[قصة يونس: فرعون وإدعاء الألوهية]
خَلَصْنَا فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُصَوِّرُ لَنَا الْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهَا اللَّهُ لِفِرْعَوْنْ:
فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ لَنَا أَنَّهُ قَدْ أَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ آيَاتِهِ كُلَّهَا، لَكِنَّهُ كَذَّبَ وَأَبَى:
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ آيَاتِ اللَّهِ مَوْجُودَةٌ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِنَا:
وَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ عِدَّةُ آفَاقٍ، كَانَ هُنَاكَ أُفُقٌ أَعْلَى:
وَهَذَا الْأُفُقُ الْأَعْلَى هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ فِرْعَوْنُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لِيَطَّلِعَ بِوَاسِطَتِهِ عَلَى إِلَهِ مُوسَى:
لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّهُ مَا أَنْ وَصَلَ فِرْعَوْنُ الْأَسْبَابَ (أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) حَتَّى وَجَدَ مَنْ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَهُوَ إِلَهُ مُوسَى، وَقَدْ حَجَبَ رُؤْيَتَهُ الْغَمَامْ:
فَتَأَكَّدَ لِفِرْعَوْنَ أَنَّ هُنَاكَ إِلَهٌ كَمَا قَالَ لَهُ مُوسَى:
وَهُنَا خَابَ ظَنُّ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ لِقَوْمِهِ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُهْ:
فَعَادَ فِرْعَوْنُ مِنْ هُنَاكَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هُنَاكَ إِلَهٌ غَيْرُهُ، فَخَفَّفَ نَبْرَةَ الْخِطَابِ عَلَى مَنْ هُمْ حَوْلَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى:
وَبِهَذَا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ مِنَ الْعَالِينَ فِي الْأَرْضْ:
وَاسْتَمَرَّ فِرْعَوْنُ فِي مُكَابَرَتِهِ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ هُوَ إِلَهُ الْأَرْضِ (مِصْرَ)، فَعَقَدَ مُقَارَنَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِلَهِ مُوسَى الَّذِي لَا يَكَادُ يَبِينْ:
فَكَانَتْ نَبْرَةُ التَّحَدِّي لِإِلَهِ مُوسَى نَفْسِهِ وَاضِحَةً فِي خِطَابِهِ لِمَنْ حَوْلَهُ. وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، كَمَا لَا نَجِدُ أَنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ قَدْ صَدَّقُوا بِرِسَالَةِ مُوسَى، فَلَمْ يَتَّبِعْ مُوسَى مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَقَدْ كَتَمَ إِيمَانَهْ:
فَكَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ فِعْلًا مَنْ أَضَلَّ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى:
[المقارنة: إله موسى وفرعون]
لِتُصْبِحَ الْمُقَابَلَةُ الْآنَ بَيْنَ إِلَهَيْنِ (وَهُمَا إِلَهُ مُوسَى مِنْ جِهَةٍ وَفِرْعَوْنُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
| إله موسى | فرعون |
|---|---|
| قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) | وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) |
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّبِّ الَّذِي يَهْدِي (إِلَهُ مُوسَى) وَالرَّبِّ الَّذِي لَا يَهْدِي (كَفِرْعَوْنَ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهِدَايَةَ هِيَ هِدَايَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمْ:
وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ خَاصَّةً بِمُوسَى وَهَارُونَ، وَإِنَّمَا بِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِرَبِّ مُوسَى وَهَارُونْ:
فَهَذَا هُوَ الدُّعَاءُ الْأَوَّلُ وَالْأَبَدِيُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ:
فَهِدَايَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ هِيَ مَا يَسْتَطِيعُهَا رَبُّ مُوسَى وَهَارُونَ فَقَطْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقْعُدُ لِلنَّاسِ (كُلِّ النَّاسِ) صِرَاطَ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمَ لِيَصُدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلْ:
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْلِتَ مِنْ هَذَا الَّذِي قَعَدَ لَنَا صِرَاطَ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينْ.
لِتَكُونَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى مِنْ عِبَادَتِهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هُوَ أَنْ يُعِينَنَا (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بِهِدَايَةِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمْ:
وَهَذَا الصِّرَاطُ هُوَ الصِّرَاطُ نَفْسُهُ الَّذِي اتَّبَعَهُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ جَاءَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَتَكْمُنُ الْوَسِيلَةُ فِي إِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ظَفِرَ بِذَاكَ الْفَضْلِ لِأَنَّهُ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ (النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)، وَتَكُونُ النَّتِيجَةُ هِيَ الْفَوْزَ الْعَظِيمْ:
لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَهُوَ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. لِذَا فَلَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ يَفُوزُونَ فَوْزًا عَظِيمًا.
[الولاء: لماذا أطاع القوم فرعون؟]
لَكِنَّ السُّؤَالَ الْجَوْهَرِيَّ الَّذِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ هُوَ: لِمَاذَا وَثِقَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَآلُ فِرْعَوْنَ وَمَلَأُ فِرْعَوْنَ بِهِ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ؟ لِمَ كَانَتْ طَاعَتُهُمْ لَهُ طَاعَةً شِبْهَ عَمْيَاءَ؟ أَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ لَهُمْ رَسُولَيْنِ اثْنَيْنِ (مُوسَى وَهَارُونَ)؟ أَلَمْ يَبْعَثْهُمَا بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ؟ أَلَمْ يُعَزِّزْهُمَا بِرَسُولٍ ثَالِثٍ؟ لِمَ إِذَنْ لَمْ تَنْجَحْ كُلُّ هَذِهِ الْوَسَائِلِ لِثَنْيِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَآلِ فِرْعَوْنَ وَمَلَأِ فِرْعَوْنَ عَنِ اللَّحَاقِ بِرَكْبِ فِرْعَوْنَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ وَمَا هَدَى؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا يَعُودُ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدَّمَ لَهُمْ مِنَ الْبَرَاهِينِ مَا يَكْفِيهِمْ لِتَصْدِيقِهْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ مَا الَّذِي قَدَّمَهُ لَهُمْ فِرْعَوْنُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدَّمَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَهُ إِلَّا مَنْ كَانَ إِلَهًا. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي قَدَّمَهُ لَهُمْ فِرْعَوْنُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟
1. أَسْكَنَهُمْ فِي صُرُوحْ.
2. جَعَلَهُمْ قَاهِرِينَ لِمَنْ هُمْ دُونَهُمْ:
3. أَجْرَى الْأَنْهَارَ مِنْ تَحْتِهِ:
4. جَعَلَ لَهُمْ جَنَّاتٍ وَعُيُونْ:
5. جَعَلَ لَهُمْ زُرُوعًا وَمَقَامًا كَرِيمًا، وَنِعْمَةً كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينْ:
6. جَعَلَ لَهُمُ الْكُنُوزْ:
7. أُلْقِيَ عَلَى فِرْعَوْنَ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبْ:
8. كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَحْشُرَ النَّاسْ:
9. أَصْبَحَ لَهُمُ الْمُلْكُ، وَكَانُوا ظَاهِرِينَ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنْ:
10. إِلَخْ.
لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مُجَرَّدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَشْرِ، تَعْنِي عَدَمَ مُغَادَرَةِ مِنْهُمْ أَحَدًا:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ السَّابِقَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ بُرُوتُوكُولَاتِ فِرْعَوْنَ تُشْبِهُ فِي تَفَاصِيلِهَا الْأَحْدَاثَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ كَانَ إِلَهًا.
[يوم الحشر الفرعوني]
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ فِي يَوْمِ الْحَشْرِ الْفِرْعَوْنِيِّ؟ كَيْفَ كَانَتْ بُرُوتُوكُولَاتُ (أَوْ لِنَقُلْ مَرَاسِمُ) ظُهُورِ فِرْعَوْنَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: بِدَايَةً حَصَلَ النِّدَاءُ مِنَ الْفِرْعَوْنِ بِالْحَشْرِ، فَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَخَلَّفْ:
كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الزِّينَةِ حَسَبَ طَلَبِ مُوسَى:
كَانَ التَّوْقِيتُ هُوَ ضُحًى:
حَصَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ سُوًى بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ:
كَانَ الْمَكَانُ السُّوَى هُوَ النُّقْطَةَ الْفَاصِلَةَ بَيْنَ الْوَجْهِ الْبَحْرِيِّ (حَيْثُ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ) وَالْوَجْهِ الْقِبْلِيِّ حَيْثُ مُوسَى وَمَنْ مَعَهْ:
فَكَانَتْ صُرُوحُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَبْنِيَّةً عَلَى تِلْكَ الْأَنْهَارِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهْ:
كَانَ قَوْمُ مُوسَى مُتَوَاجِدِينَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ الْمُقَابِلِ، فَكَانَتْ بُيُوتُهُمْ قِبْلَةً:
كَانَ الْخَطُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ هُوَ الْأُخْدُودْ:
خَرَجَ فِرْعَوْنُ وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبْ:
كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْوِرَةُ عَلَامَةً فَارِقَةً لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مِثْلَ فِرْعَوْنْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: مَادَامَ أَنَّ فِرْعَوْنَ يَسْتَنْكِرُ عَلَى خَصْمِهِ أَنَّهُ لَمْ يُلْقَى عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَمْ يَأْتِ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَهُوَ إِذَنْ قَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ مَعَهُ مَنْ يُعَاوِنُهُ فِي مُهِمَّتِهِ تِلْكَ وَهُوَ هَامَانُ وَجُنُودُهْ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا مُفْرَدَةَ "خَاطِئِينَ"، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا جَاءَتْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِحَقِّ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ الَّتِي كَادَتْ لِيُوسُفْ:
وَكَذَلِكَ جَاءَتْ بِحَقِّ إِخْوَةِ يُوسُفَ الَّذِينَ كَادُوا بِأَخِيهِمْ، وَرَفَضُوا الْإِقْرَارَ فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي آثَرَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِمْ:
وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ عِنْدَمَا رَأَوُا الْآيَةَ الْبَيِّنَةَ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ، وَهُوَ الْقَمِيصُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِمْ، فَارْتَدَّ بَصِيرًا:
وَلَوْ حَاوَلْنَا تَطْبِيقَ ذَلِكَ فِي حَالَةِ فِرْعَوْنَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كَادَ بِمُوسَى:
وَهُوَ لَمْ يَنْزِلْ عِنْدَ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي قَضَتْ بِاخْتِيَارِ مُوسَى:
وَلَمْ يَرْضَ بِالِاصْطِفَاءِ الْإِلَهِيِّ لِمُوسَى بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهْ:
بِالضَّبْطِ كَمَا لَمْ يَرْضَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِاصْطِفَاءِ يُوسُفَ وَتَفْضِيلِهِ لَهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا خَاطِئِينَ (كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ خَاطِئِينَ (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)):
وَكَانَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ اسْتِكْبَارَ فِرْعَوْنْ:
[مقارنة: إبليس وفرعون]
لَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِإِبْلِيسَ، لَوَجَدْنَاهَا تَتَحَدَّثُ عَنْهُ عَلَى أَسَاسِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَكْبَرَ:
وَلَكِنْ، لَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَكْبِرِينَ وَعَالِينْ:
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِكْبَارِ وَالْعُلُوِّ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الِاسْتِكْبَارَ يَكُونُ عَلَى الْخَلْقِ، فَإِبْلِيسُ قَدِ اسْتَكْبَرَ عَلَى آدَمَ (الْمَخْلُوقِ)، لِذَا جَاءَ السُّؤَالُ الْإِلَهِيُّ لَهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَلَمَّا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَالِينَ، جَاءَ رَدُّهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: جَاءَ رَدُّ إِبْلِيسَ عَلَى الْفَوْرِ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ (عَلَى آدَمَ) وَلَيْسَ مِنَ الْعَالِينْ:
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الِاسْتِكْبَارَ، فَمَا هُوَ الْعُلُوُّ؟ وَلِمَاذَا اخْتَارَ إِبْلِيسُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَالِينَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْعَالِينَ فَهُوَ يَتَطَاوَلُ عَلَى الْإِلَهِ نَفْسِهِ، فَاللَّهُ هُوَ الْأَعْلَى:
فَإِبْلِيسُ يُؤَكِّدُ بِأَنَّ جَوْهَرَ مُشْكِلَتِهِ هِيَ مَعَ هَذَا الْمَخْلُوقِ الْجَدِيدِ (آدَمَ)، لِذَا فَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، لِذَا كَانَ قَدِ اسْتَكْبَرَ:
وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مُشْكِلَةٌ مَعَ رَبِّهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ الْخِطَابُ مَعَ الْإِلَهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ (قَالَ رَبِّ) حَتَّى بَعْدَ أَنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ وَكَانَ رَجِيمًا:
وَلَكِنْ لَوْ رَاقَبْنَا – بِالْمُقَابِلِ - رَدَّةَ فِعْلِ فِرْعَوْنَ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ يَصِفُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْأَعْلَى:
وَهَكَذَا كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مُشْكِلَةَ فِرْعَوْنَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ مُشْكِلَةِ إِبْلِيسَ وَذَلِكَ لِأَنَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلُ، لَكِنَّ فِرْعَوْنَ (وَقَوْمَهُ مِنْ بَعْدِهِ) بِالْمُقَابِلِ اسْتَكْبَرَ وَعَلَا فِي الْأَرْضْ:
| إبليس | فرعون |
|---|---|
| استكبر | استكبر |
| لم يعلو | علا في الأرض |
وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ كَانَ الشَّيْطَانُ تَابِعًا لِفِرْعَوْنْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ عَلَى الْأَرْضِ الَّذِي تَبِعَهُ الشَّيْطَانُ. فَفِي حِينِ أَنَّ الْبَشَرَ جَمِيعًا قَدْ يَتَّبِعُوا الشَّيْطَانَ، كَانَ الشَّيْطَانُ يَتْبَعُ فِرْعَوْنْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى هَذَا عَنْ فِرْعَوْنَ (وَهُوَ الشَّخْصُ الَّذِي تَبِعَهُ الشَّيْطَانُ بِنَفْسِهِ)، فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُنْزِلَ الرَّجُلَ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي تُبَيِّنُ شَأْنَهُ، فَلَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ (بِسَخَافَةِ الْفِكْرِ الشَّعْبِيِّ) عَلَى أَنَّهُ حَاكِمٌ ظَالِمٌ مُسْتَبِدٌّ. فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قَدْ أَفْرَدَ مِسَاحَةً لِفِرْعَوْنَ لَمْ يُفْرِدْهَا حَتَّى لِأُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ أَيِّ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَقَدْ أَخَذَتْ قِصَّتُهُ مَعَ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ الْحَيِّزَ الْأَكْبَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. لِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا التَّوَقُّفُ لِتَدَبُّرِ الِاهْتِمَامِ الْإِلَهِيِّ بِشَخْصِ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، وَبِالْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي عَاصَرَهَا وَالَّتِي سُطِّرَتْ كُلُّ تَفَاصِيلِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، فَكَانَتْ قُرْآنًا يُتْلَى لِكُلِّ جَاءَهُمْ هَذَا الْقُرْآنُ كَهِدَايَةٍ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى. لِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا طَرْحُ كُلِّ التَّسَاؤُلَاتِ الْمُمْكِنَةِ الَّتِي قَدْ تُوصِلُنَا الْإِجَابَاتُ الصَّحِيحَةُ عَلَيْهَا إِلَى فَهْمِ شَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ فَهْمِ تَفَاصِيلِ قِصَّتِهِ كُلِّهَا. فَهَذَا مَا سَنُحَاوِلُ الْخَوْضَ فِيهِ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ وَفِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ.
[مقومات العلو: العصا والسلطان]
أَمَّا بَعْدُ،
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي جَعَلَ فِرْعَوْنَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ يَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى؟ وَمَا الَّذِي جَعَلَ قَوْمَهُ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَالِينْ؟
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي دَفَعَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَارِ (عَلَى الْآخَرِينَ) وَالْعُلُوِّ (عَلَى الْخَالِقِ)؟
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي جَعَلَ الشَّيْطَانَ تَابِعًا لِفِرْعَوْنَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَمْلِكُ مُقَوِّمَاتِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضْ.
السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ مُقَوِّمَاتُ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: أَنَا أَظُنُّ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ هِيَ السُّلْطَانْ.
السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ السُّلْطَانُ الَّذِي جَعَلَ فِرْعَوْنَ يَظُنُّ أَنَّهُ الْأَعْلَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: إِنَّهَا الْعَصَا.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ فِرْعَوْنُ يَمْلِكُ بِيَدِهِ عَصًا، ظَنَّ أَنَّهَا هِيَ الْآيَةُ الْكُبْرَى الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقْهَرَ، فَاسْتَخْدَمَهَا لِبَسْطِ نُفُوذِهِ وَسَيْطَرَتِهِ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، فَكَانَ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ كُلِّهَا. وَلَمْ يَكْتَفِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ، بَلْ فَعَلَ بِهَا مَا ظَنَّ مَنْ حَوْلَهُ أَنَّهَا مُعْجِزَاتٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ كَانَ إِلَهًا، فَفَجَّرَ بِهَا الْأَنْهَارَ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهْ:
وَأَنْشَأَ لَهُمُ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونَ فِي أَرْضِ مِصْرْ:
وَتَحَصَّلَ لَهُمُ الزُّرُوعُ وَالْمَقَامُ الْكَرِيمْ:
فَكَانُوا فِي نِعْمَةٍ (الَّتِي لَا تُحْصَى) فَاكِهِينْ:
وَتَحَصَّلَ لَهُمُ الْكُنُوزْ:
وَأَصْبَحَ لَهُمُ الْمُلْكُ، فَكَانُوا ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضْ:
فَظَنَّ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَآلُ فِرْعَوْنَ وَمَلَأُ فِرْعَوْنَ أَنَّ هَذِهِ قُدْرَاتٌ خَارِقَةٌ لَا يَسْتَطِيعُهَا إِلَّا مَنْ تَوَافَرَتْ فِيهِ خَصَائِصُ الْإِلَهِ. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ ذَلِكَ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ الْحَيَاةَ الَّتِي صَنَعَهَا فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْحَيَاةَ الَّتِي صَنَعَهَا فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ تُشْبِهُ فِي تَفَاصِيلِهَا حَيَاةَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ. انْتَهَى.
[الدليل: الجنات والعيون]
أَوَّلًا، لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِالْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَمَا وَجَدْنَاهَا قَدْ ذُكِرَتْ إِلَّا فِي الْمَوَاطِنِ التَّالِيَةِ:
1. جَنَّاتُ الْخُلْدِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالَ تَعَالَى:
2. فِي قَوْمِ عَادٍ، قَالَ تَعَالَى:
3. فِي ثَمُودَ، قَالَ تَعَالَى:
4. فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْحَضَارَاتِ الْأَرْضِيَّةَ الثَّلَاثَةَ وَهِيَ عَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ فِرْعَوْنَ هُمْ مَنِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يُنْشِئُوا جَنَّاتٍ وَعُيُونًا مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ. لِذَا نَجِدُ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْحَضَارَاتِ الثَّلَاثَةِ وَاضِحًا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
ثَانِيًا، وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْخَاصَّةَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ بِأَنَّهُ كَانَ لَهُمْ نِعْمَةٌ فِيهَا فَاكِهِينَ فِي تِلْكَ الْجَنَّاتْ:
لَمَا وَجَدْنَاهَا تَكَرَّرَتْ إِلَّا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ فَقَطْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَقَدِ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَخْلُقَ لِقَوْمِهِ فِي أَرْضِ مِصْرَ (أَرْضِ إِرَمَ – أَيِ الْهَرَمِ) جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، فَكَانَتْ جَنَّاتٍ وَعُيُونًا، فَعَاشُوا فِيهَا فِي نِعْمَةٍ فَاكِهِينَ. فَلَمْ يَكُنْ نَتِيجَةً لِذَلِكَ صَدًى فِي أَنْفُسِهِمْ لِدَعْوَةِ هَارُونَ وَمُوسَى فِيهِمْ. فَكَيْفَ بِهِمْ سَيَتْرُكُونَ كُلَّ هَذِهِ النِّعْمَةِ (الَّتِي لَا تُحْصَى) وَالَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ سَبَبَهَا مِنْ أَجْلِ اللَّحَاقِ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضْ؟
ثَالِثًا، لَوْ تَفَقَّدْنَا مَا قَالَهُ الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لَوَجَدْنَا فِيهِ مَا يَجْلِبُ الِانْتِبَاهَ عَلَى الْفَوْرِ، فَدَعْنَا نَقْرَأُ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ثُمَّ نُحَاوِلُ تَدَبُّرَ بَعْضِ مَا جَاءَ فِيهَا:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ؟ فَمَا هُوَ الظُّهُورُ فِي الْأَرْضِ؟ وَكَيْفَ يَخْتَلِفُ الظُّهُورُ فِي الْأَرْضِ عَنِ الْمُلْكِ (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالظُّهُورِ فِي الْأَرْضِ، فَالْمُلْكُ شَيْءٌ وَالظُّهُورُ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِلَّا لَانْتَفَتِ الْحَاجَةُ إِلَى مُجَاوَرَةِ اللَّفْظِ (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ). وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُلْكَ يَعْنِي السَّيْطَرَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالْعَسْكَرِيَّةَ، فَصَاحِبُ الْمُلْكِ هُوَ رَأْسُ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ. فَالْغَلَبَةُ السِّيَاسِيَّةُ وَالْعَسْكَرِيَّةُ – لَا شَكَّ- كَانَتْ لِآلِ فِرْعَوْنْ:
لَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ قَائِمًا: كَيْفَ كَانُوا ظَاهِرِينَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُلْكِ (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ)؟
جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ظُهُورَهُمْ فِي الْأَرْضِ كَانَ بِسَبَبِ طَرِيقَةِ سَكَنِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الظُّهُورَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِطَرِيقَةِ السَّكَنِ، فَلَقَدْ كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ يَسْكُنُونَ فِي مَعَارِجَ فِي سَمَاءِ مِصْرَ، وَكَانَتْ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ. فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَحُّدِهِمْ فِي أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَكَفَرُوا جَمِيعًا بِالرَّحْمَنِ.
رَابِعًا، كَانَ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مَقَامُ الْكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ مَقَامَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ كَانَ مَقَامًا كَرِيمًا؟ وَمَتَى يُنْعَتُ الْمَقَامُ عَلَى أَنَّهُ كَرِيمٌ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَقَامَ هُوَ مَكَانُ السَّكَنِ، كَمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْبَيْتِ:
فَالنَّارُ هِيَ مَكَانُ الْإِقَامَةِ السَّيِّئْ:
وَالْجَنَّةُ هِيَ الْمَقَامُ الْحَسَنْ:
لَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ هُوَ: مَتَى يُمْكِنُ أَنْ نَنْعَتَ الْمَقَامَ عَلَى أَنَّهُ مَقَامٌ كَرِيمٌ؟ أَوْ كَيْفَ يَكُونُ الْمَقَامُ كَرِيمًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَقَامَ يَكُونُ كَرِيمًا عِنْدَمَا يَكُونُ مُرْتَفِعًا.
[الدليل: العرش الكريم]
هَا هِيَ الْمَرْأَةُ فِي سَبَأٍ يُلْقَى إِلَيْهَا كِتَابٌ كَرِيمْ:
وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ أَسْبَابِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْكِتَابُ كَرِيمًا هُوَ مَصْدَرُهُ، فَهُوَ قَدْ جَاءَهَا مِنَ الْأَعْلَى.
وَهَذَا الرِّزْقُ (الَّذِي لَا شَكَّ مَصْدَرُهُ السَّمَاءُ) هُوَ رِزْقٌ كَرِيمْ:
وَاللَّهُ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَرْتَفِعَ فَوْقَهُ شَيْءٌ آخَرُ:
لَاحِظْ كَيْفَ نَعَتَ اللَّهُ الْعَرْشَ فِي مَكَانٍ آخَرَ بِأَنَّهُ عَظِيمْ:
وَلَكِنْ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ جَاءَ وَصْفُ عَرْشِ الْمَرْأَةِ فِي سَبَأٍ عَلَى أَسَاسِ أَنَّهُ هُوَ أَيْضًا عَرْشٌ عَظِيمْ:
لَكِنْ عَلَى الرَّغْمِ أَنَّ عَرْشَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَعَرْشَهَا أَيْضًا عَظِيمٌ، إِلَّا أَنَّ عَرْشَ اللَّهِ فَقَطْ هُوَ عَرْشٌ كَرِيمْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ فِي حِينِ تَدُلُّ مُفْرَدَةُ عَظِيمٍ عَلَى قُدْرَةِ الْعَرْشِ (capacity) فَإِنَّ مُفْرَدَةَ كَرِيمٍ تَدُلُّ عَلَى مَوْقِعِهِ (location). فَعَرْشُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا دُونَهُ. لِذَا فَهُوَ كَاشِفٌ، فَلَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَ ذَلِكَ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ يَسْكُنُونَ فِي سَمَاءِ أَرْضِ مِصْرَ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (أَيْ صُرُوحًا)، وَهِيَ الَّتِي كَانَ يُشَيِّدُهَا لَهُمْ هَامَانُ وَجُنُودُهْ:
وَكَانَتْ هَذِهِ الصُّرُوحُ عِبَارَةً عَنْ مَعَارِجَ، أَيْ طَبَقَاتٍ فَوْقَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ، تَرْتَفِعُ فِي سَمَاءِ مِصْرَ بِارْتِفَاعِ مَكَانَةِ صَاحِبِهَا، حَتَّى كَانَ الصَّرْحُ الْأَعْلَى عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ صَرْحُ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ. فَكَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ فِعْلَ ذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ ذَلِكَ بِعَصَاهْ.
وَهُنَا نُثِيرُ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
1. مَا الَّذِي فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ إِلَهًا؟
2. كَيْفَ فَعَلَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ؟
افْتِرَاءٌ رَقْمُ 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَا فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِهِ بَشَرٌ، فَحَتَّى رُسُلُ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ الْبَشَرُ، وَفَعَلَهُ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ (الَّتِي تُصَوِّرُ الطَّلَبَاتِ التَّعْجِيزِيَّةَ الَّتِي كَانَ يَطْلُبُهَا الْقَوْمُ مِنْ رُسُلِهِمْ) هُوَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) مَا اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَفْعَلَهْ:
فَلَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا عَلَى:
* تَفْجِيرِ الْأَنْهَارْ.
* بِنَاءِ بُيُوتٍ مِنْ زُخْرُفْ.
* الرُّقِيِّ فِي السَّمَاءْ.
* تَنْزِيلِ الْكِتَابْ.
* إِلَخْ.
[باب: تفجير الأنهار]
نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَفْجِيرِ الْأَنْهَارْ:
وَيَمِيلُ الظَّنُّ عِنْدَنَا إِلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ وَالْآلِيَّةِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا مُوسَى لَاحِقًا عِنْدَمَا ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا:
بِدَلِيلِ كَثْرَةِ الْعُيُونِ فِي أَرْضِ مِصْرَ فِي زَمَنِ هَذَا الْفِرْعَوْنِ، وَهِيَ الْعُيُونُ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِي الْجَنَّاتِ، وَالَّتِي تَرَكُوهَا وَرَاءَهُمْ وَأَوْرَثَهَا اللَّهُ قَوْمًا آخَرِينْ:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: أَصْبَحَتْ أَرْضُ مِصْرَ كُلُّهَا فِي زَمَنِ هَذَا الْفِرْعَوْنِ هِيَ أَرْضَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ الَّتِي فَجَّرَهَا لَهُمْ فِرْعَوْنُ، فَكَانَتْ لَهُمُ الزُّرُوعُ وَأَصْبَحَتْ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، فَأَصْبَحَتْ حَيَاتُهُمْ شَبِيهَةً بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينْ.
[باب: بيوت من زخرف]
لَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ تَحَصَّلَتْ لَهُمُ الْكُنُوزُ الْعَظِيمَةُ، فَكَانَ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ، وَأَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونْ:
وَكَانَتْ هَذِهِ أَيْضًا مِمَّا أَوْرَثَهُ اللَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُنُوزِ قَوْمِ فِرْعَوْنْ:
[باب: الرقي في السماء]
وَلَمَّا كَانَتْ بُيُوتُهُمْ فِي مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، انْفَرَدَ هَذَا الْفِرْعَوْنُ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَقْدَرَ عَلَى الرُّقِيِّ فِي السَّمَاءِ، فَهُوَ الَّذِي طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لِيَبْلُغَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتْ:
تَلْخِيصُ مَا سَبَقَ: كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ جَمِيعُهَا كَفِيلَةً بِأَنْ تُقْنِعَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَآلَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ بِأَنَّهُ هُوَ فِعْلًا رَبُّهُمُ الْأَعْلَى، فَجَاءُوا صَفًّا وَاحِدًا، وَحَدَثَتِ الْمُنَازَلَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنْ:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: مَا أَنْ رَأَى فِرْعَوْنُ بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا تَعْمَلُهُ عَصَا مُوسَى مِنَ الْأَعَاجِيبِ حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّ هَذَا أَكْبَرُ مِمَّا يَتَحَمَّلُهُ هُوَ فِي مُنَازَلَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ مُوسَى وَالسَّحَرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَاكْتَفَى بِالْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدْ:
وَلَمْ يَسْتَطِعْ فِرْعَوْنُ أَنْ يُنْزِلَ الْعِقَابَ الْفَوْرِيَّ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّغْمِ مِنْ خَسَارَتِهِ الْمُنَازَلَةَ الْأُولَى وَذَلِكَ بِسَبَبِ السُّلْطَانِ الَّذِي كَانَ بِيَدِ مُوسَى، وَهُوَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ لِمُوسَى حَتَّى لَا يَصِلَ إِلَيْهِ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهْ:
لَكِنْ، مِنْ أَجْلِ أَنْ لَا يُظْهِرَ فِرْعَوْنُ ضَعْفَهُ أَمَامَ الْجَمِيعِ فِي الْمُوَاجَهَةِ الْمُبَاشِرَةِ اكْتَفَى بِالْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، لِيَقْتَنِعَ مَنْ مَعَهُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يُحْسَمْ بَعْدُ وَأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ الْمُرْتَقَبَةَ الْقَادِمَةَ سَتَحْمِلُ مَعَهَا الْمُفَاجَآتِ الْأَكْبَرَ مِنْ فِرْعَوْنَ نَفْسِهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ قَرَارُ فِرْعَوْنَ هُوَ تَقْطِيعَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ وَالتَّصْلِيبَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَحِقُوا بِمُوسَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ إِلَهًا، وَهَذِهِ هِيَ شَرِيعَةُ الْإِلَهِ (كُلِّ إِلَهٍ) لِكُلِّ مَنْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضْ:
فَفِرْعَوْنُ (كَإِلَهٍ) كَانَ يَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ (أَيْ مُوسَى وَمَنْ لَحِقَ بِهِ) مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضْ:
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَحِقَ بِهَا السَّحَرَةُ الرَّكْبَ مَعَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، أَدْرَكَ فِرْعَوْنُ أَنَّ مُلْكَهُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ قَدْ بَدَأَ يَتَهَاوَى شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ لَابُدَّ مِنِ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ الْحَاسِمِ بِحَقِّ كُلِّ مَنْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالتَّقْتِيلِ (لِأَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وَالتَّصْلِيبِ وَتَقْطِيعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ (لِلسَّحَرَةِ). لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ أَنْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، لِأَنَّ فِي نَفْيِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ تَزْدَادُ قُوَّتُهُمْ عِنْدَمَا يَصِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ (أَرْضِ الْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي يُؤَيِّدُهُمْ).
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ فِرْعَوْنُ سَيُقَطِّعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَيُصَلِّبُهُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ بِنَفْسِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: بِالسُّلْطَانِ الَّذِي بِيَدِهِ، أَيْ عَصَاهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي الْحَالِ؟
جَوَابٌ: لِأَنَّ عَصَا مُوسَى كَانَتْ سَتَمْنَعُهْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ أَدْرَكَ فِرْعَوْنُ أَنَّ الْمُوَاجَهَةَ قَدِ اشْتَدَّتْ، وَأَنَّ السُّلْطَانَ الَّذِي بِيَدِ مُوسَى هُوَ سُلْطَانٌ حَقِيقِيٌّ (وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ الْهَدَفَ مِنْ إِقْدَامِ فِرْعَوْنَ عَلَى عَمَلِ مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ بَيْنَ مُوسَى وَالسَّحَرَةِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ هُوَ أَنْ يَتَبَيَّنَ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ حَقِيقَةَ الْعَصَا الَّتِي بِيَدِ مُوسَى)، لَكِنَّ مَكَانَتَهُ (كَإِلَهٍ) تَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَتَنَازَلَ فِي مُوَاجَهَةٍ مَعَ بَشَرٍ (كَمُوسَى)، فَإِلَهٌ (كَفِرْعَوْنَ) لَا يُوَاجِهُ إِلَّا إِلَهًا (كَإِلَهِ مُوسَى)، وَهُنَا طَلَبَ فِرْعَوْنُ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لِيَبْلُغَ بِهِ الْأَسْبَابَ لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى:
وَبِالْفِعْلِ يُنَفِّذُ هَامَانُ الْمُهِمَّةَ عَلَى الْفَوْرِ، فَيَجْعَلُ لِفِرْعَوْنَ ذَلِكَ الصَّرْحَ، وَيَذْهَبُ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى أَسْبَابِ السَّمَوَاتِ، وَهُنَاكَ يَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ عِنْدَمَا ارْتَقَى فِرْعَوْنُ فِي السَّمَاءِ؟
جَوَابٌ: نَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى لِنُكَرِّرَ الْعِبَارَاتِ نَفْسَهَا الَّتِي نَوَدُّ مِنْ كُلِّ قَارِئٍ لِهَذِهِ السُّطُورِ أَنْ يُدْرِكَهَا قَبْلَ مُتَابَعَةِ الْقِرَاءَةِ، وَالَّتِي تَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهَا الْعَقِيدَةَ التَّالِيَةَ: نَحْنُ نُؤَكِّدُ أَنَّ كَلَامَنَا هَذَا لَا يَخْلُو مِنَ الْعُيُوبِ، فَهُوَ كَلَامٌ بَشَرِيٌّ يُصِيبُ أَحْيَانًا وَيُخْطِئُ كَثِيرًا، وَهُوَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الْكَاتِبِ نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُمَثِّلُ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ الْحَقَائِقَ الَّتِي تَرِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَفْهَامُ الْكَاتِبِ (رُبَّمَا الْمَغْلُوطَةُ) لِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لِذَا أَرْجُو مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ النَّظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ النَّاقِدِ الْمُتَدَبِّرِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الْهَفَوَاتِ وَالزَّلَّاتِ لِتَصْحِيحِ الْأَخْطَاءِ. وَأَنَا أُكَرِّرُ هَذَا الْكَلَامَ هُنَا لِأَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَيَالَ بَعْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ سَيُجَنِّحُ عَالِيًا جِدًّا، وَرُبَّمَا يَصْعُبُ عَلَى الْمُتَلَقِّي تَقَبُّلُ الْأَفْكَارِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى لِمَا فِيهَا مِنَ الْغَرَابَةِ رُبَّمَا غَيْرِ الْمَسْبُوقَةِ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطِيرَ بِخَيَالِهِ مَعَنَا، فَهُوَ مَدْعُوٌّ لِمُتَابَعَةِ الْقِرَاءَةِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ النُّزْهَةِ رُبَّمَا غَيْرِ الْمُرِيحَةِ لَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُتَابِعَ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ هَذِهِ الْفِقْرَةِ، وَلْيَبْحَثْ لَهُ عَنْ تَسْلِيَةٍ أَكْثَرَ فَائِدَةً فِي مَكَانٍ غَيْرِ هَذَا.
أَمَّا بَعْدُ،
افْتِرَاءَاتٌ أَمْ تَخْرِيفَاتٌ:
* حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الْأُولَى بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَإِلَهِ مُوسَى عَلَى الْأَرْضِ، فَدَارَتْ رَحَاهَا فِي مَكَّةَ، فَكَانَ الْخَاسِرُ هُوَ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ قُتِلَ هُنَاكَ. لَكِنَّ قَتْلَهُ لَمْ يُسْفِرْ عَنْ نِهَايَتِهْ.
* حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الثَّانِيَةُ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَإِلَهِ مُوسَى فِي السَّمَاءِ، فَدَارَتْ رَحَاهَا عَلَى مَشَارِفِ مَدِينَةِ الْعَقَبَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ، فَكَانَ الْخَاسِرُ هُوَ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ قُتِلَ هُنَاكَ، لَكِنَّ قَتْلَهُ لَمْ يُسْفِرْ عَنْ نِهَايَتِهْ.
* حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الثَّالِثَةُ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَإِلَهِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ، فَدَارَتْ رَحَاهَا هُنَاكَ، فَكَانَ الْخَاسِرُ هُوَ فِرْعَوْنَ، وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ هُنَاكَ، إِلَّا أَنَّهَا أَسْفَرَتْ عَنْ نِهَايَتِهْ.
الِافْتِرَاءُ الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُقْضَى عَلَى فِرْعَوْنَ نِهَائِيًّا فِي الْبَرِّ، وَلَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا الْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي السَّمَاءِ، فَكَانَتِ الْوَسِيلَةُ الْوَحِيدَةُ لِلْقَضَاءِ عَلَيْهِ هِيَ الْمَاءَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِلَهَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ إِلَّا بِالْمَاءِ. انْتَهَى.
هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ تِبْيَانَهُ فِي الصَّفَحَاتِ الْقَادِمَةِ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ، فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمْ.
[باب: فرعون يُقتل مرتين]
أَمَّا بَعْدُ،
كَانَتْ بَوَادِرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ (فِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ وَإِلَهِ مُوسَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) قَدْ بَدَأَتْ مُنْذُ هَذِهِ اللَّحْظَةِ الَّتِي قَرَّرَ فِرْعَوْنُ فِيهَا أَنْ يُقَاتِلَ إِلَهَ مُوسَى بِنَفْسِهْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: كَانَتْ أَوَّلُ دِفَاعَاتِ إِلَهِ مُوسَى تَكْمُنُ فِي إِرْهَاقِ فِرْعَوْنَ فِي الصُّعُودْ:
وَأَسْفَرَ الْهُجُومُ الْفِرْعَوْنِيُّ وَالدِّفَاعِيُّ الْإِلَهِيُّ عَنْ قَتْلِ فِرْعَوْنَ مَرَّتَيْنْ:
لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِيَثْنِيَ فِرْعَوْنَ عَنِ الِاسْتِمْرَارِ فِي الرِّحْلَةِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَسْبَابِ السَّمَوَاتِ، وَهُنَاكَ نَظَرَ:
فَوَجَدَ مَا لَمْ يَسُرَّ بَالَهُ،
وَأَدْرَكَ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِهَذَا الْإِلَهِ، فَأَدْبَرَ وَلَكِنَّهُ ظَلَّ مُسْتَكْبِرًا:
فَأَصَرَّ عَلَى أَنَّ هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ:
السُّؤَالُ: هَلْ فِعْلًا قُتِلَ فِرْعَوْنُ مَرَّتَيْنِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الصِّرَاعَ بَيْنَ اللَّهِ مِنْ جِهَةٍ وَفِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قَدْ أَسْفَرَ عَنْ قَتْلِ فِرْعَوْنَ مَرَّتَيْنِ، حَسَبَ فَهْمِنَا لِلْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
تَسَاؤُلَاتٌ مُثِيرَةٌ:
* كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ قُتِلَ مَرَّتَيْنِ؟
* وَلِمَ إِذَنْ لَمْ يَمُتْ؟
* وَكَيْفَ اسْتَمَرَّ فِي الْمُوَاجَهَةِ بَعْدَ أَنْ تَمَّ قَتْلُهُ مَرَّتَيْنِ؟
* مَتَى حَصَلَ ذَلِكَ؟
* إِلَخْ.
رَأْيُنَا: بِدَايَةً لَابُدَّ مِنَ الْوُقُوفِ عِنْدَ مَنْطُوقِ الْآيَاتِ وَهُوَ – كَمَا نَفْهَمُهُ- عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: هُنَاكَ مَنْ فَكَّرَ وَقَدَّرَ:
وَهُوَ نَفْسُهُ مَنْ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ:
وَهُوَ نَفْسُهُ مَنْ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ مَرَّةً أُخْرَى، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ بِدَلِيلِ وُجُودِ "ثُمَّ قُتِلَ" فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ:
السُّؤَالُ: فَمَنْ هُوَ الَّذِي حَصَلَ مَعَهُ كُلُّ هَذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى فِرْعَوْنَ نَفْسِهْ.
السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُتِلَ مَرَّتَيْنِ؟ فَلِمَ إِذَنْ لَمْ يُسْفِرْ ذَلِكَ عَنْ مَوْتِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَوَدُّ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الْمَوْتِ مِنْ جِهَةٍ وَالْقَتْلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَالْمَوْتُ شَيْءٌ وَالْقَتْلُ شَيْءٌ آخَرُ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَحَدَّثَ عَنْ نِهَايَةِ النَّبِيِّ عَلَى أَنْ تَكُونَ فِي وَاحِدَةٍ مِنِ اثْنَتَيْنِ: الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ:
وَهَذَا لَا يَنْطَبِقُ فَقَطْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا:
فَقَدْ تَكُونُ النَّتِيجَةُ لِمَنْ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْقَتْلَ أَوِ الْمَوْتَ (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا).
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ؟
[استراحة قصيرة: لا شهادة في أرض المعركة]
غَالِبًا مَا تَدَاوَلَ النَّاسُ (بِسَبَبِ الْمَوْرُوثِ الشَّعْبِيِّ مِنَ الْعَقَائِدِ) بِأَنَّ مَنْ يُقْتَلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَعْرَكَةِ مَعَ الْكُفَّارِ يُسَمَّى شَهِيدًا. فَأَطْلَقُوا لَقَبَ الشَّهِيدِ عَلَى كُلِّ مَنْ قُتِلَ فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَتَمَّ تَوْزِيعُ الشَّهَادَاتِ وَالْأَوْسِمَةِ (مِنْ قِبَلِ رِجَالِ السِّيَاسِيَّةِ بِمُبَارَكَةٍ مُقَدَّسَةٍ مِنْ رِجَالِ الدِّينِ) عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ، وَأَصْبَحَ يُعْرَفُ هَذَا الَّذِي قَضَى نَحْبَهُ بِاسْمِ الشَّهِيدِ، وَأَصْبَحَ هُنَاكَ مِيزَاتٌ خَاصَّةٌ لِهَذَا الْمُسَمَّى شَهِيدًا يَسْتَفِيدُ مِنْهَا وَرَثَتُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَمِنْ هَذِهِ الْمِيزَاتِ مَا هُوَ دِينِيٌّ أَسْقَطَهُ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْعَقِيدَةِ (وُكَلَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ)، كَشَفَاعَةِ الشَّهِيدِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَهْلِهِ (وَانْظُرْ فِي كُتُبِ الْأَحْكَامِ وَالْعَقَائِدِ عِنْدَ أَهْلِ الدِّينِ حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ)، وَمِنْهَا مَا هُوَ دُنْيَوِيٌّ يَتَمَتَّعُ بِهَا أَهْلُ هَذَا الْمُسَمَّى شَهِيدًا، تَمْنَحُهَا الدَّوْلَةُ الْمَدَنِيَّةُ لَهُمْ كَرَدٍّ لِلْجَمِيلِ، وَكَانَ آخِرُهَا فِي بَلَدِ الْحَشْدِ وَالرِّبَاطِ (الْأُرْدُنِّ) مَثَلًا مَكْرُمَةَ الْحَجِّ لِأَبْنَاءِ الشُّهَدَاءِ.
عَلَى أَيِّ حَالٍ، نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُثِيرَ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ تَسْمِيَةُ الشَّهِيدِ فِي الْفِكْرِ الدِّينِيِّ الشَّعْبِيِّ عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ لَا أَصْلَ لِهَذَا فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مُسَمَّيَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي أَخَذَهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْعَقِيدَةِ فِي الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، وَطَبَّقُوهَا عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا هِيَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- مِنْ عِنْدِ اللَّهْ.
الدَّلِيلُ
لَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مِسَاحَتِهِ، لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ لَفْظَةَ الشَّهِيدِ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ إِطْلَاقًا. فَالَّذِي يُقْتَلُ فِي الْمَعْرَكَةِ هُوَ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ قَدْ "قُتِلَ":
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ الشَّهِيدُ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الشَّهِيدَ هُوَ مَنْ يَقُومُ بِفِعْلِ الشَّهَادَةِ، أَيِ الَّذِي يَشْهَدُ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ خَاطَبَ مُحَمَّدًا عَنْ نِهَايَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِأَنْ تَكُونَ إِمَّا بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْقَتْلِ:
وَاللَّهُ هُوَ مَنْ أَثْبَتَ لَاحِقًا أَنَّ نِهَايَةَ مُحَمَّدٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سَتَكُونُ بِالْمَوْتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَتْ نِهَايَةُ مُحَمَّدٍ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ وَلَيْسَ بِالْقَتْلِ.
لَكِنْ لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي كَانَتْ نِهَايَتُهُ مَحْتُومَةً بِالْمَوْتِ (إِنَّكَ مَيِّتٌ) هُوَ أَيْضًا شَهِيدًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَتْ نِهَايَةُ مُحَمَّدٍ بِالْمَوْتِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ شَهِيدًا.
وَسَيَبْعَثُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ:
وَسَيَكُونُ مُحَمَّدٌ شَهِيدًا عَلَيْنَا:
فَالشَّهَادَةُ هِيَ إِذَنْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ شَخْصٌ أَوْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْأَشْخَاصِ عَلَى الْآخَرِينْ:
فَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى مَنْ كَانَ فِيهِمْ:
وَكَذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى غَيْرِهْ:
وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الشَّهِيدُ الْكَافِي عَلَى الْجَمِيعْ:
وَهَذَا هُوَ الدُّعَاءُ الْخَالِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الشَّهِيدَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِفِعْلِ الشَّهَادَةِ كَمَا الْحَالُ فِي كِتَابَةِ الدَّيْنِ مَثَلًا:
أَوْ فِي حَدِيثِ الْإِفْكْ:
أَوْ رَمْيِ الْمُحْصَنَاتْ:
أَوْ رَمْيِ الْأَزْوَاجْ:
وَالشَّهِيدُ قَدْ يَكُونُ حَاضِرًا عَلَى الْمَوْقِفِ، كَالَّذِينَ كَانُوا شُهَدَاءَ عِنْدَمَا حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتْ:
وَقَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِالْعِلْمِ، كَشَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابْ:
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالْقِسْطِ حَتَّى عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَقْرَبِينْ:
وَلَا يَجِبُ أَنْ يُجْرِمَنَّا شَنَآنُ الْقَوْمِ عَلَى أَنْ لَا نُقْسِطَ بِالشَّهَادَةْ:
تَلْخِيصُ مَا سَبَقَ: لَازَلْنَا حَتَّى الْيَوْمِ نُطْلِقُ لَفْظَ الشَّهِيدِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِفِعْلِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَحْكَمَةِ، فَقَدْ يَطْلُبُ مِنْكَ الْقَاضِي أَنْ تَشْهَدَ فِي قَضِيَّةٍ مَا لِأَنَّكَ كُنْتَ مِنَ الَّذِينَ حَضَرُوا الْمَوْقِفَ، أَوْ قَدْ يَطْلُبُ مِنْكَ الْقَاضِي الشَّهَادَةَ بِسَبَبِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَكَ، كَشَهَادَةِ الْخَبِيرِ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. فَالْقَاضِي قَدْ يَسْتَعِينُ بِأَهْلِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْقَضَايَا الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ دَقِيقَةٍ بِتَفَاصِيلِ الْقَضِيَّةِ، فَقَدْ يَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْ خَبِيرِ الْأَرَاضِي شَهَادَتَهُ فِي تَقْدِيرِ قِيمَةِ الْعَقَارِ مَثَلًا، وَقَدْ يَطْلُبُ الْقَاضِي شَهَادَةَ الْمُتَخَصِّصِ فِي عِلْمِ الْكُمْبِيُوتَرِ فِي الْجَرَائِمِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ، وَهَكَذَا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَابُدَّ إِذَنْ مِنَ الْوُقُوفِ مَلِيًّا عِنْدَ الْمُسَمَّيَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ لِنَتَدَبَّرَهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى النَّاسِ بِأَحْكَامٍ وَتَشْرِيعَاتٍ قَدْ يَبِينُ لَاحِقًا أَنَّهَا لَا تَمُتُّ لِلْعَقِيدَةِ بِصِلَةٍ، وَالْأَهَمُّ مِنْ هَذَا هُوَ أَنَّ الْفَهْمَ الْخَاطِئَ لِهَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ قَدْ يُعِيقُ التَّفْكِيرَ فِي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ، وَبِالتَّالِي قَدْ نُخْفِقُ فِي أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ مُرَادِ مَنْطُوقِ الْأَلْفَاظِ كَمَا بَيَّنَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ. وَقَدْ جَلَبْنَا هَذَا النِّقَاشَ هُنَا لِلْوُصُولِ إِلَى التَّمْيِيزِ الْوَاضِحِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ "الشَّهِيدِ" الَّذِي يَشْهَدُ مِنْ جِهَةٍ وَهَذَا الَّذِي قَضَى نَحْبَهُ فِي الْحَرْبِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَالَّذِي قَضَى نَحْبَهُ فِي الْحَرْبِ هُوَ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): الشَّهِيدُ هُوَ الَّذِي يُدْلِي بِفِعْلِ الشَّهَادَةْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): الْقَتِيلُ هُوَ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
وَسَنَرَى لَاحِقًا (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ) تَبِعَاتِ هَذَا التَّفْرِيقِ لِلْحَدِيثِ عَنْ نِهَايَةِ فِرْعَوْنَ كَمَا فَهِمْنَاهَا مِنَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ. فَاللَّهُ نَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنَا الْحَقَّ الَّذِي نَقُولُهُ فَلَا نَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمْ.
