُلِ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ فِيهَا وَهُوَ يَوْمَ أَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ بِبَدَنِهِ مِنَ الْغَرَقِ حَتَّى كَانَ لِمَنْ خَلْفَهُ آيَةً:
فَلَقَدْ كَانَتِ السِّمَةُ الْأَبْرَزُ لِفِرْعَوْنَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ مَلَكَ عِلْمَ الْأَوْتَادِ، فَكَانَ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي النَّصِّ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ الْأَوْتَادِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ – بِرَأَيْنَا - لَمْ يَكُنْ يَسْكُنُهَا كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ مَثَلًا:
فَبِالرَّغْمِ أَنَّ نُوحًا هُوَ مَنْ بَنَى السَّفِينَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِهَا، لِأَنَّ الصَّاحِبَ هُوَ الَّذِي يَتَّخِذُ الْمَكَانَ لِلْمُكُوثِ فِيهِ لِغَرَضٍ مُحَدَّدٍ، ثُمَّ مَا يَلْبَثُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَقَدْ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
لَكِنَّ الَّذِي يَبْقَى يَسْتَفِيدُ مِنَ الشَّيْءِ عَلَى الدَّوَامِ فَهُوَ مَنْ جَاءَ بِصِيغَةِ ذِي/ذَا/ذُو، مِثْلَ "ذِي" الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ – بِرَأَيْنَا - مَنْ كَانَ يَمْتَلِكُ مِنَ الْعِلْمِ مَا حَازَ عَلَيْهِ قَرْنَانِ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَىْ:
أَوْ كَذِي النُّونْ:
وَهُوَ الَّذِي امْتَلَكَ عِلْمَ النُّونْ:
السُّؤَالْ: مَا الْعِلْمُ الَّذِي امْتَلَكَهُ فِرْعَوْنُ وَهُوَ مَنِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُنْعَتَ بِذِي الْأَوْتَادْ؟
جَوَابْ: إِنَّهُ كُلُّ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَوْتَادِ (أَيِ الْأَهْرَامَاتِ).
السُّؤَالْ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْعِلْمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا عِلْمُ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبِينْ.
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينْ؟
جَوَابْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبِينِ هُوَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
السُّؤَالْ: لَمْ أَفْهَمْ مَا تَوَدُّ قَوْلَهُ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تُفْصِحَ أَكْثَرَ عَنْ مُرَادِ الْقَوْلِ هُنَا؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نُدَقِّقُ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ فِي سِيَاقِهَا الْقُرْآنِيِّ الْأَوْسَعْ:
أَلَا تَرَى – عَزِيزِي الْقَارِئَ - أَنَّ الْحَدِيثَ هُنَا عَنْ تِلَاوَةِ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ هُنَا عَنْ عُلُوِّ فِرْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ؟ أَلَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَسْأَلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ عُلُوِّ فِرْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ؟ أَلَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَسْأَلَ عَنْ سَبَبِ عُلُوِّهِ فِي الْأَرْضْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ مُقَوِّمَاتِ الْعُلُوِّ فِيهَا.
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ مُقَوِّمَاتُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ هُوَ الْعِلْمُ بِآيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبِينْ؟
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى عِلْمٍ بِهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: إِنَّهَا طسم (1).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ طسم هِيَ نَفْسُهَا آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ الَّتِي رَآهَا فِرْعَوْنُ كُلَّهَا:
السُّؤَالْ: مَا هَذِهِ "طسم"؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا: هَذِهِ ثَلَاثُ آيَاتٍ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُبِينِ وَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبْ:
- عِلْمُ ط.
- عِلْمُ س.
- عِلْمُ م.
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ حَازَ عَلَى الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنَ الْكِتَابِ الْمُبِينْ.
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثَةُ (طسم):
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ هِيَ ثَلَاثَةُ عُلُومٍ كَوْنِيَّةٍ، أَلَا وَهِيَ:
- عِلْمُ تَسْخِيرِ الْجَانّْ.
- عِلْمُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ.
- عِلْمُ الْفَلَكْ.
السُّؤَالْ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تُثْبِتَ ذَلِكَ لَنَا بِالْبُرْهَانْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَعَمْ، أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا.
السُّؤَالْ: إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَهَاتِ مَا عِنْدَكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: هَذَا مَا سَنَتَنَاوَلُهُ فِي بِدَايَةِ الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ.
سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِنَا، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمْ، وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي، وَأَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْهُ سُلْطَانًا نَصِيرًا.
وَنَعُوذُ بِهِ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِبْ، أَوْ مِمَّنْ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقّْ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، إِنَّ رَبِّي الرَّحْمَنُ الرَّحِيمْ – آمِينْ.