[استراحة أخرى: التفريق بين القتال والحرب]
لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ مِنْ أَخْطَرِ الْأَبْوَابِ الَّتِي فَتَحَتِ الْبَابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لِشَنِّ الْهُجُومِ عَلَى الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ الدَّارِجِ هُوَ فِقْهُ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ الْوَارِدِ فِي بُطُونِ كُتُبِ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ. وَيَمِيلُ الظَّنُّ عِنْدِي أَنَّ الْهُجُومَ عَلَى الدِّينِ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَانَ وَلَا زَالَ (أَنَا أَفْتَرِي الْقَوْلَ) بِسَبَبِ الْفَهْمِ الْخَاطِئِ لِلتَّشْرِيعِ الْإِلَهِيِّ فِي هَذَا الصَّدَدِ. فَأَهْلُ الِاخْتِصَاصِ فِي الْإِسْلَامِ هُمْ – بِرَأْيِنَا- الَّذِينَ شَوَّهُوا الدِّينَ عِنْدَمَا أَظْهَرَتْ تَصَرُّفَاتُ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمَدْفُوعَةُ بِأَفْكَارِ أَهْلِ الْعَقَائِدِ مِنْهُمْ عُدْوَانِيَّةً وَاضِحَةً لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا؛ فَهُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي عَدَاءٍ دَائِمٍ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ اغْتَصَبُوا حُقُوقَ الْآخَرِينَ بِاسْمِ الدِّينِ، وَهُمُ الَّذِينَ شَنُّوا الْحُرُوبَ عَلَى الْآخَرِينَ عَدْوًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ (رُبَّمَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ هُمْ فَقَطِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيُدَافِعُونَ عَنْهُ)، وَهُمُ الَّذِينَ جَلَبُوا الدَّمَارَ لِبُلْدَانِهِمْ بِذَرِيعَةِ أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ نَشْرَ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَهُمُ الَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يُصَدِّقُونَ أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ هُمْ فَقَطْ مَنْ يَحْمِلُونَ لِوَاءَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَظَلَمُوا غَيْرَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، حَتَّى أَصْبَحَتْ دِيَارُهُمْ خَرَابًا لَا مَثِيلَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، حَتَّى نَفَذَتْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) بِهِمْ سُنَّةُ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةُ الَّتِي تَقْضِي بِأَنَّ هَلَاكَ الْقُرَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ إِلَّا بِظُلْمِ أَهْلِهَا، قَالَ تَعَالَى:
فَبِالرَّغْمِ أَنَّ "أَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ" يَرَوْنَ هَلَاكَ قُرَاهُمْ جِهَارًا نَهَارًا، فَهَا هِيَ عَوَاصِمُ بِلَادِهِمْ تَتَهَاوَى الْوَاحِدَةَ بَعْدَ الْأُخْرَى، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَقْتَنِعُوا أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ). فَكَيْفَ (وَمَتَى) سَيَقْتَنِعُ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْ هَلَاكٍ لِقُرَاهُمُ الْوَاحِدَةَ تِلْوَ الْأُخْرَى هَذِهِ الْأَيَّامَ هِيَ بِسَبَبِ ظُلْمِنَا جَمِيعًا.
إِنَّ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى – بِرَأْيِي- هِيَ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَسْمَعُ هَؤُلَاءِ أَنْفُسُهُمْ عَنْ كَارِثَةٍ (حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فِي الْحَجْمِ وَالْأَثَرِ) فِي قَرْيَةٍ فِي الشَّرْقِ أَوْ فِي الْغَرْبِ، فَإِنَّهُمْ يَتَسَارَعُونَ لِلْخَطَابَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ أَنَّ هَذَا بِسَبَبِ ظُلْمِ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى، فَلَوْ وَقَعَ زِلْزَالٌ فِي الْيَابَانِ أَوْ فَيَضَانٌ فِي الْهِنْدِ أَوْ بُرْكَانٌ فِي إِسْكُتْلَنْدَا، لَمَا تَرَدَّدَ كَثِيرٌ مِنْ "أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ" فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا عِقَابٌ إِلَهِيٌّ نَزَلَ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى، وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَرَوْنَ الْهَلَاكَ الْكُلِّيَّ لِبَغْدَادِ الْعُرُوبَةِ وَدِمَشْقِ الشَّامِ وَقَاهِرَةِ الْمُعِزِّ، وَطَرَابُلُسِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَصَنْعَاءِ الْمَجْدِ وَالتَّارِيخِ، فَلَا تَرَاهُمْ يُشِيرُونَ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ لِمَسْؤُولِيَّتِهِمْ عَنْ مَا يَحْدُثُ فِي هَذِهِ الْقُرَى. مَنْ يَدْرِي؟!!!
عَلَى أَيِّ حَالٍ، إِنَّ مَا يَهُمُّنَا فِي هَذَا الطَّرْحِ هُوَ أَنْ نُبَيِّنَ وِجْهَةَ نَظَرِنَا فِي فِقْهِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ جَيِّدًا (مِنْ قِبَلِ سَادَتِنَا أَهْلِ الدِّرَايَةِ) كَمَا جَاءَ تَشْرِيعُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَجَلَبَ عَلَيْنَا الْوَيْلَاتِ، وَصَدَّ النَّاسَ (كُلَّ النَّاسِ) عَنِ اللَّحَاقِ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعْ لَنَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ أَنْ نَبْدَأَ بِقِتَالِ غَيْرِنَا إِلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
أَوَّلًا، لَوْ تَدَبَّرْنَا آيَاتِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي قِتَالِ الْآخَرِينَ هِيَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا يُجَوَّزُ لَنَا أَنْ نَشْرَعَ فِي قِتَالٍ إِلَّا مَنْ بَدَأَ بِقِتَالِنَا. انْتَهَى.
وَهَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلِفَ فِيهَا أَحَدٌ، وَهِيَ مَا يُسَمَّى فِي الْقَانُونِ الْعَالَمِيِّ الْبَشَرِيِّ الْمُطْلَقِ بِحَقِّ الدِّفَاعِ عَنِ النَّفْسِ. وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَهُ إِنْسَانٌ مَهْمَا كَانَتْ عَقِيدَتُهُ. فَالْمُسْلِمُ هُوَ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ فِي بِدَايَةِ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ شَخْصٌ مُؤْمِنٌ مُسَالِمٌ لَا يُقَاتِلُ إِلَّا إِنْ أُعْتُدِيَ عَلَيْهْ.
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا آيَاتِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ أَكْثَرَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ التَّشْرِيعَ بِالْقِتَالِ لَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ آنَذَاكَ فِعْلُ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِهِمْ:
وَآيَاتُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ تَطْلُبُ صَرَاحَةً مِنَ الْمُسْلِمِ أَنْ يَبَرَّ وَأَنْ يُقْسِطَ إِلَى مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهْ:
وَلَكِنْ لَا تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَبَرَّ أَوْ أَنْ يُقْسِطَ إِلَى مَنْ قَاتَلَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ دِيَارِهِ أَوْ ظَاهَرَ عَلَى إِخْرَاجِ الْمُسْلِمِ مِنْ دِيَارِهْ:
ثَانِيًا، بِالرَّغْمِ مِنْ لُزُومِ وُقُوعِ الِاعْتِدَاءِ مِنْ قِبَلِ الْغَيْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ بِالْقِتَالِ، فَإِنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ تَطْلُبُ مِنَ الْمُسْلِمِ فِي حَالَةِ نُشُوبِ الْقِتَالِ أَنْ لَا يَعْتَدِيَ إِلَّا بِمِثْلِ مَا اعْتُدِيَ عَلَيْهْ:
لَا بَلْ جَاءَ الْحَثُّ الْإِلَهِيُّ عَلَى الصَّبْرِ حَتَّى فِي حَالَةِ اعْتِدَاءِ الْآخَرِينَ عَلَيْكْ:
فَمَطْلُوبٌ مِنَ الْمُسْلِمِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَبْعَدِ دَرَجَاتِ ضَبْطِ النَّفْسِ حَتَّى وَإِنْ حَصَلَ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ فِعْلًا، فَهَذَا نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى يَطْلُبُ مِنْ قَوْمِهِ (بَنِي إِسْرَائِيلَ) الصَّبْرَ وَضَبْطَ النَّفْسِ حَتَّى بِالرَّغْمِ مِنْ وُقُوعِ الْأَذَى الشَّدِيدِ عَلَيْهِمْ فِي أَرْضِ مِصْرَ، لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْإِلَهِيَّةَ تَكْمُنُ فِي اسْتِخْلَافِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينْ:
ثَالِثًا، لَوْ تَفَقَّدْنَا فِعْلَ الْقِتَالِ فِي جَمِيعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي جَمِيعِ سِيَاقَاتِهِ بِصِيغَةِ الْمُشَارَكَةِ (قَاتِلُوا، قِتَالٌ، إِلَخْ)، قَالَ تَعَالَى:
فَجَمِيعُ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ تَدُلُّ (كَمَا نَفْهَمُهَا) عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْقِتَالِ لَا يَبْدَأُ بِهِ الْمُسْلِمُ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ خَصْمَهُ هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِهِ، وَهَذَا لَا يَنْطَبِقُ فَقَطْ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَطْ:
وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ عَلَى رَبِّهِ أَيْضًا، فَاللَّهُ نَفْسُهُ لَا يُقَاتِلُ إِلَّا مَنِ ابْتَدَأَهُ الْقِتَالْ:
سُؤَالٌ: لِمَاذَا لَا يَقْتُلُهُمُ اللَّهُ؟ وَلِمَاذَا يُقَاتِلُهُمُ اللَّهُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْتُلُهُمْ وَلَكِنَّهُ يُقَاتِلُهُمْ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا قِتَالَ اللَّهِ. فَفِعْلُ الْمُقَاتَلَةِ هُوَ فِعْلٌ تَشَارُكِيٌّ، يَبْدَأُ بِهِ مَنْ أَظْهَرَ الْخُصُومَةَ. فَاللَّهُ لَا يُظْهِرُ خُصُومَةً مَعَ أَحَدٍ، فَهُوَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَكِنَّ النَّاسَ هُمُ الَّذِينَ يَبْدَءُونَ قِتَالَ اللَّهِ عِنْدَمَا يَرْتَكِبُونَ الظُّلْمَ بِحَقِّ أَنْفُسِهِمْ وَبِحَقِّ غَيْرِهِمْ.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا سَنَحْتَاجُ لَهَا لَاحِقًا: لَمَّا كَانَ اللَّهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) لَا يُقَاتِلُ إِلَّا مَنْ بَدَأَ بِقِتَالِهِ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ مَنْ بَدَأَ قِتَالَ اللَّهِ، أَيْ كَانَ فِرْعَوْنُ فِي وَضْعِيَّةِ الْمُهَاجِمِ، وَمَا كَانَ اللَّهُ إِلَّا مُدَافِعًا عَنِ الْحَقِّ. انْتَهَى.
وَلِكَيْ تَتَّضِحَ الصُّورَةُ، فَلَابُدَّ لَنَا مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مُفْرَدَتَيْنِ غَالِبًا مَا اسْتُخْدِمَتَا بِطَرِيقَةٍ خَاطِئَةٍ فِي هَذَا الصَّدَدِ، وَهُمَا مُفْرَدَتَا الْحَرْبِ وَالْقِتَالْ:
فَالْآيَةُ الْأُولَى تَتَحَدَّثُ عَنِ الْحَرْبِ بَيْنَمَا تَتَحَدَّثُ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الْقِتَالِ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقِتَالَ يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ:
1. أَنَّهُ قَدْ كُتِبَ عَلَيْنَا كِتَابَةً (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ).
2. الْقِتَالُ كُرْهٌ لَنَا (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ).
3. الْحَرْبُ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا كِتَابَةً.
4. إِلَخْ.
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِتَالِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْنَا كِتَابَةً وَالْحَرْبِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا كِتَابَةً؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ كُتِبَ عَلَيْنَا كِتَابَةً هُوَ فِعْلٌ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَلَا تَتَقَبَّلُهُ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ بِارْتِيَاحٍ، كَالصِّيَامِ مَثَلًا:
أَوْ كَالْقِصَاصْ:
أَوْ كَالْوَصِيَّةِ حِينَ الْمَوْتْ:
وَهَذَا يَنْطَبِقُ أَيْضًا عَلَى الْقِتَالِ وَلَكِنَّهُ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْحَرْبِ، فَلَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْنَا الْحَرْبَ، لَكِنَّنَا نَجِدُ أَنَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلَيْنَا الْقِتَالْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا فُرِضَ عَلَى النَّاسِ كِتَابَةً، فَهُوَ يَكُونُ أَمْرًا ثَقِيلًا عَلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ لَا تُطِيقُهُ، وَلَكِنْ لَا مَنَاصَ مِنْهُ. فَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تُطِيقُ الْقِصَاصَ إِلَّا أَنَّهُ لَا مَنَاصَ مِنْ تَطْبِيقِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ كُرْهًا لَنَا، وَكَذَلِكَ هُوَ الصِّيَامُ، وَكَذَلِكَ هُوَ الْقِتَالُ. فَهُوَ فِعْلٌ قَدْ وَقَعَ بِسَبَبِ ظُلْمٍ ارْتَكَبَهُ النَّاسُ وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُمْ هَذَا الظُّلْمُ إِلَّا بِالْقِيَامِ بِمَا كُتِبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى وَإِنْ كَانَ كُرْهًا لَهُمْ.
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِمَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا كِتَابَةً لَوَجَدْنَاهَا قَدْ جَاءَتْ جَمِيعُهَا فِي سِيَاقٍ قُرْآنِيٍّ وَاحِدٍ، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْمُتَتَالِيَةِ التَّالِي:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كُتِبَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْأَفْعَالُ (وَهِيَ الْقِصَاصُ وَالْوَصِيَّةُ وَالصِّيَامُ) كِتَابَةً؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْقَضَايَا قَدْ فُرِضَتْ عَلَيْنَا كِتَابَةً، لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ نَذْكُرُ مِنْهَا:
1. أَنَّهَا رَدَّةُ فِعْلٍ عَلَى مَا قَدْ حَصَلَ، فَالْقِصَاصُ هُوَ رَدَّةُ فِعْلٍ لِوُقُوعِ الْجَرِيمَةِ، فَمَادَامَ أَنَّ الْجَرِيمَةَ قَدْ وَقَعَتْ فَإِنَّ الْقِصَاصَ أَصْبَحَ أَمْرًا لَا مَفَرَّ مِنْهُ، وَمَا دَامَ أَنَّ هُنَاكَ تَرِكَةً عِنْدَ الْمَوْتِ، فَالْوَصِيَّةُ تُصْبِحُ أَمْرًا لَا مَفَرَّ مِنْهُ، وَمَادَامَ أَنَّ ظُلْمَ النَّاسِ قَدْ حَصَلَ، فَالصِّيَامُ أَصْبَحَ أَمْرًا لَا مَفَرَّ مِنْهُ. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الصِّيَامَ بِحَدِّ ذَاتِهِ هُوَ فِعْلٌ تَكْفِيرِيٌّ عَنْ مَا حَصَلَ مِنْ ذَنْبِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهَدْيِ فِي الْحَجّ:
أَوْ كَالتَّكْفِيرِ عَنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِدْيَةِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً:
أَوْ كَالتَّكْفِيرِ عَنْ تَعْقِيدِ الْأَيْمَانِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِطَاعَةِ الْإِطْعَامِ أَوْ تَحْرِيرِ الرَّقَبَةْ:
أَوْ كَالتَّكْفِيرِ عَنِ الصَّيْدِ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامْ:
أَوْ فِي حَالَةِ مُظَاهَرَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِطَاعَةِ تَحْرِيرِ رَقَبَةْ:
لَاحِظْ أَنَّ الصِّيَامَ (مِنْ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ جَمِيعِهَا) هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُكَفِّرَ الذَّنْبَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الْمُؤْمِنُ فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الِاسْتِطَاعَةْ. فَلَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ عَنِ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا، أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الْحَجّْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: أَيُّ كَفَّارَةٍ لَا تَتَحَصَّلُ فِيهَا الِاسْتِطَاعَةُ يَكُونُ الصِّيَامُ هُوَ الْحَلَّ (أَيِ الْبَدِيلَ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: مَادَامَ أَنَّ ذَنْبًا (بِظُلْمٍ) قَدْ وَقَعَ، فَإِنَّ الصِّيَامَ هُوَ الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي يُمْكِنُ اللُّجُوءُ إِلَيْهَا لِلتَّكْفِيرِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبْ، فَلَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ عَنِ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ إِنْ حَصَلَتْ بِالصَّلَاةِ أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الْحَجّْ. وَلَكِنْ يُمْكِنُ فِعْلُ ذَلِكَ بِالصِّيَامْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: الصِّيَامُ هُوَ الْمَنْفَذُ الْوَحِيدُ وَالْأَخِيرُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْمَأْزِقِ الَّذِي أَوْقَعَ الْإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهْ. وَسَنَرَى لَاحِقًا تَبِعَاتِ هَذَا الظَّنِّ عَلَى الْقِتَالِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْنَا كِتَابَةً كَمَا الصِّيَامْ.
[فلسفة العبادات: الصلاة، الزكاة، الصيام]
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ عَنْ تِلْكَ الذُّنُوبِ بِغَيْرِ الصِّيَامِ مِنْ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ جَمِيعِهَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): الصَّلَاةُ هِيَ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ الْعَبْدُ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ اللَّهُ، فَهِيَ إِذَنْ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): الزَّكَاةُ هِيَ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ الْإِنْسَانُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْآخَرُونَ، فَهِيَ صِلَةُ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِهِ مِنَ النَّاسْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (3): الصِّيَامُ هُوَ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ الْإِنْسَانُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بِنَفْسِهِ، فِيهِ صِلَةُ الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا جَاءَ الصِّيَامُ كَفِعْلٍ تَكْفِيرِيٍّ لِلذُّنُوبِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْإِنْسَانُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ هُوَ مَنْ يُوقِعُ نَفْسَهُ (أَيْ بِمَا كَسَبَتْ يَدُهُ) فِي أَفْعَالٍ لَا يُحْمَدُ عُقْبَاهَا، كَانَ لِزَامًا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يُهَذِّبُ نَفْسَهُ، كَعِقَابٍ لَهُ عَلَى مَا كَسَبَ بِيَدَيْهِ، فَأَصْبَحَ لِزَامًا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِفِعْلٍ ثَقِيلٍ عَلَيْهِ قَدْ لَا يُطِيقُهُ، لَكِنْ لَا مَجَالَ لِتَصْحِيحِ الْخَطَأِ الَّذِي وَقَعَ إِلَّا بِهَذَا الْفِعْلِ الْإِلْزَامِيِّ (أَيِ الصِّيَامِ).
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ الصِّيَامَ هُوَ الْمَلْجَأُ الْأَخِيرُ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْأَغْلَاطِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ الصِّيَامَ هُوَ الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ الَّتِي جَاءَتْ كِتَابَةً (بِالْأُرْدُنِيِّ نَقُولُ كِتْبَةً وَمَفْرُوضَةً عَلَيْنَا).
ثَانِيًا، لَوْ تَفَقَّدْنَا الصِّيَامَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ الزَّمَنِيِّ، فَهُوَ الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي وَجَبَ الْقَضَاءُ فِيهَا (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ):
فَالصِّيَامُ (كَمَا الْقِصَاصِ) لَا يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ الزَّمَنِيِّ. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصِّيَامَ بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وَلَمْ يَرِدْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ مِثْلُ هَذَا فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الصَّلَاةِ أَوِ الزَّكَاةِ أَوِ الْحَجّْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ لِمَ لَمْ تَأْتِ الصَّلَاةُ كِتَابَةً؟ وَلِمَ لَا تَكُونُ الزَّكَاةُ كِتَابَةً؟ وَلِمَ لَا يَكُونُ الْحَجُّ كِتَابَةً؟ إِلَخْ.
[باب: فقه الصيام]
سَنُحَاوِلُ أَنْ نَتَنَاوَلَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ فِقْهِ الصِّيَامِ، وَسَنُحَاوِلُ تَقْدِيمَ رُؤْيَةٍ (نَظُنُّ أَنَّهَا جَدِيدَةٌ) تَخُصُّ مَشْرُوعِيَّةَ الصِّيَامِ، مُؤَكِّدِينَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّ هَذَا لَا يَتَجَاوَزُ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا بَشَرِيًّا قَابِلًا لِلصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، فَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا هُوَ فِقْهُ الصِّيَامِ كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، بَلْ هُوَ فَهْمُنَا نَحْنُ لِمَا نَظُنُّ أَنَّهُ تَشْرِيعٌ إِلَهِيٌّ لِفِقْهِ الصِّيَامِ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا الْحَقَّ الَّذِي نَقُولُهُ، فَلَا نَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ- آمِينْ.
أَمَّا بَعْدُ،
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ الصِّيَامَ قَدْ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا فَقَطْ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ). انْتَهَى.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ الصِّيَامَ قَدْ كُتِبَ فَقَطْ عَلَى "الَّذِينَ آمَنُواْ"؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: مَا دَامَ أَنَّ الصِّيَامَ قَدْ كُتِبَ فَقَطْ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ، فَهُوَ إِذَنْ فِعْلٌ تَعَبُّدِيٌّ إِلْزَامِيٌّ لِلذُّكُورِ مِنَ الرِّجَالِ، فَهُوَ إِذَنْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَى الْمُؤْمِنَاتِ (الْإِنَاثِ). فَالْمُؤْمِنَاتُ غَيْرُ مُلْزَمَاتٍ بِفِعْلِ الصِّيَامِ. انْتَهَى.
[الدليل: الذين آمنوا vs المؤمنات]
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِبَارَةَ "الَّذِينَ آمَنُواْ" (كَمَا تَرِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ) لَا تَنْطَبِقُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) إِلَّا عَلَى الذُّكُورِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ اللَّفْظِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
وَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا- مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَخُصُّ الَّذِينَ آمَنُواْ فَقَطْ بِأَفْعَالٍ مُحَدَّدَةٍ بِذَاتِهَا، كَمَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ مَثَلًا:
فَـ "الَّذِينَ آمَنُواْ" هُمْ مَنْ يَنْهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا). أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَهُمُ الْمَأْمُورُونَ بِأَنْ لَا يَعْضُلُوا النِّسَاءَ لِيَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَوْهُنَّ (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: أَلَا يُجْبِرُنَا مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ الْفَصْلِ مِنَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أَنْ لَا نَخْلِطَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ؟ أَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا إِذَنْ أَنْ نَفْصِلَ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا (مِنَ الذُّكُورِ) مِنْ جِهَةٍ وَالنِّسَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: هُنَاكَ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَفْظُ "الَّذِينَ آمَنُواْ".
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): هُنَاكَ لَفْظُ النِّسَاءِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (3): جَاءَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ لِيَتَحَدَّثَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ جِهَةٍ وَالنِّسَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْأُخْرَى التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هُمُ الَّذِينَ يَنْكِحُوا الْمُؤْمِنَاتْ:
لِذَا، يَسْتَحِيلُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ تَكُونَ الْمُؤْمِنَاتُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا مَادَامَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هُمْ مَنْ يَقُومُونَ بِفِعْلِ نِكَاحِ الْمُؤْمِنَاتْ.
وَلَوْ أَنَّ الْمُؤْمِنَاتِ مَشْمُولَاتٌ بِفِئَةِ الَّذِينَ آمَنُوا، لَأَصْبَحَ لِزَامًا عَلَيْهِنَّ (أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنَاتِ) السَّعْيُ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّشْرِيعُ أَنَّ السَّعْيَ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِعْلٌ خَاصٌّ بِالذُّكُورِ مِنَ الرِّجَالِ؟ لِمَ لَا نَجِدُ النِّسَاءَ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ يُشَارِكْنَ فِي السَّعْيِ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ؟ فَهَلْ يَقْبَلُ سَادَتُنَا الْعُلَمَاءُ (أَهْلُ الدِّرَايَةِ) أَنْ يَنْطَبِقَ اللَّفْظُ "" عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ لِمَ تَنْطَلِقُ حَنَاجِرُهُمْ عَلَى الدَّوَامِ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ (السَّعْيَ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) لَا يَشْمَلُ النِّسَاءَ؟ وَلِمَ لَا تَنْطَلِقُ حَنَاجِرُهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الصِّيَامِ بِالرَّغْمِ أَنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ فِي الْحَالَتَيْنِ لِنَفْسِ الْفِئَةِ وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا:
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَادَامَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ فِي الْحَالَتَيْنِ جَاءَ بِصِيغَةِ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ"، فَإِنَّ عَقِيدَتَنَا الَّتِي نُؤْمِنُ بِهَا تَقْضِي بِأَنْ لَا نَقْبَلَ أَنْ يَقَعَ الصِّيَامُ فِي بَابِ الْإِلْزَامِ عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَقَعُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِنَّ كَذَلِكَ فِي السَّعْيِ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَمَتَى طَلَبَ عُلَمَاؤُنَا الْأَجِلَّاءُ مِنَ النِّسَاءِ السَّعْيَ لِذِكْرِ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ (وَأَعْتَقِدُ جَازِمًا أَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا)، يَكُونُ الصِّيَامُ عَلَيْهِنَّ إِلْزَامِيًّا كَذَلِكَ. وَبِخِلَافِ ذَلِكَ، تَكُونُ تِلْكَ عَقِيدَةً مُشَوَّهَةً اخْتَرَعُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. انْتَهَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: هُنَاكَ فَصْلٌ وَاضِحٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا (مِنَ الذُّكُورِ) وَالْمُؤْمِنَاتِ (مِنَ الْإِنَاثِ)، لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نَعُودَ إِلَيْهَا (وَرُبَّمَا لَا يَرْغَبُ أَهْلُ الدِّينِ أَنْ تَقَعَ عَلَى مَسَامِعِهِمْ) هِيَ أَنَّ الصِّيَامَ قَدْ كُتِبَ فَقَطْ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا:
السُّؤَالُ: هَلْ مَطْلُوبٌ مِنَ النِّسَاءِ الصِّيَامُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: كَلَّا، فَالصِّيَامُ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ لَيْسَ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِنَّ فَرْضًا، وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لَهُنَّ فِعْلٌ تَطَوُّعِيٌّ (إِنْ أَرَدْنَ ذَلِكَ). فَمَنْ شَاءَتْ أَنْ تَصُومَ مِنْهُنَّ فَلَهَا ذَلِكَ، وَمَنْ شَاءَتْ أَنْ لَا تَصُومَ فَلَهَا ذَلِكَ، وَلَا يَتَرَتبُ عَلَى عَدَمِ صِيَامِهَا عُقُوبَةٌ، وَلَكِنْ يَتَرَتبُ عَلَى صِيَامِهَا أَجْرًا عَظِيمًا مِنْ عِنْدِ اللَّهْ:
ثَانِيًا، لَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْخِطَابَ جَاءَ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ (مِنْكُم، لَّهُ، لَّكُمْ) حَتَّى فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الصِّيَامِ لِسَبَبٍ كَالْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ:
وَلَا نَجِدُ أَنَّ ضَمِيرَ التَّأْنِيثِ (مِنْكُنَّ، لَهُنَّ) قَدِ اسْتُخْدِمَ فِي حَالَةِ الصِّيَامِ إِطْلَاقًا، بِالرَّغْمِ مِنْ وُرُودِهِ (وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ) فِي آيَاتٍ أُخْرَى فِي كِتَابِ اللَّهْ:
فَالْقَضَاءُ فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الصِّيَامِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ لَا يَقَعُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) إِلَّا عَلَى الرَّجُلِ الْمُكَلَّفِ بِالصِّيَامِ. فَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تَصُومُ بِسَبَبِ الدَّوْرَةِ الشَّهْرِيَّةِ أَوِ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ مَثَلًا لَيْسَ مَطْلُوبٌ مِنْهَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) الْقَضَاءُ مَادَامَ أَنَّ الصِّيَامَ فِي الْأَصْلِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا يَقَعُ فِي بَابِ التَّطَوُّعِ الِاخْتِيَارِيِّ وَلَيْسَ التَّطَوُّعِ الْإِلْزَامِيِّ.
ثَالِثًا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يُطِيقُ الصِّيَامَ (أَيْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ) يُمْكِنُ لَهُ هُوَ أَيْضًا أَنْ لَا يَقُومَ بِفِعْلِ الصِّيَامِ، وَيَسْتَبْدِلَ ذَلِكَ بِالْفِدْيَةِ (طَعَامُ مِسْكِينٍ):
وَلَكِنَّ التَّطَوُّعَ فِي الصِّيَامِ هُوَ خَيْرٌ لِمَنْ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْفِدْيَةَ (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): الصِّيَامُ فِعْلٌ تَطَوُّعِيٌّ مَفْرُوضٌ عَلَى الرَّجُلِ، لَكِنْ يُمْكِنُ لَهُ (إِنْ كَانَ يُطِيقُ الصِّيَامَ) أَنْ يُقَدِّمَ بَدَلَ ذَلِكَ الْفِدْيَةَ وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ هُوَ خَيْرٌ لَهْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَالصِّيَامُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ بِهِ مِنْ أَجْلِ الثَّوَابِ إِنْ هِيَ أَرَادَتْ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ لَهَا أَنْ لَا تَقُومَ بِهِ، وَلَيْسَ مَطْلُوبٌ مِنْهَا الْفِدْيَةُ إِنْ لَمْ تَقُمْ بِفِعْلِ الصِّيَامِ مَادَامَ أَنَّ الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ فِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُطِيقُ الصِّيَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ يُطِيقُ "فِعْلَ مَا" هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ لَكِنْ بِحُصُولِ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الطَّاقَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَ لِجُنُودِ طَالُوتَ طَاقَةٌ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، لَمَا تَرَدَّدُوا فِي الْمُوَاجَهَةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ طَاقَةٌ بِهِمْ، لَهَزَمُوهُمْ بِجُهْدِهِمُ الذَّاتِيِّ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ صَرَاحَةً (قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ)، فَكَانُوا بِحَاجَةٍ لِنَجْدَةٍ تُسَاعِدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: فَالطَّاقَةُ تَحْتَاجُ إِلَى الصَّبْرِ لِلْقِيَامِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهَا هِيَ – بِرَأْيِنَا- الْقُدْرَةُ عَلَى الْعَمَلِ مَعَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكْ.
[استراحة قصيرة: طاقة البيت]
لِمَاذَا لِلْبَيْتِ الَّذِي نَسْكُنُ فِيهِ طَاقَةٌ (نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ مُرْتَفِعَةٌ)؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ طَاقَةَ الْبَيْتِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْفَذٍ ضَيِّقٍ وَصَعْبٍ لَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ. وَلِنَتَصَوَّرِ الْمَشْهَدَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَكُونُ فِي الْبَيْتِ فَتْحَةٌ وَاسِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْجَمِيعِ يَتِمُّ الدُّخُولُ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا بِسُهُولَةٍ فِي الْحَالَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وَتُسَمَّى الْبَابْ:
لَكِنْ يَكُونُ هُنَاكَ مَنَافِذُ جَانِبِيَّةٌ لَا تُسْتَخْدَمُ لِلدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الْبَيْتِ إِلَّا فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ اسْتِخْدَامِ الْبَابِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى مَنَافِذَ (كَالشُّبَّاكِ أَوِ النَّافِذَةِ مَثَلًا)، وَقَدْ تُسَمَّى أَحْيَانًا طَاقَةً، وَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الْفَتْحَةُ عَنِ الْأَرْضِ أَكْثَرَ وَضَاقَ اتِّسَاعُهَا، أَصْبَحَتْ تُعْرَفُ أَكْثَرَ بِاسْمِ الطَّاقَةِ، وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّهَا مَنْفَذٌ صَعْبٌ لَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِخْدَامِ الْمَنَافِذِ الْأُخْرَى كُلِّهَا. فَلَوْ أَنْتَ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ بِنَفْسِكَ أَوْ أَنْ تُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ أَغْرَاضِ الْبَيْتِ، لَاسْتَخْدَمْتَ الْبَابَ أَوَّلًا ثُمَّ الشُّبَّاكَ (النَّافِذَةَ) إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِخْدَامُ الْبَابِ. وَلَوْ تَعَذَّرَ اسْتِخْدَامُ الشُّبَّاكِ (النَّافِذَةِ) أَيْضًا، لَوَجَدْتَ أَنَّ الطَّاقَةَ هِيَ الْمَنْفَذُ الْوَحِيدُ عَلَى صُعُوبَتِهْ.
لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّهُ عِنْدَمَا يُطِيقُ الشَّخْصُ مِنَّا شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ لَكِنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ مِنْهُ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، وَكَذَلِكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) هُوَ "طِيَاقُ" الصَّوْمِ (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ). فَمَنْ وَجَدَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ وَلَكِنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ لَهُ الْمَشَقَّةَ، يَكُونُ مِنَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، وَهُنَا (نَحْنُ لَازَلْنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ) يَجُوزُ لَهُ الْفِدْيَةُ (طَعَامُ الْمِسْكِينِ)، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْقَضَاءُ فِي أَيَّامٍ أُخَرْ.
السُّؤَالُ: عَلَى مَنْ يَنْطَبِقُ هَذَا السِّينَارِيُو؟
جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ كَانَتْ حِرْفَتُهُ (فِيهَا مَشَقَّةٌ) دَائِمَةً يَتَعَذَّرُ مَعَهَا قَضَاءُ الصِّيَامِ؟
السُّؤَالُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُعْطِيَ مِثَالًا عَلَى ذَلِكَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: دَعْنَا نَتَخَيَّلُ أَصْحَابَ الْحِرَفِ الْيَدَوِيَّةِ الشَّاقَّةِ، كَالْبَنَّاءِ وَالْخَبَّازِ مَثَلًا. فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ مَنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْحِرَفِ الشَّاقَّةِ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ؟ وَكَيْفَ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَضَاءِ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ مَادَامَ أَنَّ حِرْفَتَهُ مُسْتَمِرَّةٌ طِوَالَ أَيَّامِ الْعَامِ؟ فَمَتَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصُومَ وَمَتَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَضَاءِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَ الرَّجُلُ الْمُكَلَّفُ بِالصِّيَامِ يَعْمَلُ فِي حِرْفَةٍ كَهَذِهِ، فَإِنَّ الصِّيَامَ يَقَعُ عِنْدَهُ فِي بَابِ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوزُ لَهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَنْ يُقَدِّمَ الْفِدْيَةَ وَهِيَ طَعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يُفْطِرُهُ مِنْ أَيَّامِ الصِّيَامِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ فِي إِجَازَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ كَيَوْمِ عُطْلَتِهِ الْأُسْبُوعِيَّةِ مَثَلًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَادَامَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ مِنَ الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْفِدْيَةَ (طَعَامَ مِسْكِينٍ) مُرْتَبِطَةٌ إِذَنْ بِالطَّاقَةِ عَلَى الصِّيَامِ، فَكُلَّمَا وَجَدَ الشَّخْصُ نَفْسَهُ فِي طَاقَةٍ أَنْ يَصُومَ، أَصْبَحَتِ الْفِدْيَةُ مُمْكِنَةً (وَإِنْ كَانَ التَّطَوُّعُ بِالصِّيَامِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ)، وَمَتَى ذَهَبَتْ هَذِهِ الطَّاقَةُ، أَصْبَحَ الصِّيَامُ وَاجِبًا مَفْرُوضًا عَلَيْهْ.
نَتَائِجُ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا
1. يَكُونُ الصِّيَامُ فَرْضًا وَاجِبًا عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ
2. يُصْبِحُ الصِّيَامُ تَطَوُّعًا عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ مِنَ الرِّجَالِ، فَتَجُوزُ هُنَا الْفِدْيَةُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ
3. لَمْ يَكُنِ الصِّيَامُ إِلَّا فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الصِّيَامِ بِسَبَبِ الْعُذْرِ الشَّرْعِيِّ كَالدَّوْرَةِ الشَّهْرِيَّةِ أَوْ كَالْحَمْلِ وَالْوَضْعِ.
4. إِلَخْ.
رَابِعًا، لَمَّا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ (الرِّجَالِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أَنْ يَشْهَدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَشْهَدَهُ كُلَّهُ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: كَيْفَ يَتَحَدَّثُ الْقُرْآنُ عَنْ وُجُوبِ الصِّيَامِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ)؟ أَلَا يُمْكِنُ مَثَلًا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي حَالَةِ غَيْبُوبَةٍ فِي بِدَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ يَسْتَفِيقُ مِنْ غَيْبُوبَتِهِ فِي مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ أَوْ فِي آخِرِهِ، فَيَشْهَدُ مِنَ الشَّهْرِ بَعْضَهُ وَلَيْسَ كُلَّهُ؟ ثُمَّ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاعٍ تَمَامًا فِي بِدَايَةِ الشَّهْرِ ثُمَّ يَذْهَبُ فِي غَيْبُوبَةٍ فِي مُنْتَصَفِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ أَوْ فِي بَعْضٍ مِنْهُ؟ فَلِمَاذَا جَاءَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ عَلَى نَحْوِ (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ)؟
السُّؤَالُ: فَهَلْ يُصْبِحُ الصِّيَامُ مَفْرُوضًا عَلَى مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَحْنُ نَسْأَلُ: هَلْ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَشْهَدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ حَتَّى أَكُونَ مُلْزَمًا بِصِيَامِهِ؟ وَمَا الْمَطْلُوبُ مِنَ الَّذِي شَهِدَ بَعْضَ الشَّهْرِ وَلَيْسَ كُلَّهُ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَجِدُ لِزَامًا ضَرُورَةَ الْوُقُوفِ عِنْدَ مَعْنَى مُفْرَدَةِ الشَّهْرِ؟ لِنَطْرَحَ السُّؤَالَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَيْفَ يُمْكِنُ لِي أَنْ أَشْهَدَ الشَّهْرَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَظُنُّ أَنَّنَا قَدْ تَعَرَّضْنَا فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ كَثِيرَةٍ لَنَا عَنْ مَعْنَى مُفْرَدَةِ الشَّهْرِ، وَحَاوَلْنَا التَّمْيِيزَ بَيْنَ مُفْرَدَةِ الشَّهْرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الشَّهْرِ الشَّمْسِيِّ (أَيِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعًا) وَمُفْرَدَةِ الشَّهْرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الشَّهْرِ الْقَمَرِيِّ (دَوْرَةِ الْقَمَرِ كَامِلَةً). وَزَعَمْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ الْعَرَبِيَّةَ تُمَيِّزُ بَيْنَ مُفْرَدَتَيْنِ لِلشَّهْرِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
* شَهْرٌ وَتُجْمَعُ عَلَى أَشْهُرٍ، وَهَذِهِ هِيَ دَوْرَةُ الشَّهْرِ الشَّمْسِيِّ، أَيْ غِيَابُ الشَّمْسِ وَظُهُورُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا يَحْدُثُ كُلَّ 24 سَاعَةً مَرَّةً وَاحِدَةً، وَيَنْتُجُ عَنْهُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ، فَنُسَمِّي الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ مَعًا (أَيِ الدَّوْرَةَ الشَّمْسِيَّةَ كَامِلَةً) شَهْرًا.
* شَهْرٌ وَتُجْمَعُ عَلَى شُهُورٍ، وَهَذِهِ هِيَ دَوْرَةُ الشَّهْرِ الْقَمَرِيِّ، أَيْ غِيَابُ الْقَمَرِ وَظُهُورُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا يَحْدُثُ كُلَّ 29- 30 يَوْمًا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَيَنْتُجُ عَنْهُ أَشْهُرُ الْعَامِ الِاثْنَا عَشَرَ.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الشَّهْرِ الشَّمْسِيِّ (أَيِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)، فَأَنْتَ مَطْلُوبٌ مِنْكَ (كَوَاحِدٍ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُ الصِّيَامِ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ شَمْسِيٍّ أَنْتَ تَشْهَدُهُ فَقَطْ. وَلَا يُطْلَبُ مِنْكَ أَنْ تَصُومَ الشَّهْرَ الشَّمْسِيَّ الَّذِي لَمْ تَشْهَدْهْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَتَطَلَّبُ مِنَّا مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ أَنْ نَشْهَدَ الشَّهْرَ، فَمَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَبِرَ الْإِنْسَانُ قَدْ شَهِدَ شَهْرًا مِنْ رَمَضَانَ؟ وَمَتَى يَعْتَبِرُ غَيْرَ شَاهِدٍ لِشَهْرٍ مِنْ رَمَضَانَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مُبَاشَرَةً:
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، لَوَجَدْنَاهَا أَنَّهَا قَدِ ابْتَدَأَتْ بِالْحَدِيثِ عَنْ لَيْلَةِ الصِّيَامِ الَّتِي أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا فِيهَا الرَّفَثَ إِلَى نِسَائِنَا (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ)، وَيُشَرِّعُ لَنَا فِيهَا أَنْ نَأْكُلَ وَنَشْرَبَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَنَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)، ثُمَّ انْتَقَلَتْ لِتِبْيَانِ أَنَّ الصِّيَامَ يَبْدَأُ مِنْ هُنَاكَ، فَنَتَوَقَّفُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَعَنْ مُبَاشَرَةِ النِّسَاءِ، حَتَّى نُتِمَّ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ. فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ تَمَّ شَهْرٌ وَاحِدٌ مِنْ أَشْهُرِ رَمَضَانَ، أَيْ شَهْرٌ شَمْسِيٌّ وَاحِدٌ (لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مَعًا). وَهَكَذَا يَتَكَرَّرُ الشَّهْرُ الشَّمْسِيُّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ، إِلَخْ. حَتَّى يَنْتَهِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ الْقَمَرِيُّ كُلُّهْ.
السُّؤَالُ: مَتَى إِذَنْ تَشْهَدُ شَهْرَ رَمَضَانَ (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: إِنَّ شَهَادَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ الشَّمْسِيِّ تَبْدَأُ مِنَ اللَّيْلِ، وَهُنَاكَ تَبْدَأُ لَيْلَةُ الصِّيَامِ الَّتِي يَجُوزُ لَنَا فِيهَا أَنْ نَرْفُثَ إِلَى النِّسَاءِ وَأَنْ نَأْكُلَ وَنَشْرَبَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى نِيَّةِ الصِّيَامِ (أَيِ الِامْتِنَاعِ عَنْ مَا كُنَّا نَفْعَلُ فِي لَيْلَةِ الصِّيَامِ) عِنْدَمَا يَتَبَيَّنُ لَنَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ مِنَ الْفَجْرِ حَتَّى نُتِمَّ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ الْمُكَلَّفُ بِالصِّيَامِ قَدْ شَهِدَ شَهْرًا وَاحِدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهُ، وَيَتَكَرَّرُ السِّينَارِيُو نَفْسُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ شَمْسِيٍّ (لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مَعًا) طِوَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ الْقَمَرِيِّ كُلِّهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ: دَعْنَا نَتَصَوَّرُ السِّينَارِيُو التَّالِي: تَخَيَّلْ لَوْ أَنَّكَ كُنْتَ فِي غَيْبُوبَةٍ خِلَالَ شَهْرٍ شَمْسِيٍّ وَاحِدٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتَ مِنْ هَذِهِ الْغَيْبُوبَةِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ شَهْرٌ مِنْ أَشْهُرِ رَمَضَانَ الَّتِي وَجَبَ عَلَيْكَ صِيَامُهُ؟ وَمَاذَا لَوْ أَنَّكَ بَدَأْتَ تَصُومُ مِنَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ ظُهْرًا عِنْدَمَا اسْتَفَقْتَ مِنْ غَيْبُوبَتِكَ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ شَهْرٌ مِنْ أَشْهُرِ رَمَضَانَ الَّتِي شَهِدْتَهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى، كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، فَحَتَّى يُحْسَبَ لَكَ أَنَّكَ قَدْ صُمْتَ شَهْرًا مِنْ أَشْهُرِ رَمَضَانَ الشَّمْسِيَّةِ، وَجَبَ عَلَيْكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَنْ تَشْهَدَ لَيْلَةَ الصِّيَامِ السَّابِقَةَ لِبَيَانِ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، وَتَكُونَ قَدْ عَقَدْتَ النِّيَّةَ عَلَى صِيَامِ ذَلِكَ الشَّهْرِ مَتَى مَا تَبَيَّنَ لَكَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ تَوَافُرَ النِّيَّةِ الْمُسْبَقَةِ فِي الصِّيَامِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ قَدْ جَاءَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَيْ أَنْ تَكُونَ قَدْ شَهِدْتَ شَهْرَ الصِّيَامِ (مِنْ لَيْلَةِ الصِّيَامِ) وَلَيْسَ أَنْ تَشْهَدَ فَقَطْ يَوْمَ الصِّيَامِ أَوْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ فَقَطْ، فَالصِّيَامُ يُحْسَبُ لِلْمُسْلِمِ بِالشَّهْرِ (الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعًا). وَشَهْرُ الصِّيَامِ يَبْدَأُ (كَمَا بَدَأَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ السَّابِقَةُ) بِلَيْلَةِ الصِّيَامِ ثُمَّ يَمْتَدُّ إِلَى يَوْمِ الصِّيَامِ حَتَّى اللَّيْلِ، حَيْثُ يَبْدَأُ الشَّهْرُ الثَّانِي وَهَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّهْرِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ حَتَّى الشَّهْرِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ أَوِ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ. وَمَا أَنْ تَتِمَّ تِلْكَ الْأَشْهُرُ كُلُّهَا حَتَّى يَكُونَ شَهْرُ الصِّيَامِ الْقَمَرِيُّ كُلُّهُ قَدْ تَمّْ.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِقِصَّةِ فِرْعَوْنَ (مَوْضُوعِ حَدِيثِنَا الرَّئِيسِيِّ)؟
جَوَابٌ: انْتَظِرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- لِتَرَى مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ. فَاللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينْ.
[باب: فقه الصلاة]
تَحَدَّثْنَا فِي مَقَالَةٍ سَابِقَةٍ لَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ "لِمَاذَا نُصَلِّي خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟" عَنْ جُزْئِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ تَخُصُّ الصَّلَاةَ، مَفَادُهَا أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْنَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لَيْسَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ (أَيْ "السُّنَّةِ" كَمَا أَحَبَّ أَهْلُ الدِّرَايَةِ مِنْ قَبْلِنَا أَنْ يُرَوِّجُوا لِذَلِكَ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمْ)، وَحَاوَلْنَا افْتِرَاءَ الظَّنِّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ حِينَئِذٍ أَنَّ هَذَا هُوَ مَنْطُوقُ الْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ (كَمَا فَهِمْنَاهُمْ نَحْنُ)، فَهَذِهِ هِيَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الْأُولَى:
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ (حَسَبَ مَا نَفْهَمُهُ مِنْهَا) نَجِدُ الْحَدِيثَ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا قَبْلَ دُلُوكِ الشَّمْسِ (أَيْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) وَغَسَقِ اللَّيْلِ (أَيْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ)
ثُمَّ جَاءَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الثَّانِيَةُ التَّالِيَةُ:
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (حَسَبَ مَا نَفْهَمُهُ مِنْهَا) نَجِدُ الْحَدِيثَ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ وَهِيَ طَرَفُ النَّهَارِ الْأَوَّلُ (صَلَاةُ الظُّهْرِ)، وَطَرَفُ النَّهَارِ الثَّانِي (أَيْ صَلَاةُ الْعَصْرِ)، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ (أَيْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ).
كَمَا افْتَرَيْنَا الْقَوْلَ حِينَئِذٍ أَنَّ اثْنَتَيْنِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَةِ تُقَامَانِ فِي اللَّيْلِ (الْفَجْرُ وَالْعِشَاءُ)، وَأَنَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا تُقَامَانِ فِي النَّهَارِ (طَرَفُ النَّهَارِ الْأَوَّلُ، أَيْ صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَطَرَفُ النَّهَارِ الثَّانِي، أَيْ صَلَاةُ الْعَصْرِ)، بَيْنَمَا تُقَامُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ: أَيْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ)، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هِيَ (كَمَا فَهِمْنَاهَا) الصَّلَاةُ الْوُسْطَى الَّتِي طُلِبَ مِنَّا أَنْ نُحَافِظَ عَلَيْهَا مُحَافَظَةً خَاصَّةً فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا السَّابِقَةَ: لِمَاذَا نُصَلِّي خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)
كَمَا حَاوَلْنَا أَنْ نَتَعَرَّضَ فِي مَقَالَةٍ أُخْرَى عَنْ سَبَبِ خُصُوصِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: لِمَاذَا جَاءَ الْحَثُّ عَلَى لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْمَسَاجِدِ؟
فَلَوْ تَدَبَّرْنَا مُعْظَمَ الْعِبَادَاتِ الْأُخْرَى، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْحَثَّ جَاءَ فِيهَا عَلَى الْخَفَاءِ، كَالصَّدَقَاتِ مَثَلًا:
فَفِي حِينِ أَنَّ إِخْفَاءَ الصَّدَقَاتِ خَيْرٌ مِنْ إِبْدَائِهَا، فَإِنَّ إِظْهَارَ الصَّلَاةِ (كَإِقَامَتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ) خَيْرٌ مِنْ إِخْفَائِهَا (كَإِقَامَتِهَا فِي الْبُيُوتِ). فَزَعَمْنَا الظَّنَّ حِينَئِذٍ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا:
1. أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
2. أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي جَاءَ وَصْفُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ:
وَفَهِمْنَا ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: جَاءَ وَصْفُ الصَّلَاةِ (مِنْ دُونِ الْعِبَادَاتِ جَمِيعًا) عَلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ بِالرَّغْمِ أَنَّهَا (رُبَّمَا) لَا تَتَطَلَّبُ وَقْتًا وَجُهْدًا لِإِنْجَازِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) بِزَمَنٍ مُحَدَّدٍ (كِتَابًا مَّوْقُوتًا). فَالْعَمَلُ (أَيُّ عَمَلٍ) لَا يُعْتَبَرُ – بِرَأْيِنَا- كَبِيرًا إِلَّا إِذَا مَا كَانَ إِنْجَازُهُ يَتَطَلَّبُ الِالْتِزَامَ بِمَوَاعِيدَ مُحَدَّدَةٍ وَثَابِتَةٍ. فَلَوْ أَنْتَ عَمِلْتَ فِي وَظِيفَةٍ مُحَدَّدَةٍ، وَلَوْ أَنَّهُ طُلِبَ مِنْكَ إِنْجَازُ عَمَلٍ مُحَدَّدٍ، فَإِنَّ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ وَأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ لَا يَكُونُ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَكَ إِلَّا إِذَا كَانَ يَتَطَلَّبُ مِنْكَ الْقِيَامُ بِهِ الْحُضُورَ وَالْمُغَادَرَةَ فِي أَوْقَاتٍ ثَابِتَةٍ مُحَدَّدَةٍ. فَمَهْمَا كَانَ الْعَمَلُ شَاقًّا، لَا يَكُونُ كَبِيرًا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ مَتَى شَاءَ، وَلَكِنَّهُ يُصْبِحُ كَبِيرًا إِذَا تَحَدَّدَ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ فِي وَقْتٍ مُحَدَّدٍ (كِتَابًا مَّوْقُوتًا).
مِثَالٌ: تَخَيَّلْ أَنَّكَ مَحْكُومٌ عَلَيْكَ بِالْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ فِي مَرْكَزٍ أَمْنِيٍّ، أَلَا يَتَوَجَّبُ عَلَيْكَ الْحُضُورُ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ لِلتَّوْقِيعِ وَإِثْبَاتِ وُجُودِكَ؟ أَلَا يُطْلَبُ مِنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ أَنْ يُثْبِتَ وُجُودَهُ فِي الْمَرْكَزِ الْأَمْنِيِّ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ مَثَلًا؟ فَكَمْ مِنَ الْوَقْتِ تَحْتَاجُ لِإِثْبَاتِ وُجُودِكَ فِي الْمَرْكَزِ الْأَمْنِيِّ؟ أَلَا تَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ (رُبَّمَا لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ بِضْعَةِ دَقَائِقَ لِلتَّوْقِيعِ ثُمَّ الِانْصِرَافِ فِي الْحَالِ)؟ لَكِنْ، أَلَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ مَشَقَّةً فِي ذَلِكَ؟ أَلَا يَكُونُ هَذَا الْعَمَلُ كَبِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَهُ بِالرَّغْمِ أَنَّهُ لَا يَتَطَلَّبُ الْوَقْتَ وَالْجُهْدَ الْكَبِيرَيْنِ؟
جَوَابٌ: نَعَمْ، هُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّكَ مُضْطَرٌّ أَنْ تَتَفَرَّغَ لِهَذَا الْعَمَلِ بِالرَّغْمِ عَنِ الْمُعِيقَاتِ جَمِيعًا. فَمَهْمَا كَانَ الظَّرْفُ الَّذِي تَمُرُّ بِهِ، وَمَهْمَا كَانَ الشَّاغِلُ الَّذِي قَدْ يَحْجِزُكَ، إِلَّا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَ كُلَّ الْأَعْمَالِ الْأُخْرَى لِلْحُضُورِ لِلْمَرْكَزِ الْأَمْنِيِّ لِبِضْعِ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ مِنْ أَجْلِ إِثْبَاتِ وُجُودِكَ. فَتُصْبِحُ الدُّنْيَا كُلُّهَا (عَلَى اتِّسَاعِهَا) وَيَكَأَنَّهَا سِجْنٌ مَفْتُوحٌ بِالنِّسْبَةِ لَكْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فِعْلًا كَبِيرَةٌ (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ مَفْرُوضَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ، وَجَبَ الِالْتِزَامُ بِهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، فَتُصْبِحُ هَذِهِ الْعِبَادَةُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ كَبِيرَةً، لِأَنَّهَا تَتَطَلَّبُ مِنْكَ التَّفَرُّغَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمُحَدَّدَةِ مَهْمَا كَانَ الشَّاغِلُ الَّذِي قَدْ يَحْجِزُكَ عَنْهَا حِينَئِذٍ. فَلَوْ أَنْتَ كُنْتَ فِي وَسَطِ الْقِيَامِ بِأَيِّ عَمَلٍ، وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَتْرُكَ كُلَّ شَيْءٍ لِتَتَفَرَّغَ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ (كَعِبَادَةٍ) هِيَ بِمَثَابَةِ الْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ (مِنَ السَّمَاءِ) عَلَى الْإِنْسَانِ الْمُؤْمِنِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي سَيَحْصُلُ لَوْ أَنَّكَ لَمْ تُقِمِ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ الَّذِي يَحْصُلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُشَابِهٌ تَمَامًا لِمَا قَدْ يَحْصُلُ لَوْ أَنَّ الشَّخْصَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الْمَرْكَزِ الْأَمْنِيِّ لِلتَّوْقِيعِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَعْلَمُ بِأَنَّهُ لَوْ تَخَلَّفَ الشَّخْصُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ عَنِ الْحُضُورِ لِلْمَرْكَزِ الْأَمْنِيِّ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِإِثْبَاتِ وُجُودِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ، لَرُبَّمَا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْعُقُوبَةِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ غِيَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، لَدُقَّتْ أَجْهِزَةُ الْإِنْذَارِ الَّتِي تُطَالِبُ بِجَلْبِهِ عَلَى الْفَوْرِ مَهْمَا كَانَ السَّبَبُ الَّذِي مَنَعَهُ عَنِ الْحُضُورْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَحْصُلُ فِي حَالَةِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: يُفْتَحُ فِي السَّمَاءِ كِتَابٌ خَاصٌّ لِكُلِّ شَخْصٍ مُؤْمِنٍ بِرَبِّهِ، وَيُوجَدُ فِي هَذَا الْكِتَابِ خَمْسُ مُرَبَّعَاتٍ لِلتَّوْقِيعِ فِيهَا (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وَهِيَ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:
| النهار | الوسطى | الليل |
|---|---|---|
| طرف النهار الأول: الظهر | زلفا من الليل (الصلاة الوسطى) المغرب | غسق الليل (العشاء) |
| طرف النهار الثاني: العصر | لدلوك الشمس (الفجر) |
فَإِذَا مَا حَضَرَ الشَّخْصُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا، يَكُونُ قَدْ أَقْفَلَ الْمُرَبَّعَ الْأَوَّلَ بِالتَّوْقِيعِ فِيهِ، وَهَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَتَكُونُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ كِتَابًا مَوْقُوتًا:
وَلَكِنْ إِذَا تَخَلَّفَ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْحُضُورِ لِصَلَاةٍ مُحَدَّدَةٍ فِي وَقْتِهَا، بَقِيَ ذَاكَ الْمُرَبَّعُ مَفْتُوحًا (شَاغِرًا)، إِيذَانًا بِالْإِبْلَاغِ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَإِذَا مَا تَكَرَّرَ غِيَابُ الْمُؤْمِنِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ أَجْهِزَةَ الْإِنْذَارِ فِي السَّمَاءِ تُقْرَعُ كُلُّهَا لِلتَّبْلِيغِ عَنْهُ، فَتَنْطَلِقُ الرِّسَالَةُ مِنَ السَّمَاءِ مُدَوِّيَةً بِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ هُوَ كَمَنْ يَفِرُّ مِنْ وَجْهِ الْعَدَالَةِ، وَرُبَّمَا يَصْدُرُ الْأَمْرُ بِإِحْضَارِهِ عَنْوَةً مَهْمَا كَانَ الْمَانِعُ الَّذِي يُعِيقُهْ.
فَتَخَيَّلْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - مَا الَّذِي يَحْدُثُ عِنْدَمَا تَسْمَعُ الْمُنَادِيَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَائِلًا (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) ثُمَّ تُفَضِّلُ النَّوْمَ فِي فِرَاشِكَ الدَّافِئِ عَلَى الْقِيَامِ لِلذَّهَابِ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا! لَعَلِّي لَا أَتَرَدَّدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ بِأَنَّ أَجْهِزَةَ الْإِنْذَارِ فِي السَّمَاءِ تَدُقُّ كُلُّهَا لِتُعْلِنَ تَخَلُّفَكَ عَنِ الْحُضُورِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ، وَأَنَّ رِسَالَةً قَدِ انْطَلَقَتْ مِنَ السَّمَاءِ مَفَادُهَا أَنَّكَ فَارٌّ مِنْ وَجْهِ الْعَدَالَةِ فِي السَّمَاءِ. وَلَا أَتَرَدَّدُ بِأَنْ أَقُولَ لَكَ بِأَنَّ هَذِهِ الْخَانَةَ الَّتِي لَمْ تَحْضُرْ لِلتَّوْقِيعِ فِيهَا سَتَظَلُّ شَاغِرَةً وَمَفْتُوحَةً حَتَّى تُؤَدِّيَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَاللَّهُ وَحْدَهُ يَعْلَمُ أَيْنَ وَكَيْفَ سَتُؤَدِّيهَا هُنَاكَ). لِذَا، كَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ كَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونْ:
لِذَا، لَا أَتَرَدَّدُ أَنْ أَنْصَحَ نَفْسِي أَوَّلًا، ثُمَّ أَنْصَحَكَ بَعْدَ ذَلِكَ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنْ لَا تَتَلَكَّأَ بِأَنْ تُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مَهْمَا كَانَ الْمَانِعُ الَّذِي قَدْ يَشْغَلُكَ عَنْهَا. وَأَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا (إِنْ فَهِمُوا الْغَايَةَ مِنْهَا) هُمْ فَقَطْ مَنْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَنْ يُلَاقُوا رَبَّهُمْ وَأَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهْ.
وَهُنَا أَجِدُ لِزَامًا أَنْ أُسَطِّرَ الِافْتِرَاءَاتِ الْخَطِيرَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي هِيَ لَا شَكَّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِي:
الِافْتِرَاءُ: مَادَامَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، فَإِنَّ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانْ:
1. أَنْ يُتَقَبَّلَ تَأْدِيَتُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، فَإِذَا مَا فَاتَتْكَ صَلَاةٌ مَا فِي وَقْتِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَسُدُّ عَنْ ذَلِكَ تَأْدِيَتُهَا فِي وَقْتٍ آخَرْ.
2. لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ مَهْمَا كَانَ السَّبَبْ.
الدَّلِيلُ
عِنْدَمَا جَاءَ تَشْرِيعُ الصِّيَامِ، كَانَ هُنَاكَ رُخْصَةٌ وَاضِحَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تَصُومَ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ لِمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ فِي الْيَوْمِ الْمُحَدَّدِ، فَقَالَ تَعَالَى:
فَعَدَمُ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى الصِّيَامِ فِي شَهْرٍ مِنْ أَشْهُرِ رَمَضَانَ يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ بِدَلِيلِ اللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر)، وَلَا نَجِدُ مِثْلَ هَذَا التَّشْرِيعِ وَارِدًا فِي حَقِّ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا. فَمَا فَاتَ مِنْ صَلَاتِكَ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) إِلَّا بِالِاسْتِغْفَارْ:
أَمَّا بِخُصُوصِ الْجَمْعِ فِي الصَّلَاةِ لِعَارِضِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ، فَلَا نَجِدُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَبِالرَّغْمِ أَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ جَاءَتْ لِقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ الْخَوْفِ وَاضِحَةً وَصَرِيحَةً فِي كِتَابِ اللَّهْ:
إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوجَدُ دَلِيلٌ مِثْلُ هَذَا عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ لِمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا. وَلَا يَجِبُ أَنْ نَنْسَى أَنَّ مُفْرَدَةَ "الْجَمْعِ" قَدْ وَرَدَتْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ مُمْكِنًا، لَرُبَّمَا جَاءَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا.....
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْخَوْفْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2) لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مَهْمَا كَانَ السَّبَبْ.
وَمَادَامَ أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ هِيَ عَمَلٌ مُحَدَّدٌ بِوَقْتِهِ، وَمَادَامَ أَنَّهَا تُمَثِّلُ الْإِقَامَةَ الْجَبْرِيَّةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِهَدَفِ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ فَلَا يَعْبُدُ إِلَهٌ آخَرُ مِنْ دُونِهِ، وَجَبَ الِالْتِزَامُ فِيهِ بِشَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا،
1. الِاغْتِسَالُ لِلصَّلَاةِ (أَوْ مَا يُسَمَّى بِالْوُضُوءِ).
2. الِالْتِزَامُ بِالدَّوْرِ.
[باب: الاغتسال للصلاة (الوضوء)]
جَاءَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:
لِتَشْتَرِطَ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ بِفِعْلٍ مُحَدَّدٍ فِي ثَلَاثِ حَالَاتٍ هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
1. فِي الْحَالَةِ الْعَادِيَّةِ حَيْثُ يَتَوَجَّبُ فِيهَا الْغُسْلُ: فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ.
2. فِي حَالَةِ الْجَنَابَةِ حَيْثُ يَتَوَجَّبُ فِيهَا التَّطَهُّرُ: وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ.
3. فِي حَالَةِ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَاءِ حَيْثُ يَتَوَجَّبُ فِيهَا التَّيَمُّمُ: وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْسَ الْحَرَجُ (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)، وَإِنَّمَا الظَّفَرُ بِالطَّهَارَةِ (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا يَتَوَجَّبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ "الْغُسْلُ" (أَوْ مَا يُسَمَّى بِالْوُضُوءِ) فِي الْأَوْضَاعِ الطَّبِيعِيَّةِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ)؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا نَحْنُ نَسْأَلُ: مَا فَائِدَةُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ تَتَطَلَّبُ طَرْحَ سُؤَالٍ آخَرَ هُوَ: لِمَ نَغْسِلُ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ الظَّاهِرَةَ مِنْ جَسَدِنَا (وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرَّأْسُ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) عِنْدَمَا نُرِيدُ الْقِيَامَ لِلصَّلَاةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بَعِيدًا عَنِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي وَصَلَتْنَا مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ، فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ تَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأَعْضَاءُ الْبَارِزَةُ الْمُحَدِّدَةُ لِجِسْمِ الْإِنْسَانِ كُلِّهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، فَالرَّأْسُ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يُحَدِّدُ جِسْمَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَعْلَى، وَالرِّجْلَانِ هُمَا اللَّتَانِ تُحَدِّدَانِ أَطْرَافَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَالْيَدَانِ هُمَا اللَّتَانِ تُحَدِّدَانِ أَطْرَافَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْجَوَانِبِ، وَالْوَجْهُ هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ طَرَفَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَمَامِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ طَرَفِهِ مِنَ الْخَلْفِ أَوْ الْوَرَاءِ، وَبِذَلِكَ تَتَحَدَّدُ أَطْرَافُ الْإِنْسَانِ مِنْ كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِمَسْأَلَةِ غَسْلِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ (أَيِ الْأَطْرَافِ) عِنْدَمَا نُرِيدُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّسَاؤُلِ (كَمَا نُحَاوِلُ تَسْطِيرَهَا) يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهَا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِي:
السُّؤَالُ: وَمَا عَلَاقَةُ هَذِهِ الْآيَةِ بِغَسْلِ الصَّلَاةِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ النُّورِ الَّذِي تَلْبَسُهُ عَلَى أَطْرَافِ جِسْمِكَ مِنْ جَمِيعِ الِاتِّجَاهَاتِ، لِتَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الظَّلَامِ الرَّهِيبِ الَّذِي سَيَسُودُ عِنْدَمَا يَجْمَعُ اللَّهُ الْجَمِيعَ لِلْحِسَابْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: عِنْدَمَا يَقُومُ النَّاسُ جَمِيعًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، سَتَكُونُ الْأَرْضُ الَّتِي بُدِّلَتْ غَيْرَ الْأَرْضِ مُظْلِمَةً تَمَامًا:
وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ قَدْ جُمِعَا:
فَيَسُودُ الظَّلَامُ التَّامُّ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَلَمَّسَ طَرِيقَهُ أَوْ أَنْ يَرَى مَا حَوْلَهُ، وَيَبْرُزُ فِي هَذَا الظَّلَامِ الْحَالِكِ نُورٌ وَاحِدٌ تَتَرَاوَحُ دَرَجَاتُ إِضَاءَتِهِ: وَهُوَ نُورُ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْعَى نُورُهُ بِأَيْدِيهِمْ وَإِيمَانِهِمْ:
فَتَبِينُ مِنْ بَيْنِ كُلِّ ذَلِكَ الظَّلَامِ مَلَامِحٌ مُحَدَّدَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فَتَتَحَدَّدُ أَطْرَافُهُمْ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الَّذِي جَلَبُوهُ مَعَهُمْ مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَمَا سَيَأْتِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ عِنْدَمَا يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ أَنْ يَلْتَمِسُوا شَيْئًا مِنْ نُورِهِمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ بِأَنْ يَرْجِعُوا وَرَاءَهُمْ لِيَلْتَمِسُوا نُورًا:
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ يُضْرَبُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ بِسُورٍ (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ)، فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ بِرَبِّهِمْ (وَهُمُ الْمُصَلُّونَ الَّذِينَ اكْتَسَبَتْ أَطْرَافُهُمْ جَمِيعُهَا نُورًا بِمَا أَسْبَغُوا عَلَيْهَا مِنْ مَاءِ غُسْلِ الْوُضُوءِ) مِنْ دَاخِلِ بَابِ ذَلِكَ السُّورِ حَيْثُ الرَّحْمَةُ (لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ)، وَيَبْقَى الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ خَارِجَهُ حَيْثُ الْعَذَابُ الْمُرْتَقَبُ (وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ).
وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ يُطْلَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَابِعِينَ خَارِجَ الْبَابِ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ لِلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا يُطْلَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: أَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ السُّجُودِ؟ أَلَمْ تَكْشِفْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَتْ سُلَيْمَانَ عَنْ سَاقَيْهَا عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ؟
أَلَمْ تَكُنْ وَقَوْمُهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟
أَلَيْسَ السُّجُودُ فَقَطْ لِلَّهِ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَةَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ: بَابُ السُّجُودِ)
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ (وَيَمْسَحُ عَلَى) أَطْرَافِ جِسْمِهِ الظَّاهِرَةِ (الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) عِنْدَمَا كَانَ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، هُوَ فَقَطْ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكْتَسِبَ ذَلِكَ النُّورَ الَّذِي سَيَسْتَفِيدُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ الرَّهِيبَةِ، وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ حَتَّى تُشْرِقَ الْأَرْضُ كُلُّهَا بِنُورِ رَبِّهَا:
فِي الْفَتْرَةِ الَّتِي تَسْبِقُ مَجِيءَ الرَّبِّ بِنَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ الْحِسَابِ، لَا يَكُونُ هُنَاكَ نُورٌ يُمْكِنُ أَنْ يُلْتَمَسَ إِلَّا نُورُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي يَسْعَي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ:
وَيَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ عَلَامَاتِ الْبُشْرَى لَهُمْ بِالْجَنَّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارْ.
رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ: عَزِيزِي الْقَارِئَ الْكَرِيمَ، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ، فَاحْرِصْ عَلَى الْغُسْلِ عِنْدَمَا تُرِيدُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ شَحْنِ أَطْرَافِ جِسْمِكَ بِالطَّاقَةِ "الضَّوْئِيَّةِ" الَّتِي سَتَسْتَفِيدُ مِنْهَا يَوْمَ يَسُودُ الظَّلَامُ الْحَالِكُ عِنْدَمَا يَقُومُ النَّاسُ جَمِيعًا لِرَبِّ الْعَالَمِينْ:
فَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، سَيُخْسَفُ الْقَمَرُ وَسَيُجْمَعُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَسَتَنْعَدِمُ مَصَادِرُ الْإِضَاءَةِ كُلُّهَا، عِنْدَهَا سَيَقُولُ الْإِنْسَانُ (أَيْنَ الْمَفَرُّ). فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ الرَّهِيبِ، لَنْ يَنْفَعَكَ فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ الْحَالِكَةِ إِلَّا نُورٌ وَاحِدٌ تَكُونُ قَدْ جَلَبْتَهُ مَعَكَ، إِنَّهُ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ (أَيِ الْوُضُوءُ)، فَكُلَّمَا أَصْبَغْتَ وُضُوءَكَ وَكُلَّمَا أَتْقَنْتَهُ أَكْثَرَ، كُلَّمَا شَحَنْتَ أَطْرَافَ جِسْمِكَ بِالطَّاقَةِ الَّتِي سَتُنِيرُهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَجْمُوعِ لَهُ النَّاسْ.
لَفْتَةٌ مُهِمَّةٌ: وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الِاغْتِسَالِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّفْظَ هُوَ "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ"، لِيَكُونَ سُؤَالُنَا عَلَى عَجَلٍ هُنَا هُوَ عَنِ الْغَايَةِ مِنْ وُجُودِ حَرْفِ الْجَرِّ إِلَى فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ. أَلَيْسَ مِنَ الْمُتَوَقَّعِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَلَى نَحْوِ "إِذَا قُمْتُمْ لِلصَّلَاةِ" مَثَلًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
انْظُرِ الْمُقَابَلَةَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فِي الْجَدْوَلِ التَّالِي:
| فعل الشرط | جواب الشرط | |
|---|---|---|
| المناداة | إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ | فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ |
| الاغتسال | إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ | فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ |
السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى: لِمَاذَا جَاءَ اللَّفْظُ فِي حَالَةِ الْمُنَادَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِاسْتِخْدَامِ حَرْفِ الْجَرِّ (لـ) بَيْنَمَا جَاءَ اللَّفْظُ فِي حَالَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِاسْتِخْدَامِ حَرْفِ الْجَرِّ (إِلَى)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): لَمَّا كَانَ السَّعْيُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَتَرْكُ الْبَيْعِ وَاجِبًا فِي كُلِّ مُنَادَاةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، جَاءَ اللَّفْظُ بِاسْتِخْدَامِ حَرْفِ الْجَرِّ (لـ). فَأَنْتَ مَأْمُورٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ تَسْعَى لِذِكْرِ اللَّهِ وَأَنْ تَتْرُكَ الْبَيْعَ كُلَّمَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): لَمَّا كَانَ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) غَيْرَ وَاجِبَةٍ فِي كُلِّ إِقَامَةِ صَلَاةٍ، جَاءَ اللَّفْظُ بِاسْتِخْدَامِ حَرْفِ الْجَرِّ (إِلَى). فَأَنْتَ لَسْتَ مَأْمُورٌ بِأَنْ تَغْسِلَ وَجْهَكَ يَدَيْكَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَوَجْهَكَ وَتَمْسَحَ بِرَأْسِكَ وَتَغْسِلَ رِجْلَيْكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُقِيمُ فِيهَا الصَّلَاةَ.
السُّؤَالُ: مَاذَا لَوْ كَانَ اللَّفْظُ عَلَى النَّحْوِ "إِذَا قُمْتُمْ لِلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا"؟ أَيْ مَاذَا لَوْ اسْتُخْدِمَ حَرْفُ الْجَرِّ (لـ) بَدَلًا مِنْ (إِلَى) فِي حَالَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ لَوْ جَاءَ اللَّفْظُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، لَوَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَغْسِلَ وَجْهَكَ يَدَيْكَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَأَنْ تَمْسَحَ بِرَأْسِكَ وَأَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيْكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ مَعَ كُلِّ إِقَامَةِ صَلَاةٍ. وَلَمَا جَازَ لَنَا أَنْ نُقِيمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مَثَلًا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلَمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نُقِيمَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلَمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نُقِيمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلَمَا صَحَّ لَنَا أَنْ نُقِيمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. وَلَأَصْبَحَ لِكُلِّ إِقَامَةِ صَلَاةٍ غُسْلُهَا الْخَاصُّ بِهَا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ هُوَ مَنْ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بِالْغُسْلِ نَفْسِهِ مَادَامَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ، فَيَبْقَى الْمُؤْمِنُ فِي طَهَارَةٍ مَادَامَ أَنَّهُ قَائِمٌ إِلَى صَلَاتِهِ (أَيْ مُحَافِظًا عَلَى غُسْلِهِ).
[باب: الالتزام بالدور]
لَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ بِمَثَابَةِ الْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْعِبَادِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَرْضِ، وَجَبَ الْحُضُورُ لِلتَّوْقِيعِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يَسْتَطِيعُ الْمُؤْمِنُ أَنْ يُقِيمَهَا مُنْفَرِدًا إِذَا أَرَادَ هُوَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ مِنَ الْأَفْضَلِ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- أَنْ يُقِيمَ الْمُؤْمِنُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ رُبَّمَا لِيَشْهَدَ لَهُ الْآخَرُونَ بِذَلِكْ.
السُّؤَالُ: مَاذَا يَتَرَتبُ عَلَى مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ أَنْ يَفْعَلَ؟
رَأْيُنَا: مَادَامَ أَنَّكَ حَضَرْتَ إِلَى مَكَانٍ يَتَوَاجَدُ فِيهِ غَيْرُكَ لِلْقِيَامِ بِالْفِعْلِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ مِنْ أَبْسَطِ السُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي وَجَبَ الِالْتِزَامُ بِهَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) هُوَ الِالْتِزَامُ بِالدَّوْرِ (أَوْ Queue أَوْ Line بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ وَأَيْنَ الدَّوْرُ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ هُنَاكَ مِيزَةً لِمَنْ يَحْضُرُ مُبَكِّرًا إِلَى الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِالتَّوْقِيعِ أَوَّلًا، فَكُلَّمَا كُنْتَ أَقْرَبَ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، كُلَّمَا حَانَ دَوْرُكَ قَبْلَ الْآخَرِينْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَحْصُلُ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفَوْضَى الْعَارِمَةَ هِيَ السُّلُوكُ الْوَاضِحُ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ. وَهَذِهِ الْفَوْضَى وَاضِحَةٌ فِي دُخُولِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ وَاصْطِفَافِهِمْ لِلصَّلَاةِ. وَلَعَلِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَجَرَّأَ – بِنَاءً عَلَى مُشَاهَدَتِي لِسُلُوكِيَّاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسَاجِدِ- عَلَى الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّا التَّالِي: إِنَّ الْفَوْضَى الَّتِي تَعُمُّ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ (مِنْ دُونِ مُعْظَمِ شُعُوبِ الْأَرْضِ الْأُخْرَى) سَبَبُهَا (أَنَا أَفْتَرِي الْقَوْلَ) ثَقَافَةُ الْحُضُورِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلْقِيَامِ بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ. وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الْقَوْلَ أَيْضًا بِأَنَّ هَذِهِ الْفَوْضَى الْعَارِمَةَ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ جُلُّهَا بِسَبَبِ الْخَطَأِ فِي الْفَهْمِ لِمَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِحَدِيثِ الِاسْتِهَامِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))
فَتَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ يُحَاوِلُونَ الْوُصُولَ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ وَقْتِ حُضُورِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ هُوَ آخِرَ الدَّاخِلِينَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا أَنَّهُ يَتَخَطَّى رِقَابَ الْجَمِيعِ بِهَدَفِ الظَّفَرِ بِالْوُقُوفِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ظَانًّا بِأَنَّهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ هُوَ يُطَبِّقُ قَوْلَ رَسُولِهِ هَذَا (إِنْ صَحَّ بِالطَّبْعِ).
رَأْيُنَا: إِنَّ هَذَا الْمُسْلِمَ الَّذِي دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَأَخِّرًا وَحَاوَلَ تَخَطِّيَ رِقَابِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَبَقُوهُ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي لَا يَلْتَزِمُ بِالدَّوْرِ فِي الْمَخْبَزِ وَفِي مَوْقِفِ الْبَاصِ وَمَحَطَّةِ الْقِطَارِ، وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَسْبِقَ الْآخَرِينَ فِي كُلِّ تَصَرُّفَاتِهِ (وَيَكَأَنَّهُ فِي سَاحَةِ مَعْرَكَةٍ مَعَ الْجَمِيعِ)، ظَانًّا أَنَّهُ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَظْفَرُ بِحَقٍّ لَهُ، لَا بَلْ وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ – فِي ظَنِّهِ- هُوَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. فَتَرَى الْمُسْلِمَ (عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ) فَوْضَوِيٌّ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ، لَا يَلْتَزِمُ بِمَوَاعِيدَ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِدَوْرٍ، وَلَا يَنْتَبِهُ لِمَشَاعِرِ الْآخَرِينْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا يَحْصُلُ هَذَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ بِلَادِ غَيْرِهِمْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي وَجَدَ أَنَّ الشَّرْعَ (كَمَا فَهِمَهُ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ مِنْهُمْ) يُبِيحُ لَهُ تَخَطَّى رِقَابِ الْآخَرِينَ فِي الِاصْطِفَافِ لِلصَّلَاةِ جَمَاعَةً، وَالْوُصُولَ إِلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوِ اضْطُرَّ لِلِاسْتِهَامِ (أَيْ رَمْيِ الْآخَرِينَ بِالسِّهَامِ)، أَلَا يَجِدُ أَنَّهُ رُبَّمَا يُشَرَّعُ لَهُ أَيْضًا (حَسَبَ مَنْطِقِهِ غَيْرِ الْمُعْلَنِ بِالطَّبْعِ) أَنْ يَتَخَطَّى "رِقَابَ الْآخَرِينَ" فِي الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ؟ أَلَا تَرَاهُ يَأْكُلُ مَا سَبَقَتْ يَدَاهُ الْآخَرِينَ إِلَيْهِ؟ أَلَا تَرَاهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَخَطَّى "رِقَابَ" زُمَلَائِهِ فِي الْعَمَلِ حَتَّى لَوْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَحَقَّ مِنْهُ فِيهَا؟ وَلَكِنْ هَلْ رَأَيْتَ كَثِيرًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ يُرَاجِعُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَا شَعَرُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَخَذُوا حَقًّا رُبَّمَا يَكُونُ الْآخَرُونَ هُمْ أَصْحَابَهُ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
إِنَّ مَا يَهُمُّنِي فِي هَذَا الطَّرْحِ هُوَ السُّلُوكُ الَّذِي يَغْرِزُهُ هَؤُلَاءِ (بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ) فِي أَذْهَانِ الصِّغَارِ مِنْ أَبْنَائِهِمُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا.
إِنَّ مَا يَهُمُّنِي هُوَ مَا يُعَزِّزُهُ خُطَبَاؤُهُمْ فِي أَذْهَانِ النَّشْءِ مِنْ أَبْنَاءِ لْمُسْلِمِينَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرَوْنَهَا وَلَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثَهَا.
إِنَّ مَا يَهُمُّنِي هُوَ أَنَّ مَا يُغْرَسُ فِي ذِهْنِ الْمُسْلِمِ الصَّغِيرِ مِنْ جَرَّاءِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ "فِي الْمَسَاجِدِ" لَا يُمْكِنُ أَنْ يَمْحُوَهُ التَّعْلِيمُ وَالتَّثْقِيفُ لَاحِقًا. فَكَمْ حَاوَلْتُ فِي حَيَاتِي الْيَوْمِيَّةِ أَنْ أَكُونَ مُنَظَّمًا فَلَا أَعْتَدِي عَلَى الْآخَرِينَ! لَكِنْ لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ، بَاءَتْ مُعْظَمُ مُحَاوَلَاتِي بِالْفَشَلِ، فَهَا أَنَا أُزَاحِمُ النَّاسَ فِي الْمَخْبَزِ وَفِي مَوْقِفِ الْبَاصِ، وَفِي كُلِّ طَابُورٍ حَتَّى فِي السَّيَّارَةِ عَلَى الْإِشَارَةِ الضَّوْئِيَّةِ. وَهَا أَنَا أُزَاحِمُ زُمَلَائِي فِي الْعَمَلِ لِأَخْرُجَ بِمُكْتَسَبَاتٍ رُبَّمَا غَيْرِي هُوَ الْأَحَقُّ بِهَا!
إِنَّ مَا يَهُمُّنِي هُوَ هَلْ فَكَّرْتُ لِلَحْظَةٍ (عِنْدَمَا يُطْلَبُ مِنِّي أَنْ أَقُومَ بِعَمَلٍ مَا لَهُ مَرْدُودٌ مَعْنَوِيٌّ وَمَادِيٌّ فِي وَظِيفَتِي) بِأَنَّ غَيْرِي قَدْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنِّي؟ هَلْ قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَلَا يُمْكِنُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَخَذْتُ حَقَّ غَيْرِي طَمَعًا فِي بَعْضِ الْمَكَاسِبِ وَالْمَغَانِمِ الدُّنْيَوِيَّةِ؟ تَخَيَّلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُفِيدَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ لَوْ أَنَّ كُلًّا مِنَّا تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ لِيُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ حَقَّ غَيْرِهِ؟ أَلَا يُسَاهِمُ ذَلِكَ فِي إِنْهَاءِ الْفَوْضَى الَّتِي تَعُمُّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ؟
مِثَالٌ: عِنْدَمَا يُكَلَّفُ الْوَزِيرُ الْأَوَّلُ (أَوْ رَئِيسُ الْوُزَرَاءِ) بِتَشْكِيلِ طَاقَمِهِ الْوِزَارِيِّ، أَلَا تَعْلُو "زَغَارِيدُ" الْوَالِدَةِ وَالْأُخْتِ وَالزَّوْجَةِ لِمَنْ تَمَّ اخْتِيَارُهُمْ؟ أَلَا تُقَامُ الْحَفَلَاتُ بِالرَّقْصِ وَالْغِنَاءِ فِي مَضَارِبِ آبَاءِ مَنْ وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَيْهِمْ؟ أَلَا تَنْطَلِقُ التَّهَانِي مِنْ كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْبٍ وَبِكُلِّ وَسَائِلِ الِاتِّصَالِ الْجَمَاهِيرِيَّةِ الْمُمْكِنَةِ مِنْ عِنْدِ مَنْ ظَنُّوا بِأَنَّ صَاحِبَهُمْ هَذَا هُوَ مِنْ أَصْحَابِ "الْحَظِّ الْعَظِيمِ"؟ أَلَا يُمْكِنُ تَلْخِيصُ كُلِّ عِبَارَاتِ التَّهَانِي وَالتَّبْرِيكَاتِ الَّتِي أَطْلَقُوهَا فِي قَوْلٍ وَاحِدٍ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ لِسَانَ حَالِهِمْ وَيَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِصَاحِبِ "الْحَظِّ الْعَظِيمِ" بِأَنَّكَ الشَّخْصُ الْمُنَاسِبُ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ؟ لَكِنْ أَلَيْسَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى هَذَا الشَّخْصِ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ: هَلْ فِعْلًا أَنَا الرَّجُلُ الْمُنَاسِبُ (صَاحِبُ الْحَقِّ الشَّرْعِيِّ) فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
لِذَا، يَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي لَابُدَّ مِنْ طَرْحِهِ عَلَى مَسَامِعِ الْجَمِيعِ (وَخَاصَّةً هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ حَظٍّ عَظِيمٍ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، هُوَ: مَاذَا لَوْ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَبْنَاءِ جِلْدَتِكَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْكَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ؟ مَاذَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّكَ قَدْ أَخَذْتَ مَا هُوَ مِنْ حَقِّ غَيْرِكَ؟ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَخَيَّلَ مِقْدَارَ الظُّلْمِ الَّذِي أَوْقَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْفَوْضَى فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْفَوْضَى قَدْ نَشَأَتْ مَعَنَا فِي الْمَسَاجِدِ. فَالَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا وَلَمْ يُفْهِمُوا النَّاسَ فَحْوَى مَا نَقَلُوهُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))
هُمْ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- الْمَسْئُولُونَ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الْفَوْضَى الَّتِي تَعُمُّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، إِنَّهُمْ أَهْلُ الدِّينِ، إِنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعَمَائِمِ السَّوْدَاءِ وَالْبَيْضَاءِ، الَّذِينَ تَنْفَجِرُ حَنَاجِرُهُمْ عَلَى الْمَنَابِرِ، فَيُرَدِّدُونَ مَا لَا يَفْقَهُونْ.
السُّؤَالُ: مَا الْبَدِيلُ عَنْ هَذَا الْوَضْعِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَسُرُّ أَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَهُمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدِّينَ قَدْ حَثَّ عَلَى الْإِسْرَاعِ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلظَّفَرِ بِالدَّوْرِ فِي حَفْلِ التَّوْقِيعِ عَلَى الْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكَ، فَكُلَّمَا حَضَرْتَ مُبَكِّرًا إِلَى الْمَسْجِدِ كُلَّمَا حَانَ دَوْرُكَ أَوَّلًا، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَنْ سَبَقَ (فِي مَعْرَكَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ الَّتِي وَرِثْنَاهَا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ). فَإِذَا حَظَرْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ الْمُؤْمِنَ بِرَبِّكَ لِتَرَى بِأُمِّ عَيْنِكَ مَنْ سَبَقَكَ فِي الْقُدُومِ، وَلَا تُحَاوِلْ أَنْ تَتَخَطَّاهُ، حَاوِلْ أَنْ تُقَدِّمَهُ عَلَى نَفْسِكَ إِنْ وَجَدْتَ أَنَّ الْمَكَانَ يَتَّسِعُ إِلَّا لِأَحَدِكُمَا، لِأَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. وَأَعْلَمْ عَزِيزِي الْقَارِئَ الْمُؤْمِنَ بِرَبِّكَ أَنَّهُ حَتَّى لَوِ اغْتَصَبْتَ حَقَّ صَاحِبِكَ ذَاكَ (لِأَنَّ سَهْمَكَ كَانَ أَمْضَى مِنْ سَهْمِهِ)، لَمَا ضَاعَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَلَمَا تَحَصَّلْتَ أَنْتَ عَلَى الثَّوَابِ. لَا بَلْ سَيَكُونُ لَهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) حَقٌّ فِي رَقَبَتِكَ تَدِينُ لَهُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَرُبَّمَا لَنْ يَتَنَازَلَ لَكَ عَنْهُ بِسُهُولَةٍ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْكَ هُنَاكَ. فَهَلْ لَوْ أَنَّكُمَا تَقَابَلْتُمَا فِي مَحَطَّةِ الْقِطَارِ، وَكَانَ هُوَ مَنْ وَصَلَ قَبْلَكَ وَلَوْ بِلَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَكَانَ الْقِطَارُ لَا يَتَّسِعُ حِينَئِذٍ إِلَّا لِوَاحِدٍ مِنْكُمَا، فَهَلْ لَوْ صَعِدْتَ أَنْتَ فِي عَرَبَةِ الْقِطَارِ عَنْوَةً (لِأَنَّكَ الْأَقْوَى مَثَلًا)، فَهَلْ سَيَتَنَازَلُ لَكَ عَنْ حَقِّهِ هَذَا بِسُهُولَةٍ لَوْ أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْكَ لَاحِقًا؟
وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ سَلْبِيَّاتِ هَذَا السُّلُوكِ الْمَوْرُوثِ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَخْذِ الْحُقُوقِ وَكَفَى، بَلْ كَانَتْ سَبَبًا فِي وُجُودِ الضَّغِينَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَوْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِخْوَانًا. فَكَمِ انْتَابَنِي شُعُورٌ بِالْحَنَقِ عَلَى مَنْ كَانَ يُطِيحُ بِي لِيَأْخُذَ دَوْرِي فِي الطَّابُورِ الْمَدْرَسِيِّ، وَمَنْ نَجَحَ فِي أَخْذِ دَوْرِي فِي طَابُورِ الدَّوَائِرِ الْحُكُومِيَّةِ (غَيْرِ الْمُنْتَظِمِ) الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ، وَفِي أَوْلَوِيَّةِ الْعَمَلِ، وَحَتَّى فِي الْوُقُوفِ لِلصَّلَاةِ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ عَقِيدَتِي فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟
عَقِيدَتِي: كُنْتُ دَائِمًا أَقُولُ فِي نَفْسِي (مُوَجِّهًا الْخِطَابَ إِلَى كُلِّ مَنْ تَعَجَّلَ لِيَأْخُذَ دَوْرِي دُونَ وَجْهِ حَقٍّ دُونَ أَنْ يَسْمَعَنِي) أَنِّي وَاللَّهِ لَنْ أَعْفُوَ عَنْكَ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ حَقٌّ حَتَّى لَوْ أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ قَدْ غَفَرَ لَكَ. فَإِنْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَذَاكَ حَقُّهُ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، فَهُوَ الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، أَمَّا إِنْ أَخَذْتَ أَنْتَ حَقِّي، فَأُقْسِمُ بِرَبِّي الَّذِي أَعْرِفُهُ إِنِّي لَنْ أَتَنَازَلَ لَكَ عَنْهُ بِسُهُولَةٍ؛ فَإِنْ كُنْتُ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَحَصَّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لِضَعْفِ قُدْرَتِي وَقِلَّةِ حِيلَتِي، فَلَنْ أَتَنَازَلَ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ مَادَامَ أَنَّ الظُّلْمَ هُنَاكَ غَيْرُ وَارِدٍ. وَبِالْمُقَابِلِ، فَإِنِّي أُطْلِقُ الدَّعْوَةَ وَاضِحَةً وَصَرِيحَةً لِغَيْرِي بِأَنْ لَا يَسْمَحَ وَأَنْ لَا يَعْفُوَ عَنِّي إِنْ وَجَدَ أَنِّي كُنْتُ قَدْ أَخَذْتُ مِنْهُ حَقًّا هُوَ الْأَجْدَرُ بِهِ. فَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، فَكُنْ عَزِيزِي الْقَارِئَ مُسْتَعِدًّا لِهَذَا الْمَوْقِفِ لِتَأْخُذَ حَقَّكَ مِنْ غَيْرِكَ وَلِتَدْفَعَ مِنْ جَيْبِكَ حَقَّ الْآخَرِينَ الَّذِي أَخَذْتَهُ مِنْهُمْ دُونَ وَجْهِ حَقّْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ النَّشْءُ مِنْ أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْفَهْمَ الْمُفْتَرَى قَدْ أَصْبَحَ جُزْءًا مِنْ عَقِيدَتِهِمْ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي دَخَلُوا الْمَسْجِدَ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ؟ وَمَا الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ هَؤُلَاءِ الصِّغَارُ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْا آبَاءَهُمْ يَفْعَلُونَ هَذَا كُلَّمَا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ؟ وَمَا الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنْغَرِسَ فِي طَبَائِعِهِمْ لَوْ أَنَّ هَذَا مَا أَفْهَمَهُمْ إِيَّاهُ مَنْ تَصَدَّرُوا لِلْخَطَابَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ اللِّحَى الطَّوِيلَةِ وَالثِّيَابِ الْقَصِيرَةِ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
[باب: ما يسمى بصلاة "السنة"]
السُّؤَالُ: لِمَاذَا جَاءَ الْحَثُّ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْمَسَاجِدِ؟ أَيْ لِمَاذَا الْعَلَانِيَةُ فِي الصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنْ إِخْفَائِهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَمَّا كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ (نَحْنُ نَفْهَمُ) بِمَثَابَةِ الْإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِيهَا وَاجِبَةً. فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِكَ بِنِيَّةِ الذَّهَابِ لِلصَّلَاةِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَجِدُهُ فِي طَرِيقِكَ يَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ النَّاسَ الَّذِينَ تُقَابِلُهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْمَسْجِدِ هُمْ بِمَثَابَةِ شُهَدَاءَ لَكَ بِأَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا. لِذَا جَاءَ الْحَثُّ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَكُلَّمَا كَانَ الْمَسْجِدُ أَكْبَرَ (مِنْ حَيْثُ عَدَدِ الْمُصَلِّينَ فِيهِ)، كَانَتِ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ، لَيْسَ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ (كَمَا ظَنَّ أَهْلُ الدِّرَايَةِ مِنْ قَبْلِنَا)، وَلَكِنْ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِتَكْثِيرِ الشُّهَدَاءِ لَكَ بِأَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا. فَهُمْ جَمِيعًا يَشْهَدُونَ لَكَ بِأَنَّكَ قَدْ حَضَرْتَ مَرَاسِمَ التَّوْقِيعِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ. فَلَوْ أَنْتَ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِكَ لِوَحْدِكَ، لَكُنْتَ أَنْتَ نَفْسُكَ (وَرُبَّمَا بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِكَ) هُمُ الشُّهَدَاءُ لَكَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَنْتَ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ، لَشَهِدَ لَكَ أَهْلُ الْحَيِّ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْبَلْدَةِ الرَّئِيسِيِّ، لَشَهِدَ لَكَ أَهْلُ الْبَلْدَةِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَقَمْتَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ الْكَبِيرِ، لَشَهِدَ لَكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَدَّيْتَ الصَّلَاةَ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ، لَشَهِدَ لَكَ كُلُّ الْحَاضِرِينَ هُنَاكَ بِأَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا الْأَفْضَلِيَّةُ لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ بَيْنَمَا الْأَفْضَلِيَّةُ لِصَلَاةِ السُّنَّةِ (كَمَا يَرْغَبُ أَهْلُ الدِّرَايَةِ فِي الْفِكْرِ الدِّينِيِّ الشَّعْبِيِّ أَنْ يُسَمُّونَهَا) فِي الْبَيْتِ مُنْفَرِدًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: سَنُحَاوِلُ الْيَوْمَ التَّعَرُّضَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ الَّتِي عُرِفَتْ بَيْنَ النَّاسِ (بِمَا أَفْهَمَهُمْ إِيَّاهُ أَهْلُ الدِّينِ) بِصَلَاةِ "السُّنَّةِ"، وَسَنَتَعَرَّضُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ لِلتَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةِ:
* مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ؟
* وَمَتَى جَاءَتْ؟
* وَكَيْفَ جَاءَتْ؟
* وَمَا هِيَ أَوْقَاتُهَا؟
* وَكَمْ عَدَدُ رَكَعَاتِهَا؟
* وَلِمَاذَا جَاءَ الْحَثُّ عَلَى إِقَامَتِهَا فِي الْبَيْتِ؟
* وَلِمَاذَا لَا تُؤَدَّى فِي جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ؟
* وَلِمَاذَا جَاءَ الْحَثُّ عَلَيْهَا كَصَلَاةٍ فَرْدِيَّةٍ (لَيْسَتْ جَمَاعِيَّةً) فِي الْبَيْتِ؟
* وَهَلْ هَذِهِ فِعْلًا تَشْرِيعَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لَهَا أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟
* وَهَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ نَافِلَةٌ؟
* إِلَخْ.
لَعَلِّي بِحَاجَةٍ فِي الْبِدَايَةِ أَنْ أَلْفِتَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ إِلَى أَنَّنِي سَأَتَجَرَّأُ (بَعْدَ قَلِيلٍ) عَلَى افْتِرَاءَاتٍ رُبَّمَا غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ فِي الْفِكْرِ الدِّينِيِّ، لِذَا أَعُودُ إِلَى تَأْكِيدِ الْفِكْرَةِ ذَاتِهَا الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ مَا سَأَقُولُهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ قَوْلِ الْبَشَرِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِالْخَطَأِ وَالنَّقْصِ، لِذَا فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّصْوِيبِ دَائِمًا، فَإِنْ أَنْتَ وَجَدْتَ الدَّلِيلَ الَّذِي يَنْقُضُ مَا سَنَفْتَرِيهِ مِنْ قَوْلٍ، فَلَا تَتَرَدَّدْ أَنْ تَضْرِبَ بِقَوْلِنَا هَذَا كُلِّهِ عَرْضَ الْحَائِطِ، أَوْ أَنْ تُلْقِيَ بِهِ فِي سَلَّةِ الْمُهْمَلَاتِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَكَانُهُ الصَّحِيحُ إِنْ ثَبَتَ بُطْلَانُهُ. لَكِنْ إِنْ لَمْ تَجِدْ دَلِيلًا يَنْقُضُ قَوْلَنَا هَذَا، فَإِنَّنَا نَحْتَكِمُ جَمِيعًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَدْعُوهُ أَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ
أَمَّا بَعْدُ،
دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ بِالِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّا التَّالِي: لَيْسَ هُنَاكَ فِي الدِّينِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى بِسُنَّةِ مُحَمَّدٍ. انْتَهَى.
لِذَا، نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ يَفْعَلُهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَشْرِيعٌ إِلَهِيٌّ، وَجَبَ عَلَى مُحَمَّدٍ تِبْيَانُهُ لِلنَّاسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَا يَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيْهْ:
وَلَا يَنْطَبِقُ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ مُحَمَّدٍ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهْ:
لِذَا، فَإِنَّ كُلَّ فِعْلٍ قَامَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكُلَّ قَوْلٍ نَطَقَ بِهِ مُحَمَّدٌ، لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِتِّبَاعٌ لِمَا كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ وَمَاذَا عَنْ مَا تَنَاقَلَهُ الْفِكْرُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى مَدَى قُرُونٍ مِنَ الزَّمَنِ تَحْتَ مُسَمَّى "السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ"؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِدَايَةً أَنَّ مُفْرَدَةَ "السُّنَّةِ" لَمْ تَرِدْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ مُصَاحِبَةً لِمُحَمَّدٍ إِطْلَاقًا. وَلَكِنَّهَا جَاءَتْ فِي كُلِّ سِيَاقَاتِهَا الْقُرْآنِيَّةِ لِتُؤَكِّدَ أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ نَفْسِهِ، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: إِنَّ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ (وَجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ مِنْ قَبْلِهِ) هِيَ سُنَّةُ اللَّهِ نَفْسِهِ. فَمُحَمَّدٌ (وَكُلُّ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ) لَا يُشَرِّعُ لِلنَّاسِ إِلَّا مَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ:
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْكَ، وَأَدْعُوكَ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُتَّبِعِينْ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرْ – آمِينْ)
وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الْقَوْلَ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ بَيْنَ مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاؤُنَا الْأَجِلَّاءُ بِالْفَرْضِ وَمَا يُسَمُّونَهُ بِالسُّنَّةِ كَانَ التَّخْرِيبَ الْأَكْبَرَ الَّذِي دَخَلَ فِي هَذَا الدِّينْ، وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا الْفَصْلَ بَيْنَ مَا جَاءَنَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا بَيَّنَهُ لَنَا رَسُولُهُ الْكَرِيمُ كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ وَاضِحًا: وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهْ:
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ هُنَاكَ تَشْرِيعٌ قَامَ بِهِ مُحَمَّدْ، وَهُنَاكَ تَشْرِيعٌ جَاءَنَا مِنْ عِنْدِ اللَّهْ، لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ – بِرَأْيِنَا- أَكْثَرَ مِنْ عَقِيدَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَهُمُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهْ.
شهادة مفتراة (2): اللهم أشهدك بأني أؤمن يقينا بأن محمدا لم يكن إلا متبعا لما أُوحي إليه.
شهادة مفتراة (3): اللهم أشهدك بأني على العقيدة التي مفادها أنّ السنّة هي سنتك التي لا نجد لها تبديلا ولا نجد لها تحويلا.
نتيجة مفتراة مهمة جدا وخطيرة جدا: السنّة هي سنّة الله وليست سنّة محمد. انتهى.
[مفارقات مضحكة مبكية: رحلة الإسراء والمعراج والصلاة]
جَاءَنَا فِي الْأَثَرِ أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي الْمِعْرَاجْ، وَجَاءَنَا فِي ذَلِكَ الْأَثَرِ (الْخَيَالِيِّ) بِأَنَّهَا قَدِ ابْتَدَأَتْ بِخَمْسِينَ صَلَاةْ، فَعَادَ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ (كَمَا تُصَوِّرُهُ الرِّوَايَةُ) مَأْمُورًا بِخَمْسِينَ صَلَاةْ، وَمَا أَنْ وَصَلَ عِنْدَ مُوسَى حَتَّى نَصَحَهُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى رَبِّهِ لِيُخَفِّفَ عَنْهْ، فَفَعَلْ، فَبَدَأَتْ "رِحْلَةُ الْمُسَاوَمَاتِ الْمَكُّوكِيَّةِ" – كَمَا قَرَأْنَاهَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَكَمَا سَمِعْنَاهَا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ عَلَى مَنَابِرِ الْخَطَابَةِ وَشَاشَاتِ الشُّهْرَةِ الْجَمَاهِيرِيَّةِ- فِي التَّخْفِيفِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةْ، وَهُنَاكَ اسْتَحَى نَبِيُّنَا الْكَرِيمُ (كَمَا تُصَوِّرُهُ تِلْكَ الرِّوَايَةُ) أَنْ يَعُودَ مَرَّةً أُخْرَى لِيَطْلُبَ تَخْفِيفًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكْ. أَلَيْسَ هَذَا – يَا سَادَة- مَا نَخَرَهُ مُعَلِّمُو الدِّينِ فِي رُؤُوسِنَا فِي الْمَدْرَسَةِ وَثَبَّتَهُ خُطَبَاءُ الْمَنَابِرِ وَشَاشَاتِ التَّلْفَزَةِ الْمُفَوَّهِينَ فِي عُقُولِنَا؟
مَا يُرْبِكُنَا: إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ بَذَلَ جُهْدًا لِكَيْ يُخَفِّفَ عَنَّا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ (كَمَا نَقَلُوا لَنَا فِي مُؤَلَّفَاتِهِمْ)، فَنَجَحَ فِي تَقْلِيصِهَا إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ بَدَلًا مِنْ خَمْسِينَ (كَمَا أَقْنَعُونَا فِي وَاقِعِهِمْ)، رَأْفَةً بِأُمَّتِهِ الَّتِي قَدْ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ (كَمَا عَبَّرَتْ لَنَا عَنْ ذَلِكَ مَشَاعِرُهُمْ)، فَمَا بَالُهُ يَعُودُ مِنْ هُنَاكَ "لِيَسْتَنَّ" لَنَا زِيَادَةً فِي تِلْكَ الصَّلَوَاتِ (كَمَا كَذَبَتْ عَلَيْنَا أَلْسِنَتُهُمْ)؟!
السُّؤَالْ: مَادَامَ أَنَّهُ قَدْ كَافَحَ مِنْ أَجْلِ التَّخْفِيفْ، فَلِمَ يَعُودُ لِيُثْقِلَ كَاهِلَنَا بِصَلَاةٍ مِنْ عِنْدِهِ تُسَمَّى صَلَاةَ السُّنَّةِ غَيْرَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ (إِنْ صَحَّ مَا نَقَلَهُ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ)؟ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُمْ ذَاكَ يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا؟ مَنْ يَدْرِي؟!
فَمُحَمَّدٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) لَمْ يَكُنْ إِلَّا رَسُولًا مُتَّبِعًا لِمَا يُوحَى إِلَيْهْ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الصِّيَامِ أَوْ فِي الزَّكَاةِ أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ فِي أَيِّ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينْ:
الْحَبْكَة: كَفَاكَ فَلْسَفَةْ، مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَقُولَهْ؟ يَرُدُّ صَاحِبُنَا وَقَدِ اسْتَشَاطَ غَضَبًا عَلَى إِرْثِ آبَائِهِ الَّذِي سَيَنْهَارُ أَمَامَ نَاظِرَيْهِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) قَرِيبًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهْ.
جَوَابْ: نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ (أَوْ مَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ) هُوَ تَشْرِيعٌ رَبَّانِيٌّ لَا دَخْلَ لِمُحَمَّدٍ فِيهْ.
السُّؤَالْ: إِنْ صَحَّ مَا تَقُولْ، فَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا يُسَمَّى بِصَلَاةِ السُّنَّةِ هِيَ تَشْرِيعٌ إِلَهِيٌّ لَمْ يَكُنْ لِمُحَمَّدٍ دَخْلٌ فِيهْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: دَعْنَا نُطَبِّقُ هَذَا الْمَنْطِقَ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فِي فِعْلِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا، ثُمَّ نَنْظُرُ مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ لَاحِقًا.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ ذَلِكَ فِي حَالَةِ فِعْلِ الصَّلَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: افْتَرَيْنَا الْقَوْلَ سَابِقًا أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ (الْمَفْرُوضَةَ) قَدْ وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَحْتَ مُسَمَّى "إِقَامَةِ الصَّلَاةِ" فِي الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُحَدِّدَانِ (كَمَا نَفْهَمُهُمَا) أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ الْخَمْسَةِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةْ:
فَحَدَّدَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الْأُولَى صَلَاتَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا صَلَاةُ الْفَجْرِ (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وَصَلَاةُ الْعِشَاءِ (غَسَقِ اللَّيْلِ)، وَحَدَّدَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الثَّانِيَةُ أَوْقَاتَ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ وَهِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ (طَرَفَيِ النَّهَارِ) وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ (وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ).
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْكَبِيرُ الْآنْ: أَيْنَ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي يَرْغَبُ عُلَمَاؤُنَا الْأَجِلَّاءُ تَسْمِيَتَهَا بِصَلَاةِ "السُّنَّةِ"، وَالَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةٌ بِفِعْلِ النَّبِيِّ نَفْسِهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ قَدْ جَاءَ تَفْصِيلُهَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
لِنَطْرَحَ عَلَيْكَ بَعْدَ ذَلِكَ سُؤَالًا مُحَدَّدًا، أَلَا وَهُوَ: لِمَاذَا طَلَبَ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبْ؟ وَمَاذَا لَوْ قُمْتُ أَنَا بِالتَّسْبِيحِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بِالرَّغْمِ أَنَّ الطَّلَبَ جَاءَ أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)؟ هَلْ يَعِيبُ اللَّهُ عَلَيَّ ذَلِكْ؟ ثُمَّ، أَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّي مَتَى مَا أَشَاءْ؟ وَمَاذَا لَوْ سَبَّحْتَ أَنْتَ بِحَمْدِ رَبِّكَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ قَبْلَ الْغُرُوبِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)؟ وَمَاذَا لَوْ سَبَّحْتَ بِحَمْدِ رَبِّي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِهَا أَوْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ غُرُوبِهَا؟ هَلْ يُعَابُ عَلَيْكَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لَا، لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ مَتَى مَا تَشَاءُ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ الرَّبِّ كَمَا فَصَّلَتْهُ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ يَجِبُ أَنْ يَقَعَ فَقَطْ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ بِذَاتِهَا وَهِيَ:
- قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
- وَقَبْلَ غُرُوبِهَا
- وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ
- وَأَطْرَافَ النَّهَارِ
- وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
السُّؤَالْ: لِمَاذَا جَاءَ التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأَوْقَاتُ الَّتِي تُقَامُ بِهَا مَا سَمَّاهُ عُلَمَاؤُنَا الْأَجِلَّاءُ أَهْلُ الدِّرَايَةِ كَمَا أَوْصَلَهُ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ مِنْهُمْ بِصَلَاةِ السُّنَّةْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: حَاوِلِ الْآنَ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنْ تَسْتَبْدِلَ عِبَارَةَ "صَلَاةِ السُّنَّةِ" كَمَا وَصَلَتْنَا مِنْ عِنْدِ سَادَتِنَا أَهْلِ الدِّرَايَةِ عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ بِـ "التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ"، كَمَا نُحَاوِلُ أَنْ نُرَوِّجَ لِذَلِكَ نَحْنُ فِي هَذِهِ السُّطُورْ. ثُمَّ انْظُرْ مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: صَلَاةُ السُّنَّةِ كَمَا يُحِبُّ أَهْلُ الدِّينِ أَنْ يُسَمُّونَهَا هِيَ تَسْبِيحٌ بِحَمْدِ الرَّبِّ (كَمَا نُحِبُّ نَحْنُ أَنْ نُسَمِّيَهَا).
فَفِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمُحَدَّدَةِ وَهِيَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (أَيْ مَا يُصَاحِبُ إِقَامَةَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (مَا يُصَاحِبُ إِقَامَةَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ)، وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ (مَا يُصَاحِبُ إِقَامَةَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) وَأَطْرَافِ النَّهَارِ (مَا يُصَاحِبُ إِقَامَةَ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) هِيَ أَوْقَاتُ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ. وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَدْبَارُ السُّجُودْ. فَهُنَاكَ تَسْبِيحٌ بِحَمْدِ الرَّبِّ تَسْبِقُ إِقَامَةَ الصَّلَاةْ، وَهُنَاكَ تَسْبِيحٌ بِحَمْدِ الرَّبِّ فِي أَدْبَارِ السُّجُودِ أَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ إِقَامَةِ الصَّلَاةْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: يَكُونُ التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ فِي أَوْقَاتِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَفِي أَدْبَارِ السُّجُودِ (أَيْ بَعْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
| التسبيح بحمد الرب | إقامة الصلاة | التسبيح بحمد الرب |
|---|---|---|
| قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ | لدلوك الشمس | وَأَدْبَارَ السُّجُودِ |
| وَأَطْرَافَ النَّهَارِ | طرف النهار (1) | وَأَدْبَارَ السُّجُودِ |
| وَأَطْرَافَ النَّهَارِ | طرف النهار (2) | وَأَدْبَارَ السُّجُودِ |
| وَقَبْلَ غُرُوبِهَا | زلفا من الليل | وَأَدْبَارَ السُّجُودِ |
| وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ | غسق الليل | وَأَدْبَارَ السُّجُودِ |
ثَانِيًا، لَوْ تَدَبَّرْتَ الْآيَاتِ الْخَاصَّةَ بِالتَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ مَرَّةً أُخْرَى، لَوَجَدْتَ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَسَاسِ الرِّضَا لِلشَّخْصِ نَفْسِهْ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: مَا مَعْنَى أَنَّ التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ الرَّبِّ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمُحَدَّدَةِ مُرْتَبِطٌ بِرِضَا الشَّخْصِ نَفْسِهِ (لَعَلَّكَ تَرْضَى)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ، لَابُدَّ (نَحْنُ نَرَى) مِنْ طَرْحِ سُؤَالٍ آخَرَ مُتَعَلِّقٍ بِفِقْهِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُرِيدُ أَهْلُ الدِّينِ أَنْ يُسَمُّونَهَا بِالسُّنَّةْ. وَالسُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا نُصَلِّي صَلَاةً مَفْرُوضَةً تَكُونُ أَفْضَلِيَّتُهَا بِشَكْلٍ جَمَاعِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ، بَيْنَمَا نُصَلِّي صَلَاةً "غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ" تَكُونُ أَفْضَلِيَّتُهَا بِشَكْلٍ فَرْدِيٍّ فِي الْبَيْتْ؟
مُلَاحَظَة (1): إِقَامَةُ الصَّلَاةِ (أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ) فِي الْمَسْجِدِ وَبِشَكْلٍ عَلَنِيٍّ يَشْهَدُهُ الْكَثِيرُونَ خَيْرٌ مِنْ إِقَامَتِهَا فِي الْبَيْتْ.
مُلَاحَظَة (2): التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَيْ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِاسْمِ صَلَاةِ السُّنَّةِ) بِشَكْلٍ سِرِّيٍّ فِي الْبَيْتِ خَيْرٌ مِنْ إِقَامَتِهَا فِي الْعَلَانِيَةِ (كَقِيَامِ اللَّيْلِ مَثَلًا – مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ).
[إقامة الصلاة والتسبيح بحمد الرب: رؤية جديدة]
دَعْنَا نَعُودُ لِنَبْدَأَ النَّبْشَ فِي قِصَّةِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا، طَارِحِينَ تَصَوُّرَنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لِفِقْهِ الصَّلَاةِ بِرُمَّتِهَا، مُحَاوِلِينَ أَنْ نَتَلَمَّسَ الطَّرِيقَ إِلَى التَّشْرِيعِ الْإِلَهِيِّ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ تُعْتَبَرُ الصَّلَاةُ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ الْأَسَاسِيَّةْ. دَاعِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُؤَيِّدَنَا بِرُوحٍ مِنْهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمْ.
أَمَّا بَعْدْ،
نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ بِشِقَّيْهَا (إِقَامَةُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالتَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ الْمَنْدُوبَةِ) هِيَ الصِّلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تُوَطِّدُ الْعَلَاقَةَ الصَّحِيحَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهْ. فَأَنَا عَلَى الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ هُنَاكَ حِكْمَةً فِي مَشْرُوعِيَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَكَمَا أَسْلَفْنَا سَابِقًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي يَنْتَفِعُ مِنْهَا الْإِلَهُ نَفْسُهُ، وَأَنَّ الصِّيَامَ هُوَ الْعِبَادَةُ الَّتِي تُفِيدُ الشَّخْصَ نَفْسَهُ، وَالزَّكَاةَ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي يَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْمُجْتَمَعُ، وَالْحَجَّ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي تَتَوَّجُ ذَلِكَ كُلَّهْ. فَيَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ هُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ الَّتِي تَجْتَمِعُ الْعِبَادَاتُ فِيهَا جَمِيعًا. وَسَنَتَعَرَّضُ لِهَذَا الْمَبْحَثِ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهْ. [فقه الحج]
أَمَّا الْآنَ، فَدَعْنَا نُرَكِّزُ عَلَى فِقْهِ الصَّلَاةِ كَوَاحِدَةٍ مِنْ أَهَمِّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْحَتْمِيُّ الَّذِي لَا مَفَرَّ مِنْهُ هُوَ: لِمَاذَا نُصَلِّي أَصْلًا؟ لِمَاذَا طَلَبَ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نُقِيمَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ؟ وَلِمَاذَا طَلَبَ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ مِنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي قَسَمَهَا اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى (1): نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ (فِيمَا يُعْرَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ) هِيَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى (2): نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي أَوْقَاتِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (فِيمَا يُعْرَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) هِيَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُخْتَصَرَ بِكَلِمَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ كَمَا جَاءَ اللَّفْظُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وَمِنْ حَقِّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعِينَهُمْ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالْفَصْلِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ (إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ) وَالتَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (مَا يُسَمَّى بِصَلَاةِ السُّنَّةِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى (1): نَحْنُ نَقُومُ بِفِعْلِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بِهَدَفِ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِأَنَّهُ هُوَ الرَّبُّ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدْ. فَهِيَ شَهَادَةُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَعَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ شَيْئًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِلَّا أَنْ يُشْرَكَ بِهْ:
لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ خَالِصَةً لِلَّهِ، فَهُوَ فَقَطْ مَنْ يَشْهَدُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهْ. وَهَذِهِ الصَّلَاةُ لَا تَسْقُطُ عَنِ الشَّخْصِ حَتَّى لَوِ ارْتَكَبَ بَعْضَ الْكَبَائِرِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْمَعَاصِي، وَحَتَّى لَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَى الْمَاءِ لِلطَّهَارَةْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: عِنْدَمَا يَقُومُ الْإِنْسَانُ الْمُؤْمِنُ بِفِعْلِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ (أَيْ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ) فَهُوَ إِذَنْ يَكُونُ قَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَيْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ).
وَمَا أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّخْصُ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الْجَمَاعِيَّةِ حَتَّى يَنْفَرِدَ الْإِنْسَانُ لِوَحْدِهِ فِي فِعْلِ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَيْ فِيمَا يُسَمَّى بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) لِيَطْلُبَ حَقَّهُ مِنَ اللَّهِ، وَهَذَا الْحَقُّ هُوَ أَنْ يَطْلُبَ الْعَوْنَ مِنَ اللَّهِ فِي صَلَاةٍ تُسَمَّى التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ اللَّهِ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
سُؤَالْ: لِمَاذَا تَكُونُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ (أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ) جَمَاعِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ يَصْطَفُّونَ مَعًا فِي فِعْلٍ جَمَاعِيٍّ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ، أَيْ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ رَبَّهُمُ اللَّهُ، وَهُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَأَنَّ هَذَا الْإِلَهَ لَا شَرِيكَ لَهْ. فَتَلْهَجُ أَلْسِنَتُهُمْ جَمِيعًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ "سُبْحَانَكَ" فِي رُكُوعِهِمْ وَفِي سُجُودِهِمْ.
السُّؤَالْ: مَا مَعْنَى كَلِمَةِ "سُبْحَانَكَ" الَّتِي يُرَدِّدُهَا الْمُسْلِمُ دَائِمًا فِي الرُّكُوعِ وَفِي السُّجُودْ؟
جَوَابْ: تَعَرَّضْنَا لِهَذِهِ الْمُفْرَدَةِ فِي أَوْقَاتٍ سَابِقَةٍ وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ أَنَّ كَلِمَةَ سُبْحَانَكَ، هِيَ كَلِمَةٌ تَخْتَزِلُ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
لَاحِظْ عَزِيزِي الْقَارِئَ الْحِوَارَ الَّذِي يَدُورُ بَيْنَ اللَّهِ مِنْ جِهَةٍ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَاللَّهُ يُوَجِّهُ السُّؤَالَ مُخَاطِبًا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
... ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ...
فَيَأْتِي الرَّدُّ الْقَاطِعُ مِنْ عِيسَى بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةْ:
... قَالَ سُبْحَٰنَكَ ...
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذَا الْحِوَارِ لَوَجَدْنَا أَنَّ التَّسَاؤُلَ الْإِلَهِيَّ كَانَ عَنِ احْتِمَالِيَّةِ حُصُولِ الْإِشْرَاكِ بِهِ بِاتِّخَاذِ عِيسَى وَأُمِّهِ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَجَاءَ رَدُّ عِيسَى لِيَنْفِيَ حُصُولَ الْإِشْرَاكِ بِالْقَوْلِ الْفَصْلِ، وَهُوَ كَلِمَةُ سُبْحَانَكَ.
رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ (1): حَاوِلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنْ تُرَدِّدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ (سُبْحَانَكَ) فَقَطْ، فِي رُكُوعِكَ وَفِي سُجُودِكَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، أَيْ إِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الْإِلَهُ الَّذِي يُعْبَدُ، فَلَا يُتَّخَذُ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا آخَرْ.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: مُفْرَدَةُ "سُبْحَانَ اللَّهِ" تَعْنِي إِفْرَادَ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَلَا نَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَيْ مَا يُسَمَّى بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) لِلَّهِ فَرْدِيٌّ؟ أَيْ لِمَاذَا يَذْهَبُ كُلُّ مُؤْمِنٍ لِيُصَلِّيَ لِوَحْدِهِ فِيمَا يُسَمَّى بِصَلَاةِ السُّنَّةِ سَوَاءٌ قَبْلَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَوْ بَعْدَهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: مَادَامَ أَنَّ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَيْ صَلَاةَ السُّنَّةِ) هِيَ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فَإِنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ حَاجَتَهُ الْخَاصَّةَ الَّتِي يَطْلُبُهَا مِنْ رَبِّهِ، فَأَنَا أُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّي لِغَرَضٍ رُبَّمَا يَخْتَلِفُ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ تُسَبِّحُ أَنْتَ بِحَمْدِ رَبِّكَ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ حَاجَتُهُ الْخَاصَّةُ عِنْدَ رَبِّهِ، فَيَلْهَجُ لِسَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَمْدِ رَبِّهِ لِوَحْدِهْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ؟ وَلِمَاذَا يَقُولُ الْمُسْلِمُ فِي سُجُودِهِ "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ"؟
رَأْيُنَا: عِنْدَمَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ أَوْ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى أَوْ حَتَّى سُبْحَانَ رَبِّي وَكَفَى، فَهُوَ إِذَنْ يَشْهَدُ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مُفْرَدَةَ "وَبِحَمْدِهِ: فَهُوَ إِذَنْ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْصِيَهَا:
وَهُوَ بِذَلِكَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُدِيمَ عَلَيْهِ تِلْكَ النِّعْمَةَ، لَا بَلْ وَيَزِيدَهَا لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْإِلَهِيَّةَ هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ (2): حَاوِلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنْ تُرَدِّدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ (سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ) فِي رُكُوعِكَ وَفِي سُجُودِكَ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ رَبِّكَ (أَيْ فِي صَلَاةِ السُّنَّةِ) بِهَذِهِ النِّيَّةِ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ مَا بِكَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَأَنْ يَزِيدَكَ مِنْهَا:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: "حَمْدُ اللَّهِ" هُوَ شُكْرُ اللَّهِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي لَا نَسْتَطِيعُ نُحْصِيهَا.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا الْخَيْرِيَّةُ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ (الْمَفْرُوضَةِ) يَكُونُ بِالْإِظْهَارِ (أَيْ إِشْهَارِهَا) عَلَى الْمَلَأْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّ الْهَدَفَ هُوَ الشَّهَادَةُ لِلَّهِ بِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي يُعْبَدُ، فَأَنْتَ تُشْهِدُ النَّاسَ جَمِيعًا بِأَنَّكَ تَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ، الْفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةْ.
مِثَالْ: أَحْيَانًا يَصْطَفُّ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ لِلصَّلَاةِ جَمَاعَةً فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ مَثَلًا، أَوْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَكَذَا. لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا تُقَامُ مِثْلُ هَذِهِ الصَّلَاةِ (كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ مَثَلًا) جَمَاعَةً فِي حِينِ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٍ بِرَبِّهْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمُصَلِّينَ (صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ مَثَلًا) مُشْتَرِكُونَ فِي الْغَايَةِ نَفْسِهَا، وَهُوَ نُزُولُ الْمَطَرِ بَعْدَ انْحِبَاسٍ طَوِيلْ. فَمَا دَامَ أَنَّ غَايَةَ الْمُشَارِكِينَ فِي الصَّلَاةِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ طَلَبُ نُزُولِ الْمَطَرِ، لِذَا لَا حَاجَةَ (نَحْنُ نَظُنُّ) لِأَنْ يُصَلِّيَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِوَحْدِهْ. فَالْغَايَةُ هِيَ الَّتِي تَجْمَعُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّلَاةْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): مَادَامَ أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ لِجَمِيعِ الْمُصَلِّينَ هِيَ وَاحِدَةٌ تَتَمَثَّلُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ (أَيْ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْوَاجِدُ الْأَحَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، فَلَا ضَيْرَ فِي أَنْ يَصْطَفُّوا جَمِيعًا لِأَدَاءِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): مَادَامَ أَنَّ الْغَايَةَ مِنَ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَيْ مَا يُعْرَفُ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) هُوَ طَلَبُ الْعَبْدِ الْمَعُونَةَ مِنْ رَبِّهِ، يُصْبِحُ مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ حَاجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِرَبِّهِمْ تَتَبَايَنُ.
مُلَاحَظَة: لَوْ رَاقَبْتَ عَزِيزِي الْقَارِئَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُوَحِّدُونَ فِي الْمَسْجِدِ، لَوَجَدْتَ أَنَّهُمْ يُطَبِّقُونَ مِثْلَ هَذَا السُّلُوكِ لَكِنْ رُبَّمَا مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ مِنْهُمْ بِمَا يَفْعَلُونْ. فَمَا أَنْ يَحْضُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ قَبْلَ وَقْتِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مَكَانًا فَيُصَلِّي فِيهِ صَلَاةً فَرْدِيَّةً، وَمَا أَنْ تَنْقَضِيَ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ جَمَاعَةً، حَتَّى تَجِدَهُمْ يَتَفَرَّقُونَ، فَيَبْحَثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ مَكَانٍ خَاصٍّ لِيُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ عَلَى انْفِرَادْ. وَلَوْ رَاقَبْتَ الْمَنَاطِقَ شِبْهَ الْمُنْعَزِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ كَالزَّوَايَا وَأَطْرَافِ الْمَسْجِدِ، لَوَجَدْتَ أَنَّ مَنْ يَقِفُ هُنَاكَ وَحِيدًا هُوَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ بِطَرِيقَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ، رُبَّمَا تَخْتَلِفُ عَنْ طَرِيقَةِ الْمُصَلِّينَ فِي الْأَمَاكِنِ الْأَكْثَرِ ظُهُورًا، وَالَّذِينَ غَالِبًا مَا يَتَّصِفُ تَسْبِيحُهُمْ بِالْعَجَلَةِ وَالرُّوتِينْ. وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتْ حَاجَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا، كُلَّمَا وَجَدْتَهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَنْعَزِلَ أَكْثَرَ عَنِ النَّاسِ، رُبَّمَا لِيَتَقَرَّبَ أَكْثَرَ إِلَى رَبِّهِ لِيَشْكُوَ لَهُ بَثَّهُ وَحُزْنَهْ:
وَلَعَلَّ التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ الرَّبِّ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ (فِيمَا يُعْرَفُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ) هُوَ التَّطْبِيقُ الْفِعْلِيُّ لِمِثْلِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى، فَكُلَّمَا وَجَدَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ بِرَبِّهِ أَنَّ الْأَبْوَابَ قَدْ أُغْلِقَتْ جَمِيعًا فِي وَجْهِهِ، وَأَنَّ الْكُرُوبَ قَدْ تَوَالَتْ عَلَيْهِ، وَأَصْبَحَ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ مَنْ حَوْلَهُ قَدْ عَجَزُوا عَنْ إِخْرَاجِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْغَمِّ وَالْهَمِّ، تَجِدُهُ قَدْ شَعَرَ بِالْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ أَنْ يُقِيمَ اللَّيْلَ فِي صَلَاةٍ لَا يَرَاهُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ وَهُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِلَهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا الْخَيْرِيَّةُ فِي التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَيْ صَلَاةِ السُّنَّةِ) يَكُونُ فِي الْبَيْتِ بَدَلًا مِنَ الْمَسْجِدْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّكَ تَنْشُدُ السِّرِّيَّةَ فِيمَا تَطْلُبُهُ مِنْ رَبِّكَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصْ. فَالتَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ فِي جُنْحِ الظَّلَامِ يُظْهِرُ الْعَلَاقَةَ الْخَاصَّةَ الَّتِي تُنْشِئُهَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ، وَهِيَ عَلَاقَةٌ لَا تُرِيدُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا الْآخَرُونَ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِكَ وَلَا حَاجَةَ لَكَ بِهِمْ، وَحَاجَتُكَ فَقَطْ عِنْدَ رَبِّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ وَتَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ فَقَطْ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِينَكْ:
[عقيدتنا: كيف يجب على المسلم أن يفكر في موضوع الصلاة؟]
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: عَزِيزِي الْقَارِئَ الْكَرِيمَ، رُبَّمَا يَكُونُ مِنَ الْأَفْضَلِ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ لِمَوْضُوعِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أَنْ تُؤْمِنَ إِيمَانًا مُطْلَقًا بِأَنَّ هُنَاكَ إِلَهًا وَاحِدًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، فَلَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْئًا، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُشْهِدَ النَّاسَ جَمِيعًا عَلَى إِيمَانِكَ هَذَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَقَطْ وَإِنَّمَا بِالْفِعْلِ، وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ هِيَ التَّنْفِيذُ الْعَمَلِيُّ لِهَذِهِ الشَّهَادَةْ. فَيَجِبُ أَنْ تَحْرِصَ عَلَى أَنْ تَأْتِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِنِيَّةِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى رَبِّهِ، لِيَشْهَدَ أَمَامَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْأَوْحَدُ الَّذِي لَا يُعْبَدُ غَيْرُهْ. فَتُؤَدِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ عَلَيْكَ، وَتَنْصَرِفُ مِنْ هُنَاكَ فَرِحًا بِأَنَّكَ قَدْ أَدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَكُنْتَ مِنَ الَّذِينَ طَبَّقُوا قَوْلَهُ تَعَالَى:
وَقَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَبَعْدَ أَنْ تَنْصَرِفَ مِنْهُ يُمْكِنُكَ أَنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ (فِيمَا يُعْرَفُ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ)، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَبِّهِ، فَكَمَا أَنَّ لِلَّهِ حَقٌّ عَلَيَّ بِأَنْ أَعْبُدَهُ فَلَا أُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يُعِينَنِي فِي كُلِّ أَمْرِي. وَبِهَذِهِ النِّيَّةِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) تُصَلِّي بِشَكْلٍ فَرْدِيٍّ، أَيْ بِنِيَّةِ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ رَبِّكَ، لِتَطْلُبَ مِنْهُ حَاجَتَكَ الَّتِي تُرِيدُهُ أَنْ يُعِينَكَ فِي قَضَائِهَا. وَهَذِهِ الْحَاجَةُ هِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا:
1. أَنْ تَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَصْبَغَاهَا عَلَيْكَ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةْ:
وَهِيَ نِعْمَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحْصِيَهَا:
فَشُكْرُكَ لِلَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي أَسْبَغَهَا عَلَيْكَ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً هُوَ الْكَفِيلُ الْوَحِيدُ لِدَيْمُومَتِهَا لَا بَلْ وَزِيَادَتِهَا:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّهُ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ تَشْرَعَ -عَزِيزِي الْمُؤْمِنَ بِاللَّهِ- قَبْلَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكَ بِالتَّسْبِيحِ بِحَمْدِ رَبِّكَ (فِيمَا يُعْرَفُ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) بِشُكْرِ اللَّهِ عَلَى نِعَمِهِ بِنِيَّةِ أَنْ يَحْفَظَ اللَّهُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ جَمِيعًا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، لَا بَلْ وَأَنْ يَزِيدَكَ مِنْ فَضْلِهْ.
2. أَنْ تَطْلُبَ مِنْ رَبِّكَ (الَّذِي لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ ضُرًّا قَدْ مَسَّكْ:
وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّهُ مَا أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى يَهْرَعَ إِلَى رَبِّهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي صَلَاةٍ خَاصَّةٍ تُسَبِّحُ فِيهَا بِحَمْدِ رَبِّكَ بِغَرَضِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ أَيَّ ضُرٍّ قَدْ أَصَابَكْ. فَعَقِيدَةُ الْمُؤْمِنِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هِيَ مَا نَجِدُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَمَا عَلَيْكَ أَنْتَ كَشَخْصٍ مُؤْمِنٍ (بِرَبِّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ وَحْدَهُ فَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) إِلَّا أَنْ تَصْبِرَ إِذَا مَا أَصَابَتْكَ مُصِيبَةٌ كَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ عِنْدَمَا أَصَابَهُمُ الْأَذَى:
وَتَلْجَأُ إِلَى اللَّهِ (فِي صَلَاةٍ تُسَبِّحُ فِيهَا بِحَمْدِهِ) أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ هَذَا الضُّرّْ. مُؤْمِنًا بِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ أَيَّ ضُرٍّ مَسَّكَ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءْ.
سُؤَالْ: لِمَاذَا نَقُولُ فِي صَلَاتِنَا "اللَّهُ أَكْبَرُ" لِلِانْتِقَالِ مِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرَكَةِ التَّالِيَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَقُولُ ذَلِكَ لِإِيمَانِنَا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ أَكْبَرُ، فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضْ:
مُلَاحَظَةٌ مُهِمَّةْ: لَوْ تَفَقَّدْنَا سُلُوكَ الْمُصَلِّينَ فِي الصَّلَاةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ مَا أَنْ يَنْفَكَّ النَّاسُ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَبْدَءُوا بِالذِّكْرِ الَّذِي يَتْبَعُ الصَّلَاةَ، فَيَأْخُذُونَ بِتَرْدِيدِ ثَلَاثِ عِبَارَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ هِيَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَانْتَشَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا تُسَمَّى "بِالسُّبْحَةِ"، فَيَبْدَأُ الْمُسْلِمُ بِتَسْبِيحِ رَبِّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَحَمْدِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَالْقَوْلِ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينْ.
السُّؤَالْ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا السُّلُوكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ ذَلِكَ هِيَ تَثْبِيتُ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ بِجَمِيعِ أَصْنَافِهَا، فَالصَّلَاةُ هِيَ:
- إِشْهَارُ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ، وَيَتَلَخَّصُ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِ "سُبْحَانَ اللَّهِ".
- شُكْرُ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةٍ، وَيَتَلَخَّصُ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِ "الْحَمْدُ لِلَّهِ".
- طَلَبُ الْمَعُونَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْبَلَاءِ، وَيَتَلَخَّصُ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُؤْمِنِ "اللَّهُ أَكْبَرُ".
السُّؤَالْ: لِمَاذَا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ مُحَدَّدَةٌ بِرَكَعَاتٍ ثَابِتَةٍ لَا زِيَادَةَ فِيهَا؟ وَلِمَاذَا - بِالْمُقَابِلِ- جَاءَ التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ رَبِّكَ (فِيمَا يُعْرَفُ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) مَفْتُوحَ السَّقْفِ فِي الْعَدَدْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَعَلِّي أَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا يَقَعُ فِي بَابِ الْكَرَمِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ، فَاللَّهُ قَدْ طَلَبَ مِنْكَ أَنْ تَعْبُدَهُ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ ثَابِتَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ، فَصَلَاتِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا تَخْتَلِفُ عَنْ صَلَاتِكَ، وَنَحْنُ نَجْتَمِعُ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ لِنُؤَدِّيَهَا بِالْعَقِيدَةِ نَفْسِهَا (وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ) وَبِالْكَيْفِيَّةِ نَفْسِهَا، فِي الرُّكُوعِ السُّجُودِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتْ. وَلَمْ يُشْرَعْ لَنَا أَنْ نَزِيدَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا أَنْ نَنْقُصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَحَقُّ اللَّهِ يَطْلُبُهُ مِنْ عِبَادِهِ جَمِيعًا بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ وَالْكَيْفِيَّةْ.
لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ - فَإِنَّ مِنْ حَقِّكَ عَلَى رَبِّكَ أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ مَا تَشَاءُ (فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ – أَيْ مَا يُعْرَفُ بِالسُّنَّةِ)، وَمِنْ حَقِّكَ عَلَى رَبِّكَ أَنْ لَا يَرُدَّ لَكَ طَلَبًا مَادَامَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ تَعَهَّدَ بِذَلِكْ:
فَمَهْمَا كَانَتْ حَوَائِجُكَ فَإِنَّ اللَّهَ (الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَتَكَفَّلُ بِأَنْ يَقْضِيَهَا لَكَ جَمِيعًا. وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ لَوَجَدْنَاهَا قَدْ خُتِمَتْ بِعِبَارَةِ (لَعَلَّكَ تَرْضَى):
فَهَذِهِ الصَّلَاةُ (أَيْ التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ) مَشْرُوطَةٌ بِرِضَا الشَّخْصِ الْمُؤْمِنِ نَفْسِهْ. فَقَدْ أُصَلِّي أَنَا (كَتَسْبِيحٍ بِحَمْدِ رَبِّي) فِي آنَاءِ اللَّيْلِ عِشْرِينَ رَكْعَةً حَتَّى أَشْعُرَ بِالرِّضَا، لَكِنْ قَدْ لَا تَحْتَاجُ أَنْتَ لِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَهَكَذَا.
السُّؤَالْ: وَهَلْ أَسْتَطِيعُ أَنَا (كَمُؤْمِنٍ بِرَبِّي) أَنْ أُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَكَفَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَعَمْ، تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، لَكِنْ تَأَكَّدْ بِأَنَّكَ أَنْتَ مَنْ سَيَخْسَرُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافْ. لِأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ أَدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ وَحَرَمْتَ نَفْسَكَ مِنْ أَنْ تَتَمَتَّعَ بِالْكَرَمِ الْإِلَهِيِّ عَلَيْكْ. فَاللَّهُ هُوَ صَاحِبُ الْمِنَّةِ وَالْفَضْلِ عَلَى الْعَالَمِينْ:
فَإِنْ كُنْتَ مِنَ الَّذِينَ يَشَاءُونَ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكْ. وَلَكِنْ إِنْ شَعَرْتَ أَنَّكَ لَا تَحْتَاجُ لِهَذِهِ الْمِنَّةِ، فَلَكَ أَنْ لَا تُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَتَكْتَفِيَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَطْ.
(دُعَاءْ: أَللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ أَنْ تُنَفِّذَ قَوْلَكَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ بِالْمِنَّةِ عَلَيَّ، فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّنِي مِمَّنْ يَشَاءُونَ أَنْ تَمُنَّ عَلَيْهِمْ – إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ – آمِينْ)
السُّؤَالْ: كَيْفَ أُنَفِّذُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: تَخَيَّلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنَّكَ اسْتَيْقَظْتَ مِنْ نَوْمِكَ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ قَبْلَ إِقَامَةِ صَلَاةِ لِفَجْرٍ، فَمَا عَلَيْكَ أَوَّلًا وَقَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَبْدَأَ يَوْمَكَ بِأَنْ تَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَعَلَى نِعَمِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحْصِيَهَا، فَتُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ بِأَنْ تُصَلِّيَ شُكْرًا لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنْ. وَلَكِنْ تَخَيَّلْ أَنَّكَ وَجَدْتَ أَنَّكَ تُرِيدُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُسْبِغَ عَلَيْكَ نِعْمَةً تَظُنُّ أَنَّهَا نَاقِصَةٌ عِنْدَكَ كَنِعْمَةِ الْمَالِ مَثَلًا، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بِنِيَّةِ أَنْ يُؤْتِيَكَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ، وَلَوْ أَنَّكَ وَجَدْتَ نَفْسَكَ بِحَاجَةٍ أَنْ يُسْبِغَ اللَّهُ عَلَيْكَ نِعْمَةَ الْوَلَدِ (إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً أَوْ إِنْ أَرَدْتَ الزِّيَادَةَ مِنْهَا)، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بِهَذِهِ النِّيَّةْ. وَلَوْ أَنَّكَ وَجَدْتَ نَفْسَكَ بِحَاجَةٍ أَنْ يُسْبِغَ اللَّهُ عَلَيْكَ نِعْمَةَ إِصْلَاحِ الزَّوْجَةِ (إِنْ كُنْتَ بِحَاجَةٍ لِذَلِكَ)، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَهَكَذَا تُصَلِّي مَا شِئْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ لِكُلِّ نِعْمَةٍ تُرِيدُ مِنْ رَبِّكَ أَنْ يُسْبِغَهَا عَلَيْكَ، وَتَبْقَى فِي مِثْلِ هَذَا الشُّغْلِ حَتَّى تَشْعُرَ بِنَفْسِكَ أَنَّكَ قَدْ رَضِيتَ (لَعَلَّكَ تَرْضَى)، فَلَا حَدَّ لِكَرَمِ اللَّهِ مَادَامَ أَنَّكَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ لِيُعِينَكَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِكَ، فَرَبُّكَ (الَّذِي تَعْبُدُهُ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) قَرِيبٌ يُجِبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَاهْ:
وَمَا أَنْ تَنْقَضِيَ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى تَهْرَعَ إِلَى اللَّهِ (بَعْدَ أَدْبَارِ السُّجُودِ) طَالِبًا مِنْهُ بِأَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ ضُرًّا قَدْ مَسَّكَ، فَلَوْ أَنْتَ شَعَرْتَ أَنَّ نِعْمَةَ الصِّحَّةِ قَدْ أَصَابَهَا الْعَطَبُ أَوْ بَعْضُ الْخَلَلِ، فَرَبُّكَ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ عَنْكْ:
وَلَا تَنْسَى أَنَّ هَذِهِ هِيَ صَلَاةُ الْمُضْطَرِّ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءْ:
حَاوِلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ أَرَدْتَ – أَنْ تَهْرَعَ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ هَذَا الْإِيمَانِ، ثُمَّ انْظُرْ عَجَائِبَ قُدْرَةِ رَبِّكْ.
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ أَنِّي أُقِيمُ الصَّلَاةَ لِذِكْرِكَ، بِنِيَّةِ مَنْ يَعْبُدُكَ وَحْدَكَ، فَأَنْتَ وَحْدَكَ إِلَهِي الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ اللَّهُمَّ أَنِّي أُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ لِتَحْفَظَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَسْبَغْتَهَا عَلَيَّ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَالَّتِي لَا أُحْصِيهَا، كَمَا أُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَحْدَكَ لِتَكْشِفَ السُّوءَ وَالضُّرَّ عَنِّي، فَأَنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ لَا يَكْشِفُ السُّوءَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ – آمِينْ)
مَنْطِقٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: دَقِّقْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا قَالَ اللَّهُ (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)؟ أَلَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) وَكَفَى؟ فَمَا الْحَاجَةُ أَنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ بِعِبَارَةِ (إِذَا دَعَانِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَدْعُو اللَّهَ هُوَ دَاعٍ، وَلَكِنْ لَا يَتَحَقَّقُ لَهُ الِاسْتِجَابَةُ إِلَّا إِذَا كَانَ دَاعٍ يَدْعُو اللَّهَ كَمَا جَاءَ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
السُّؤَالْ: وَمَتَى يُصْبِحُ الْمُؤْمِنُ بِرَبِّهِ دَاعٍ يَدْعُ اللَّهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ دَاعٍ يَدْعُو رَبَّهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي:
نَتِيجَةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنَ الْعَبْدِ إِذَا كَانَ دَاعٍ فَقَطْ، وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ دَاعٍ يَدْعُو رَبَّهُ (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الشَّرْطُ – بِرَأْيِنَا- إِلَّا فِي فِعْلِ الصَّلَاةِ كَمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَا أَنْ شَعَرَ زَكَرِيَّا أَنَّهُ بِحَاجَةٍ إِلَى نَجْدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَا أَنْ شَعَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْوَلَدَ فِعْلًا، وَمَادَامَ أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ لَهُ، حَتَّى وَقَفَ وَحِيدًا لِيُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ، فَوَجَّهَ وَجْهَهُ فِي الْمِحْرَابِ، وَنَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا:
فَجَاءَهُ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ مُبَاشِرًا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ (3): حَاوِلْ -عَزِيزِي الْقَارِئَ - إِذَا مَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ بِحَاجَةٍ إِلَى رَبِّكَ لِيُعِينَكَ فِي قَضَاءِ شَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِكَ، أَنْ تَقِفَ وَحِيدًا لِتُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، فَتَطْلُبَ مِنْهُ مَا شِئْتَ أَنْ يُسْبِغَ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ، وَتَأَكَّدْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرْ. مُؤْمِنًا بِأَنَّ مَا بِكَ مِنْ نِعْمَةٍ هِيَ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَأَنْ يَزِيدَكَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحْصِيَهَا.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا نَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ الْمَفْرُوضِ عَلَيْنَا إِقَامَتُهَا أَوِ الَّتِي نُسَبِّحُ فِيهَا بِحَمْدِ رَبِّنَا (أَيْ مَا يُسَمَّى بِالسُّنَّةِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: دَعْنَا نُدَقِّقُ فِي آيَاتِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، قَالَ تَعَالَى:
بِدَايَةً، لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ، كَانَ لِزَامًا أَنْ تَبْدَأَ الْقَوْلَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمْ:
وَيَكُونُ الْهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَجْعَلَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْكَ سُلْطَانًا مَادُمْتَ قَائِمًا فِي صَلَاتِكْ. فَتَبْدَأُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّلَاةَ بِاسْمِ اللَّهِ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). لِيَكُونَ السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا نَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدْ:
وَهَذَا – بِرَأْيِنَا- هُوَ جَوْهَرُ النِّيَّةِ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَأَنْتَ تُصَلِّي لِلَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ سَمِيًّا:
فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْإِلَهَ الَّذِي نَعْلَمُ أَنَّ لَيْسَ لَهُ سَمِيًّا، فَهُوَ اللَّهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا الِاسْمَ، فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ. وَهَذِهِ هِيَ شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ فِي أَوْضَحِ صُوَرِهَا.
وَلَكِنَّنَا لَا نَكْتَفِي بِأَنْ نَبْدَأَ بِاسْمِ اللَّهِ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَلْ نُتْبِعُ ذَلِكَ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ:
وَقَدِ افْتَرَيْنَا سَابِقًا أَنَّ الدُّعَاءَ (كُلَّ دُعَاءٍ) لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ (اللَّهِ / الرَّحْمَنِ) فَقَطْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (1): نَحْنُ نَدْعُو اللَّهَ الَّذِي نَعْبُدُ، وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): نَحْنُ نَدْعُو الرَّحْمَنَ الَّذِي يُعِينُنَا، وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ.
وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ – كَمَا افْتَرَيْنَا سَابِقًا – أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّحْمَنُ لِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَخَيَّلَهَا مَهْمَا عَظُمَتْ. فَعَقِيدَتُكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى الْإِيمَانِ الْيَقِينِيِّ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضْ:
وَهَذَا هُوَ – بِرَأْيِنَا- فِقْهُ التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (فِيمَا يُعْرَفُ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ)، فَأَنْتَ تَلْجَأُ إِلَى اللَّهِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمُنْفَرِدَةِ لِتَطْلُبَ مِنْ رَبِّكَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُرِيَكَ عَجَائِبَ قُدْرَتِهِ فِي كُلِّ شَيْءْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ عِبَادَتَكَ هُنَا مُوَجَّهَةٌ لَيْسَ لِلَّهِ (الْوَاحِدِ الْأَحَدِ) وَإِنَّمَا لِمَنْ خَلَقَكَ فَفَطَرَكَ، فَكَانَ رَبَّكَ، انْظُرِ الْآيَاتِ التَّالِيَةَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابْ:
وَمَا أَنْ تَصِلَ إِلَى مُنْتَصَفِ تِلْكَ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ حَتَّى تَجِدَ أَنَّ الْغَايَةَ مِنَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا – كَمَا أَسْلَفْنَا- قَدْ تَجَمَّعَتْ فِي الْآيَةِ رَقْمِ (5):
وَلَعَلَّ أَهَمَّ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا مِنْ رَبِّهِ هِيَ هِدَايَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمْ:
وَهُوَ صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينْ:
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمْ مَنْ تَوَافَرَتْ بِهِمُ الصِّفَاتُ الَّتِي تَرِدُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَمَا دُمْتَ أَنَّكَ تَسِيرُ عَلَى صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ، فَأَنْتَ لَا شَكَّ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا جَاءَ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهْ:
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ رَبِّي اجْعَلْنِي مُسْلِمًا لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ – آمِينْ)
[تلخيص ما سبق: فقه ما يسمى بصلاة السنة]
نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ فِقْهَ مَا يُعْرَفُ بَيْنَ الْعَامَّةِ تَحْتَ مُسَمَّى صَلَاةِ السُّنَّةِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ (كَمَا فَهِمْنَاهَا) تَسْبِيحٌ بِحَمْدِ الرَّبِّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي آيَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ تَتَلَاقَى فِي مُجْمَلِهَا مَعَ أَوْقَاتِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَرِدُ فِي آيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ، كَمَا فِي الْجَدْوَلِ التَّالِي:
| إقامة الصلاة | التسبيح بحمد الرب |
|---|---|
| أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) |
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) |
وَيَزِيدُ التَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَرِدُ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ التَّالِيَةْ:
فَيُصْبِحُ الْجَدْوَلُ السَّابِقُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
| إقامة الصلاة | التسبيح بحمد الرب |
|---|---|
| أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) |
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) |
السُّؤَالْ: كَيْفَ يَجِبُ أَنْ نَنْتَهِيَ مِنْ صَلَاتِنَا؟
الْفِكْرُ السَّائِدْ: لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يَفْعَلُ الْمُسْلِمُ ذَلِكَ؟ وَلِمَاذَا؟
[باب التشهد والصلاة الإبراهيمية: رؤية جديدة]
تَعَرَّضْنَا فِي مَقَالَةٍ سَابِقَةٍ لَنَا لِلْحَدِيثِ عَنِ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، وَحَاوَلْنَا تَسْوِيقَ رُؤْيَتِنَا الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّعَرُّفَ عَلَى وُجْهَةِ نَظَرِنَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ، فَلْيَرْجِعْ إِلَى تِلْكَ الْمَقَالَاتْ. أَمَّا الْآنَ، فَإِنَّنَا سَنَتَحَدَّثُ عَنْ فِكْرَةِ الْجُلُوسِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ فِي سِيَاقِ بَحْثِنَا هَذَا، وَسَنَبْدَأُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجُلُوسُ لِلتَّشَهُّدِ الَّتِي وَرَدَتْنَا صِيغَتُهُ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ كَمَا نَقَلَهَا لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ فِي أَصَحِّ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهْ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلْ: مَا هَذِهِ الْبِدَايَةُ التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ؟ وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟ أَلَا تَرَى - عَزِيزِي الْمُؤْمِنَ الْمُصَلِّي- أَنَّكَ تَرُدُّ كَلِمَاتٍ يَغْلِبُ عَلَيْهَا طَابَعُ السَّجْعِ غَيْرِ الْمَفْهُومْ؟ وَهَلْ وَجَدْتَ يَوْمًا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَفْهَمُوكَ لِمَ هِيَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ رَجَعْتَ إِلَى تَفْسِيرَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَوَجَدْتَ فِيهَا الْعَجَبَ، وَهُوَ مَا لَا نُرِيدُ الْخَوْضَ فِيهْ. لَكِنْ يَكْفِينَا أَنْ نُسَجِّلَ الْقَوْلَ (مُفْتَرِينَهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) بِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ خُدْعَةٍ لِتَظْلِيلِ النَّاسِ عَنِ الْهَدَفِ مِنَ التَّشَهُّدِ فِي آخِرِ الصَّلَاةْ. فَهَذِهِ – بِرَأْيِنَا- وَاحِدَةٌ مِنْ أَسَالِيبِ التَّعْمِيَةِ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَى مُؤَلَّفَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ دَائِمًا أَنْ يُوهِمُوا النَّاسَ بِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُمْ. وَأَنَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعَوَامُّ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهْ.
السُّؤَالْ: إِنْ صَحَّ مَا تَقُولْ، فَكَيْفَ يَكُونُ التَّشَهُّدُ لِلصَّلَاةِ؟ يَرُدُّ صَاحِبُنَا عَلَى الْفَوْرِ قَائِلًا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ التَّشَهُّدَ هُوَ شَهَادَةٌ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ. وَكَفَى.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ التَّشَهُّدْ؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا الْجُلُوسَ فِي نِهَايَةِ الصَّلَاةِ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا مَقْسُومَةٌ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ هُمَا:
- التَّشَهُّدْ
- الصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّةْ
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ التَّشَهُّدَ هُوَ خَاصٌّ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، أَمَّا الصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّةُ فَهِيَ دُعَاءٌ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
مُلَاحَظَة: وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي فِعْلِ الصَّلَاةِ نَفْسِهِ أَكْثَرَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ التَّشَهُّدَ يَكُونُ فِي الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ فِي الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَفِي الْجُلُوسِ الثَّانِي فِي الصَّلَاةِ الثُّلَاثِيَّةِ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ. بَيْنَمَا الصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ لِلصَّلَاةِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ عِنْدِ رَكَعَاتِهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ (سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَاةُ ثُنَائِيَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً) لِهَدَفِ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ. أَمَّا التَّشَهُّدُ – بِالْمُقَابِلِ- فَإِنَّ الْهَدَفَ مِنْهُ هُوَ إِقْرَارُ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهْ.
السُّؤَالْ: مَا تَبِعَاتُ هَذَا الْفَهْمْ؟
افْتِرَاءَاتٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ التَّشَهُّدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا ذِكْرَ لِأَحَدٍ مَعَهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَفْسُهْ. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: أَعْتَقِدُ أَنَّ التَّشَهُّدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّكَ تَجْلِسُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِتَشْهَدَ لِلَّهِ عَلَانِيَةً بِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى ذِكْرِ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الصَّلَاةْ.
أَمَّا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي الْمُسَمَّى بِالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى ذِكْرِ مُحَمَّدٍ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَفَى.
افتراء (2): الصلاة الإبراهيمية هي دعاء خاص بالنبي وأهل بيته.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَقِيدَةَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يُصَلِّي لِرَبِّهِ وَيَجْلِسُ فِي نِهَايَةِ الصَّلَاةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ مَقْسُومٌ إِلَى قِسْمَيْنِ، فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ (الْمُسَمَّى تَشَهُّدْ) تُفْرِدُ الْحَدِيثَ فِيهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَلَا تَذْكُرُ مَعَهُ غَيْرَهْ. أَمَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي (الْمُسَمَّى الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ) فَهُوَ دُعَاءٌ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالدُّعَاءِ بِالْبَرَكَاتِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا يَجِبُ إِفْرَادُ الْحَدِيثِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي التَّشَهُّدْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ إِقْرَارُ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ كَانَتْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِكَيْ تَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينْ؟
السُّؤَالْ: وَمَنْ هُوَ الْمُسْلِمْ؟
جَوَابْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةْ.
السُّؤَالْ: وَمَاذَا عَنِ الشَّهَادَةِ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْإِسْلَامْ.
السُّؤَالْ: مَا مَعْنَى مَا تَقُولْ؟ أَلَمْ أَفْهَمْ قَصْدَكْ؟ يَرُدُّ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: أَنَا افْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّكَ تَدْخُلُ الْإِسْلَامَ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ.
السُّؤَالْ: هَلْ جُنِنْتَ يَا رَجُلْ؟ مَا الَّذِي تَقُولُهْ؟ أَلَا تَرَى أَنَّكَ ذَهَبْتَ إِلَى أَبْعَدِ مَا يَجِبْ؟ رُبَّمَا يَرُدُّ الْقَارِئُ وَهُوَ يَشَاطُ غَضَبًا.
جَوَابْ: تَمَهَّلْ قَلِيلًا عَزِيزِي الْقَارِئَ، وَحَاوِلْ أَنْ تَتَدَبَّرَ مَا نَقُولُ بَعْدَ أَنْ نَسُوقَ لَكَ مَا نَظُنُّ أَنَّهُ دَلِيلٌ يُثْبِتُ افْتِرَاءَنَا هَذَا.
السُّؤَالْ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى مَا تَقُولْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَلَيْنَا الرُّجُوعَ إِلَى كُلِّ آيَاتِ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ الَّتِي سَتُعِينُنَا (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ) عَلَى الْخُرُوجِ بِتَعْرِيفٍ أَكْثَرَ دِقَّةً مِمَّا عَرَفْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ الشَّخْصِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى مُسْلِمًا. فَنَحْنُ بِحَاجَةٍ أَنْ نَطْرَحَ السُّؤَالَ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: مَنْ هُوَ الْمُسْلِمْ؟
رَأْيُنَا: دَعْنَا نَبْدَأُ النَّبْشَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِنَرَى كَيْفَ يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُ التَّعْرِيفِ مِنْ مُجْمَلِهَا.
أَمَّا بَعْدْ،
أَوَّلًا، نَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا بِأَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
ثَانِيًا: وَنَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا أَيْضًا بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي سَمَّنَا الْمُسْلِمِينْ:
ثَالِثًا: وَنَحْنُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الرَّاسِخَةِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ أَتْمَمَ عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
رَابِعًا: وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ لَنْ يَقْبَلَ مِمَّنْ يَبْتَغِي غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا:
فَلَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ وَذُرِّيَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ مُسْلِمِينْ:
وَعَلَى ذَلِكَ الدِّينِ اخْتَارَ يُوسُفُ أَنْ يَمُوتْ:
وَكَذَلِكَ كَانَ مُوسَى وَهَارُونُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمْ:
وَكَذَلِكَ كَانَ دَاوُودُ وَوَلَدُهُ سُلَيْمَانُ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ مَعَهُمَا:
وَكَذَلِكَ كَانَ الْحَوَارِيُّونْ:
وَكَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ وَصَحْبُهُ الصَّادِقِينْ:
وَكَذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ رُسُلِ اللَّهْ:
خَامِسًا: وَنَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الدِّينُ الَّذِي هَدَى اللَّهُ إِلَيْهِ مُحَمَّدًا (وَهِيَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ) رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مُسْلِمِينْ:
فَكَانَ مُحَمَّدٌ مَأْمُورًا أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينْ:
وَهَذِهِ – لَا شَكَّ – عِنْدَنَا هِيَ الْعَقِيدَةُ الْأَحْسَنُ:
[تساؤلات مهمة جدا]
- إِذَا كَانَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامَ، فَكَيْفَ كَانَ مَنْ جَاءُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ زَمَنِيًّا مُسْلِمِينْ؟
- فَإِذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ مَنْ سَمَّانَا كَذَلِكَ، فَكَيْفَ شَهِدَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ؟
- فَهَلْ كَانَ مِنْ وَاجِبَاتِ إِسْلَامِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَشْهَدَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ الَّذِي دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَبْعَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟
- وَإِذَا كَانَ رُسُلُ اللَّهِ جَمِيعًا مُسْلِمِينَ كَنُوحٍ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ، فَهَلْ شَهِدَ هَؤُلَاءِ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ؟
- وَهَلْ كَانَ مِنْ مُتَطَلَّبَاتِ إِسْلَامِهِمْ أَنْ يَشْهَدُوا لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ؟
- وَإِذَا كَانَ يُوسُفُ قَدْ طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَتَوَفَّاهُ مُسْلِمًا، فَهَلْ شَهِدَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ حَتَّى أَصْبَحَ كَذَلِكْ؟
- وَإِذَا كَانَ الْحَوَارِيُّونَ (أَنْصَارُ اللَّهِ وَتَلَامِيذُ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) قَدْ أَشْهَدُوا رَبَّهُمْ بِأَنَّهُمْ مُسْلِمِينَ، فَهَلْ شَهِدُوا هُمْ أَيْضًا لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ؟
- الخ
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2): كان هناك مسلمون في كل زمان حتى قبل مجيء محمد بالرسالة.
نتيجة مفتراة من عن أنفسنا (3): كان محمد متبعا لملة إبراهيم وهي الإسلام.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (4): لم يبدأ الإسلام بمجيء محمد وذلك لأن الذين سبقوه كانوا أيضا مسلمين.
نتيجة مفتراة خطير جدا جدا: الإسلام هو الشهادة لله بالوحدانية وكفى.
السُّؤَالْ: وَأَيْنَ تَنْدَرِجُ الشَّهَادَةُ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ تَقَعُ فِي بَابِ الْإِيمَانِ فَقَطْ:
فَالْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ هُوَ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدٌ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِ اللَّهْ:
فَالْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ هُوَ كَالْإِيمَانِ بِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٍ وَجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ، فَعَقِيدَةُ الْمُؤْمِنِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ رُسُلِ اللَّهْ:
فَأَنَا أُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ كَإِيمَانِي بِنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ وَلَا أُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ هُوَ مَنْ أَرَادَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَهَذِهِ لَا تَعْدُو أَكْثَرَ مِنْ عَقِيدَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِفِعْلِ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ بِالصَّلَاةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِعْلَ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ هُوَ فِعْلٌ الْغَايَةُ مِنْهُ – بِرَأْيِنَا- إِقْرَارُ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ، فَلَا نُشْرِكُ مَعَ اللَّهِ أَحَدْ.
السُّؤَالْ: وَمَا الْغَايَةُ الَّتِي نَرْجُوهَا مِنْ ذَلِكَ؟
جَوَابْ: حَتَّى نَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ مِنْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ حَنِيفًا، فَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
| الجلوس للتشهد في الصلاة | |
|---|---|
| الفعل | الشهادة لله وحده |
| الغاية | لنكون من المسلمين |
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَشْهَدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ بِأَفْضَلِ طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةْ.
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْأَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِلشَّهَادَةِ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ أَنِّي قَدَّمْتُ لَكَ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- طَرِيقَةً مِنْ عِنْدِي، وَزَعَمْتُ بِأَنَّهَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْأَفْضَلُ، هَلْ تَقْبَلُ بِهَا؟ وَمَاذَا لَوْ قَدَّمْتَ أَنْتَ طَرِيقَةً أُخْرَى مِنْ عِنْدِكَ وَزَعَمْتَ أَنَّهَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْأَفْضَلُ؟ فَهَلْ أَقْبَلُ بِهَا أَنَا؟ وَمَاذَا لَوْ زَعَمَتْ إِحْدَى الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَوْ بَعْضُ طَوَائِفِهَا بِأَنَّهَا تَمْلِكُ طَرِيقَةً مُثْلَى لِلتَّشَهُّدْ؟ فَهَلْ تَقْبَلُ بِهَا الْفِرَقُ وَالطَّوَائِفُ الْأُخْرَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ نَفْسِي: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ أَيًّا مِنَّا لَنْ يَقْبَلَ بِطَرِيقَةِ الْآخَرْ. فَكُلٌّ مِنَّا سَيَزْعُمُ أَنَّ طَرِيقَتَهُ هِيَ الْمُثْلَى وَأَنَّ طَرِيقَةَ غَيْرِهِ لَيْسَتْ صَحِيحَةً أَوْ رُبَّمَا يَشُوبُهَا الْغَلَطُ (بِالنَّقْصِ أَوْ بِالزِّيَادَةِ أَوْ بِالتَّحْرِيفِ).
السُّؤَالْ: وَمَا الْمَخْرَجُ مِنْ هَذَا الْمَأْزَقْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَخْرَجَ يَتَمَثَّلُ بِأَنْ نَجِدَ طَرِيقَةً نَرْضَى بِهَا جَمِيعًا. تُحَقِّقُ لَنَا الْفِعْلَ وَالْغَايَةَ، فَنَشْهَدُ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ بِأَحْسَنِ طَرِيقَةٍ وَتَتَحَقَّقُ الْغَايَةُ بِأَنْ نَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينْ.
السُّؤَالْ: وَأَيْنَ سَنَجِدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي نَنْشُدُهَا جَمِيعًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَعَلِّي لَا أَتَرَدَّدُ أَنْ أَقُولَ أَنَّنَا نَرْضَى جَمِيعًا بِأَنْ نَحْتَكِمَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهْ. فَهَلْ تَرْضَى - عَزِيزِي الْقَارِئَ - بِالطَّرِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي التَّشَهُّدْ؟ وَهَلْ أَقْبَلُ أَنَا بِالطَّرِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِأَشْهَدَ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَأَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينْ؟ وَهَلْ نَحْنُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ أَنْ نَقْبَلَ جَمِيعًا بِالطَّرِيقَةِ الْإِلَهِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّنَا نَرْضَى بِالطَّرِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَكِنْ هَلْ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ إِلَهِيَّةٌ لِلتَّشَهُّدِ أَصْلًا؟ هَلْ عَلَّمَنَا اللَّهُ الطَّرِيقَةَ الْأَحْسَنَ لِلْقَرَارِ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، فَنَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ، أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةً إِلَهِيَّةً لِلتَّشَهُّدِ هِيَ الْأَحْسَنُ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْنَا مِنَ اللَّهِ نَفْسِهْ.
السُّؤَالْ: وَأَيْنَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ الْأَحْسَنَ (الَّذِي لَا نَقْصَ وَلَا زِيَادَةَ وَلَا تَحْرِيفَ فِيهِ)، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ نَفْسِي: هَلْ تَجِدُ عَزِيزِي الْقَارِئَ شَهَادَةً لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةْ؟ هَلْ يُمْكِنُ لِبَشَرٍ أَنْ يَشْهَدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ بِطَرِيقَةٍ أَحْسَنَ مِنْ شَهَادَةِ اللَّهِ نَفْسِهْ؟ أَلَسْنَا مِنْ أَصْحَابِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا "وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا"؟ أَلَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُونَ عَلَى شَهَادَةِ اللَّهْ؟ أَلَسْنَا مِنْ أَصْحَابِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)؟
ثُمَّ أَلَيْسَ هَذَا مَا طُلِبَ مِنَّا أَنْ نُقِرَّ بِهِ كَمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عِبَادَتِنَا:
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقُولَهُ الْمُسْلِمُ فِي جُلُوسِهِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (سَوَاءٌ فِي جُلُوسِهِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الثَّانِي) لِيُقِرَّ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِيَكُونَ هُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ نَفْسِي: أَنَا افْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَحْسَنَ يَكُونُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ كَمَا هِيَ فِي كَلَامِ اللَّهْ:
السُّؤَالْ: كَيْفَ تُصْبِحُ الصِّيقَةُ لِلشَّهَادَةِ كُلِّهَا الَّتِي تُحَقِّقُ لِلْمُصَلِّي إِقْرَارَ الشَّهَادَةِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ وَتُحَقِّقُ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الَّذِي نَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ مَا لَمْ يَجِدْ أَنَّ الدَّلِيلَ عِنْدَهُ وَاضِحًا كَوُضُوحِ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصِّيقَةَ التَّالِيَةَ رُبَّمَا تَكُونُ (كَمَا نَفْهَمُهَا) هِيَ الصِّيقَةُ الْأَمْثَلُ لِلْقَرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهْ:
شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
... إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)
وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ قَدْ شَهِدْتَ لِرَبِّكَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ بِالْعُبُودِيَّةِ الْمُطْلَقَةْ. فَلَا تَأْتِي عَلَى ذِكْرِ أَحَدٍ مَعَهُ فِي ذَلِكْ. وَمَا أَنْ تُنْهِيَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ حَتَّى تَنْتَقِلَ إِلَى الْجُزْءِ الثَّانِي فِي نِهَايَةِ الصَّلَاةِ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّةْ.
| التشهد | الصلاة الإبراهيمية |
|---|---|
| شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) ... إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) |
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ |
[الصلاة الإبراهيمية: رؤية جديدة]
مَا تَنْتَهِي مِنَ الشَّهَادَةِ لِرَبِّكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْتَقِلَ إِلَى الْجُزْءِ الثَّانِي الْمُسَمَّى بِالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ، وَفِيهِ تُنَفِّذُ غَايَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَهُمَا،
1. الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
2. الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَاتِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدْ:
وَالْمَقْصُودُ بِأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ هُنَّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَزْوَاجُهُ اللَّاتِي نَزَلَتْ بِحَقِّهِنَّ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَأَقْرَأْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- الْآيَةَ كُلَّهَا:
نتيجة مفتراة (2): طلب البركات خاص بأهل بيت النبي فقط.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
[فقه الصلاة الإبراهيمية]
بَابُ مَا نَتَلَفَّظُ بِهِ مِنْ قَوْلٍ دَاخِلَ الصَّلَاةِ: الْفِكْرُ السَّائِدْ
لِنَبْدَأَ الْقِصَّةَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَلَقَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَوْلَ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ إِلَى النَّبِيِّ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ رُوَاتِهِ التَّالِي:
عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ"
لِنَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ التَّالِيَ عَلَى الْفَوْرِ: إِذَا كَانَ مَنْ هُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ قَدْ نَقَلُوا لَنَا مَا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ مِنْ حَرَكَاتٍ فِي الصَّلَاةِ (كَالْوُقُوفِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)، فَكَيْفَ نَقَلُوا لَنَا مَا كَانَ يَتَلَفَّظُ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ أَقْوَالٍ دَاخِلَ الصَّلَاةِ؟ فَهَلْ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ جَهْرِيَّةً بِمَا فِيهَا مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ؟ فَهَلْ كَانَ يَسْمَعُ مَنْ هُوَ حَوْلَ النَّبِيِّ مَا كَانَ يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفًا؟ وَهَلْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مَا كَانَ يَقُولُ وَهُوَ رَاكِعًا؟ وَهَلْ سَمِعُوا مَا قَالَ وَهُوَ سَاجِدًا؟ وَهَلْ سَمِعُوا مَا قَالَ فِي جُلُوسِهِ لِلتَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ؟
السُّؤَالُ مَرَّةً أُخْرَى: هَلْ سَمِعَ مَنْ كَانَ حَوْلَ النَّبِيِّ كَيْفَ تَلَفَّظَ مُحَمَّدٌ بِالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِلصَّلَاةِ؟ فَهَلْ قَالَهَا النَّبِيُّ الْكَرِيمُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أَلِفْنَاهُ مِنْ عِنْدِ آبَائِنَا:
اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهْ
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنْ كَانَ هَذَا نَقْلًا صَحِيحًا عَنِ النَّبِيِّ، فَدَعْنِي أُثِيرُ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ حَوْلَهْ.
أَوَّلًا، عَلَى مَنْ نُسَلِّمُ فِي نِهَايَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَمَا نَقُولُ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهْ
الْفِكْرُ السَّائِدْ: لَعَلَّ الْجَوَابَ الشَّائِعَ بَيْنَ الْعَامَّةِ (رُبَّمَا بِمَا فَهِمُوهُ مِنْ سَادَتِنَا أَهْلِ الدِّرَايَةِ) أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُسَلِّمُ فِي نِهَايَةِ صَلَاتِهِ عَلَى الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ. وَلَقَدْ تَجَرَّأَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدِ اسْتَنْبَطُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ هُوَ رَقِيبٌ وَأَنَّ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ هُوَ عَتِيدٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
رَأْيُنَا: دَعْنَا بِدَايَةً نُعْلِنُ صَرَاحَةً مُخَالَفَتَنَا إِيَّاهُمُ الرَّأْيَ بِالْقَوْلِ بِأَنَّ عِبَارَةَ رَقِيبٌ عَتِيدٌ لَا تَعُودُ عَلَى كَيْنُونَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ كَيْنُونَةٌ وَاحِدَةٌ (رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وَذَلِكَ لِأَنَّ "صِيغَةَ التَّرَادُفِ الثُّنَائِيَّةَ" هَذِهِ قَدْ وَرَدَتْ كَثِيرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، خَاصَّةً بِحَقِّ الْإِلَهِ نَفْسِهْ. فَاللَّهُ هُوَ حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَهُوَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَهُوَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، الخ. فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْ كَيْنُونَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ؟
جَوَابْ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ كَيْنُونَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، لَجَاءَ اللَّفْظُ بِصِيغَةِ الْعَطْفِ عَلَى نَحْوِ (رَقِيبٌ وَ عَتِيدٌ)، وَلَأَصْبَحَ تَوَاجُدُ حَرْفِ الْعَطْفِ بَيْنَهُمَا أَمْرًا لَازِمًا، لِيَعْطِفَ الثَّانِيَ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ وَعَلَى الشِّمَالِ هُوَ كَيْنُونَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ نَفْسُهُ رَقِيبٌ عَتِيدْ. وَرُبَّمَا يُؤَكِّدُ ظَنَّنَا هَذَا مَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
نتيجة مفتراة مهمة جدا: نحن نظن أن هذا الحافظ الموكل بكل نفسه هو رقيب عتيد. انتهى.
إِنَّ الَّذِي يَهُمُّنَا مِنْ هَذَا النِّقَاشِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ عَدَدِ الَّذِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ هُوَ التَّسَاؤُلُ التَّالِي: لِمَ نَحْتَاجُ أَنْ نُلْقِيَ عَلَيْهِمْ (حَتَّى وَإِنْ كَانُوا مَلَائِكَةً) السَّلَامَ فِي نِهَايَةِ كُلِّ صَلَاةْ؟ أَلَيْسَ هُمْ مَنْ يُصَلُّوا وَيُسَلِّمُوا عَلَيْنَا:
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيَّ وَمَلَائِكَتُكَ، وَأَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ تُخْرِجَنِي مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – آمِينْ)
مُفَارَقَاتٌ مُضْحِكَةٌ مُبْكِيَةْ: لَعَلِّي أَظُنُّ أَنَّ الْأَخْطَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَعْضَ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ قَدْ أَفْهَمُوا النَّاسَ أَنَّ إِلْقَاءَ السَّلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَى الْيَمِينِ وَاجِبٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلَكِنَّ إِلْقَاءَ السَّلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ عَنِ الشِّمَالِ غَيْرُ وَاجِبْ؟ فَهَلْ يَعُودُ هَذَا (نَحْنُ نَسْأَلُ) إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ يَكْتُبُ لَنَا الْحَسَنَاتِ لِذَا فَهُوَ "طَيِّبٌ مَلِيحٌ"، بَيْنَمَا الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ فَهُوَ غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسَجِّلُ عَلَيْنَا سَيِّئَاتِنَا؟ مَنْ يَدْرِي!!!
رَأْيُنَا الْخَطِيرُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّنَا لَا نُلْقِي السَّلَامَ عَلَى مَلَائِكَةٍ مُتَوَاجِدِينَ عَلَى يَمِينِنَا وَلَا نُلْقِي السَّلَامَ عَلَى مَلَائِكَةٍ مُتَوَاجِدِينَ عَنْ شِمَالِنَا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ عَدَدِهِمْ، فَنَحْنُ لَا نُلْقِي عَلَيْهِمُ السَّلَامَ إِطْلَاقًا، وَنَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ السَّلَامَ الَّذِي نُلْقِيهِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ إِطْلَاقًا. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: عَلَى مَنْ نُلْقِي السَّلَامَ إِذَنْ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّنَا نُلْقِي السَّلَامَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا نُلْقِي السَّلَامَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَيْتِهْ.
الدَّلِيلْ
أَوَّلًا، نَحْنُ لَا نَحْتَاجُ أَنْ نُلْقِيَ السَّلَامَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ إِطْلَاقًا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمْ مَنْ يُصَلُّوّْنَ عَلَيْنَا:
فَنَحْنُ مُطَالَبُونَ أَنْ نَذْكُرَ اللَّهَ، وَمُطَالَبُونَ أَنْ نُسَبِّحَهُ، وَهُوَ بِالْمُقَابِلِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْنَا وَمَلَائِكَتُهْ.
ثَانِيًا، لَوْ تَدَبَّرْنَا مَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ كَمَا تَتَحَدَّثُ عَنْ أَهْلِ مُحَمَّدٍ وَعَنْ أَهْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِنُعِيدَهَا هُنَا مَرَّةً أُخْرَى كَمَا تَعَلَّمْنَاهَا فِي الْمَدَارِسِ عَلَى أَيْدِي أَهْلِ الرِّوَايَةِ كَمَا عَلَّمَهُمْ إِيَّاهَا أَهْلُ الدِّرَايَةْ:
اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ
كَمَا بَارَكْتَ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهْ
السُّؤَالْ: إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مُنْصَبًّا عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (كَمَا يُرِيدُونَ) وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ (كَمَا يُرِيدُونَ)، فَلِمَ هَذَا الِانْتِقَالُ الْعَجِيبُ فِي النِّهَايَةِ لِلسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْحَدِيثَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاسِقًا مَادَامَ أَنَّهُ دُعَاءٌ نَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يُحَقِّقَهُ، فَمَادَامَ أَنَّ الشَّطْرَ الْأَوَّلَ (أَوِ الصَّدْرَ بِلُغَةِ أَهْلِ الشِّعْرِ) يَتَحَدَّثُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ السَّلَامَ الْأَوَّلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَؤُلَاءْ. وَمَادَامَ أَنَّ الشَّطْرَ الْآخَرَ (أَوِ الْعَجُزَ بِلُغَةِ أَهْلِ الشِّعْرِ) يَخُصُّ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ السَّلَامَ الثَّانِيَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَؤُلَاءْ. فَنَحْنُ نُسَلِّمُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ كَمَا نُسَلِّمُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَلَا دَخْلَ لِلرَّقِيبِ الْعَتِيدِ فِي ذَلِكْ.
ثَالِثًا، لَوْ تَفَقَّدْنَا تِلْكَ الصَّلَاةَ كَمَا أَلِفْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَوَجَدْنَا فِيهَا الْعَجَبَ الْعُجَابَ، وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ هُنَا نِهَايَتَهَا فِي عِبَارَةِ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ. فَلَعَلَّ الَّذِي لَفَتَ انْتِبَاهِي إِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِرُمَّتِهَا هُوَ أَنَّنَا كَمُسْلِمِينَ عَلَى اخْتِلَافِ طَوَائِفِنَا لَا نَخْتَلِفُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْخَطِيرُ جِدًّا، لِأَنَّهَا هِيَ الْعِبَارَةُ الْوَحِيدَةُ الصَّادِقَةُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْنَا بِرُمَّتِهَا، فَهِيَ الْعِبَارَةُ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِيهَا التَّحْرِيفُ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْعِلْمْ. وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابْ: نَحْنُ نَسْتَغْرِبُ لِمَ بَقِيَتْ تِلْكَ الْعِبَارَةُ عَلَى حَالِهَا؟ لِمَ لَا يَقُولُ بَعْضُنَا فِي نِهَايَةِ صَلَاتِهِ إِنَّكَ حَمِيدٌ حَكِيمٌ أَوْ أَنَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أَوْ أَنَّكَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ، الخ. أَلَيْسَتِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى جَمِيعُهَا لِلَّهِ:
فَمَا بَالُنَا لَا نَدْعُو بِبَعْضِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ نَوَدُّ الْخُرُوجَ مِنْ صَلَاتِنَا؟ لِمَ تَمَسَّكْنَا بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ فِي نِهَايَةِ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَحْدَهَا سَتَرْوِي لَنَا قِصَّةَ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ كُلِّهَا مُنْذُ بِدَايَتِهَا، وَسَتَكْشِفُ لَنَا (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ) عَنْ كُلِّ التَّحْرِيفَاتِ الَّتِي خَطَّهَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ رُبَّمَا عَنْ قَصْدٍ مُسْبَقٍ وَرُبَّمَا عَنْ جَهْلٍ فَاضِحٍ، وَلَحِقَ بِهِمُ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، غَيْرَ مُتَنَبِّهِينَ لِلتَّبِعَاتِ الْجَمَّةِ لِذَلِكَ عَلَى الْعَقِيدَةِ بِرُمَّتِهَا. فَهَذَا مَا نَفْتَرِيهِ مِنْ قَوْلٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُؤْتِيَنَا رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَعِلْمًا مِنْ لَدُنْهُ، فَلَا نَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ - آمِينْ
أَمَّا بَعْدْ
[قصة الصلاة الإبراهيمية: من أين جاءت]
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ قَدْ جَاءَتْ عِنْدَمَا شَعَرَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ بِبَعْضِ الضِّيقِ بِسَبَبِ بَعْضِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، فَأَخَذَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي نِهَايَةِ صَلَاتِهِ لِيَحْصُلَ عَلَى مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْحُصُولِ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَلِيَتَأَتَّى لَهُ مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ آتَاهُ غَيْرَهْ. فَكَيْفَ ذَلِكْ؟
أَوَّلًا: نَحْنُ نَجِدُ أَنَّ أَوَّلَ دَلِيلٍ يَأْتِي مِنَ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ مُجْمَلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ (الدُّعَاءِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ التَّشَبُّهَ بِأَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِلَى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ سَيِّدُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُونَا عَلَى التَّسَاؤُلِ التَّالِي: لِمَا يَدْعُو مُحَمَّدٌ أَنْ يُصَلِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَمَا صَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمْ؟
اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
وَلِمَ يَدْعُو مُحَمَّدٌ أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ بَرَكَاتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ (كَمَا يَرْغَبُ أَهْلُ الدِّرَايَةِ) بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَمَّتِ الْمُبَارَكَةُ فِيهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى أَهْلِ إِبْرَاهِيمْ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
رَأْيُنَا: رُبَّمَا لَا يَخْفَى عَلَى الصَّغِيرِ (قَبْلَ الْكَبِيرِ) وَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ (قَبْلَ الَّذِي أَمْسَكَ بِنَاصِيَتِهِ) بِأَنَّ الْمُشَبَّهَ مُحَمَّدٌ (لَمْ يَتَحَصَّلْ) عَلَى مَا كَانَ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ إِبْرَاهِيمْ. وَإِلَّا لَانْتَفَتِ الْحَاجَةُ إِلَى عَقْدِ الْمُقَارَنَةِ أَصْلًا (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ لِمَاذَا قَدَّمَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ بَنَاتِهِ بَدَلًا مِنْ ضُيُوفِهِ؟ خَاصَّةً الْجُزْءَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ) [الجزء 13] [الجزء 14]
السُّؤَالُ مَا الَّذِي كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَكُنْ لِمُحَمَّدٍ حَتَّى يُجْهِدَ مُحَمَّدٌ نَفْسَهُ فِي طَلَبِهْ؟ وَمَا الَّذِي كَانَ لِأَهْلِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ مُحَمَّدٍ حَتَّى يُجْهِدَ مُحَمَّدٌ فِي طَلَبِهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِهِ مِنْ جِهَةٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هُوَ مَا تُصَوِّرُهُ الْآيَتَانِ الْكَرِيمَتَانِ التَّالِيَتَانِ، حَيْثُ تَتَحَدَّثُ الْأُولَى عَنْ مَا تَحَصَّلَ لِإِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِهِ وَتَتَحَدَّثُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَا كَانَ مُتَحَصِّلًا لِمُحَمَّدٍ وَأَهْلِهْ:
الِاسْتِنْبَاطَاتْ
- لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُمَا تَتَحَدَّثَانِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَعَنْ مُحَمَّدْ.
- لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُمَا تَتَحَدَّثَانِ عَنْ أَهْلِ إِبْرَاهِيمَ وَعَنْ أَهْلِ مُحَمَّدْ.
- لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُمَا تَتَحَدَّثَانِ عَنْ نِسَاءِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءْ.
- لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ قَدْ نَزَلَتْ فِعْلًا عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمْ.
- لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدْ.
- لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّ مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَصَّلَ لِمُحَمَّدٍ لَمْ يَتَحَصَّلْ فِعْلًا لِأَنَّهُ كَانَ فِي طَوْرِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَلَمْ يَتَنَقَّلْ إِلَى مَرْحَلَةِ الْقَوْلِ الْإِلَهِيِّ (أَيْ التَّنْفِيذِ الْفِعْلِيِّ). لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ إِرَادَةِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ مَقَالَةٍ فِي التَّسْيِيرِ وَالتَّخْيِيرِ الَّتِي فَحْوَاهَا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ: [مقالة في التسيير والتخيير]
حَيْثُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ إِرَادَةِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ، مُفْتَرِينَ الظَّنَّ بِأَنَّ الْأُمُورَ لَا تَتَحَقَّقُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ فَقَطْ مَتَى مَا صَدَرَ قَوْلُ اللَّهِ بِحَقِّهَا.
السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِمُحَمَّدٍ وَأَهْلِهِ وَإِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّتِيجَةَ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهَا مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ (إِنْ كَانَ مَنْطِقُنَا صَحِيحًا) هِيَ أَنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ قَدْ صَدَرَ قَوْلُ اللَّهِ فِيهَا بِحَقِّ أَهْلِ إِبْرَاهِيمْ:
وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ الْإِلَهِيِّ لَمْ يَصْدُرْ بِحَقِّ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَبَقِيَ الْأَمْرُ فِي طَوْرِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ لَهُمْ:
وَنَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ لَمَّا تَحَقَّقَتِ الرَّحْمَةُ الْفِعْلِيَّةُ لِأَهْلِ إِبْرَاهِيمَ، جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْآيَةِ نَفْسِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)، فَنَحْنُ لَمْ نَجِدْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ رَحْمَتِ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمْ.
وَلَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ- نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصْدُرْ قَوْلُ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَاتِ بِحَقِّ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، وَبَقِيَتْ فِي طَوْرِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ، لَمْ تَأْتِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) فِي نِهَايَةِ الْآيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدْ.
[الصلاة الإبراهيمية الحكاية التي لم تروى: افتراءات من عند أنفسنا]
نَحْنُ نَظُنُّ (مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) أَنَّ قِصَّةَ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ قَدْ حَصَلَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَنْزِلُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ قُرْآنًا يُتْلَى عَنْ مَا حَصَلَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَهَا هُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ جَاءُوا رُسُلًا مِنْ رَبِّهِمْ مُعَذِّبِينَ قَوْمَ لُوطٍ يَصِلُونَ أَوَّلًا إِلَى بَيْتِ مَنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَاهُ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمْ:
هُمُ الْآنَ فِي بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ ضُيُوفًا رُبَّمَا لِإِخْبَارِهِ بِمَا سَيَحْصُلُ بِقَوْمِ لُوطٍ قَبْلَ إِنْزَالِ الْعَذَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَمْرُ رَبِّهِمْ:
وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالذَّاتِ تَأْتِي الْبُشْرَى إِبْرَاهِيمَ بِإِسْحَقْ:
وَتَتَعَجَّبُ امْرَأَتُهُ الَّتِي كَانَتْ قَائِمَةً مِنَ الْأَمْرْ:
فَمَا يَكُونُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (رُسُلِ رَبِّهَا) إِلَّا أَنْ تَزُفَّ لَهَا الْخَبَرَ الْعَظِيمَ بِأَنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ قَدْ نَزَلَتْ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الطَّاهِرْ:
انْتَهَتْ حِكَايَتُنَا بِالنِّسْبَةِ لِإِبْرَاهِيمْ. فَمَا الَّذِي حَصَلَ بِالنِّسْبَةِ لِبَيْتِ مُحَمَّدْ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي يَخُصُّ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ حَتَّى يَبْقَى مُحَمَّدٌ يَدْعُو رَبَّهُ خَوْفًا وَطَمَعًا، رَغَبًا وَرَهَبًا، أَنْ يُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مِنَ الْبَرَكَاتِ مَا أَنْزَلَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَيَنْتَظِرُ مُحَمَّدٌ طَوِيلًا، وَلَكِنْ كَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ الْكُبْرَى (رُبَّمَا غَيْرُ السَّارَّةِ) بِالنِّسْبَةِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ وَالْبَرَكَاتِ لَمْ تُنَزَّلْ، وَأَنَّ جُلَّ مَا نَزَلَ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ هُوَ الْإِرَادَةُ الْإِلَهِيَّةُ بِأَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمُ الرِّجْسُ، قَالَ تَعَالَى:
فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيُرْضِيَ مُحَمَّدًا تَمَامَ الرِّضَا، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقْبِلَ عَلَى رَبِّهِ بِدُعَاءٍ لَازَلْنَا نُرَدِّدُهُ فِي نِهَايَةِ كُلِّ صَلَاةٍ نُقِيمُهَا، سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يَتَحَقَّقَ لِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ مَا كَانَ قَدْ تَحَقَّقَ لِأَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ حَرَّفُوا بَعْضَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَحْرِيفِ بَعْضِهِ وَهُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مُصْطَلَحُ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةْ:
اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهْ
السُّؤَالْ: فَمَا الَّذِي لَمْ يُحَرَّفْ مِنْهُ؟ مَا الَّذِي لَمْ يَضَعْ أَهْلُ الْعِلْمِ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ لِيُحَرِّفُوهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّهُ الْعِبَارَةُ الْأَخِيرَةُ فِيهِ وَهِيَ (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). فَمُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَخْدَمَ هَذَا الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى لِيَدْعُوَ رَبَّهُ بِهِ لِكَيْ يُتِمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مَا كَانَ قَدْ تَحَصَّلَ لِإِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَيْتِهْ.
السُّؤَالْ: وَمَا الَّذِي تَمَّ تَحْرِيفُهُ فِي هَذَا الدُّعَاءْ؟
جَوَابْ: حَرْفٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، وَهُوَ إِسْقَاطُ حَرْفِ الْهَاءِ مِنْ كَلِمَةِ أَهْلٍ كَمَا جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ اللَّتَانِ تَتَحَدَّثَانِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدْ:
لِيُصْبِحَ اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ كَمَا نَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ عَلَى نَحْوِ آلِ الْبَيْتْ.
[الفرق بين الآل والأهل: آل البيت أم أهل البيت؟]
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِسْقَاطَ هَذَا الْحَرْفِ مِنْ كَلِمَةِ أَهْلٍ لِتُصْبِحَ كَلِمَةَ آلٍ قَدْ أَسْقَطَ الْأُمَّةَ بِأَكْمَلِهَا فِي شَرَكِ مَا فَعَلَ عُلَمَاؤُهُمْ بِهِمْ، فَانْقَسَمَتِ الْأُمَّةُ إِلَى فَرِيقَيْنِ مُتَنَاحِرَيْنِ عَلَى هَذَا الْحَرْفْ. فَأَصْبَحَ هُنَاكَ مَنْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُقَابِلُهُمُ الْمُدَافِعِينَ عَنْ آلِ الْبَيْتِ وَالتَّشَيُّعْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا أُسْقِطَ هَذَا الْحَرْفْ؟ وَمَنِ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكْ؟ وَمَا الْغَايَةُ مِنْ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ الَّذِي لَمْ يُرِيدُوا بِهَذَا الدِّينِ خَيْرًا هُمْ مَنْ فَعَلُوا تِلْكَ الْفَعْلَةَ النَّكْرَاءْ. وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ دَرَاوِيشَ الْأُمَّةِ (مِنْ أَصْحَابِ اللِّحَى الطَّوِيلَةِ وَالثِّيَابِ الْقَصِيرَةِ) لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُدْرِكُوا مِقْدَارَ خُطُورَةِ تِلْكَ الْفَعْلَةِ وَتَبِعَاتِهَا الْجَمَّةِ عَلَى الدِّينِ أَوَّلًا ثُمَّ عَلَى الْأُمَّةِ بِأَكْمَلِهَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكْ.
السُّؤَالْ: وَلِمَاذَا فَعَلُوا ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ غَيْرَ الْمُعْلَنِ لِهَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ هُوَ إِخْرَاجُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ مِنَ الْمُعَادَلَةِ كُلِّهَا. فَهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَدْعُ النَّاسُ فِي صَلَاتِهِمْ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ بِالْبَرَكَاتِ، فَأَسْقَطُوا حَرْفَ الْهَاءِ مِنْ كَلِمَةِ أَهْلٍ (الَّتِي لَا شَكَّ تَشْمَلُ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ كَمَا سَنَرَى بَعْدَ قَلِيلٍ) لِتُصْبِحَ كَلِمَةَ آلٍ (الَّتِي قَدْ لَا تَشْمَلُ نِسَاءَ النَّبِيِّ إِطْلَاقًا). لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ حَدِيثُ الْإِفْكِ.
الدَّلِيلْ
لِجَلْبِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ لَابُدَّ مِنَ التَّعَرُّفِ عَلَى مَعْنَى مُفْرَدَةِ أَهْلٍ مُقَابِلَ مَعْنَى مُفْرَدَةِ آلٍ كَمَا تَرِدُ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةْ.
[الأهل: تشمل الزوجة]
بِدَايَةً، نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَهْلِ قَدِ اسْتُخْدِمَتْ فِي سِيَاقَاتِهَا الْقُرْآنِيَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِتَشْمَلَ الزَّوْجَةْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى:
1. لَمْ تَكُنِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لَحَاقَ بِهَا سُوءُ الْعَذَابْ:
وَلَكَانَتْ مِنَ الْمُغْرَقِينْ:
وَلَكَانَ مَصِيرُهَا النَّارَ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ مَصِيرُهُمْ جَمِيعًا النَّارْ:
2. لَمْ تَكُنِ امْرَأَةُ لُوطٍ مِنْ آلِهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّى آلَ لُوطٍ أَجْمَعِينْ:
وَلَكِنَّهَا لَا شَكَّ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ لِذَا جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ صَرِيحًا بِحَقِّهَا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْفَهْمَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ مِنْ أَهْلِ الرَّجُلِ وَلَكِنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ مِنْ آلِهْ.
السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةْ؟
عِنْدَمَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى دِرَايَةٍ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ سَيُصِيبُ زَوْجَاتِهِ جَمِيعًا، لَمْ يَكُنْ لِيَرُوقَ لِلْبَعْضِ مِنْهُمْ ذَلِكَ، رُبَّمَا بِسَبَبِ الْخِلَافِ التَّارِيخِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (وَعَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ)، فَلَعِبُوا لُعْبَتَهُمُ الْقَذِرَةَ فِي التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُسْقِطُوا حَرْفَ الْهَاءِ مِنْ مُفْرَدَةِ أَهْلٍ الَّتِي تَعْنِي بِالضَّبْطِ بَيْتَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ، وَاسْتَبْدَلُوهَا بِمُفْرَدَةِ آلِ مُحَمَّدٍ (لِيُخْرِجُوا بَعْضَ أَزْوَاجِهِ مِنَ الْمُعَادَلَةِ) وَلِيُدْخِلُوا فِيهَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بَعْضَ أَقْرِبَاءِ مُحَمَّدٍ (مِنْ عَشِيرَتِهِ) إِلَى تِلْكَ الصَّلَاةْ. فَبَدَلَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، أَصْبَحَتِ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ بَيْتِ مُحَمَّدْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يَجِبُ أَنْ نَقْرَأَ الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ إِذَنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَمُرَّ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ وَهِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
1. الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ فَقَطْ وَعَطْفُهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى مَنْ صَلَّى اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ عَلَيْهْ:
لِذَا فَنَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَبْدَأَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (كَمَا صَلَّيْتَ وَسَلَّمْتَ صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)
فَعِنْدَمَا قَدِمَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ كَانَ الْخِطَابُ الْأَوَّلُ بَيْنَهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
2. الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَاتِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَطْفُهَا عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ رَحْمَتَهُ وَبَرَكَاتِهِ عَلَيْهِمْ:
لِذَا نَحْنُ نَطْلُبُ رَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ لِأَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، فَنُتَابِعُ الصَّلَاةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ بِالْقَوْلِ:
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
3. السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَعَطْفُهَا بِالسَّلَامِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَيْتِهْ
فَنَخْتِمُ تِلْكَ الصَّلَاةَ (وَذَلِكَ الدُّعَاءَ) بِالسَّلَامِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَنَخْرُجُ مِنَ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَنَقُولُ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (وَنَقْصِدُ مُحَمَّدًا وَأَهْلَ بَيْتِهِ)
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (وَنَقْصِدُ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ)
فَيُصْبِحُ التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّةُ عِنْدَ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى نَحْوِ مَا فِي الْجَدْوَلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
| التشهد | الصلاة الإبراهيمية |
|---|---|
| شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) ... إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) |
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (كَمَا صَلَّيْتَ وَسَلَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ |
مُشَاهَدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: غَالِبًا مَا تَسْمَعُ النَّاسَ يُرَدِّدُونَ الْعِبَارَةَ التَّالِيَةَ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ)، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَوَدُّ أَنْ نَلْفِتَ الِانْتِبَاهَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ (اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ) الْمُسْتَخْدَمَةَ بَيْنَ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ هِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَنْفِيذًا لِلْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَدَبَّرْتَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ جَيِّدًا لَوَجَدْتَ أَنَّ جُلَّ مَا تَفْعَلُهُ هُوَ دُعَاءُ اللَّهِ بِقَوْلِكَ (اللَّهُمَّ) لِيُصَلِّيَ هُوَ (أَيْ اللَّهُ نَفْسُهُ) عَلَى النَّبِيِّ (صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ). فَمَا الَّذِي فَعَلْتَهُ أَنْتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؟ هَلْ صَلَّيْتَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ عَلَى النَّبِيِّ كَلَّا؟
وَنَحْنُ نَطْرَحُ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: لِمَ تَطْلُبُ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ دَاعِيًا أَنْ يُصَلِّيَ هُوَ عَلَى النَّبِيِّ بِقَوْلِكَ (اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ)؟ أَلَمْ تَقْرَأِ الْآيَةَ كُلَّهَا الَّتِي تَحُثُّكَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ؟ أَلَمْ تَبْدَأِ الْآيَةُ نَفْسُهَا بِإِخْبَارِكَ يَقِينًا بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ صَلَّى وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى النَّبِيِّ:
تَسَاؤُلَاتُنَا: مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ صَلَّى وَمَلَائِكَتُهُ عَلَى النَّبِيِّ، وَمَادَامَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ هَذِهِ عَلَى النَّبِيِّ دَائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، فَمَا الْحَاجَةُ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يُصَلِّيَ هُوَ عَلَى النَّبِيِّ بِقَوْلِكَ (اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: سَوَاءٌ دَعَوْتَ اللَّهَ أَمْ لَمْ تَدْعُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ، فَإِنَّ صَلَاةَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ). لِذَا فَإِنَّ دُعَاءَكَ هَذَا بِالْقَوْلِ (اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ) لَا يَزِيدُ فِي الْأَمْرِ شَيْئًا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا.
السُّؤَالْ: مَا الْمَطْلُوبُ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَتَمَثَّلُ بِأَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ بِأَنْ يُصَلِّيَ هُوَ عَلَى النَّبِيِّ، بَلْ أَنْ تَقُومَ أَنْتَ نَفْسُكَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُوَ:
السُّؤَالْ: وَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَقُولَهُ حَتَّى أَكُونَ قَدْ صَلَّيْتُ أَنَا بِنَفْسِي عَلَى النَّبِيِّ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ صِيغَةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِلَفْظٍ يُشْبِهُ التَّالِي:
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهْ
فَتُصْبِحُ صِيغَةُ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ (أَيْ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنَ الصَّلَاةِ الْخَاصُّ بِالنَّبِيِّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ) كُلُّهَا – كَمَا نَفْتَرِيهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا- عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَاشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (كَمَا صَلَّيْتَ وَسَلَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)
اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدْ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهْ
مُلَاحَظَةٌ غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةْ: نَحْنُ نَوَدُّ التَّأْكِيدَ لِكُلِّ قَارِئٍ لِهَذِهِ السُّطُورِ بِأَنَّ هَذِهِ هِيَ عَقِيدَتُنَا وَحْدَنَا، وَنَطْلُبُ مِنْهُ بِكُلِّ أَدَبٍ جَمٍّ أَنْ لَا يَأْخُذَ بِهَا إِذَا لَمْ يَجِدْ أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ يُثْبِتُهُ، وَإِنْ هُوَ تَجَرَّأَ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا، فَيَكُنْ فِي ذِهْنِهِ دَائِمًا أَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ مَنْ يَتَحَمَّلُ تَبِعَاتِ الْأَمْرِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ كَلَامَنَا مَغْلُوطْ. فَنَحْنُ لَا نُقَدِّمُ فَتَاوَى لِلنَّاسِ، وَلَكِنَّنَا نُفَكِّرُ فَقَطْ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعْ. وَاللَّهُ أَعْلَمْ.
[فقه الزكاة]
بَعْدَ أَنْ تَجَرَّأْنَا عَلَى تَسْطِيرِ بَعْضِ الْخُطُوطِ الْعَرِيضَةِ الَّتِي رُبَّمَا تُبَيِّنُ بَعْضَ تَفَاصِيلِ عَقِيدَتِنَا فِيمَا يَخُصُّ فِقْهَ الصِّيَامِ وَفِقْهَ الصَّلَاةِ كَمَا فَهِمْنَاهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، دَعْنَا نَنْتَقِلُ إِلَى تَسْطِيرِ بَعْضِ الِافْتِرَاءَاتِ الْخَاصَّةِ بِنَا عَنْ فِقْهِ الزَّكَاةِ كَمَا نَفْهَمُهُ أَيْضًا مِنْ كِتَابِ اللَّهْ. وَلَعَلَّنَا نَحْتَاجُ بِدَايَةً أَنْ نُنَبِّهَ إِلَى أَنَّنَا سَنَتَجَرَّأُ عَلَى بَعْضِ الِافْتِرَاءَاتِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ فِي الْفِكْرِ الدِّينِيِّ، وَالَّتِي نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ لَهَا (إِنْ صَحَّتْ طَبْعًا) تَبِعَاتٌ جَمَّةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ الدِّينِيَّةِ وَعَلَى التَّطْبِيقِ الْفِعْلِيِّ لَهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُجَازِفَ بِاللَّحَاقِ بِنَا فِي رِحْلَةٍ مُتَهَوِّرَةٍ إِلَى أَرْضٍ بِكْرٍ لَا نَدْرِي طَبِيعَةَ تَضَارِيسِهَا بَعْدُ، فَلَهُ ذَلِكَ شَرِيطَةَ أَنْ يَتَحَمَّلَ هُوَ بِنَفْسِهِ تَبِعَاتِ قَرَارِهِ، وَلَا نَمْلِكُ إِلَّا أَنْ نُسْدِيَ لَهُ النَّصِيحَةَ دَائِمًا بِأَنْ لَا يَمَلَّ مِنْ دُعَاءِ رَبِّهِ (ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ). وَمَنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى الْوَرَاءِ، خَاصَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُغْرَمِينَ بِقَصِيدَةِ رُوبَرْت فُرُسْت (The Road Not Taken)، فَلَهُ أَنْ يُتَابِعَ الْمَسِيرَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي يَعْرِفُ تَفَاصِيلَهَا جَيِّدًا، فَهُوَ الْأَكْثَرُ دِرَايَةً بِمَصْلَحَتِهِ مَادَامَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَعِدْ يَوْمًا عَنْ ذَلِكَ الصِّرَاطِ الَّذِي أَلْفَى عَلَيْهِ آبَاءَهْ.
(دُعَاءْ: رَبَّنَا اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا – أَمِينْ)
أَمَّا بَعْدْ
إِنَّ الَّذِي أَشْغَلَ تَفْكِيرَنَا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هُوَ تَنَاوُبُ اللَّفْظِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيْنَ مُفْرَدَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَهُمَا مُفْرَدَةُ الزَّكَاةِ (الزَّكَوَةِ) مِنْ جِهَةٍ وَمُفْرَدَةُ الصَّدَقَةِ (الصَّدَقَاتِ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَطَرَحْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا التَّسَاؤُلَ الْمُثِيرَ التَّالِي: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ كَمَا تَرِدَا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيّ؟
وَكَانَتْ مُحَاوَلَتُنَا فِي الْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ تَتَمَثَّلُ بِدَايَةً فِي اسْتِعْرَاضِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ كُلِّهَا الْخَاصَّةِ بِالْمُفْرَدَتَيْنِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، ثُمَّ مُحَاوَلَةُ تَدَبُّرِهَا فِي تِلْكَ السِّيَاقَاتِ مُتَفَرِّقَةً أَوَّلًا ثُمَّ مُجْتَمِعَةً بَعْدَ ذَلِكَ، عَلَّنَا نَسْتَطِيعُ (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ) الْخُرُوجَ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ رُبَّمَا تُسَاعِدُنَا فِي تَجْلِيَةِ الْفُرُوقَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَيْنَ الْمُفْرَدَتَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ مُحَاوَلَةُ إِسْقَاطِ تِلْكَ الِاسْتِنْبَاطَاتِ الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، وَالنَّظَرِ فِيمَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ بَعْدَ ذَلِكْ.
فَعِنْدَ اسْتِعْرَاضِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالصَّدَقَةِ (الصَّدَقَاتِ)، وَجَدْنَاهَا مُتَعَدِّدَةً وَمُتَنَوِّعَةً، فَحَاوَلْنَا الْخُرُوجَ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ نَذْكُرُ مِنْهَا:
أَوَّلًا، أَنَّ الصَّدَقَةَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِتَوَافُرِ الْأَمْوَالْ:
ثَانِيًا، يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ الْإِنْسَانُ بِفِعْلِ الصَّدَقَةِ فِي الْحَجِّ، قَالَ تَعَالَى:
ثَالِثًا، يُمْكِنُ لِفِعْلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَجُرَّ وَرَاءَهُ الْأَذَى، قَالَ تَعَالَى:
وَيُمْكِنُ لِهَذِهِ الصَّدَقَاتِ أَنْ تُبْطَلَ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى:
رَابِعًا، يُمْكِنُ لَنَا (كَبَشَرٍ) أَنْ نَأْمُرَ غَيْرَنَا بِالصَّدَقَةْ:
خَامِسًا، يُمْكِنُ أَنْ تُقَدَّمَ الصَّدَقَةُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ نَفْسِهِ، قَالَ تَعَالَى:
سَادِسًا، لَا مَانِعَ مِنْ إِبْدَاءِ الصَّدَقَاتِ وَلَكِنَّ إِخْفَاءَهَا هُوَ خَيْرٌ، قَالَ تَعَالَى:
سَابِعًا، الرِّبَا هُوَ النَّقِيضُ الْمُقَابِلُ لِلصَّدَقَاتِ، فَفِي حِينِ أَنَّ اللَّهَ يَمْحَقُ الرِّبَا فَهُوَ نَفْسُهُ مَنْ يُرْبِي الصَّدَقَاتِ، قَالَ تَعَالَى:
ثَامِنًا، مَا يُؤْتِي الرِّجَالُ النِّسَاءَ مِنْ مَالٍ يَقَعُ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ، قَالَ تَعَالَى:
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُنَّ:
تَاسِعًا، تَوْزِيعُ الصَّدَقَاتِ يَكُونُ وَاضِحًا لِلْجَمِيعِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَعْضَ قَدْ يَلْمِزُ النَّبِيَّ فِي طَرِيقَةِ تَوْزِيعِهَا، قَالَ تَعَالَى:
عَاشِرًا، جَاءَ تَحْدِيدُ الْفِئَاتِ الَّتِي تَأْخُذُ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
أَحَدَ عَشَرَ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَدٌّ أَدْنَى لِلْقُدْرَةِ الْمَالِيَّةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ، فَقَدْ يَتَطَوَّعُ الْمُؤْمِنُ بِأَيِّ مِقْدَارٍ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا دَامَ أَنَّ هَذَا هُوَ جُهْدُهُ، قَالَ تَعَالَى:
اثْنَا عَشَرَ، جَاءَتْ آيَةٌ كَرِيمَةٌ تُبَيِّنُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ، قَالَ تَعَالَى:
ثَالِثَ عَشَرَ، يُمْكِنُ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ إِخْرَاجُ الصَّدَقَاتِ، قَالَ تَعَالَى:
رَابِعَ عَشَرَ، جَاءَ الْفَصْلُ وَاضِحًا فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيْنَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَتَقْدِيمُ الصَّدَقَاتِ هُوَ فِعْلٌ يَخْتَلِفُ عَنْ فِعْلِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالُ الْمِحْوَرِيّ: إِذَا كَانَ فِعْلُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ يَخْتَلِفُ عَنْ فِعْلِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَمَا هِيَ الِاسْتِنْبَاطَاتُ الَّتِي يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْهَا مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ فِعْلِ إِيتَاءِ الزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى، دَعْنَا نَسْتَعْرِضُ الْآنَ بَعْضَ الِاسْتِنْبَاطَاتِ الَّتِي اسْتَطَعْنَا الْخُرُوجَ بِهَا مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِفِعْلِ إِيتَاءِ الزَّكَاةْ.
أَوَّلًا، رُبَّمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْكَثِيرِينَ أَنَّ فِعْلَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ قَدْ وَرَدَ مُجَاوِرًا وَمُلَاحِقًا لِفِعْلِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى:
ثَانِيًا، جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ غَيْرَ مُصَاحِبٍ لِفِعْلِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
ثَالِثًا، جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ مُنْفَصِلًا بِشَكْلٍ لَا لَبْسَ فِيهِ عَنْ إِقْرَاضِ اللَّهِ قَرْضًا حَسَنًا، كَمَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
رَابِعًا، جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مَتَى مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ، قَالَ تَعَالَى:
خَامِسًا، كَانَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ (بِالْإِضَافَةِ إِلَى التَّوْبَةِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ) هُوَ الشَّرْطُ الثَّلَاثُ لِتَحْقِيقِ الْإِخْوَةِ فِي الدِّينِ، قَالَ تَعَالَى:
سَادِسًا، جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ مُصَاحِبًا وَتَابِعًا لِعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، قَالَ تَعَالَى:
ثَامِنًا، جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، قَالَ تَعَالَى:
تَاسِعًا، كَانَتِ الزَّكَاةُ وَاحِدَةً مِنْ مَا أَوْصَى بِهِ اللَّهُ نَبِيَّهُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، قَالَ تَعَالَى:
عَاشِرًا، كَانَتْ مِنْ سِمَاتِ نَبِيِّ اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ هُوَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالزَّكَاةِ مُبَاشَرَةً بَعْدَ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى:
أَحَدَ عَشَرَ، كَانَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ أَهَمِّ مِيزَاتِ مَنْ مَكَّنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى:
اثْنَا عَشَرَ، جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَاحِدٌ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُحَدَّدَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قَالَ تَعَالَى:
ثَالِثَ عَشَرَ، كَانَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، وَهُمُ الْمُوقِنُونَ بِالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى:
وَكَانَ عَدَمُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ (عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ) وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْكَافِرِينَ بِالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى:
رَابِعَ عَشَرَ، جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ كَوَاحِدٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَجْلِبَ لَنَا الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى:
خَامِسَ عَشَرَ، جَاءَ الْحَثُّ وَاضِحًا لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، قَالَ تَعَالَى:
سَادِسَ عَشَرَ، مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا لِلَّهِ الدِّينَ، فَلَابُدَّ أَنْ يُؤْتِيَ الزَّكَاةَ كَمَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ، قَالَ تَعَالَى:
سَابِعَ عَشَرَ: جَاءَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ (بِالْإِضَافَةِ إِلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) مُنْفَصِلًا عَنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ بَعْدَ هَذَا السَّرْدِ لِلِاسْتِنْبَاطَاتِ الَّتِي حَاوَلْنَا تَسْوِيقَهَا لِمَا فَهِمْنَا مِنَ السِّيَاقَاتِ الْخَاصَّةِ بِالصَّدَقَةِ وَالسِّيَاقَاتِ الْخَاصَّةِ بِالزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: بِدَايَةً، لَمَّا كَانَ فِعْلَا إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ قَدْ وَرَدَا مُصَاحِبَيْنِ لِـ وَمُنْفَصِلَيْنِ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَجَبَ عَلَيْنَا الْخُرُوجُ بِالِاسْتِنْبَاطِ التَّالِي الْمُهِمِّ جِدًّا جِدًّا وَهُوَ أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرْ. فَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ هُوَ شَيْءٌ وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا هَذَا الْفَصْلُ بَيْنَ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ مِنْ جِهَةٍ (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ) وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ فِعْلَيْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُلْزِمَةِ لَهُ (شَاءَ أَوْ أَبَى) الَّتِي لَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنْ أَدَائِهَا الْخَيْرَاتْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا لَا يَتَحَصَّلُ لِلْمُسْلِمِ الْخَيْرَاتُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: مَادَامَ أَنَّهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ شَاءَ أَوْ أَبَى، فَهِيَ إِذَنْ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهْ. انْتَهَى.
نتيجة مفتراة (2): إيتاء الزكاة هي حق لله على عباده.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي لَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَلَا يُؤْتِي الزَّكَاةَ فَهُوَ كَمَا لَا يَقُومُ بِأَدَاءِ دَيْنٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَتَهَاوَنُ فِيهَا هُوَ كَمَنْ يَتَهَاوَنُ فِي أَدَاءِ ذَلِكَ الدَّيْنْ.
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ هَذَا التَّصَاحُبِ الَّذِي يَكَادُ لَا يَنْفَكُّ فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيْنَ فِعْلَيْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَرَى أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابٌ عَدِيدَةٌ هِيَ مُحَرِّكُ هَذَا التَّصَاحُبِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ هِيَ أَفْعَالٌ مَفْرُوضَةٌ عَلَى الْعَبْدِ، مُلْزِمَةٌ لَهُ شَاءَ أَوْ أَبَى.
- إِنَّ الْعَلَانِيَةَ فِي أَدَائِهِمَا وَاجِبَةٌ، فَلَا مَجَالَ لِإِخْفَائِهَا. فَفِي حِينِ أَنَّهُ يُمْكِنُ إِبْدَاءُ الصَّدَقَاتِ وَيُمْكِنُ إِخْفَاؤُهَا، فَإِنَّ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ تَجِبُ فِيهِ الْعَلَانِيَةْ. بِالضَّبْطِ كَمَا الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، فَفِي حِينِ أَنَّ الْعَلَانِيَةَ وَاجِبَةٌ فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ (الْمَفْرُوضَةِ)، فَإِنَّ الْعَلَانِيَةَ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ فِي التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَوْ مَا يُعْرَفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ).
- إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ هِيَ أَفْعَالٌ مُحَدَّدَةٌ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا أَوِ التَّنْقِيصُ مِنْهَا، بَيْنَمَا يُمْكِنُ أَنْ نَزِيدَ وَنَنْقُصَ مِنَ الصَّدَقَاتِ بِمِقْدَارِ الْجُهْدْ. بِالضَّبْطِ كَمَا الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، فَفِي حِينِ أَنَّ عَدَدَ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا مُحَدَّدَةٌ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ (الْمَفْرُوضَةِ)، فَإِنَّ الْبَابَ مَفْتُوحٌ فِي التَّسْبِيحِ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَوْ مَا يُعْرَفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ).
- إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ هِيَ أَفْعَالٌ مُحَدَّدَةٌ بِأَزْمَانٍ ثَابِتَةٍ، بَيْنَمَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ الصَّدَقَاتِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَاوِتَةْ. بِالضَّبْطِ كَمَا الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، فَفِي حِينِ أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ هِيَ كِتَابٌ مَوْقُوتٌ، فَإِنَّ التَّسْبِيحَ بِحَمْدِ الرَّبِّ (أَوْ مَا يُعْرَفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِصَلَاةِ السُّنَّةِ) يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ فِي أَيِّ وَقْتْ.
- الخ.
تَلْخِيصُ مَا سَبَقْ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ كَمَا يَنْقَسِمُ فِعْلُ الصَّلَاةِ إِلَى فِعْلَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ وَهُمَا إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحُ بِحَمْدِ الرَّبِّ كَمَا حَاوَلْنَا تَوْضِيحَ هَذَا سَابِقًا تَحْتَ عُنْوَانِ فِقْهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ فِعْلَ الزَّكَاةِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْمَنْطِقُ نَفْسُهُ، فَهُوَ أَيْضًا فِعْلٌ يَنْقَسِمُ إِلَى فِعْلَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ وَهُمَا إِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَتَقْدِيمُ الصَّدَقَاتِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
| الصلاة | الزكاة | ||
|---|---|---|---|
| إقامة الصلاة | التسبيح بحمد الرب | إيتاء الزكاة | تقديم الصدقات |
| * حق الله على العباد * واجبة لا مفر من أدائها * علانية * لا تجلب للإنسان مصلحة دنيوية * لا تقع في باب فعل الخيرات * ثابتة في المقدار فلا نزيد فيها ولا ننقص منها * الخ |
* حق العباد على الله * تطوعية * قد تبدى وقد تخفى * تجلب للإنسان مصلحة دنيوية * تقع في باب فعل الخيرات * متفاوتة في المقدار يمكن أن نزيد فيها أو أن ننقص منها * الخ |
* حق الله على العباد * واجبة لا مفر من أدائها * علانية * لا تجلب للإنسان مصلحة دنيوية * لا تقع في باب فعل الخيرات * ثابتة في المقدار فلا نزيد فيها ولا ننقص منها * الخ |
* حق العباد على الله * تطوعية * قد تبدى وقد تخفى * تجلب للإنسان مصلحة دنيوية * تقع في باب فعل الخيرات * متفاوتة في المقدار يمكن أن نزيد فيها أو أن ننقص منها * الخ |
السُّؤَالْ: مَا هِيَ الزَّكَاةُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟ وَمَا هِيَ الصَّدَقَةُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ (إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ)؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنْ صَحَّتْ اسْتِنْبَاطَاتُنَا هَذِهِ عَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ إِذَنْ عَلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ بِأَنَّ فِعْلَ الزَّكَاةِ يَنْقَسِمُ إِلَى فِعْلَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ هُمَا فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَفِعْلُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ، فَفِي حِينِ أَنَّ فِعْلَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ هُوَ فِعْلٌ إِلْزَامِيٌّ، مُحَدَّدٌ بِالْمِقْدَارِ وَالْكَيْفِيَّةِ، وَلَا يَجْلِبُ لِلْإِنْسَانِ مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً لِأَنَّهُ حَقٌّ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِمْ:
فَإِنَّ تَقْدِيمَ الصَّدَقَاتِ – بِالْمُقَابِلِ- هُوَ فِعْلٌ تَطَوُّعِيٌّ غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِالْمِقْدَارِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ لِلْإِنْسَانِ مَنْفَعَةً دُنْيَوِيَّةً مَادَامَ أَنَّهُ تَطَوُّعِيٌّ، يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُ عَنْ رَغْبَةٍ مِنْهُ، وَهُوَ يَتَفَاوَتُ فِي الْمِقْدَارِ بِحَسَبِ جُهْدِ الشَّخْصِ نَفْسِهْ:
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ إِسْقَاطُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ (إِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَتَقْدِيمُ الصَّدَقَاتِ) عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ إِسْقَاطُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ عَلَى النَّحْوِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِي: نَحْنُ نَظُنُّ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) بِأَنَّ فِعْلَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هُوَ مَا يُعْرَفُ بِالْمُفْرَدَاتِ الدَّارِجَةِ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ تَحْتَ عُنْوَانِ "دَفْعِ الضَّرَائِبِ". فَهُوَ – بِرَأْيِنَا- الضَّرِيبَةُ الْمَفْرُوضَةُ وَالْمُلْزِمَةُ فِي كُلِّ مَا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَالٍ (أَيْ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ)، يَدْفَعُهُ هَذَا الْمُسْلِمُ كَحَقٍّ مَعْلُومٍ لِلدَّوْلَةِ، لِيَسْتَفِيدَ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الْجَمِيعُ بِالْقِسْطِ (أَيْ بِالتَّسَاوِي فِي التَّوْزِيعِ وَالْمَنْفَعَةِ)، فَهُوَ إِذَنْ حَقٌّ لِلْجَمِيعِ، السَّائِلِ مِنْهُمْ وَالْمَحْرُومْ:
أَمَّا الصَّدَقَاتُ فَهِيَ – بِالْمُقَابِلِ- مِنَ الْأَعْمَالِ التَّطَوُّعِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُومَ بِهَا بِنَفْسِهِ إِنْ شَاءَ، بِحَسَبِ جُهْدِ كُلِّ شَخْصٍ مِنْهُمْ،
وَلَهَا مَصَارِفُ مُحَدَّدَةٌ، خَاصَّةٌ فَقَطْ بِالْفِئَاتِ ذَاتِ الْحَاجَةِ الْمُلِحَّةِ مِنَ الْمُجْتَمَعِ، وَهُمْ مَنْ جَاءَ ذِكْرُهُمْ وَاضِحًا لَا لَبْسَ فِيهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ فِعْلَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ (كَمَا هُوَ فِعْلُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) وَاجِبٌ فِيهِ الْإِظْهَارُ (أَيْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَادِيًا عَلَى غَيْرِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي قَدْ تُبْدَى وَقَدْ تُخْفَى)، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ تَحْتَ أَيِّ ظَرْفٍ مِنَ الظُّرُوفْ:
فَحَتَّى تَبِينَ إِخْوَةُ النَّاسِ فِي الدِّينِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومٌ لَدَى الْجَمِيعِ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ مِنَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ. وَسَنَرَى تَبِعَاتِ هَذَا الِافْتِرَاءِ الْجَمَّةِ لَاحِقًا (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ) عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَطْبِيقِهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ.
بَيْنَمَا تَقْدِيمُ الصَّدَقَاتِ – بِالْمُقَابِلِ- فَهُوَ فِعْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا (فَيَعْلَمُ بِهِ النَّاسُ الْآخَرُونَ) وَلَكِنَّ الْخَيْرِيَّةَ – لَا شَكَّ- تَكُونُ فِي إِخْفَائِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَالْهَدَفُ مِنْ إِخْفَائِهِ هُوَ حَتَّى لَا يَحْدُثَ مِنْ جَرَّاءِ فِعْلِهِ الْأَذَى:
السُّؤَالْ: مَا هُوَ الْمَنُّ؟ وَمَا هُوَ الْأَذَى؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تُبْطَلَ الصَّدَقَاتُ بِالْمَنِّ أَوْ بِالْأَذَى؟
رَأْيُنَا: عِنْدَمَا يَقُومُ شَخْصٌ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ لِشَخْصٍ آخَرَ، قَدْ يَقَعُ الشَّخْصُ الَّذِي تَصَدَّقَ بِإِبْطَالِ صَدَقَتِهِ هَذِهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ طَرِيقَتَيْنِ، وَهُمَا الْمَنُّ أَوِ الْأَذَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ الْأَوَّلْ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُبْطِلَ الْمُؤْمِنُ صَدَقَاتِهِ بِالْمَنِّ؟
السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُبْطِلَ الْمُؤْمِنُ صَدَقَاتِهِ بِالْأَذَى؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَيْنِ التَّسَاؤُلَيْنِ، وَجَبَ عَلَيْنَا التَّوَقُّفُ عَلَى الْأُمُورِ التَّالِيَةِ، كَمَا نَفْهَمُهَا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا:
- أَنَّ ذَلِكَ سُلُوكٌ قَدْ يَقُومُ بِهِ بَعْضُ الْمُؤْمِنُونَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ).
- أَنَّ ذَلِكَ السُّلُوكَ يُشْبِهُ سُلُوكَ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ أَصْلًا مِنْ أَجْلِ الرِّيَاءِ (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ).
- أَنَّ ذَلِكَ السُّلُوكَ يُشْبِهُ مَا يَقُومُ بِهِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
- أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُشَبَّهُ بِالصَّفْوَانِ الَّذِي عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ، فَأَزَاحَ ذَلِكَ التُّرَابَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى عَادَ بِهِ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا).
- الخ.
السُّؤَالْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى إِذَنْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَنَّ هُوَ أَنْ يَقُومَ الشَّخْصُ الَّذِي تَصَدَّقَ "بِمُعَايَرَةِ" مَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ شَخْصِيًّا، فَالْمِنَّةُ تَقَعُ مِنَ "الْمُنْعِمِ" عَلَى "الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ"، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: الْمِنَّةُ تَقَعُ مُبَاشَرَةً مِنَ الَّذِي أَعْطَى إِلَى الَّذِي أُعْطِيَ. لِذَا، فَإِنَّ الشَّخْصَ الَّذِي قَدَّمَ الصَّدَقَةَ لِشَخْصٍ آخَرَ قَدْ يُبْطِلُ صَدَقَتَهُ هَذِهِ إِنْ هُوَ مَنَّ مُبَاشَرَةً عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أَعْطَاهُ نَفْسَهُ، كَأَنْ يُذَكِّرَهُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَبِأَنَّ لَهُ مِنَّةً عَلَيْهْ.
رِسَالَةٌ قَصِيرَةْ: كَمْ نَجِدُ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ مَنْ يَقُومُ بِفِعْلِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ إِذَا مَا حَصَلَ خِصَامٌ بَيْنَ الطَّرَفِ، رَأَيْتَ الْمُتَصَدِّقَ يُذَكِّرُ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامْ! فَنَحْنُ نَدْعُوكَ عَزِيزِي الْمُتَصَدِّقَ أَنَّ هَذِهِ الْمِنَّةَ (أَيْ الْمُعَايَرَةَ بِالْكَلِمَاتِ الْأُرْدُنِيَّةِ الدَّارِجَةِ) سَتُبْطِلُ لَا مَحَالَةَ كُلَّ الصَّدَقَةِ الَّتِي قَدَّمْتَهَا، وَلَنْ تَسْتَفِيدَ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا السُّلُوكِ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ الَّذِي يَتَصَدَّقُ مِنْ أَجْلِ الرِّيَاءِ، وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا مِمَّنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ وَالْآخِرِ (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). وَهَذَا السُّلُوكُ يُشْبِهُ مَنْ وَضَعَ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ التُّرَابِ عَلَى الصَّخْرَةِ الْكَبِيرَةِ (صَفْوَانٍ) ظَانًّا أَنَّهَا سَتَكُونُ أَرْضًا خَصْبَةً لِلنَّمَاءِ، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ مِنَّتَهُ هَذِهِ قَدْ أَزَالَتِ التُّرَابَ مِنَ الْمَكَانِ كُلِّهِ، فَعَادَتْ بِهِ صَلْدًا، أَيْ رُبَّمَا أَكْثَرَ قَسْوَةً مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ سَابِقًا.
وَالَّذِي يُنْفِقُ مِنْ أَجْلِ الرِّيَاءِ هُوَ الَّذِي يَكُفُّ عَنِ الْإِنْفَاقِ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَرْدُودًا مُبَاشِرًا مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِصَدَقَتِهِ، وَيَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يَقُولُ يَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ تَبْقَى أَلْسِنَتُهُمْ تَلْهَجُ بِذِكْرِي الطَّيِّبِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينْ. وَلَوْ تَوَقَّفَ هَؤُلَاءِ عَنْ ذِكْرِهِ وَذِكْرِ آبَائِهِ وَنِعَمِهِمْ عَلَيْهِمْ، لَاسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَرُبَّمَا مَا تَرَدَّدَ بِأَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِصَدَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَذَاكَ هُوَ – بِرَأْيِنَا- الْمَنُّ الَّذِي يُبْطِلُ الصَّدَقَاتِ كُلَّهَا.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تُبْطَلَ الصَّدَقَاتُ بِالْأَذَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، دَعْنَا نَطْرَحُ بِدَايَةً التَّسَاؤُلَ الْأَوَّلِيَّ التَّالِي: مَا هُوَ الْأَذَى؟
أَوَّلًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَذَى هُوَ "عَيْبٌ أَوْ خَلَلٌ أُصِيبَ بِهِ الشَّخْصُ" لَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ الْآخَرِينَ مَهْمَا حَاوَلَ الْمُصَابُ تَغْطِيَةَ ذَلِكَ الْأَذَى.
الدَّلِيلْ
قَدْ يُصِيبُ الْأَذَى الرَّأْسَ، وَهُوَ الْجُزْءُ الْأَكْثَرُ وُضُوحًا فِي جِسْمِ الْإِنْسَانِ كُلِّهِ، قَالَ تَعَالَى:
فَمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ الْأَذَى (أَيْ أَذَى الرَّأْسِ) قَدْ يُحَاوِلُ (وَقَدْ يَلْجَأُ إِلَى) تَغْطِيَةِ ذَلِكَ الْأَذَى بِشَيْءٍ مِنَ الْقُمَاشِ أَوْ مَا شَابَهْ. لَكِنْ حَتَّى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَمْنَعَ الْآخَرِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ حُدُوثِ الْأَذَى فِي الرَّأْسِ بِسَبَبِ التَّغْطِيَةْ. فَسَوَاءٌ تَمَّتْ تَغْطِيَةُ الْأَذَى أَوْ لَمْ تَتِمَّ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَنْ يَكُونَ فَقَطْ لِلشَّخْصِ الَّذِي أَصَابَ رَأْسَهُ ذَلِكَ الْأَذَى، وَإِنَّمَا لِمَنْ حَوْلَهْ. فَكُلُّ مَنْ يَقْتَرِبُ إِلَى مَسَافَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الشَّخْصِ الَّذِي أَصَابَ رَأْسَهُ الْأَذَى، يَعْلَمُ بِهِ، وَكُلَّمَا اقْتَرَبَ أَكْثَرَ، كُلَّمَا اتَّضَحَ لَهُ الْأَذَى أَكْثَرْ. فَيَزْدَادُ الْعِلْمُ بِالْأَذَى كُلَّمَا ازْدَادَ الْقُرْبُ مِنَ الشَّخْصِ الَّذِي يُعَانِي مِنْهُ، وَيَقِلُّ الْعِلْمُ بِهِ كُلَّمَا ابْتَعَدَ عَنِ الشَّخْصِ الَّذِي أَصَابَ رَأْسَهُ الْأَذَى. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْعِلْمِ بِالْمَحِيضِ، الَّذِي هُوَ أَيْضًا أَذًى:
فَأَكْثَرُ النَّاسِ عِلْمًا بِمَحِيضِ الْمَرْأَةِ هُوَ زَوْجُهَا، لِأَنَّهُ – لَا شَكَّ- هُوَ الْأَقْرَبُ لَهَا. فَمَهْمَا حَاوَلَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي تُعَانِي مِنْ أَذَى الْمَحِيضِ تَغْطِيَةَ الْخَبَرِ عَنِ الْآخَرِينَ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَابُدَّ أَنْ يَنْكَشِفَ خَبَرُهُ عَلَى الْبَعْضِ مِمَّنْ هُمْ حَوْلَهَا، كَالْعَائِلَةِ مَثَلًا (عِنْدَمَا تَتَوَقَّفُ الْمَرْأَةُ الْمُصَابَةُ بِأَذَى الْمَحِيضِ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَوْ عَنِ الصِّيَامِ فِي وَقْتِ حُدُوثِ الْأَذَى)، أَوْ كَالزَّوْجِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَذَى مَحِيضِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ أَنْ يَعْتَزِلَهَا فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ). فَنَصِلُ إِلَى النَّتِيجَةِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا مُهِمَّةٌ جِدًّا وَتَتَمَثَّلُ بِافْتِرَائِنَا بِأَنَّ أَقَلَّ عَدَدٍ مِنَ الْبَشَرِ يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَعْرِفَ عَنِ الْأَذَى هُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ (كَالزَّوْجِ)، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ عَنِ الْأَذَى أَشْخَاصٌ كَثِيرُونَ كَحَالِهِ كَأَذَى الرَّأْسِ فِي الْحَجّْ.
نَتِيجَةْ: الْعِلْمُ بِالْأَذَى قَدْ يَصِلُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ، وَلَكِنَّ أَقَلَّ عَدَدٍ مُمْكِنٍ أَنْ يَعْرِفَ عَنِ الْأَذَى هُوَ شَخْصٌ وَاحِدْ.
ثَانِيًا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ خَبَرَ الْأَذَى (أَيْ الْعِلْمَ بِهِ) قَدْ يَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ كَانْتِشَارِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ، فَقَدْ يُخْبِرُ الْبَعْضُ مِنَ النَّاسِ بِأَذَى الْآخَرِينَ لِلْبَعْضِ الْآخَرْ:
فَالْعِلْمُ بِخَبَرِ الْأَذَى قَدْ يَكُونُ بِالسَّمْعِ (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا)، وَهُنَا يَزْدَادُ الْأَذَى، فَيُصْبِحُ أَذًى كَثِيرًا.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ عَدَدُ الْعَارِفِينَ بِالْأَذَى، كُلَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ الْأَذَى. فَلَوْ عَرَفَ بِالْأَذَى شَخْصٌ وَاحِدٌ لَكَانَ أَذًى مَحْدُودًا، وَلَكِنْ لَوْ عَرَفَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ شَخْصٍ لَاتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الْأَذَى بِازْدِيَادِ عَدَدِ مَنْ يَعْلَمُ بِهْ.
ثَالِثًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَذَى يَسْتَحِيلُ إِخْفَاؤُهُ كَالَّذِي قَدْ يَلْحَقُ بِالنَّاسِ مِنَ الْمَطَرِ، وَلَكِنَّهُ يُحْدِثُ أَيْضًا فَوْضَى عَارِمَةً، كُلَّمَا ازْدَادَ عَدَدُ الْعَالِمِينَ بِهْ:
فَلَكَ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنْ تَتَخَيَّلَ طَبِيعَةَ الْفَوْضَى (غَيْرِ الْمُنَظَّمَةِ) الَّتِي تَنْتُجُ عَنْ نُزُولِ الْمَطَرِ عِنْدَمَا تَدُوسُ أَقْدَامُ النَّاسِ الْأَرْضَ الَّتِي ابْتَلَّتْ بِمَاءِ الْمَطَرِ (أَيْ مَا يُعْرَفُ بِالطِّينِ أَوْ mud بِالْمُفْرَدَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ. فَيُصْبِحُ مِنَ الصَّعْبِ السَّيْطَرَةُ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانٍ تَنْظِيمُهُ، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
رَابِعًا، وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَذَى قَدْ يَلْحَقُ بِشَخْصٍ وَاحِدٍ (كَأَذَى الرَّأْسِ أَوِ الْمَحِيضِ) وَقَدْ يَلْحَقُ بِالْمَجْمُوعَةِ كُلِّهَا، كَمَا حَصَلَ عِنْدَمَا لَحِقَ الْأَذَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ كُلِّهِمْ فِي أَرْضِ مِصْرْ:
السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِإِبْطَالِ الصَّدَقَاتِ بِالْأَذَى؟
رِسَالَةٌ قَصِيرَةْ: كَمْ نَجِدُ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ مَنْ يَقُومُ بِفِعْلِ الصَّدَقَةِ، وَلَا تَرَاهُ يَقُومُ بِفِعْلِ الْمَنِّ عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةً، وَلَكِنَّهُ يَذْهَبُ لِنَشْرِ خَبَرِ صَدَقَتِهِ هَذِهِ لِلْآخَرِينْ. فَتَرَاهُ يَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَبِكَذَا. وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يُسِرُّ إِلَى بَعْضِ أَصْدِقَائِهِ أَوْ عَائِلَتِهِ أَوْ رُبَّمَا زَوْجَتِهِ (الَّتِي تَتَوَلَّى نَقْلَ الْخَبَرِ بِكُلِّ بَرَاعَةٍ وَاحْتِرَافٍ فِي جَلَسَاتِ الشَّايِ الصَّبَاحِيَّةِ أَوْ جَلَسَاتِ الْقَهْوَةِ الْمَسَائِيَّةِ مَعَ صَاحِبَاتِهَا وَبَعْضِ أَقَارِبِهَا) بِأَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَيَذْكُرُهُمْ بِالِاسْمْ. ثُمَّ مَا هِيَ إِلَّا فَتْرَةٌ قَصِيرَةٌ جِدًّا حَتَّى تَجِدَ أَنَّ خَبَرَ تِلْكَ الصَّدَقَةِ قَدِ انْتَشَرَ بَيْنَ النَّاسِ كَانْتِشَارِ النَّارِ فِي الْهَشِيمْ. وَرُبَّمَا أَخَذَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ الْخَبَرِ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَتَكْثُرُ التَّأْوِيلَاتُ وَالتَّفْسِيرَاتُ، وَرُبَّمَا تَصْدُرُ مِنَ الْبَعْضِ أَلْفَاظٌ غَيْرُ لَائِقَةٍ بِحَقِّ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ، فَتَدِبُّ الْفَوْضَى فِي فَهْمِ الْغَايَةِ وَالْمَقْصِدِ، فَهَذَا التَّصَرُّفُ هُوَ – بِرَأْيِنَا- أَذًى، يَكْثُرُ بِمِقْدَارِ عَدَدِ الْعَالِمِينَ بِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ الضَّرَرَ بِالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِشَخْصِهِ كَمَا يَلْحَقُ الْأَذَى بِمَنْ حَوْلَهُ (كَعَائِلَتِهِ وَأَقْرِبَائِهِ وَأَصْحَابِهِ).
مِثَالْ: عِنْدَمَا يَخْرُجُ بَعْضُ الْمُتَصَدِّقِينَ مِمَّنْ آتَاهُمُ اللَّهُ الْأَمْوَالَ الضَّخْمَةَ (وَمَا أَكْثَرَهُمْ) لِتَوْزِيعِ بَعْضِ صَدَقَاتِهِمْ عَلَى الْآخَرِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَقَلُّ حَظًّا مِنْهُمْ، تَرَاهُمْ يَجْلِبُونَ مَعَهُمْ جَيْشًا مِنَ الْإِعْلَامِيِّينَ وَقَنَوَاتِ التَّلْفَزَةِ لِتَغْطِيَةِ الْخَبَرِ، وَنَقْلِهَا لِلنَّاسِ رُبَّمَا فِي بَثٍّ عَلَى الْهَوَاءِ مُبَاشِرٍ، وَأَوَّلًا بِأَوَّلٍ عَلَى شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيّ.
السُّؤَالْ: هَلْ هَذَا فِعْلٌ مَحْمُودْ؟
جَوَابْ: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُبْطِلُ الصَّدَقَاتِ بِالْأَذَى.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: مَا ذَنْبُ الْبِنْتِ الصَّغِيرَةِ (أَوِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ) الَّتِي صَوَّرَتْهَا شَاشَاتُ التَّلْفَزَةِ عِنْدَمَا كَانَتْ عَائِلَتُهَا تَتَلَقَّى الصَّدَقَاتِ الْعَيْنِيَّةَ وَغَيْرَ الْعَيْنِيَّةِ؟ هَلْ عِنْدَمَا تَكْبُرُ هَذِهِ الطِّفْلَةُ أَوْ عِنْدَمَا يَكْبُرُ هَذَا الطِّفْلُ، هَلْ سَتُمْحَى هَذِهِ الْحَادِثَةُ مِنْ ذِهْنِهِمْ؟ هَلْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ هِيَ مَثَارُ فَخْرٍ تُسَجَّلُ فِي تَارِيخِ الطِّفْلِ أَوِ الطِّفْلَةِ لِيَحْتَفِظَ بِهَا كَجُزْءٍ مِنْ سِيرَتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ؟ وَمَاذَا لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْأَصْحَابِ وَالْمَعَارِفِ قَرَّرَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِتِلْكَ الصُّوَرِ فِي ذَاكِرَةِ أَجْهِزَةِ التَّسْجِيلِ الْمُتَنَوِّعَةِ عِنْدَهُ؟ وَمَاذَا لَوْ عُرِضَتْ هَذِهِ التَّسْجِيلَاتُ عَلَى مَرْأَى وَمَسَامِعَ مِنَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ حِينْ؟!
السُّؤَالْ: هَلْ حَفِظَ هَذَا الْمُتَصَدِّقُ (صَاحِبُ النِّعْمَةِ) لِلنَّاسِ كَرَامَتَهُمْ عِنْدَمَا أَخَذَ فِي جَيْبِهِ حَفْنَةً مِنَ النُّقُودِ الْمُتَعَفِّنَةِ فِي خَزَائِنِهِ وَأَلْقَى بِهَا عَلَى هَؤُلَاءِ "الْغَلَابَى" كَمَا يَظْهَرُ فِي التَّسْجِيلِ الْبَطِيءِ لِتِلْكَ الْحَادِثَةِ عَلَى شَاشَاتِ التَّلْفَزَةِ؟ فَهَلْ جَلَبَ لَهُمْ خَيْرًا بِمِقْدَارِ الضَّرَرِ الَّذِي أَلْحَقَهُ بِهِمْ طِوَالَ حَيَاتِهِمْ؟ هَلْ إِذَا كَانَ أَبِي أَوْ أُمِّي مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَ الصَّدَقَاتِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتَحَمَّلَ "الْعَارَ" الَّذِي جَلَبُوهُ لِي مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِي؟ مَنْ يَدْرِي؟!
رُبَّمَا يَرُدُّ الْبَعْضُ بِالْقَوْلِ أَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِي بَابِ الْعَارْ. وَرُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَجِبُ أَنْ تَتَّصِفَ بِالْحَسَاسِيَّةِ الْمُفْرِطَةِ عِنْدَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينْ.
رَأْيُنَا: إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهَلْ تَقْبَلُ عَزِيزِي الْقَارِئَ هَذَا لِنَفْسِكَ؟ هَلْ تَقْبَلُ أَنْ يَتِمَّ الْتِقَاطُ الصُّوَرِ (الَّتِي قَدْ تُبَثُّ عَلَى شَاشَاتِ التَّلْفَزَةِ وَعَلَى مَحَطَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ) الَّتِي تُصَوِّرُ أَبَاكَ أَوْ أُمَّكَ أَوْ أَخَاكَ أَوْ أُخْتَكَ أَوْ أَنْتَ نَفْسَكَ وَأَيْدِيهِمْ مَمْدُودَةٌ لِلْآخَرِينَ بِالصَّدَقَةِ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
رَأْيُنَا: إِذَا كُنْتَ تَرْضَى هَذَا لِنَفْسِكَ، فَأَعْلَمْ (رَحِمَكَ اللَّهُ) أَنَّ هُنَاكَ الْمَلَايِينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَا يَرْضَوْنَ بِهَذَا، وَأَعْلَمْ بِأَنَّ هُنَاكَ الْمَلَايِينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْكَسِرَةٌ، ثُمَّ لِتَتَأَكَّدَ أَنَّ هُنَاكَ الْمَلَايِينَ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ مَا كَانُوا لِيَقْبَلُوا بِالصَّدَقَةِ لَوْلَا أَنَّ الْحَاجَةَ فَاقَتِ التَّصَوُّرْ؟ وَتَأَكَّدْ أَنَّ هُنَاكَ الْآلَافَ الْآبَاءِ الَّذِينَ مَا كَانُوا لِيَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ لِلْآخَرِينَ لَوْلَا أَنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ إِطْعَامِ أَطْفَالِهِمُ الْجِيَاعِ أَوْ عَنْ سَتْرِ عَوْرَةِ بَنَاتِهِمْ، وَتَأَكَّدْ بِأَنَّ هُنَاكَ مَلَايِينَ الْمَلَايِينِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَ الْجُوعَ عَلَى الذُّلِّ، فَلَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا، وَهُمُ الَّذِينَ قَدْ يُفَضِّلُونَ الْمَوْتَ عَلَى مِنَّةِ الْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ. فَاللَّهُ هُوَ مَنْ أَحْسَنَ وَصْفَهُمْ فِي قَوْلِهْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا؟
جَوَابْ: لِأَنَّ مَا يَنْتُجُ عَنِ الصَّدَقَةِ الَّتِي رُبَّمَا تُقَدَّمُ لَهُمْ هُوَ فِعْلًا أَذًى، بِالضَّبْطِ كَالَّذِي يَنْتُجُ عَنِ الْمَحِيضِ، الَّذِي هُوَ أَيْضًا أَذًى:
السُّؤَالْ: وَمَا عَلَاقَةُ أَذَى الصَّدَقَةِ بِأَذَى الْمَحِيضْ؟ وَلِمَ جَاءَ وَصْفُ الْحَالَتَيْنِ بِالْمُفْرَدَةِ نَفْسِهَا (أَذًى)؟
خَيَالٌ أَغْرَبُ مِنَ الْخَيَالِ نَفْسِهْ: نَحْنُ نَفْتَرِي أَنَّ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْ أَذَى الصَّدَقَةِ هُوَ مُطَابِقٌ تَمَامًا لِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ أَذَى الْمَحِيضْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: أَنَّ الْمَحِيضَ هُوَ أَذًى لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلطَّهَارَةِ، فَالْمَرْأَةُ الَّتِي أَصَابَهَا الْمَحِيضُ تَنْقُصُهَا الطَّهَارَةُ، وَلَا تَتَحَصَّلُ لَهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَتَخَلَّصَ مِنْهُ، فَمَا أَنْ تَتَخَلَّصَ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَحِيضِ حَتَّى تَكُونَ طَاهِرَةً، وَهُنَا يَحِقُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اعْتَزَلَهَا فِي فَتْرَةِ الْمَحِيضِ كَامِلَةً. دَقِّقْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَرَّةً أُخْرَى:
وَقَدْ حَاوَلْنَا تَسْوِيقَ افْتِرَائِنَا سَابِقًا بِأَنَّ هَذَا سَبَبُهُ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بِالْمَحِيضِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمِّيَّةٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا مُقَارَنَةً بِالدَّمِ الَّذِي يَسْرِي فِي عُرُوقِهَا كُلِّهَا. فَلَوْ حَاوَلْنَا قِيَاسَ كَمِّيَّةِ الدَّمِ الْخَارِجِ بِالْمَحِيضِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ مَعَ كَمِّيَّةِ الدَّمِ الْبَاقِيَةِ فِي جِسْمِ الْمَرْأَةِ كُلِّهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ كَسْرًا بَسِيطًا مِنَ الْكَمِّيَّةِ كُلِّهَا.
وَلَوْ حَاوَلْنَا مُقَارَنَةَ ذَلِكَ بِكَمِّيَّةِ الْمَالِ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِهِ الْغَنِيُّ مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ، لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالصَّدَقَةِ قَدْ يَتَجَاوَزُ الْكَسْرَ الْبَسِيطَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمَالِ كُلِّهْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ الْمُتَصَدِّقُ مِنْ مَالِهِ (بِشَكْلٍ عَامٍّ) قَدْ لَا يَتَجَاوَزُ فِي مِقْدَارِهِ كَمِّيَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْمَحِيضِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ إِذَا مَا فَكَّرْنَا بِالْكَمِّيَّاتِ بِمَنْظُورِ النِّسْبَةِ وَالتَّنَاسُبْ.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى (1): إِنَّ كَمِّيَّةَ الْمَالِ الَّذِي يَخْرُجُ بِالصَّدَقَةِ مُقَارَنَةً مَعَ كَمِّيَّةِ الْمَالِ الْمُتَوَافِرِ لِلْغَنِيِّ يُعَادِلُ كَمِّيَّةَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بِالْمَحِيضِ مُقَارَنَةً مَعَ كَمِّيَّةِ الدَّمِ الْمُتَوَافِرِ فِي جِسْمِهَا كُلِّهْ.
وَلَوْ حَاوَلْنَا دِرَاسَةَ حَالَةِ الْمَرْأَةِ فِي فَتْرَةِ خُرُوجِ الدَّمِ بِالْمَحِيضِ مِنْ فَرْجِهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ بِأَحْسَنِ حَالَاتِهَا النَّفْسِيَّةِ، فَالْغَمُّ وَالْحُزْنُ وَالِاضْطِرَابُ وَعَدَمُ السَّكِينَةِ هِيَ مِنْ مِيزَاتِ الْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي تُصِيبُهَا فِي فَتْرَةِ خُرُوجِ الْمَحِيضِ مِنْ فَرْجِهَا. وَلَوْ حَاوَلْنَا تَفَقُّدَ نَفْسِيَّةِ الْمُتَصَدِّقِ عِنْدَمَا يُخْرِجُ الصَّدَقَاتِ مِنْ مَالِهِ، لَمَا وَجَدْنَا نَفْسِيَّتَهُ (فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ) بِأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكْ.
وَلَوْ حَاوَلْنَا فَحْصَ طَبِيعَةِ ذَلِكَ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْمَحِيضِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ يَخْتَلِفُ عَنِ الدَّمِ الَّذِي قَدْ يَخْرُجُ مِنْ جِسْمِ الْإِنْسَانِ بِالْجُرْحْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا يَخْتَلِفُ دَمُ الْمَحِيضِ عَنِ الدَّمِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ مِنْ جِسْمِ الْمَرْأَةِ (أَوْ حَتَّى أَيِّ إِنْسَانٍ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ "مَا يَجْعَلُ الْمَرْأَةَ تَتَوَقَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي وَقْتِ الْمَحِيضِ". فَلَوْ حَصَلَ نَزِيفٌ لِلْمَرْأَةِ مِنْ أَنْفِهَا أَوْ مِنْ يَدِهَا أَوْ مِنْ رَأْسِهَا أَوْ مِنْ أَيِّ عُضْوٍ آخَرَ مِنْ جِسْمِهَا بِسَبَبِ جُرْحٍ أَصَابَهَا، فَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَانِعًا لَهَا عَنِ الصَّلَاةِ أَوِ الصِّيَامِ مَهْمَا كَانَتِ الْكَمِّيَّةُ الَّتِي نَزَفَتْ مِنْهَا. لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ- فَإِنَّ خُرُوجَ قَطَرَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهَا بِالْمَحِيضِ هُوَ سَبَبٌ كَافٍ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الصِّيَامِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّ خُرُوجَ قَطَرَاتِ الدَّمِ الْقَلِيلَةِ مِنْ فَرْجِهَا بِالْمَحِيضِ هُوَ عَمَلِيَّةُ تَطْهِيرٍ لِجِسْمِهَا كُلِّهِ. وَلَوْ حَاوَلْنَا تَفَقُّدَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْخَاصَّةِ بِالصَّدَقَةِ لَوَجَدْنَا فِيهَا الْعَجَبَ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، قَالَ تَعَالَى:
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ إِخْرَاجَ الصَّدَقَاتِ مِنَ الْمَالِ كُلِّهِ هُوَ مُطَابِقٌ تَمَامًا لِخُرُوجِ دَمِ الْمَحِيضِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي خُرُوجِ هَذَا وَذَاكَ طَهَارَةٌ لِمَا تَبَقَّى هُنَا وَهُنَاكَ. انْتَهَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَرْسُمَ صُورَةً بَشِعَةً لِلصَّدَقَةِ حَتَّى لَا يَقْرَبَهَا وَلَا يَرْضَى بِهَا إِنْسَانٌ مُسْلِمٌ (مُؤْمِنٌ بِرَبِّهِ أَنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ الْكَرِيمُ) إِلَّا إِنْ فَاقَتْ قُدْرَتُهُ تَحَمُّلَ حَاجَتِهِ الْمَاسَّةِ. فَالْإِنْسَانُ الْمُسْلِمُ لَا يَلْجَأُ لِلصَّدَقَةِ إِلَّا إِنْ سُدَّتِ الطُّرُقُ كُلُّهَا فِي وَجْهِهِ، وَأَصْبَحَ لَا مَنَاصَ مِنْ قَبُولِهَا، كَمَا حَصَلَ مَثَلًا مَعَ مُوسَى يَوْمَ أَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ فَقِيرًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ:
لِذَا، نَحْنُ نَنْصَحُ بِأَنْ لَا يَتِمَّ الِاقْتِرَابُ إِلَى الصَّدَقَةِ إِلَّا فِي أَقْصَى دَرَجَاتِ الْحَاجَةِ، وَنَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ يَقْتَاتُ عَلَى مَالِ الصَّدَقَةِ هُوَ كَمَنْ يَقْتَاتُ عَلَى دَمِ الْمَحِيضْ.
رِسَالَةٌ قَصِيرَةْ: لِتَعْلَمَ (أَخِي الْمُسْلِمَ) أَنَّكَ عِنْدَمَا تَرْضَى أَنْ تُطْعِمَ زَوْجَتَكَ وَأَطْفَالَكَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، فَأَنْتَ كَمَنْ يَضَعُ الْأَذَى (كَأَذَى الْمَحِيضِ) فِي بُطُونِهِمْ، فَلَا تَلْجَأْ لِذَلِكَ إِلَّا عِنْدَمَا تَكُونُ الْحَاجَةُ قَدْ وَصَلَتْ بِكَ إِلَى دَرَجَةِ الْهَلَاكِ، كَمَنْ يَضْطَرُّ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ الْمَيْتَةِ إِنْ هُوَ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكْ. فَنَحْنُ نَنْصَحُ أَنْفُسَنَا وَإِيَّاكَ بِأَنْ لَا تُتْخِمَ بُطُونَ أَبْنَائِكَ بِهَذَا الْأَذَى.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَ أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ هُوَ طَهَارَةٌ لَهَا، فَإِنَّ عَدَمَ خُرُوجِهِ يَعْنِي بَقَاءَ "الرِّجْسِ" فِيهَا، وَمَادَامَ أَنَّ خُرُوجَ الصَّدَقَةِ مِنْ مَالِ الْمُؤْمِنِ هُوَ طَهَارَةٌ لَهُ، فَإِنَّ عَدَمَ إِخْرَاجِهِ يَعْنِي بَقَاءَ الرِّجْسِ فِيهِ. وَالْآنَ قَارِنْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- الْحَالَتَيْنِ كَمَا تُصَوِّرُهُمَا الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ أَحْسَنَ تَصْوِيرْ:
السُّؤَالْ: كَيْفَ تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ جُزْءٍ يَسِيرٍ جِدًّا (كَدَمِ الْمَحِيضِ وَالصَّدَقَةِ) مِنَ الْكَمِّيَّةِ الْكَبِيرَةِ كُلِّهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: مَادَامَ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْ حُصُولِ الطَّهَارَةِ، فَهِيَ إِذَنْ فِعْلٌ يَحْدُثُ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ. انْتَهَى.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: يَتَمَكَّنُ الشَّيْطَانُ مِنَ الدُّخُولِ فِي أَجْسَامِنَا (كَرِجَالٍ وَنِسَاءٍ) كَمَا أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ قَدِيمًا:
وَقَدْ بَدَأَ هَذَا مِنَ اللَّحْظَةِ الَّتِي بَدَتْ فِيهَا عَوْرَاتُنَا يَوْمَ أَنْ نَزَعَ الشَّيْطَانُ عَنْ آدَمَ وَزَوْجِهِ لِبَاسَهُمَا، وَأَصْبَحَا مُشَاهَدَيْنِ بِالرُّؤْيَةِ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَاهُ نَحْنُ:
وَلَمَّا كَانَ آدَمُ هُوَ مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَغَوَى:
وَلَمَّا كَانَ آدَمُ هُوَ مَنِ اضْطُرَّ أَنْ يَتُوبَ إِلَى رَبِّهْ:
فَهَبَطَ مِنَ الْجَنَّةِ وَزَوْجُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِأَفْعَالٍ مُحَدَّدَةٍ تُذْهِبُ عَنْهُمَا رِجْسَ الشَّيْطَانْ:
وَلَكِنْ بِالْمُقَابِلِ، لَمَّا لَمْ تَكُنْ زَوْجُ آدَمَ قَدْ عَصَتْ رَبَّهَا، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ قَدْ غَوَتْ كَزَوْجِهَا، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ بِحَاجَةٍ أَنْ تَتُوبَ إِلَى رَبِّهَا كَمَا فَعَلَ زَوْجُهَا، وَلَمَّا كَانَ جُلُّ مَا فَعَلَتْهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) هُوَ نُزُولًا عِنْدَ رَغْبَةِ زَوْجِهَا (وَلَيْسَ مَعْصِيَةً لِرَبِّهَا)، جَاءَ الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ عَلَيْهَا بِالتَّحْدِيدِ بِأَنْ أَمَدَّهَا بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الْبَيُولُوجِيَّةِ (الْجَسَدِيَّةِ) لِلتَّخَلُّصِ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ عَلَى الدَّوَامْ. لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الدَّوْرَةَ الشَّهْرِيَّةَ الَّتِي تُصِيبُ الْمَرْأَةَ فِي سِنِّ الْمَحِيضِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ هَدِيَّةٍ إِلَهِيَّةٍ لِلنِّسَاءِ جَمِيعًا (مِنْ دُونِ الذُّكُورِ جَمِيعًا)، وَذَلِكَ لِكَيْ تَتِمَّ لَهَا الطَّهَارَةُ بِشَكْلٍ دَوْرِيٍّ مُنْتَظَمٍ مِنْ ذَلِكَ الرِّجْسْ.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّخَلُّصَ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُصِيبُهُمْ بِطَرِيقَةٍ بَيُولُوجِيَّةٍ (كَالدَّوْرَةِ الَّتِي تُصِيبُ النِّسَاءَ)، لِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِأَفْعَالٍ مُحَدَّدَةٍ كَفِيلَةٍ بِأَنْ تُخَلِّصَ الرَّجُلَ مِنْ هَذَا الرِّجْسْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا تَتَوَقَّفُ الْمَرْأَةُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْمَحِيضِ؟ وَلِمَاذَا تَتَوَقَّفُ عَنِ الصِّيَامِ فِي لَحْظَةِ حُدُوثِ الْمَحِيضْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ حُصُولُ الْغَايَةِ الْمَرْجُوَّةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ: إِنَّهَا الطَّهَارَةْ. لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي أَصَابَهَا الْمَحِيضُ وَيَكَأَنَّهَا فِي صَلَاةٍ دَائِمَةٍ وَفِي صِيَامٍ دَائِمٍ، لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ طَهَارَةٍ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ، لِذَا وَجَبَ اعْتِزَالُهَا وَعَدَمُ الِاقْتِرَابِ مِنْهَا، بِالضَّبْطِ كَحَالَةِ الرَّجُلِ الْوَاقِفِ لِلصَّلَاةِ فِي مِحْرَابِهِ، فَهَلْ يَسْمَحُ الرَّجُلُ الْوَاقِفُ فِي صَلَاتِهِ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ مَادَامَ فِي صَلَاتِهِ هُنَاكَ؟ وَمَا أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَقْتَرِبَ مِنَ الْآخَرِينَ وَيَسْمَحَ لِلْآخَرِينَ بِالِاقْتِرَابِ مِنْهُ، فَذَلِكَ هُوَ الْهَدَفُ – بِرَأْيِنَا- مِنَ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضْ:
نتيجة مفتراة (2): نحن نفتري الظن بأن في إخراج الصدقة من مال المؤمن هو طهارة له.
نتيجة مفتراة (3): نحن نظن أن عملية خروج وإخراج هذا الجزء اليسير من الكتلة الكبيرة كلها هي عبارة عن عملية تطهير للكتلة كلها. فخروج دم المحيض يطهر جسم المرأة كلها، وإخراج الصدقة من مال المؤمن يطهّر المال كله.
نتيجة مفتراة (4): نحن نفتري الظن بأن عملية التطهير هذه هي عبارة عن عملية تنظيف كامل من رجس الشيطان الذي دخل في الجسم وفي المال.
نتيجة مفتراة (5): نحن نظن أنه لو لم تتم عمليات التطهير هذا للجسم والمال، لأفسدته كله. فقليل من الخل قد يفسد العسل كله.
رِسَالَةٌ قَصِيرَةْ: هَلْ تَقْبَلُ عَزِيزِي الْمُسْلِمَ أَنْ تَقْتَاتَ عَلَى الْأَذَى؟ أَلَيْسَ مِنْ أَهَمِّ صِفَاتِ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ الْعِزَّةْ؟
رِسَالَةٌ قَصِيرَةْ: إِذَا أَرَدْتَ - عَزِيزِي الْمُؤْمِنَ- أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يَهِنُوا وَلَا يَحْزَنُوا، فَحَاوِلْ (مَا اسْتَطَعْتَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا) أَنْ لَا تَمْلَأَ بَطْنَكَ وَلَا بُطُونَ أَهْلِ بَيْتِكَ بِالصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا تَجُرُّ مَعَهَا الْأَذَى.
[دروس من الواقع]
لَوْ نَظَرْتَ حَوْلَكَ عَزِيزِي الْقَارِئَ وَتَفَقَّدْتَ طَبَائِعَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِكَ، لَرُبَّمَا حَارَ الظَّنُّ عِنْدَكَ لِمَ يَكُونُ الْأَشْخَاصُ الَّذِينَ تَرَبَّوْا فِي الْبِيئَاتِ الْفَقِيرَةِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ - يَتَّصِفُونَ بِسُوءِ الطَّبْعِ، وَالْغَيْرَةِ (وَرُبَّمَا الْكُرْهِ) لِمَنْ هُمْ أَكْثَرُ حَظًّا مِنْهُمْ فِيمَا يُعْرَفُ بَيْنَ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْعُلُومِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ "بِالْحِقْدِ الطَّبَقِيِّ". وَلَكِنْ - بِالْمُقَابِلِ – أَلَا تَجِدُ أَنَّ الَّذِينَ نَشَئُوا وَتَرَعْرَعُوا فِي الْبِيئَاتِ ذَاتِ الْحَظِّ الْعَظِيمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ (فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ) أَكْثَرُ سَلَامَةً فِي الطَّبْعِ وَالسُّلُوكِيَّاتْ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْأَسْبَابِ الْأُخْرَى الَّتِي قَدْ تُسَاهِمُ فِي هَذَا الْوَاقِعِ، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ الَّتِي قَدْ تَحْصُلُ هُنَا وَهُنَاكَ، فَإِنَّ وَاحِدًا مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ سَاهَمَتْ فِي هَذَا "التَّبَايُنِ الطَّبَقِيِّ" هُوَ أَذَى الصَّدَقَةْ. فَالْأَشْخَاصُ الَّذِينَ نَشَئُوا وَبُطُونُهُمْ مَلِيئَةٌ بِأَذَى الصَّدَقَةِ، قَدْ أَصَابَهُمْ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) رِجْسٌ كَبِيرٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَصْبَحَ وَسْوَاسُهُمُ الْخَنَّاسُ أَكْبَرَ فِي صُدُورِهِمْ، فَانْعَكَسَ ذَلِكَ فِي طَبَائِعِهِمْ وَفِي سُلُوكِيَّاتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةْ.
وَقَدْ لَا يَنْطَبِقُ هَذَا فَقَطْ عَلَى الْأَفْرَادِ وَإِنَّمَا يَنْطَبِقُ كَذَلِكَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْحُكُومَاتْ. أَلَا تَرَى – عَزِيزِي الْقَارِئَ- بِأَنَّ شُعُوبَ الْحُكُومَاتِ فِي دُوَلِ الْعَالَمِ الْأَوَّلِ الْغَنِيَّةِ تَمَتَّعُ بِصِحَّةٍ وَرَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ تَكَادُ تَكُونُ شِبْهَ مَعْدُومَةٍ فِي مُجْتَمَعَاتِ دُوَلِ الْعَلَمِ الْفَقِيرِ الْبَائِسْ؟
السُّؤَالْ: لِمَاذَا تَتَمَتَّعُ تِلْكَ الشُّعُوبُ بِرَاحَةٍ نَفْسِيَّةٍ أَفْضَلَ مِنْ شُعُوبِ دُوَلِ الْعَلَمِ الْفَقِيرْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الْعَامِلَةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي هَذَا الْمَجَالِ يَعُودُ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الشُّعُوبَ الْغَنِيَّةَ لَا تَقْتَاتُ عَلَى الصَّدَقَةِ الَّتِي تَعِيشُ عَلَيْهَا مُعْظَمُ مُجْتَمَعَاتِ الدُّوَلِ الْفَقِيرَةْ.
أَنَا لَا أُنْكِرُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ الْمُتَقَدِّمِ قَدْ سَرَقَتْ وَنَهَبَتْ خَيْرَاتِ الدُّوَلِ الْفَقِيرَةِ، وَأَنَّ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ الثَّرَوَاتِ الْمُتَحَصِّلَةِ فِي خَزَائِنِهَا هِيَ نِتَاجُ عَمَلِيَّاتِ السَّرِقَةِ وَالسَّطْوِ عَلَى مُقَدَّرَاتِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَعْطَاهَا الشُّعُورَ بِالْعِزَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَقْتَاتُ عَلَى أَمْوَالِ الصَّدَقَةِ وَإِنْ هِيَ أَكَلَتْ مِنْ أَمْوَالِ السَّرِقَةْ.
وَأَنَا لَا أُنْكِرُ كَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ فِي مِيزَانِيَّاتِ الدُّوَلِ الْغَنِيَّةِ هِيَ حَقٌّ لِشُعُوبِ الْعَالَمِ الْفَقِيرِ الَّذِينَ نُهِبَتْ ثَرَوَاتُهُمْ جَهَارًا نَهَارًا، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَعْطَاهَا الشُّعُورَ بِالذِّلَّةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُطَالِبْ بِأَمْوَالِهَا الْمَنْهُوبَةِ كَحَقٍّ مُكْتَسَبٍ لَهَا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيطُ فِيهِ، بَلْ رَضِيَتْ بِمَا تُقَدِّمُهُ لَهَا تِلْكَ الشُّعُوبُ السَّارِقَةُ كَصَدَقَةٍ، فَأَوْرَثَ مَنْ أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْهُمْ (وَهُمُ الشُّعُوبُ الْفَقِيرَةُ) الشُّعُورَ بِالْمَهَانَةِ وَالذِّلَّةْ.
مِثَالٌ لِلتَّوْضِيحِ فَقَطْ: مَا الَّذِي كُنْتُ سَأَفْعَلُهُ لَوْ أَنِّي كُنْتُ رَئِيسَ جُمْهُورِيَّةِ مِصْرَ الْعَرَبِيَّةِ مَثَلًا؟
جَوَابْ: بَعِيدًا أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّرَوَاتِ الَّتِي نَهَبَتْهَا الدُّوَلُ الِاسْتِعْمَارِيَّةُ مِنْ مِصْرَ الْحَضَارَةِ التَّارِيخِ، وَبَعِيدًا عَنِ الْمُطَالَبَةِ بِالْآثَارِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَدُرُّ الْمِلْيَارَاتِ فِي خَزَائِنِ فَرَنْسَا وَأَلْمَانِيَا وَبِرِيطَانِيَا وَإِيطَالِيَا وَالْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ الَّتِي لَوْ أَنَّهَا عَادَتْ إِلَى مِصْرَ كَفَتِ الشَّعْبَ الْمِصْرِيَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِعْلٍ سَأَقُومُ بِهِ (لَوْ كُنْتُ رَئِيسًا لِجُمْهُورِيَّةِ مِصْرَ الْعَرَبِيَّةِ) هُوَ تَحْرِيكُ دَعْوَى قَضَائِيَّةٍ ضِدَّ حُكُومَةِ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ الَّتِي لَازَالَتْ تَسْرِقُ مِصْرَ يَوْمِيًّا جَهَارًا نَهَارًا فِي أَعْظَمِ سَرِقَةٍ عَرَفَهَا التَّارِيخُ الْبَشَرِيُّ عَلَى الْإِطْلَاقْ؟
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ تِلْكَ السَّرِقَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّهُ مَا هُوَ مَرْسُومٌ عَلَى الدُّولَارِ الْأَمْرِيكِيِّ، إِنَّهَا تِلْكَ الصُّورَةُ لِلْهَرَمِ الْأَعْظَمِ بِالْعَيْنِ الَّتِي تَحْرُسُهُ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا تَضَعُ الْوِلَايَاتُ الْمُتَّحِدَةُ هَذَا الرَّمْزَ (وَهُوَ رَمْزُ مِصْرَ الْخَالِدُ) عَلَى عُمْلَتِهَا الْوَرَقِيَّةِ؟ هَلْ يَحِقُّ لِدَوْلَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَنْ تَسْتَخْدِمَ آثَارَ بِلَادٍ أُخْرَى كَعَلَامَةٍ مُمَيِّزَةٍ لَهَا؟ مَاذَا لَوْ قَامَتْ "إِسْرَائِيلُ" مَثَلًا بِوَضْعِ صُورَةِ الْبَتْرَاءِ (الْأُرْدُنِيَّةِ) عَلَى عُمْلَتِهَا؟ هَلْ يَقْبَلُ الشَّعْبُ وَالْحُكُومَةُ الْأُرْدُنِيَّةُ بِذَلِكَ؟ وَهَلْ أَقْبَلُ أَنَا بِذَلِكَ؟!
السُّؤَالْ: وَمَاذَا لَوْ فَعَلَتْ؟ وَمَا الَّذِي يَضِيرُنَا أَنْ تَضَعَ حُكُومَةُ الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ صُورَةَ الْهَرَمِ الْأَكْبَرِ (رَمْزَ مِصْرَ الْخَالِدَ) عَلَى عُمْلَتِهَا الْوَرَقِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لَعَلِّي لَا أَتَرَدَّدُ أَنْ أَقُولَ بِأَنَّ قُوَّةَ الدُّولَارِ كَعُمْلَةٍ عَالَمِيَّةٍ تَكْمُنُ بِوُجُودِ هَذَا الرَّمْزِ عَلَى صُورَتِهَا، وَلَوْ تَمَّ إِزَاحَةُ هَذَا الْهَرَمِ عَنِ الْعُمْلَةِ الْوَرَقِيَّةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، لَمَا عَادَ الدُّولَارُ (نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الِافْتِرَاءِ) الْقُوَّةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ الْأُولَى الْمُهَيْمِنَةَ عَلَى الْعَالَمْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: هَذَا مَا سَنُحَالُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ تِبْيَانَهُ لَاحِقًا عِنْدَمَا نُعَاوِدُ الْحَدِيثَ عَنْ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا وَأَنْ يَزِيدَنَا عِلْمًا، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينْ.
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ تَهْدِيَنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْحَقِّ، وَأَنْتَ خَيْرٌ حَافِظًا وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ – آمِينْ)
[عودة على بدء]
دَعْنَا نَعُودُ إِلَى صُلْبِ مَوْضُوعِ الصَّدَقَةِ بِالرِّسَالَةِ الْقَصِيرَةِ التَّالِيَةِ الْمُوَجَّهَةِ أَوَّلًا إِلَى الْأَفْرَادِ: لَعَلِّي لَا أَتَرَدَّدُ (أَنَا شَخْصِيًّا) إِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ الْمَاسَّةُ لِذَلِكَ (وَالَّتِي أَسْأَلُ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ لَا أَضْطَرَّ إِلَيْهَا وَلَا أَنْ يَضْطَرَّ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِي) أَنْ أُدْخِلَ فِي بُطُونِ أَهْلِ بَيْتِي مِنْ مَالِ السَّرِقَةِ عَلَى أَنْ أُدْخِلَ فِيهَا مِنْ مَالِ الصَّدَقَةْ.
وَهُنَا قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ بِأَنِّي أُرَوِّجُ لِلُّجُوءِ إِلَى السَّرِقَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَرْوِيجِي لِتَقَبُّلِ الصَّدَقَةْ. فَأَرُدُّ بِالْقَوْلِ كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوَضِّحَ بِأَنَّ مَالَ السَّرِقَةِ لَا يَنْعَكِسُ تَأْثِيرُهُ إِلَّا عَلَى السَّارِقِ نَفْسِهِ، فَهُوَ مَنْ يَتَحَمَّلُ تَبِعَاتِهِ، وَلَا دَخْلَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ (الَّذِينَ قَدْ يَأْكُلُونَ مِنْهُ) بِذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ السَّرِقَةِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) لَا يُحْدِثُ فِي نَفْسِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ الْأَذَى. لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ – فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ الْمَأْخُوذِ صَدَقَةً تَبِعَاتٌ عَلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ تَبِعَاتِهِ (الَّتِي قَدْ تَكُونُ كَارِثِيَّةً جَرَّاءَ الْأَذَى الَّذِي يُحْدِثُهُ) تَلْحَقُ بِكُلِّ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهْ. فَإِنْ أَنْتَ أَرَدْتَ – عَزِيزِي الْمُؤْمِنَ- أَنْ لَا تُفْسِدَ طَبَائِعَ أَبْنَائِكَ، وَإِنْ أَنْتَ أَرَدْتَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الرِّجْسُ فِيهِمْ، فَلَا تُدْخِلِ الصَّدَقَةَ فِي بُطُونِهِمْ. وَلَا تُنْشِئْهُمْ عَلَى حُبِّ مَالِ الصَّدَقَةْ. بَلْ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُعَلِّمَ أَبْنَائِكَ بِأَنْ لَا يَأْكُلُوا مِنْ "قَذَارَةِ" أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ الَّتِي يُطَهِّرُونَ أَمْوَالَهُمْ بِهَا. فَالْغَنِيُّ يُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَ مَالَهُ بِالصَّدَقَةِ، فَلَا تَجْعَلْ بُطُونَ أَهْلِ بَيْتِكَ مَكَبَّاتٍ لِتِلْكَ النِّفَايَاتْ.
[دروس من التاريخ]
وَرَدَنَا فِي الْأَثَرِ (الَّذِي لَا أَثِقُ بِتَفَاصِيلِ نَقْلِهِ كَثِيرًا) أَنَّ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ كَانَ يُوَزِّعُ الصَّدَقَاتِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ تَكُنْ لِتُرْضِيَ الْكَثِيرِينَ مِنْ حَوْلِهِ حَتَّى حَصَلَ اللَّمْزُ بِهِ شَخْصِيًّا فِي تَوْزِيعِهَا، كَمَا نَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا وَزَّعَ النَّبِيُّ الصَّدَقَاتِ بِطَرِيقَةٍ جَلَبَتْ لَهُ اللَّمْزَ؟ لِمَاذَا لَمْ يُعْطِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمَزُوهُ مِنْهُمْ لِيَكُفَّ أَلْسِنَتَهُمْ عَنْهُ؟ وَهَلْ وَضَّحَ النَّبِيُّ لَهُمْ سَبَبَ تَوْزِيعِهِ لِلصَّدَقَاتِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي لَمْ تُرْضِهِمْ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ؟ وَكَيْفَ وَضَّحَ لَهُمْ ذَلِكَ؟ هَلْ رَضُوا فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ بِفِعْلِ الرَّسُولِ فِي تَوْزِيعِ الصَّدَقَاتِ؟ وَلِمَاذَا رَضُوا بِذَلِكَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ كُلَّ الْجَلَبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ حَوْلَ كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ النَّبِيِّ لِلصَّدَقَاتِ الَّتِي لَمْ تُرْضِ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ كَانَ سَبَبُهَا طَرِيقَةَ التَّوْزِيعْ. فَنَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ كَانَ يُوَزِّعُ الصَّدَقَاتِ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يَكُنْ يُوَزِّعُهَا بِالْقِسْطِ. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: مَا مَعْنَى ذَلِكْ؟
لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ وَحْيًا يُوحَى، فَهُوَ يَعْلَمُ بِالضَّبْطِ مَا يَفْعَلُ، فَلَا يَرْكَنُ إِلَى أَحَدٍ مَادَامَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ التَّشْرِيعَ الْإِلَهِيَّ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهْ. لِذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَزِّعَ الصَّدَقَاتِ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي يَرْضَاهَا اللَّهُ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيُرْضِيَ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِهْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُوَزَّعَ الصَّدَقَاتْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَانَ مُرْشِدُ مُحَمَّدٍ فِي تَوْزِيعِ الصَّدَقَاتِ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْفِئَاتُ الْمُسْتَحِقَّةُ لِلصَّدَقَاتِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا مَا كَانَ لِيُعْطِيَ مِنْهَا مَنْ لَا يَقَعُ ضِمْنَ هَذِهِ الْفِئَاتْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا إِذَنْ حَصَلَ اللَّمْزُ بِمُحَمَّدٍ مَادَامَ أَنَّ الْفِئَاتِ الْمُسْتَهْدَفَةَ بِالصَّدَقَةِ مُحَدَّدَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: فَنَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ اللَّمْزَ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ التَّوْزِيعِ عَلَى هَذِهِ الْفِئَاتِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ الْكَمِّيَّةِ الَّتِي كَانَ مُحَمَّدٌ يُعْطِيهَا لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْهُمْ، فَهُوَ (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَتَخَيَّلُ) لَمْ يَكُنْ يُعْطِي الْجَمِيعَ الْمِقْدَارَ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يُعْطِي كُلَّ شَخْصٍ حَسَبَ حَاجَتِهِ (أَيْ بِالْعَدْلِ وَلَيْسَ بِالْقِسْطِ). وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَوْلِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِنَ الْبَعْضِ الْآخَرِ حَصَلَ اللَّمْزُ فِي ذَلِكْ. فَارْتَفَعَتْ بَعْضُ الْأَصْوَاتِ الَّتِي تَظُنُّ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يُعْطِي مَنْ يُرِيدُ كَمَا يَشَاءُ، فَظَنُّوا أَنَّ مَنْ أَعْطَاهُمْ مُحَمَّدٌ أَكْثَرَ هُمُ الْأَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَيَكَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِمْ يَقُولُ أَنَّ مُحَمَّدًا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ الْبَعْضَ بِزِيَادَةِ كَمِّيَّةِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُعْطِيهَا إِيَّاهْ. فَكَانَ ظَنُّهُمْ أَنَّ مَنْ أَعْطَاهُمْ مُحَمَّدٌ أَكْثَرَ، هُمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَعْطَاهُمْ أَقَلْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ أَسْكَتَ مُحَمَّدٌ تِلْكَ الْأَصْوَاتْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ مَا قَامَ بِهِ مُحَمَّدٌ بَعْدَ أَنْ حَصَلَ اللَّمْزُ بِهِ مِنْهُمْ هُوَ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لِلْجَمِيعِ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ فِي أَمْرِ تَوْزِيعِ الصَّدَقَاتِ هُوَ تَمَامًا عَكْسُ مَا كَانُوا يَظُنُّونْ. فَمُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ لِيَمْنَعَ مَالَ الصَّدَقَةِ (نَحْنُ نَظُنُّ) إِلَّا عَنْ مَنْ أَحَبَّ فِعْلًا. فَهُوَ لَا يَرْضَى بِأَنْ يَمْلَأَ بَطْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ بِمَالِ الصَّدَقَةْ. فَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَكْثَرُ النَّاسِ الَّذِينَ مَنَعَ عَنْهُمْ مُحَمَّدٌ مَالَ الصَّدَقَةْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ بَيَّنَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ تِلَاوَةِ الْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ عَلَى مَسَامِعِهِمْ لِيُذَكِّرَهُمْ بِحَقِيقَةِ الصَّدَقَةِ وَمَاهِيَّةِ الْمَالِ الْمُتَحَصَّلِ مِنْهَا:
فَلَقَدْ أَفْهَمَهُمْ مُحَمَّدٌ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) أَنَّ مَالَ الصَّدَقَةِ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ طَهَارَةٍ لِلْمَالِ كُلِّهِ، بِالضَّبْطِ كَمَا أَنَّ دَمَ الْمَحِيضِ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ طَهَارَةٍ لِدَمِ الْمَرْأَةِ كُلِّهْ. فَمَنْ أَكَلَ مِنْهُمْ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ شَيْئًا، فَهُوَ كَـ "مَنِ اقْتَاتَ عَلَى بَعْضِ دَمِ الْمَحِيضِ". وَلَا شَكَّ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ لِيَرْضَى أَنْ يَمْلَأَ بُطُونَ أَصْحَابِهِ الْمُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَذَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ مَنَعَهُمْ مُحَمَّدٌ عَنْ أَكْلِ مَالِ الصَّدَقَةِ هُمْ أَهْلُ بَيْتِهْ.
السُّؤَالْ: هَلْ رَضِيَ الْمُسْلِمُونَ بِتَوْزِيعِ مُحَمَّدٍ لِلصَّدَقَاتِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ لَمَزُوا بِهِ فِيهَا فِي بِدَايَةِ الْأَمْرْ؟
جَوَابْ: بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، لَقَدْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ دَمْعًا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ (نَحْنُ مُقْتَنِعِينَ) مِنَ الَّذِينَ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ تَخْشَعُ لِذِكْرِ اللَّهْ:
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ تَخْشَعُ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ – آمِينْ)
السُّؤَالْ: لِمَاذَا جَاءَنَا فِي الْأَثَرِ أَنَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ بِنَفْسِهِ مِمَّا يُقَدَّمُ لَهُ كَصَدَقَةٍ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِمَّا يُقَدَّمُ لَهُ كَهَدِيَّةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ هُوَ حَقًّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمَّا كَانَ هُوَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكُنْ لِيَقْبَلَ أَنْ يُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ شَيْئًا مِنَ الْأَذَى.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا نَنْعَتُ الرَّسُولَ دَائِمًا بِصِفَةِ الْكَرِيمِ (فَنَقُولُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِي الْكَرَمِ عُلُوًّا، وَمَادَامَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَا يَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ يَدُ أَحَدٍ (غَيْرِ يَدِ اللَّهِ) فَوْقَ يَدِهِ، لِذَا كَانَ هُوَ أَكْرَمَ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ كَانَ يَتَرَفَّعُ عَنْ أَخْذِ مَا يُقَدِّمُهُ لَهُ النَّاسُ كَصَدَقَةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَا يَمْلِكُ لَهُمْ. فَكَانَ حَقًّا كَرِيمًا بِكُلِّ مَا فِي الْكَلِمَةِ مِنْ مَعْنًى. فَالْكَرَمُ لَا يَتَحَدَّدُ بِالْكَمِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَتَحَدَّدُ بِالنَّوْعِيَّةْ. فَمَنْ كَانَ يَمْلِكُ دِينَارًا وَاحِدًا وَتَصَدَّقَ بِهِ (وَإِنْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ) هُوَ لَا شَكَّ أَكْثَرُ كَرَمًا مِمَّنْ دَفَعَ الْمَلَايِينَ وَلَازَالَتْ خَزَائِنُهُ مَلْئَ بِالْمِلْيَارَاتْ.
السُّؤَالْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ دَقَّقْنَا جَيِّدًا فِي فِعْلَيْ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ وَتَقْدِيمِ الْهَدَايَا، لَوَجَدْنَا أَنَّهُمَا فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ الْفِعْلُ ذَاتُهْ. فَهُوَ تَقْدِيمُ شَيْءٍ مِنْ مَالِكَ لِغَيْرِكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
لَكِنْ يَبْرُزُ التَّسَاؤُلُ التَّالِي عَلَى الْفَوْرِ: لِمَ تَطْمَئِنُّ نَفْسُ الْإِنْسَانِ السَّوِيِّ لِلْهَدِيَّةِ أَكْثَرَ مِنَ اطْمِئْنَانِهَا لِلصَّدَقَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبْطَلَ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، فَمَنْ قَدَّمَ لَكَ الْهَدِيَّةَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْكَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْلِبَ لَكَ الْأَذَى مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِيكَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ الَّذِي هُوَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ تَطْهِيرٌ لِمَالِهِ كُلِّهِ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانْ. وَلَكِنَّهُ لَا شَكَّ قَدْ لَأَعْطَاكَ مِنَ الْمَالِ "النَّظِيفِ" الْمُطَهَّرِ أَصْلًا. فَلَا يَكُونُ لِذَلِكَ عَوَاقِبُ "سَيِّئَةٌ" عَلَى مَنْ دَخَلَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي بَطْنِهْ. فَحَتَّى الْمُلُوكُ (وَهُمْ لَا شَكَّ لَا يَنْقُصُهُمُ الْمَالُ) يَرْضَوْنَ بِقَبُولِ الْهِدَايَةِ (لَا بَلْ وَيَفْرَحُونَ بِهَا)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَكِنْ هَلْ يَقْبَلُونَ بِالصَّدَقَةْ؟!
السُّؤَالْ: مَا هِيَ أَفْضَلُ طَرِيقَةٍ لِتَوْزِيعِ الصَّدَقَاتِ؟ وَمَا هِيَ أَفْضَلُ طَرِيقَةٍ لِقَبُولِ الصَّدَقَاتْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُبَيِّنُ لَنَا الطَّرِيقَةَ الْمُثْلَى فِي تَوْزِيعِ الصَّدَقَاتِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَتِمَّ عَمَلِيَّةُ إِخْفَاءِ الصَّدَقَاتِ؟ أَلَا يَحْدُثُ الْعِلْمُ بِالصَّدَقَةِ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَقُومَ الْإِنْسَانُ بِتَوْزِيعِهَا عَلَى الْآخَرِينَ؟ هَلْ يَجِبُ عَلَيَّ (كَمُتَصَدِّقٍ) أَنْ أَتَخَفَّى فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ لِأُقَدِّمَ الصَّدَقَةَ لِلْآخَرِينَ كَمَا صَوَّرَ لَنَا ذَلِكَ الْفِكْرُ الشَّعْبِيُّ السَّائِدْ؟ وَمَاذَا لَوْ تَمَّ ضَبْطِي (فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ) أَمَامَ بَيْتِكَ قَبْلَ أَنْ أَقُومَ بِتَرْكِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ وَتَوْلِيَةِ الدُّبُرْ؟ هَلْ كُنْتَ سَتَقْتَنِعُ أَنَّ وُجُودِي أَمَامَ بَيْتِكَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ هُوَ مِنْ بَابِ تَوْزِيعِ الصَّدَقَةْ؟ هَلْ سَتُحْسِنُ الظَّنَّ بِي؟! هَلْ مَا سَمِعْنَاهُ مِنْ شُيُوخِ الْمَنَابِرِ حَوْلَ هَذِهِ الْقِصَصِ "الْمَكْذُوبَةِ" عَلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ هِيَ فِعْلًا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَهَا النَّاسُ لِإِخْفَاءِ صَدَقَاتِهِمْ؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَ عِنْدِي مِنَ الْأَمْوَالِ الْمَلَايِينُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أُوَزِّعَهَا، هَلْ وَجَبَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَخْلُدَ إِلَى النَّوْمِ لِأَبْقَى مُتَسَتِّرًا عَلَى شَخْصِيَّتِي (مُغَطِّيًا رَأْسِي) بَاحِثًا فِي أَرْوِقَةِ الْمَدِينَةِ (فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ) عَنِ الْبُيُوتِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُقَدَّمَ لَهُمُ الصَّدَقَاتْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا. تِلْكَ لَيْسَتْ – بِرَأْيِنَا- الطَّرِيقَةَ الْمُثْلَى لِإِخْفَاءِ الصَّدَقَاتْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَذْهَبَ بِنَفْسِكَ إِلَى بَيْتِ شَخْصٍ لِتُقَدِّمَ لَهُ الصَّدَقَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلًا كَافِيًا عَلَى إِبْدَاءِ الصَّدَقَةِ، فَصَدَقَتُكَ قَدْ بَدَتْ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ ضِمْنَ إِطَارِ الْخَفَاءْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ أَصْبَحَتْ بَادِيَةً لِأَنَّكَ (أَنْتَ الْمُتَصَدِّقُ أَصْبَحْتَ) تَعْلَمُ مَنِ الَّذِي أَخَذَ مِنْكَ الصَّدَقَةَ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مِنْكَ الْمَنُّ لَاحِقًا، فَحَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِكَ الشَّخْصُ الَّذِي تَصَدَّقْتَ عَلَيْهِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنْتَ بِهْ. فَأَصْبَحَتِ الْمَعْرِفَةُ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ تُخْفَى الصَّدَقَةُ؟ مَتَى يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ الصَّدَقَةُ خَافِيَةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ خَافِيَةً إِلَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَعْرِفَةُ أَيِّ طَرَفٍ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، فَلَا الْمُتَصَدِّقُ يَعْلَمُ مَنِ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَعْلَمُ مَنْ هُوَ الْمُتَصَدِّقْ.
السُّؤَالْ: مَا فَائِدَةُ ذَلِكْ؟ مَا فَائِدَةُ أَنْ لَا يَعْرِفَ أَيُّ طَرَفٍ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَطْ يَسْتَحِيلُ أَنْ تُبْطَلَ الصَّدَقَةُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ لَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَلَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ شَخْصِيًّا، وَلِأَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ لَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَصْدَرِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَهُ بِالصَّدَقَةِ، فَلَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْأَذَى.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: وَكَيْفَ تَكُونُ آلِيَّةُ التَّوْزِيعِ إِذَنْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ آلِيَّةَ التَّوْزِيعِ (إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُخْفِيَ صَدَقَتَكَ) يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِالتَّوْكِيلِ، أَيْ أَنْ تَدْفَعَ الْمَالَ إِلَى جِهَةٍ مَوْثُوقَةٍ تَقُومُ هِيَ بِتَوْزِيعِهَا نِيَابَةً عَنْكْ. وَلَعَلِّي أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ الْجَمْعِيَّاتِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ الْخَيْرِيَّةَ الَّتِي يَعْرِفُ الْقَائِمُونَ عَلَيْهَا أَحْوَالَ النَّاسِ فِي مَنَاطِقِ عَمَلِهِمْ هِيَ الْأَقْدَرُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكْ. فَإِنْ أَنْتَ (كَغَنِيٍّ) دَفَعْتَ أَمْوَالَكَ لِهَذِهِ الْجَمْعِيَّاتِ لِلْقِيَامِ بِعَمَلِيَّاتِ التَّوْزِيعِ نِيَابَةً عَنْكَ (وَيَكُونُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ هُمُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا)، فَإِنَّكَ تَظْفَرُ بِأَفْضَلِيَّةِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ الَّتِي حَثَّ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا جَاءَ الْحَثُّ مِنَ النَّبِيِّ أَنْ يَأْخُذَ هُوَ الصَّدَقَاتِ بِنَفْسِهِ؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقِينَ كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنِ الْخَيْرِيَّةِ فِي إِخْفَاءِ الصَّدَقَاتِ، فَقَامُوا بِدَفْعِ صَدَقَاتِهِمْ لِلنَّبِيِّ، لِيَقُومَ هُوَ (كَأَفْضَلِ شَخْصٍ مَوْثُوقٍ بِهِ حِينَئِذٍ) بِتَوْزِيعِهَا فِي مَصَارِفِهَا الْحَقِيقِيَّةْ:
وَمِنْ هُنَا جَاءَ اللَّمْزُ بِشَخْصِ النَّبِيِّ نَفْسِهِ فِي تَوْزِيعِهَا كَمَا أَسْلَفْنَا:
[باب إيتاء الزكاة]
إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا هَذَا عَنِ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةِ عَنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- هَلْ نَجِدُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ دَلِيلًا يُثْبِتُ أَنْ يَأْخُذَ النَّبِيُّ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتْ؟
- هَلْ نَجِدُ دَلِيلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى إِمْكَانِيَّةِ إِبْدَاءِ الزَّكَاةِ أَوْ إِخْفَائِهَا كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتْ؟
- هَلْ نَجِدُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ دَلِيلًا عَلَى إِمْكَانِيَّةِ إِبْطَالِ الزَّكَاةِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتْ؟
- هَلْ نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ دَلِيلًا عَلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتِ (لِتَكُونَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ)؟
- هَلْ نَجِدُ دَلِيلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الزَّكَاةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بِنَاءً عَلَى جُهْدِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتْ؟
- هَلْ نَجِدُ دَلِيلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يَقُومَ الْإِنْسَانُ بِتَوْزِيعِ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتْ؟
- هَلْ نَجِدُ دَلِيلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ يُمْكِنُ أَنْ تُوَزَّعَ بِتَفَاوُتٍ حَتَّى يَحْصُلَ اللَّمْزُ فِيهَا كَمَا جَاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّدَقَاتْ؟
- الخ.
أَمَّا بَعْدْ،
دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ هُنَا بِالِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ التَّالِي: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُبْطَلَ فِعْلُ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تُبْطَلَ الزَّكَاةُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى بَيْنَمَا يُمْكِنُ أَنْ تُبْطَلَ الصَّدَقَاتُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَنْفِي احْتِمَالِيَّةَ أَنْ تُبْطَلَ الزَّكَاةُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى لِأَنَّكَ لَا تُقَدِّمُهَا لِأَشْخَاصٍ مُحَدَّدِينَ بِذَاتِهِمْ، فَلَا تَسْتَطِيعُ إِذَنْ أَنْ تَمُنَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ جَرَّاءِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَسَبَّبَ فِي وُقُوعِ الْأَذَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ جَرَّاءِ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابْ: لِأَنَّ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ لَا تَسْتَهْدِفُ فِئَاتٍ مُحَدَّدَةً، كَأَصْحَابِ الْحَاجَةِ الْمُلِحَّةِ الَّتِي يَتِمُّ تَقْدِيمُ الصَّدَقَاتِ لَهُمْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: لِأَنَّ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ فِعْلٌ إِلْزَامِيٌّ عَلَى عَكْسِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ إِلْزَامِيَّةٍ، فَأَنْتَ تَدْفَعُ الزَّكَاةَ شِئْتَ أَمْ أَبَيْتَ وَلَكِنَّ دَفْعَكَ لِلصَّدَقَاتِ يَقَعُ فِي ضِمْنِ الْأَفْعَالِ التَّطَوُّعِيَّةْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابْ: لِأَنَّ الْفِئَاتِ الْمُسْتَهْدَفَةَ مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ هِيَ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ، السَّائِلُ مِنْهُمْ وَالْمَحْرُومْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ يَجِبُ مُرَاعَاةُ الْقِسْطِ فِي تَوْزِيعِ الْأَمْوَالِ الْمُتَحَصَّلَةِ مِنَ الزَّكَاةِ وَلَا حَاجَةَ أَنْ يُرَاعَى فِي تَوْزِيعِهَا الْعَدْلْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابْ: لِأَنَّ الْمُسْتَفِيدِينَ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ هُمْ أَفْرَادُ الْمُجْتَمَعِ كُلُّهُمْ، الْغَنِيُّ مِنْهُمْ وَالْفَقِيرُ، لِذَا يَسْتَحِيلُ (نَحْنُ نَرَى) أَنْ يَحْدُثَ فِي تَوْزِيعِ الزَّكَاةِ اللَّمْزُ كَمَا قَدْ يَحْصُلُ فِي حَالَةِ تَوْزِيعِ الصَّدَقَاتْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّ الْعَلَانِيَةَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) وَاجِبَةٌ فِي إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تُخْفَى كَمَا قَدْ يَحْصُلُ عِنْدَ تَوْزِيعِ الصَّدَقَاتْ:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ عَلَانِيَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّ أَمْوَالَ الزَّكَاةِ تُدْفَعُ مُبَاشَرَةً لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. فَهِيَ بِمَثَابَةِ "الضَّرِيبَةِ" الَّتِي تُسْتَوْجَبُ فِي مَالِ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَجْلِ خِدْمَةِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، السَّائِلِ مِنْهُمْ وَالْمَحْرُومْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ تَصْرِيفُ "إِيتَاءِ الزَّكَاةِ" عَلَى الْجَمِيعِ، فَإِنَّهَا تُرَاعِي الْقِسْطَ فِي التَّوْزِيعِ وَلَيْسَ الْعَدْلَ، فَالْجَمِيعُ يَسْتَفِيدُ مِنْ خِدْمَاتِ الدَّوْلَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ الْمُتَوَافِرَةِ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ الدَّرَجَةِ، فَلَا تَفَاوُتَ فِي الِاسْتِفَادَةِ مِنَ الْخِدْمَاتِ الْعَامَّةْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَتْ أَمْوَالُ الزَّكَاةِ هِيَ الْمُمَوِّلَةَ لِخِدْمَاتِ الدَّوْلَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْجَمِيعُ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، فَلَيْسَ هُنَاكَ فِي الْإِسْلَامِ إِذًا – نَحْنُ نَظُنُّ- مَرِيضٌ يَدْخُلُ الْمُسْتَشْفَى بِدَرَجَةٍ خَاصَّةٍ (وَيَكَأَنَّهُ فِي فُنْدُقِ سَبْعَةِ نُجُومٍ) وَآخَرُ يَدْخُلُ الْمُسْتَشْفَى بِدَرَجَةٍ عَامَّةٍ (وَيَكَأَنَّهُ فِي وَرْشَةِ حِدَادَةٍ).
وَلَا يَجُوزُ – نَحْنُ نَرَى- أَنْ يَتَعَلَّمَ ابْنُكَ فِي مَدْرَسَةٍ خَاصَّةٍ (ذَاتِ الرُّسُومِ الْخَيَالِيَّةِ لِتَوَافُرِ الْخِدْمَاتِ وَالْكَفَاءَاتِ الْمُمَيَّزَةِ لَهَا) بَيْنَمَا يَقْبَعُ ابْنِي فِي غُرْفَةٍ صَفِّيَّةٍ مُتَآكِلَةٍ، صُفُوفُهَا مُكْتَظَّةٌ، وَكَفَاءَاتُهَا التَّدْرِيسِيَّةُ مُتَدَنِّي، وَلَا يُطَاقُ لَهَا حَرٌّ فِي الصَّيْفِ وَلَا بَرْدٌ فِي الشِّتَاءِ، وَرُبَّمَا لَا يَصْلُحُ الْكَثِيرُ مِنْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ كَحَظَائِرَ لِلْأَنْعَامْ.
وَلَا يَجِبُ أَنْ تَنْعَمَ أَنْتَ بِالشَّوَارِعِ الْعَامَّةِ ذَاتِ الْمَسَارِبِ الْعَرِيضَةِ وَالِاتِّجَاهَاتِ الْمُحَدَّدَةِ وَالشَّوَاخِصِ الْمُرُورِيَّةِ الْمُنَظِّمَةِ لِحَرَكَةِ السَّيْرِ، مَادَامَ أَنَّكَ تَسْكُنُ فِي جِوَارِ عِلْيَةِ الْقَوْمِ، بَيْنَمَا أُكَافِحُ أَنَا مِنْ أَجْلِ دَخْلَةٍ صَغِيرَةٍ رُبَّمَا يُمْكِنُ لِلدَّوَابِّ فَقَطْ أَنْ تَسْلُكَهَا بِصُعُوبَةٍ وَلَا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ أَنْ تَسْلُكَهَا إِلَّا بِشَقِّ الْأَنْفُسْ.
وَنَحْنُ نَوَدُّ أَنْ يَنْظُرَ الْمُجَادِلُ فِي التَّفَاوُتِ الطَّبَقِيِّ الَّذِي يَكَادُ يَكُونُ فِي أَوْضَحِ صُوَرِهِ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ. فَلَعَلَّ رِحْلَةً قَصِيرَةً لَا تَتَجَاوَزُ النِّصْفَ سَاعَةٍ فِي أَحْيَاءِ عَمَّانَ (عَاصِمَةِ أَرْضِ الْحَشْدِ وَالرِّبَاطِ) سَتُبَيِّنُ لَكَ كَيْفَ يَعِيشُ النَّاسُ فِي أَحْيَاءِ عِلْيَةِ الْقَوْمِ وَكَيْفَ يَقْبَعُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ فِي بَاقِي مَنَاطِقِ الْعَاصِمَةِ الْعَزِيزَةْ. وَالصُّورَةُ لَا تَخْتَلِفُ كَثِيرًا فِي الْجَزَائِرِ وَالرِّبَاطِ وَتُونِسَ، وَقَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ سَوَاءً فِي الْقَاهِرَةِ وَالْخُرْطُومِ وَنُوَاكْشُوطَ، أَمَّا طَرَابُلُسُ الْغَرْبِ وَدِمَشْقُ وَبَغْدَادُ فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجْ.
السُّؤَالْ: هَلْ تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخَصْخَصَةُ فِي التَّعْلِيمِ وَالصِّحَّةِ وَالْأَشْغَالِ الْعَامَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ، يَكَادُ الظَّنُّ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ أَمْيَلَ عِنْدِي إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْخَصْخَصَةَ قَدْ تَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ التَّحْرِيمِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتِمَّ خَصْخَصَةُ الصِّحَّةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْأَشْغَالِ الْعَامَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ (الَّتِي يَتَكَدَّسُ فِي بَيْتِ مَالِهَا أَمْوَالُ الزَّكَاةِ الَّتِي دَفَعَهَا أَبْنَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسُهُمْ) أَنْ تُوَفِّرَ لَهُ الْخِدْمَاتِ أَيْنَ مَا سَكَنَ فِي تُخُومِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ كُلِّهَا. فَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ شَوَارِعُ الْعَاصِمَةِ أَفْضَلَ مِنْ شَوَارِعِ الْمُدُنِ الْأُخْرَى، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْمَدَارِسُ فِي أَلْحِيَاءِ الرَّاقِيَةِ أَفْضَلَ وَأَكْثَرَ كَفَاءَةً مِنَ الْمَدَارِسِ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرْ. وَلَا يَجِبُ أَنْ تُجَهَّزَ مُسْتَشْفَيَاتٌ بِتَجْهِيزَاتٍ أَفْضَلَ مِنْ مُسْتَشْفَيَاتٍ أُخْرَى لَا لِشَيْءٍ وَإِنَّمَا لِأَنَّ زَبَائِنَهَا مِنْ فِئَةٍ أَوْ طَبَقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُحَدَّدَةْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ أَلَا يَحِقُّ لِي كَغَنِيٍّ أَنْ أُوَفِّرَ لِأَبْنِي تَعْلِيمَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؟ أَلَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَتَمَتَّعَ بِخِدْمَةٍ أَفْضَلَ مِنَ الْخِدْمَاتِ الَّتِي تُقَدَّمُ لِلْآخَرِينَ مَادَامَ أَنِّي اسْتَطِيعُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا؟
جَوَابْ: نَعَمْ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْأَسَاسِيَّاتِ الضَّرُورِيَّةِ الْوَاجِبِ تَوْفِيرُهَا لِلْجَمِيعْ. وَهَذِهِ لَا تَشْمَلُ التَّعْلِيمَ وَالصِّحَّةَ وَالْأَشْغَالَ الْعَامَّةْ. فَأَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَشْتَرِيَ لِنَفْسِكَ طَائِرَةً بَدَلَ أَنْ تَرْكَبَ السَّيَّارَةَ، وَأَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْنِيَ لِنَفْسِكَ قَصْرًا بَدَلًا مِنَ الْبَيْتِ الْعَادِي. لَكِنْ لَيْسَ لِابْنِكَ أَنْ يَتَلَقَّى خِدْمَةً تَعْلِيمِيَّةً فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ الِابْتِدَائِيِّ أَفْضَلَ مِنَ الْخِدْمَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ لِغَيْرِهْ. وَلَيْسَ لِزَوْجَتِكَ الْحَقُّ فِي أَنْ تَدْخُلَ مُسْتَشْفَى الْوِلَادَةِ ذَاتِ السَّبْعَةِ نُجُومٍ بَيْنَمَا تَضَعُ النِّسَاءُ الْأأُخْرَيَاتُ أَوْلَادَهُنَّ عَلَى أَدْرَاجِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ وَمَمَرَّاتِهَاْ؟
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ مَا الْفَائِدَةُ مِنْ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ الْغَنِيُّ وَلَوْ عَاشَ صَاحِبُ السِّيَاسِيِّ "صَاحِبُ الْقَرَارِ" الْأَجْوَاءَ نَفْسَهَا الَّتِي يَعِيشُهَا غَيْرُهُ، لَكَانَ ذَلِكَ مَدْعَاةً أَنْ يَحُلَّ مَشَاكِلَ النَّاسِ لِأَنَّهَا سَتُصِيبُهْ. أَمَّا لَمَّا وُضِعَ الْغَنِيُّ وَصَاحِبُ الْقَرَارِ السِّيَاسِيِّ (وَهُمُ اللَّذَيْنِ يُشَكِّلُونَ الْعِصَابَةَ الْأَكْبَرَ فِي الْمُجْتَمَعِ) فِي مُجْتَمَعٍ عَاجِيٍّ، لَمْ يَكُنْ لِيَهُمَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُعَانِيهِ الْآخَرُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَمُرُّوا بِالتَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامْ. فَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْقَرَارِ السِّيَاسِيِّ مُجْبَرًا أَنْ يَتَعَلَّمَ أَوْلَادُهُ فِي الْمَدَارِسِ الَّتِي يَتَعَلَّمُ بِهَا أَبْنَاءُ الشَّعْبِ كُلُّهُمْ، لَأُصْلِحَتِ الْمَدَارِسُ وَزَادَتْ كَفَاءَتُهَا فِي فَتْرَةٍ قِيَاسِيَّةٍ، وَلَوْ أُدْخِلَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَفْرَادِ أُسْرَتِهِ (أَوْ هُوَ نَفْسُهُ) فِي الْمُسْتَشْفَى الَّذِي يَتَلَقَّى غَيْرُهُ الْعِلَاجَ فِيهِ، لَأُصْلِحَتِ الْمُسْتَشْفَيَاتُ فَوْرًا. وَلَوْ اضْطُرَّ أَنْ يَسْلُكَ بِسَيَّارَتِهِ نَفْسَ الشَّارِعِ الَّذِي تَسِيرُ عَلَيْهِ سَيَّارَاتُ الْآخَرِينَ، لَأُصْلِحَتِ الْخِدْمَاتُ الْعَامَّةُ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَاْ.
[تلخيص ما سبق: الصدقات والزكاة]
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْهَدَفَ مِنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ هُوَ تَقْدِيمُهَا لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَسْتَطِيعَ الدَّوْلَةُ أَنْ تُقَدِّمَ لِلنَّاسِ جَمِيعًا (عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ) الْخِدْمَاتِ الْأَسَاسِيَّةَ فِي الصِّحَّةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْأَشْغَالِ الْعَامَّةِ، بَيْنَمَا يَأْتِي فِعْلُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ مِنْ بَابِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ بِطَبِيعَةِ تَجَاوُرِهِمْ يَعْرِفُونَ حَاجَاتِ بَعْضِهِمُ الْبَعْضْ. لِذَا، فِي حِينِ أَنَّ إِيتَاءَ الزَّكَاةِ يَأْتِي فِي بَابِ سَدِّ حَاجَاتِ النَّاسِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ فِعْلَ تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ يَقَعُ فِي بَابِ سَدِّ حَاجَاتِ النَّاسِ الْخَاصَّةْ. وَمِنْ هُنَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) جَاءَ التَّوْجِيهُ الْإِلَهِيُّ بِالْحَثِّ عَلَى الْأَمْرِ بِالصَّدَقَةْ:
الدَّلِيلْ
[دروس من التاريخ: قصة حرب الردة (أبو بكر يقاتلهم على عدم دفعهم الزكاة)]
لَعَلَّ وَاحِدَةً مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي لَازَالَتْ رَاسِخَةً فِي ذِهْنِي مُنْذُ أَيَّامِ الْمَدْرَسَةِ هِيَ قِصَّةُ حَرْبِ الرِّدَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ مُبَاشَرَةْ. فَمِمَّا لَازِلْتُ أَذْكُرُهُ مِنْ كَلَامِ مُعَلِّمِ الدِّينِ حِينَئِذٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ (خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ) قَدْ شَنَّ حَرْبًا لَا هَوَادَةَ فِيهَا عَلَى الْمُرْتَدِّينَ لِأَنَّهُمْ رَفَضُوا دَفْعَ الزَّكَاةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالْ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا – قُلْتُ فِي نَفْسِي حِينَئِذٍ وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُفْصِحَ عَنْهُ لِمُعَلِّمِي رُبَّمَا لِضَعْفِ قُدُرَاتِي التَّعْبِيرِيَّةِ حِينَئِذٍ أَوْ لِشِدَّةِ مُعَلِّمِي الَّذِي كَانَ لَنْ يَتَرَدَّدَ أَنْ يُعَاقِبَنِي لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنِّي مُخْطِئٌ) فَلِمَ قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَجْلِ الزَّكَاةْ؟ أَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ لَهُ لِأَنَّهُمْ يُخْرِجُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ؟ أَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ بِأَنَّهُمْ يَنْشُدُونَ الْإِخْفَاءَ فِي تَقْدِيمِهَا؟ أَلَيْسَتْ إِخْفَاءُ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ مِنْ إِظْهَارِهَا (كَمَا تَعَلَّمْنَا فِي الدَّرْسِ الَّذِي سَبَقَ)؟
السُّؤَالْ: لِمَ إِذَنْ دَفَعَ أَبُو بَكْرٍ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْبٍ مُحَرِّكُهَا هُوَ عَدَمُ دَفْعِ الزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ كَانَ دَفْعُ الزَّكَاةِ (أَيْ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ) يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِالْإِخْفَاءِ، لَمَا حَقَّ لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنْ أَجْلِ رَفْضِهِمْ دَفْعَ الزَّكَاةِ لَهْ. انْتَهَى.
الدَّلِيلْ
لَوْ تَفَقَّدْنَا مَا يَخُصُّ الزَّكَاةَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ، لَوَجَدْنَاهُ مُرْتَبِطًا عَلَى الدَّوَامِ بِفِعْلِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا هَذَا التَّجَاوُرُ الَّذِي يَكَادُ يَكُونُ شِبْهَ دَائِمٍ بَيْنَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَةٍ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانٍ (نَحْنُ نَرَى) إِخْفَاءُ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَصْبَحَ لِزَامًا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) إِبْدَاءُ الزَّكَاةِ كَذَلِكَ، فَكَمَا نَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا يُقِيمُ الصَّلَاةَ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِرَايَةٍ أَيْضًا بِأَنَّ فُلَانًا يُؤْتِي الزَّكَاةَ كَذَلِكْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَنْفِيذُ "إِيتَاءِ الزَّكَاةِ" عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ لِيَتَحَصَّلَ الْعِلْمُ لِلْجَمِيعِ بِهَا؟
جَوَابْ: تِلْكَ هِيَ فَائِدَةُ سِجِلَّاتِ الدَّوْلَةِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي تُسَجِّلُ بِكُلِّ دِقَّةٍ عَمَلِيَّةَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ لِكُلِّ مَنْ غَنِمَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ: إِنَّهُ الْكَشْفُ الضَّرِيبِيُّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ أَنْ يُقَدِّمَهُ بِنَفْسِهِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينْ.
[ممن تؤخذ الزكاة؟]
السُّؤَالْ: مِمَّنْ تُؤْخَذُ الزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةْ.
السُّؤَالْ: هَلْ نَفْهَمُ مِنْ تَخْرِيصَاتِكَ هَذِهِ أَنَّ الَّذِي لَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ لَا يُكَلَّفُ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: نَعَمْ، لَا يُكَلَّفُ مَنْ لَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: هَلْ هَذَا مَعْقُولٌ؟! أَلَا تَرَى أَنَّكَ قَدْ وَصَلْتَ إِلَى أَبْعَدِ دَرَجَاتِ الْهَذَيَانِ؟ وَإِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، فَمَا الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ لَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ أَنْ يُقَدِّمَ لِلدَّوْلَةِ؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أُخْرَى: مَا الْمَطْلُوبُ مِنَ الدَّوْلَةِ أَنْ تَفْرِضَهُ عَلَى مَنْ لَا يُقِيمُ الصَّلَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الدَّوْلَةَ يَجِبُ أَنْ تُلْزِمَ مَنْ لَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
تَفْنِيدُ الْفِكْرِ السَّائِدْ: إِنَّ طَرْحَنَا هَذَا يَدْعُونَا إِلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَيْسَتْ مُلْزِمَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ (الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ (كَمَا أَفْهَمَنَا أَهْلُ الدِّرَايَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ)، بَلْ هِيَ – بِرَأْيِنَا- مُلْزِمَةٌ لِكُلِّ الْفِئَاتِ الَّذِينَ جَاءَ ذِكْرُهُمْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا، وَهُمْ:
- الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرْ.
- وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهْ.
- وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَرَى أَنَّ الَّذِينَ لَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ هُمْ فَقَطْ فِئَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ الْفِئَاتِ الْمُلْزَمَةِ بِدَفْعِ الْجِزْيَةْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا يَكُونُ دَفْعُ الزَّكَاةِ وَاجِبَةً فَقَطْ عَلَى الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ الْإِخْوَةِ فِي الدِّينِ، فَالْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ (الَّذِي هُوَ دِينُ اللَّهِ، الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ وَلَا شَيْءَ غَيْرُ الْإِسْلَامِ) لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالشُّرُوطِ الْوَارِدَةِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا تَتَحَقَّقُ الْإِخْوَةُ بِالدِّينِ لِلْجَمِيعِ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. لِذَا، إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ مُقِيمًا لِلصَّلَاةِ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةٌ، وَيُصْبِحُ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُوَ صَاغِرْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَرَى أَنَّ الضَّرُورَةَ تَسْتَدْعِي مِنَ الدَّوْلَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَسْلُكَ طَرِيقَيْنِ لِتُحَصِّلَ الْمَالَ الْمَفْرُوضَ كَحَقٍّ وَاجِبٍ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ مِنْ كُلِّ مَا يَتَحَصَّلُ لِلْمُسْلِمِ مِنَ الْغَنَائِمِ (أَيْ الضَّرَائِبِ)، وَهُمَا:
- اسْتِمَارَةُ (اسْتِبَانَةُ) الزَّكَاةْ.
- اسْتِمَارَةُ (اسْتِبَانَةُ) الْجِزْيَةْ.
فَإِذَا مَا عُرِفَ أَنَّ الشَّخْصَ الْمُكَلَّفَ هُوَ مِنَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، فَشَهِدَ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ وَشَهِدَ لَهُ النَّاسُ بِذَلِكَ، أَصْبَحَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْحَقَّ الْمَفْرُوضَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عَلَى شَكْلِ زَكَاةٍ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ دِيَانَتِهِ)، يُصْبِحُ لِزَامًا أَنْ يَدْفَعَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُوَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. انْتَهَى.
[باب: التهرب الضريبي]
لَعَلَّ كُلَّ حُكُومَاتِ الْأَرْضِ تَضَعُ التَّشْرِيعَاتِ الْمُنَظِّمَةَ لِضَبْطِ عَمَلِيَّةِ تَحْصِيلِ الضَّرَائِبِ مِنْ رَعَايَاهَا لِخَزِينَةِ الدَّوْلَةِ، الَّتِي تَقُومُ بِدَوْرِهَا بِإِنْفَاقِ هَذَا الْمَالِ عَلَى الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي تُوَفِّرُ الْأَمْنَ الْمُجْتَمَعِيَّ لِكُلِّ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْفِئَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي يَنْتمُونَ إِلَيْهَا. فَالْخِدْمَاتُ الْأَسَاسِيَّةُ فِي الصِّحَّةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْأَشْغَالِ الْعَامَّةِ هِيَ – بِرَأْيِنَا- حَقٌّ يَتَكَافَأُ فِيهِ الْجَمِيعُ بِنَفْسِ الدَّرَجَةِ مَهْمَا كَانَتْ قُدْرَتُهُ الْمَالِيَّةْ. وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مَوَارِدَ الدَّوْلَةِ مِنَ الضَّرَائِبِ هَذِهِ هِيَ مِنْ أَهَمِّ مَصَادِرِ الدَّخْلِ لِلدَّوْلَةِ. لَكِنْ مَا يُلَاحَظُ فِي كُلِّ الْمُجْتَمَعَاتِ هُوَ مُحَاوَلَةُ الْمُكَلَّفِ بِتَقْدِيمِ كَشْفِ الضَّرِيبَةِ الذَّاتِيِّ إِيجَادَ الثَّغَرَاتِ فِي الْقَانُونِ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنَ التَّهَرُّبِ مِنْ دَفْعِ الضَّرَائِبِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا. فَمِمَّا يَقُضُّ مَضَاجِعَ أَصْحَابِ الْمَلَايِينِ وَالْمِلْيَارَاتِ (وَمَا أَكْثَرَهُمْ) هُوَ هَذَا الْوَاجِبُ الضَّرِيبِيُّ الْمُكَلَّفِينَ بِدَفْعِهِ لِخَزِينَةِ الدَّوْلَةِ. وَهُنَا تَبْدَأُ لُعْبَةُ الْقِطِّ وَالْفَأْرِ. فَيُحَاوِلُ تُوم (الدَّوْلَةُ) أَنْ تَتَحَصَّلَ عَلَى أَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنْ جِيرِي (الْمُوَاطِنِ)، وَلَكِنَّ ذَكَاءَ وَحِنْكَةَ جِيرِي هُوَ الَّذِي يُنْقِذُهُ مِنْ مَخَالِبِ تُوم عَلَى الدَّوَامْ. فَيَنْشَرِحُ فُؤَادُ جِيرِي كُلَّمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَخْذُلَ تُوم، وَهَكَذَا.
السُّؤَالْ: هَلْ تَرَكَ الشَّارِعُ الْكَرِيمُ لِأَيِّ طَرَفٍ أَنْ يَتَغَوَّلَ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ؟ أَلَمْ يُنَظِّمِ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ فَلَا يَعْتَدِي شَخْصٌ عَلَى آخَرَ؟ أَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَظَّمَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالْأَفْرَادِ، فَلَا تَعْتَدِ الدَّوْلَةُ عَلَى أَفْرَادِهَا، وَلَا يَتَلَاعَبُ الْأَفْرَادُ بِحَقِّ الدَّوْلَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ؟
جَوَابْ: لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الزَّكَاةَ هِيَ الْمُنَظِّمُ الْأَسَاسِيُّ لِعَلَاقَةِ الدَّوْلَةِ بِأَفْرَادِ الشَّعْبِ فِيهَا.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا: لَمَّا كَانَتِ الزَّكَاةُ هِيَ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَعْلُومِ، فَإِنَّ مُحَاوَلَةَ التَّهَرُّبِ مِنْ دَفْعِ هَذَا الْحَقِّ تَجُرُّ عَلَى صَاحِبِهَا الْوَيْلَاتِ فِي الْآخِرَةِ أَكْثَرَ مِنْ تِلْكَ الَّتِي قَدْ تَحْصُلُ لَهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِعْلًا يُحَاوِلُ التَّهَرُّبَ مِنْ أَدَاءِ هَذَا الْحَقِّ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. فَعِقَابُ اللَّهِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ عِقَابِ وَلِيِّ الْأَمْرِ. فَمِنْ أَهَمِّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ الصِّدْقُ مَعَ رَبِّهِ، فَهُوَ يَدْفَعُ الزَّكَاةَ لِأَنَّهَا تَشْرِيعٌ إِلَهِيٌّ وَلَيْسَ لِأَنَّهَا جِزْيَةٌ مَفْرُوضَةٌ مِنَ الْحَاكِمِ عَلَى الرَّعَايَا. فَإِذَا كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُ مَا أَنْتَ مُكَلَّفٌ بِدَفْعِهِ بِكُلِّ دِقَّةٍ وَأَمَانَةٍ، فَإِنَّ رَبَّ الْحَاكِمِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. وَإِذَا كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَهَرَّبَ مِنْ دَفْعِ هَذَا الْحَقِّ بِسُلُوكِ الطُّرُقِ الْمُلْتَوِيَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَنْ يَنْفَعَكَ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ، يَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهْ.
فَالْمُسْلِمُ الْمُؤْمِنُ بِرَبِّهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفْلِتَ مِنَ الْعِقَابِ الرَّبَّانِيِّ حَتَّى لَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنَ الْعِقَابِ الدُّنْيَوِيِّ. لِذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْعَقِيدَةُ الَّتِي يَنْقُلُهَا أَهْلُ الدِّينِ لِلْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ (أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ) أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَفَلَّتُ مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَكَمَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَفَلَّتَ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، فَعَلَيْكَ أَنْ لَا تُحَاوِلَ أَنْ تَتَفَلَّتَ مِنْ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْكَ أَيْضًا بِالطُّرُقِ الْمُلْتَوِيَةْ.
السُّؤَالْ: وَمَتَى يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ عَلَى مَالِهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ أَنَّ وَقْتَ الْحَصَادِ هُوَ الْمَوْعِدُ الْمُحَدَّدُ لِأَدَاءِ هَذَا الْحَقِّ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكْ:
السُّؤَالْ: وَمَا هِيَ كَمِّيَّةُ الْمَالِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهَا بِالزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا الْخُمُسُ، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: الْحَقُّ الْمَفْرُوضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ هُوَ الْخُمُسُ فِي كُلِّ مَا غَنِمْ.
رَأْيُنَا: صَحِيحٌ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُهُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِي كُلِّ مَا يَغْنَمُهُ أَفْرَادُ مُجْتَمَعِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ (رَبَّ الْجَمِيعِ) قَدْ أَوْكَلَ الْمُهِمَّةَ لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ، لِذَا فَاللَّهُ هُوَ مَنْ سَيُحَاسِبُ الْمُؤْمِنَ عَلَيْهَا يَوْمَ تَكُونُ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةً. فَعَلَيْكَ أَخِي الْمُسْلِمَ الْمُؤْمِنَ بِرَبِّكَ (لَا بَلْ مِنْ وَاجِبِكَ الدِّينِيِّ) أَنْ تُحَاسِبَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ تَلْقَى رَبَّكَ لِيُحَاسِبَكَ عَلَيْكْ. وَمِنْ وَاجِبِكَ أَيْضًا أَنْ تَحْسِبَ بِكُلِّ دِقَّةٍ وَأَمَانَةٍ مَا غَنِمْتَ مِنْ مَالٍ، فَتُقَدِّمَ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ كَحَقٍّ مَفْرُوضٍ فِي مَالِكَ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونَ الْعَامُودَ الْفِقَرِيَّ لِاقْتِصَادِ الدَّوْلَةِ كُلِّهَا. وَلْيَعْلَمِ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَتَهَرَّبَ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ أَنَّهُ كَـ مَنْ يُمْسِكُ الْمِعْوَلَ بِيَدِهِ لِهَدْمِ بَيْتِهِ فَوْقَ رَأْسِهْ. فَمَا غَنِمْتَ مِنْ مَالٍ هُوَ - لَا شَكَّ - نَتِيجَةُ الْأَمْنِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي وَفَّرَتْهُ لَكَ الدَّوْلَةْ. فَتِجَارَتُكَ لَنْ تَزْدَهِرَ وَمَغَانِمُكَ لَنْ تَتَأَتَّى فِي غِيَابِ الدَّوْلَةِ. وَأَعْلَمْ أَنَّ حُدُوثَ أَيِّ خَلَلٍ فِي الْأَمْنِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي الدَّوْلَةِ سَيَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى مَرْدُودِكَ الْمَالِيّْ. لِذَا مِنْ وَاجِبِكَ أَنْ تُقَدِّمَ مَا عَلَيْكَ مِنْ وَاجِبٍ لِضَمَانِ الدَّيْمُومَةِ فِي النُّمُوِّ وَالِازْدِهَارْ.
السُّؤَالْ: وَمَا هُوَ الْمَالُ الْوَاجِبُ دَفْعُ الزَّكَاةِ فِيهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَالِ تُدْفَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ. انْتَهَى.
تَفْنِيدُ الْفِكْرِ السَّائِدْ: غَالِبًا مَا أَفْهَمَنَا سَادَتُنَا أَهْلُ الدِّرَايَةِ مِنْهُمْ أَنَّ الزَّكَاةَ تُدْفَعُ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى مَا يَزِيدُ مِنَ الْمَالِ عَنْ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَرْفُضُ هَذَا الْمَنْطِقَ كُلَّهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَدْعَاةُ التَّهَرُّبِ وَالتَّلَاعُبِ فِي دَفْعِ الْمُسْتَحَقَّاتِ الْمَالِيَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الشَّخْصْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا: لَمَّا رَبَطَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ دَفْعَ الزَّكَاةِ بِالْحَاجَةِ الْمَزْعُومَةِ، أَصْبَحَ كُلُّ شَخْصٍ يُقَدِّرُ حَاجَاتِهِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا جَعَلَ – بِرَأْيِنَا- الْكَثِيرِينَ يَحْسَبُونَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِذَلِكْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا ظَنَّ الْكَثِيرُونَ (كَمَا أَفْهَمَهُمْ أَهْلُ الدِّينِ) أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ يَكُونُ مُلْزِمًا بَعْدَ تَسْدِيدِ كَامِلِ حَاجِيَّاتِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ مَفْرُوضٌ فَقَطْ فِي الزِّيَادَةِ مِنْهُ (أَيْ مَا فَاضَ عَنْ حَاجَتِكَ)، أَخَذَ أَصْحَابُ الدَّخْلِ الْمَحْدُودِ وَالْمُتَوَسِّطِ يَبْحَثُونَ عَنْ "طُرُقٍ مُلْتَوِيَةٍ" لِإِنْفَاقِ الْمَالِ تَحْتَ مُسَمَّى الْحَاجَةِ، فَهَا هُوَ زَمِيلِي فِي الْعَمَلِ يَشْتَرِي السَّيَّارَةَ بَاهِظَةَ الثَّمَنِ (لَا بَلْ وَيُشْغِلُ نَفْسَهُ بِأَقْسَاطِهَا الشَّهْرِيَّةِ الَّتِي رُبَّمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهَا)، ثُمَّ إِذَا مَا سَأَلْتَهُ عَنِ الزَّكَاةِ تَعَذَّرَ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فَاضًا مِنَ الْمَالِ. وَهَا هُوَ الْآخَرُ يُنْفِقُ عَشَرَاتِ الْآلَافِ مِنَ الدُّولَارَاتِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى تَشْيِيدِ بَيْتِهِ الْفَخْمِ، وَيَقُومُ بِتَأْثِيثِهِ (أَيْ شِرَاءِ الْأَثَاثِ) بِأَحْدَثِ الْمَارْكَاتِ الْعَالَمِيَّةِ، وَقَدْ يَلْجَأُ إِلَى الِاسْتِدَانَةِ مِنَ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْبُنُوكِ لِتَمْوِيلِ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا مَا سَأَلْتَهُ عَنِ الزَّكَاةِ تَعَذَّرَ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ وَعَدَمِ تَوَافُرِ الْفَائِضِ مِنَ الْمَالِ. وَهَا هُوَ ثَالِثٌ يَمْلَأُ يَدَيْ زَوْجَتِهِ وَرَقَبَتَهَا وَجِيدَهَا (لَا بَلْ وَبَعْضَ سِيقَانِهَا) بِالْحُلِيِّ وَالْمُجَوْهَرَاتِ بَاهِظَةِ الثَّمَنِ فِي سُلُوكٍ مَقْصُودٍ بِذَاتِهِ لِلتَّهَرُّبِ مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ بِحُجَّةِ أَنَّ هَذَا مَالٌ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ قَدْ نَسِيَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ بِالزَّكَاةِ بَلْ جَاءَ التَّكْلِيفُ وَاضِحًا لِلْمُؤْمِنَاتِ أَيْضًا:
وَبِالْمُقَابِلِ، لَمَّا وَجَدَ أَصْحَابُ الدَّخْلِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ (أَيْ الْأَثْرِيَاءُ جِدًّا) أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى الْمَالِ الْمَخْزُونِ كُلِّهِ كُلَّ عَامٍ، تَلَكَّأَ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ بِحُجَّةِ ضَخَامَةِ الْمَبَالِغِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَهَا فِي كُلِّ عَامٍ، لَا بَلْ ذَهَبَ الْكَثِيرُونَ مِنْهُمْ إِلَى تَشْغِيلِهَا فِي الْأَسْوَاقِ تَحْتَ مُسَمَّى الْأَسْهُمِ وَالسَّنَدَاتِ وَشِرَاءِ الْعَقَارَاتِ وَالْأَرَاضِي حَتَّى تُصْبِحَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي حَرَكَةٍ مَفْضُوحَةٍ لِلتَّهَرُّبِ مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ الْمَفْرُوضِ مِنَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَا يَغْنَمُوا يَوْمَ حَصَادِهْ.
السُّؤَالْ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْ هَذِهِ الْفَوْضَى الْعَارِمَةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَرَى أَنَّ الْمَخْرَجَ بَسِيطٌ جِدًّا، وَرُبَّمَا يَكُونُ مُرْضٍ لِلْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ يُحَقِّقُ الْعَدَالَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ الْمَنْشُودَةَ، وَتَتَمَثَّلُ فِي إِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنَائِمِ وَقْتَ الْحَصَادِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَكَفَى.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ ذَلِكَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَرَى أَنَّ التَّطْبِيقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُكَلَّفِ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْسِبَ بِنَفْسِهِ (مُؤْمِنًا أَنْ لَا رَقِيبَ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَلَا مُحَاسِبَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) كُلَّ غَنِيمَةٍ تَحَصَّلَتْ لَهُ مَهْمَا كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً، وَمِنْ ثَمَّ يَقُومُ بِإِخْرَاجِ حَقِّهَا وَقْتَ حَصَادِهَا، وَهُوَ الْخُمُسْ. لِتَكُونَ رَافِدَ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ الرَّئِيسِيّْ. فَالَّذِي يَكْسِبُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا دِينَارَيْنِ، وَالَّذِي يَكْسِبُ مِئَةً يُخْرِجُ مِنْهَا عِشْرِينَ، وَالَّذِي يَكْسِبُ أَلْفًا يُخْرِجُ مِنْهَا مِئَتَيْنِ، وَالَّذِي يَغْنَمُ عَشَرَةَ الْآلَافِ يُخْرِجُ مِنْهَا أَلْفَيْنِ، وَالَّذِي يَغْنَمُ مِئَةَ أَلْفٍ يُخْرِجُ مِنْهَا عِشْرِينَ أَلْفًا، وَهَكَذَا. وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَعْلُومُ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِنَا:
سُؤَالْ: قَدْ يَقُولُ قَالٌ: أَلَيْسَ هَذَا بِكَثِيرٍ؟ هَلْ فِعْلًا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَدْفَعَ الْخُمُسَ فِي كُلِّ مَا يَكْسِبُ كَثِيرًا كَانَ أَمْ قَلِيلًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَثِيرٍ، وَأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِجَمِيعِ الْأَطْرَافِ، فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلدَّوْلَةِ كُلِّهَا، وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِأَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ جَمِيعًا.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِي هَذَا مَصْلَحَةً لِلْأَفْرَادِ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةْ:
أَوَّلًا، لِأَنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ (أَيْ الْخُمُسَ) تُدْفَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً. فَلَا يَتَوَجَّبُ دَفْعُهَا مَرَّةً أُخْرَى مَهْمَا تَرَاكَمَتِ الثَّرَوَاتُ فِي رَصِيدِ الشَّخْصِ بَعْدَ ذَلِكْ. فَمَادَامَ أَنَّكَ قَدْ أَخْرَجْتَ الْخُمُسَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي دَخَلَ خَزِينَتَكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ كُلُّ مَا تَرَاكَمَتْ فِيهَا مِنْ ثَرَوَاتٍ هُوَ مَالٌ نَظِيفٌ طَاهِرٌ، لَكَ الْحَقُّ أَنْ تَتَمَتَّعَ بِهِ كَيْفَمَا شِئْتَ بَعْدَ ذَلِكْ.
ثَانِيًا، لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ يُدْفَعُ مُقَابِلَ تَقْدِيمِ الْخِدْمَاتِ الْعَامَّةِ لِأَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِمْ، فَأَنْتَ تُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ الْعَامَّةِ بِمِقْدَارِ مَا تَمْلِكُ مِنْ ثَرْوَةٍ، فَكُلَّمَا زَادَتْ ثَرْوَتُكَ، كُلَّمَا سَاهَمْتَ أَكْثَرَ فِي بِنَاءِ تِلْكَ الْمُؤَسَّسَاتِ، وَفِي تَقْدِيمِ تِلْكَ الْخِدْمَاتِ لِلْعَامَّةْ. فَيُسَاهِمُ فِيهَا الْفَقِيرُ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ وَيُسَاهِمُ فِيهَا الْغَنِيُّ بِالشَّيْءِ الْكَثِيرِ، وَلَكِنَّ الْجَمِيعَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا بِالتَّسَاوِي، وَهَذَا هُوَ – بِرَأْيِنَا- مَنْطِقُ الْعَدَالَةِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ الْمَنْشُودُ مِنْ فِعْلِ إِيتَاءِ الزَّكَاةْ.
ثَالِثًا، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَنْسَى أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ دِينِيٌّ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةْ. فَمِقْدَارُ مُسَاهَمَتِكَ فِي رَفْدِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَالِ هُوَ ضَمَانٌ لَكَ بِأَنْ تَكُونَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، قَالَ تَعَالَى:
رَابِعًا، لَوْ حَسَبْتَ مِقْدَارَ مَا تُقَدِّمُ لِخَزِينَةِ الدَّوْلَةِ بِمِقْدَارِ مَا تَتَلَقَّاهُ مِنْ خِدْمَاتٍ عَامَّةٍ مِنَ الدَّوْلَةِ، فَإِنَّ الْمُسْتَفِيدَ الْأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْفَقِيرُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسَاهِمُ الْأَضْعَفُ فِيهَا، لَكِنَّهُ يَتَلَقَّى الْخِدْمَاتِ الْعَامَّةَ كَالْغَنِيِّ الَّذِي هُوَ الْمُسَاهِمُ الْأَكْبَرُ فِيهَا. وَهَذِهِ لَا شَكَّ هِيَ الْعَدَالَةُ الْمَنْشُودَةُ فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتْ.
خَامِسًا، يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ كَلَامُنَا هَذَا فِي ضَوْءِ الْمَنْهَجِ كُلِّهِ وَلَيْسَ فِي ضَوْءِ التَّطْبِيقِ السَّائِدِ فِي بِلَادِ الظُّلْمِ وَالِاسْتِبْدَادِ، وَهِيَ مَا تُسَمَّى نَفْسَهَا زُورًا وَبُهْتَانًا بِدُوَلِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّتِي هِيَ فِي وَاقِعِ التَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ أَبْعَدُ مَا تَكُونُ عَنِ الْإِسْلَامِ الْحَقِيقِيّْ.
سَادِسًا، نَحْنُ نَرَى أَنَّ فِي هَذَا سَلَامَةً مِنْ تَغَوُّلِ سُلْطَةِ الدَّوْلَةِ عَلَى حُقُوقِ الْأَفْرَادْ. فَالزَّكَاةُ الْمَعْلُومَةُ (أَيْ الْخُمُسُ) هِيَ الرَّادِعُ الْحَقِيقِيُّ لِفَرْضِ الضَّرَائِبِ التَّعَسُّفِيَّةِ الَّتِي تَفْرِضُهَا الدَّوْلَةُ كُلَّمَا وَجَدَتْ نَفْسَهَا فِي وَرْطَةٍ مَالِيَّةْ. فَلَوْ أَنْتَ نَظَرْتَ إِلَى الدُّوَلِ الْمُسَمَّاةِ بِالْإِسْلَامِيَّةِ لَوَجَدْتَ أَنَّهَا تُرْهِقُ كَاهِلَ أَفْرَادِهَا خَاصَّةً أَصْحَابَ الدَّخْلِ الْمَحْدُودِ بِالضَّرَائِبِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالْمُتَنَوِّعَةِ الَّتِي تَعْجَزُ أَحْيَانًا أَنْ تَجِدَ لَهَا مُسَمَّيَاتٍ حَقِيقِيَّةً لِتَسْوِيقِهَا بَيْنَ النَّاسْ. فَالزَّكَاةُ بِمِقْدَارِهَا الْمَعْلُومِ هِيَ الْعَقْدُ الَّذِي لَا يَحِقُّ لِطَرَفٍ أَنْ يَفُضَّهُ مَتَى مَا أَرَادَ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ مَآرِبِهِ الْخَاصَّةْ. فَلَوْ عَلِمَتِ الدَّوْلَةُ أَنَّ لَا حَقَّ لَهُ فِي جُيُوبِ أَفْرَادِهَا إِلَّا بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ، لَنَمَّتْ قُدُرَاتِهَا الْمَالِيَّةَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكْ. وَلَمَا تَمَادَتْ فِي الْإِنْفَاقِ غَيْرِ الْمُبَرَّرِ عَلَى رَفَاهِيَةِ طَبَقَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَفْرَادِهَا عَلَى حِسَابِ الطَّبَقَاتِ كُلِّهَا. فَرِجَالُ السِّيَاسَةِ الْفَاسِدُونَ فِي طَبْعِهِمْ هُمُ الْمُسْتَفِيدُونَ الْوَحِيدُونَ مِنْ غِيَابِ التَّنْظِيمِ الْحَقِيقِيِّ لِمُدْخَلَاتِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا فَرَضَ اللَّهُ الْخُمُسَ فِي كُلِّ الْمَغَانِمِ الَّتِي يَحْصُلُ عَلَيْهَا الْأَفْرَادُ لِصَالِحِ خَزِينَةِ الدَّوْلَةْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَتَمَثَّلُ فِي تَحْقِيقِ غَايَتَيْنِ رَئِيسِيَّتَيْنِ وَهُمَا:
- السَّيْطَرَةُ عَلَى التَّضَخُّمِ
- الْحَدُّ مِنَ الرِّبَا
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكْ
[باب الربا: رؤية جديدة]
قَالَ تَعَالَى:
نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ سَتَكُونُ مُرْشِدَةً لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) فِي تَحْدِيدِ مَاهِيَّةِ الرِّبَا وَخُطُورَةِ الْوُقُوعِ فِيهِ وَطَرِيقَةِ تَجَنُّبِهْ. فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا. وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ لَا أَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُعَلِّمَنِي فَلَا أَقُولُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ- آمِينْ.
أَمَّا بَعْدْ،
السُّؤَالْ: مَا هُوَ الرِّبَا؟
الْإِشْكَالِيَّةُ الْحَدِيثَةُ فِي تَحْدِيدِ الرِّبَا: اسْتَطَاعَ رِجَالُ الدِّينِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ أَنْ يَحْصُرُوا الرِّبَا بِالْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي دَاخِلَ الْبُنُوكِ التِّجَارِيَّةِ، فَكُلُّ مُعَامَلَةٍ بَنْكِيَّةٍ - بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ- هِيَ مُعَامَلَةٌ رِبَوِيَّةٌ، وَهُنَا تَبْرُزُ الْإِشْكَالِيَّةُ الْأُولَى الَّتِي نَوَدُّ إِثَارَتَهَا عَلَى الْفَوْرِ وَهِيَ: هَلْ فِعْلًا لَا يُوجَدُ رِبًا خَارِجَ حُدُودِ الْبُنُوكِ التِّجَارِيَّةِ؟ أَلَا يَقَعُ الْأَفْرَادُ أَنْفُسُهُمْ فِي مُعَامَلَاتِهِمُ التِّجَارِيَّةِ بِأَعْمَالٍ رِبَوِيَّةٍ؟ وَمَاذَا عَنْ زَمَنِ النَّبِيِّ نَفْسِهِ؟ هَلْ كَانَ هُنَاكَ بُنُوكٌ تَتَعَامَلُ بِالرِّبَا؟ وَإِلَّا، كَيْفَ كَانَ الْأَشْخَاصُ الْعَادِيُّونَ يَقُومُونَ بِالْأَعْمَالِ الرِّبَوِيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ؟
وَلَعَلَّ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى الَّتِي حَصَلَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ تَمَثَّلَتْ – بِرَأْيِنَا- بِتَشْيِيدِ مَا يُسَمَّى بِالْبُنُوكِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي ظَنَّ الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ أَنَّهَا لَا تَقُومُ بِالْأَعْمَالِ الرِّبَوِيَّةِ، وَهِيَ الْمُخَلِّصَةُ لَهُمْ مِنْ بَرَاثِينِ الْبُنُوكِ الرِّبَوِيَّةِ الْأُخْرَى؟ وَمَا هِيَ إِلَّا فَتْرَةٌ قَصِيرَةٌ حَتَّى بَانَتْ حَقِيقَتُهَا، فَهِيَ (نَحْنُ نَرَى) الَّتِي تُثْقِلُ كَاهِلَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا تَفْعَلُ الْبُنُوكُ الرِّبَوِيَّةْ. فَلَوْ حَاوَلْتَ أَنْ تَتَقَدَّمَ بِالْمُعَامَلَةِ الْمَالِيَّةِ نَفْسِهَا لِبَنْكَيْنِ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا رِبَوِيٌّ وَالْآخَرُ إِسْلَامِيٌّ، لَوَجَدْتَ أَنَّ الْبَنْكَ الرِّبَوِيَّ أَكْثَرُ مَنْطِقِيَّةً وَأَقَلُّ تَكْلِفَةً مِنَ الْبَنْكِ الْإِسْلَامِيّْ. لَكِنْ لِلْأَسَفِ فَإِنَّ اسْتِخْدَامَ سَاطُورِ الدِّينِ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ هِيَ الَّتِي تُجْبِرُهُمْ عَلَى اللُّجُوءِ إِلَى الْبُنُوكِ الْإِسْلَامِيَّةِ حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ التَّكْلِفَةُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرْ. فَهُمْ طُلَّابُ جِنَانٍ هَارِبُونَ مِنَ النِّيرَانِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
عَلَى أَيِّ حَالٍ، دَعْنَا نَطْرَحُ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: بَعِيدًا عَنِ الْمُعَامَلَاتِ الْبَنْكِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ رِبَوِيَّةً أَوْ إِسْلَامِيَّةً، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ الرِّبَا فِي الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ غَيْرِ الْبَنْكِيَّةِ؟ فَهَلْ يُمْكِنُ لِتَاجِرِ الْخُضَارِ وَالْفَاكِهَةِ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِتَاجِرِ الذَّهَبِ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِتَاجِرِ الْأَجْهِزَةِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا؟
السُّؤَالْ: كَيْفَ يَحْصُلُ الرِّبَا؟ وَمَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الْمُتَعَامِلُونَ بِالتِّجَارَةِ فِي السُّوقِ بِفِعْلِ الرِّبَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ، لَابُدَّ لَنَا بِدَايَةً مِنْ تَعْرِيفِ الرِّبَا، وَالْوُقُوفِ عَلَى مَاهِيَّتِهْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ فَهْمُ مَاهِيَّةِ الرِّبَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نُدَقِّقُ مَلِيًّا بِمَا جَاءَنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
لِنَخْرُجَ بِالِاسْتِنْبَاطِ الْمُهِمِّ جِدًّا جِدًّا التَّالِي: كُلُّ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا تَقَعُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ مِنْ بَابَيْنِ اثْنَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بَيْعًا أَوْ أَنْ تَكُونَ رِبًا. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهُ مِنْ ذَلِكَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: عَلَيْكَ أَخِي الْمُسْلِمَ أَنْ تَفْهَمَ بِأَنَّ أَيَّ مُعَامَلَةٍ تِجَارِيَّةٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حَجْمِهَا (كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً) وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَكَانِ إِبْرَامِهَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِي بَابِ الْبَيْعِ أَوْ يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِي بَابِ الرِّبَا. فَشِرَاؤُكَ لِبَيْضَةِ دَجَاجَةٍ قَدْ تَقَعُ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَقَدْ تَقَعُ فِي بَابِ الرِّبَا، وَكَذَلِكَ تَمْوِيلُ صَفْقَتِكَ التِّجَارِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَصِلُ إِلَى عَشَرَاتِ الْمَلَايِينِ، قَدْ تَكُونُ بَيْعًا وَقَدْ تَكُونُ رِبًا.
السُّؤَالْ: مَا فَائِدَةُ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَعَلَّ أَوَّلَ فَائِدَةٍ مَنْشُودَةٍ مِنْ ذَلِكَ هُوَ عَدَمُ حَصْرِ الرِّبَا بِالْمُعَامَلَاتِ الْبَنْكِيَّةِ. فَالرِّبَا مُنْتَشِرٌ فِي الْأَسْوَاقِ كُلِّهَا، وَفِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ مَهْمَا كَانَ حَجْمُهَا وَمَهْمَا كَانَ مَكَانُهَا. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلشَّخْصِ الْعَادِيِّ مَعْرِفَةُ مَاهِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ التِّجَارِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْعًا أَمْ كَانَتْ رِبًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الطَّرِيقَةَ بَسِيطَةٌ جِدًّا. وَتَتَمَثَّلُ بِالْمُعَادَلَةِ التَّالِيَةِ: إِذَا لَمْ تَكُنْ مُعَامَلَتُكَ بَيْعًا فَهِيَ إِذَنْ رِبًا، وَالْعَكْسُ صَحْصَحْ: إِذَا لَمْ تَكُنْ مُعَامَلَتُكَ رِبًا فَهِيَ بَيْعٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالْ: مَاذَا تَقْصِدْ؟ لَمْ أَفْهَمْ شَيْئًا. يَرُدُّ صَاحِبُنَا قَائِلًا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: مَادَامَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ثُنَائِيَّةٌ (إِمَّا بَيْعًا وَإِمَّا رِبًا)، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ وَاحِدَةٍ تُغْنِي عَنْ مَعْرِفَةِ الْأُخْرَى. فَإِذَا مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أُعَرِّفَ الْبَيْعَ، يَأْتِي تَعَرُّفُ الرِّبَا كَتَحْصِيلِ حَاصِلٍ، وَالْعَكْسُ صَحِيحْ. لِذَا فَأَنَا أَحْتَاجُ أَنْ أَقِفَ عَلَى تَعْرِيفٍ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِيَتَحَصَّلَ لِي تَعْرِيفُ الْأُخْرَى دُونَ جُهْدْ.
سُؤَالْ: إِذَا كَانَ كَلَامُكَ هَذَا صَحِيحًا، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُعَرِّفَ لَنَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابْ: دَعْنَا نُحَاوِلُ تَعْرِيفَ الرِّبَا. وَلْيَكُنِ السُّؤَالُ هُوَ: مَا هُوَ الرِّبَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُقَدِّمُ لَنَا التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ اللَّازِمَ لِلرِّبَا، قَالَ تَعَالَى:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ الْأُولَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا هِيَ: الرِّبَا يَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهُ مُضَاعَفَةَ رَأْسِ الْمَالِ. انْتَهَى.
السُّؤَالْ: وَمَاذَا نَعْنِي بِالْمُضَاعَفَةِ (أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً)؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ هِيَ الزِّيَادَةُ بِالْمِثْلِ، فَالْوَاحِدُ يُصْبِحُ اثْنَيْنِ، وَالِاثْنَيْنِ تُصْبِحُ أَرْبَعَةً، وَالْأَرْبَعَةُ تُصْبِحُ ثَمَانِيَةً، وَهَكَذَا. قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: هَلْ تَقْصِدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَبِيعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الضِّعْفِ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُ كَمِّيَّةِ الضِّعْفِ هَذِهِ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآلِيَّةَ بَسِيطَةٌ جِدًّا، لَكِنْ دَعْنَا بِدَايَةً نُحَاوِلُ التَّعَرُّفَ عَلَى الْغَايَةِ الْمَنْشُودَةِ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، أَيْ الْغَايَةِ الْمَنْشُودَةِ مِنْ عَدَمِ أَكْلِ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَأْكُلَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَعَّفَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ أَكْلَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً سَتَكُونُ نَتِيجَتُهُ الْحَتْمِيَّةُ هُوَ تَكَدُّسُ الثَّرْوَةِ بِيَدِ حَفْنَةٍ مِنَ النَّاسِ (وَهُمُ الْأَغْنِيَاءُ)، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: جَاءَ الشَّرْعُ الْكَرِيمُ لِيُبَيِّنَ لَنَا الطَّرِيقَةَ الَّتِي لَا تُؤَدِّي فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَّا. (وَسَنَرَى تَبِعَاتِ ذَلِكَ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ)
السُّؤَالْ: وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ لَا تَصِيرَ الْأَمْوَالُ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنَّا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ شَرْطَانِ رَئِيسِيَّانِ يُحَقِّقَانِ هَذِهِ الْغَايَةَ، وَهُمَا:
- عَدَمُ أَكْلِ الرِّبَا
- إِيتَاءُ الزَّكَاةِ
وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي التَّقَابُلِ بَيْنَهُمَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَلَوْ حَالْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِمِقْدَارِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
لَرُبَّمَا تَجَرَّأْنَا عَلَى الِافْتِرَاءِ التَّالِي: الزَّكَاةُ هِيَ تَطْهِيرٌ لِمَالِ الْمُسْلِمِ مِنْ شُبْهَةِ الرِّبَا. فَإِخْرَاجُ خُمُسِ مَا غَنِمَ الْمُسْلِمُ هُوَ تَحْقِيقٌ لِمَبْدَأِ سَلَامَةِ الْمَالِ مِنْ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَشُوبَهْ.
وَلَوْ حَالْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِالصَّدَقَاتِ أَيْضًا، لَوَجَدْنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تَعْمَلُ كَذَلِكَ عَلَى تَطْهِيرِ الْمَالِ مِنْ كُلِّ مَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ، فَالْمَالُ الَّذِي فِيهِ رِبًا يَكُونُ الشَّيْطَانُ شَرِيكًا فِيهِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: وَلِمَاذَا يَكُونُ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مُهِمٌّ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَكْلَ الرِّبَا يَجُرُّ مَعَهُ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالْ: كَيْفَ يَجُرُّ أَكْلُ الرِّبَا مَعَهُ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلْ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا (1): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ التِّجَارِيَّةَ (أَيَّ مُعَامَلَةٍ) لَا تَكُونُ رِبًا (أَيْ بَيْعًا) إِذَا لَمْ يَحْدُثْ جَرَّاءَ ذَلِكَ أَكْلُ مَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ التِّجَارِيَّةَ (أَيَّ مُعَامَلَةٍ) تَقَعُ فِي بَابِ الرِّبَا إِذَا حَدَثَ جَرَّاءَ ذَلِكَ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلْ.
السُّؤَالْ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْكُلَ التَّاجِرُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟ وَمَا هُوَ الْبَاطِلُ أَصْلًا؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْبَاطِلَ هُوَ الْمُقَابِلُ النَّقِيضُ لِلْحَقِّ، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ التَّقَابُلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ هُوَ التَّقَابُلُ نَفْسُهُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا، فَالْبَيْعُ يَقَعُ فِي بَابِ الْحَقِّ بَيْنَمَا يَقَعُ الرِّبَا فِي بَابِ الْبَاطِلِ، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
| الحق | الباطل |
|---|---|
| البيع | الربا |
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (1): إِذَا كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ التِّجَارِيَّةُ قَدْ نَتَجَ عَنْهَا أَكْلُ مَالِ النَّاسِ بِالْحَقِّ فَهِيَ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- بَيْعْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): إِذَا كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ التِّجَارِيَّةُ قَدْ نَتَجَ عَنْهَا أَكْلُ مَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَهِيَ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- رِبًا.
وَلَوْ حَاوَلْنَا تَفَقُّدَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ، لَوَجَدْنَا تَتَحَدَّثُ عَنِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلْ:
السُّؤَالْ: مَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَأْكُلَ التَّاجِرُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْحَقِّ؟ وَمَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلْ؟
جَوَابْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) تُقَدِّمُ لَنَا الْمِفْتَاحَ الْأَوَّلَ لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، قَالَ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) تُسَطِّرُ لَنَا الْقَاعِدَةَ الْأَسَاسِيَّةَ الْأُولَى فِي التِّجَارَةِ، أَلَا وَهِيَ حُصُولُ التَّرَاضِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ). انْتَهَى.
السُّؤَالْ: أَلَيْسَ مَا يَجْرِي مِنْ مُعَامَلَاتٍ تِجَارِيَّةٍ فِي الْبُنُوكِ تَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّرَاضِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى رِضَا طَرَفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَنْكُ نَفْسُهُ. فَالزَّبُونُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الْمُوَافَقَةَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي يَفْرِضُهَا الْبَنْكُ نَفْسُهُ. أَيْ الشُّرُوطُ الَّتِي يَفْرِضُهَا صَاحِبُ الْمَالِ. وَهَذَا - بِرَأْيِنَا- أَوَّلُ خُطُوَاتِ الْوُقُوعِ فِي بَابِ الرِّبَا.
لِذَا، نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبُنُوكِ الَّتِي تُسَمِّي نَفْسَهَا إِسْلَامِيَّةً لَا تَخْتَلِفُ قِيدَ أَنْمُلَةٍ عَنِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَجْرِي فِي أَرْوِقَةِ مَا يُسَمَّى بِالْبُنُوكِ الرِّبَوِيَّةِ، وَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ حُصُولِ التَّرَاضِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، لِذَا، فَهِيَ لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ مُعَامَلَاتٍ انْطَلَقَتْ مِنْ مَبْدَأٍ رِبَوِيٍّ، وَهِيَ رِضَا طَرَفٍ وَاحِدٍ عَلَى حِسَابِ الطَّرَفِ الْآخَرِ. وَهِيَ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ تُبَيِّنُ رِضَا الْغَنِيِّ عَلَى حِسَابِ الْفَقِيرِ. وَلَوْ نَظَرْنَا حَوْلَنَا لَوَجَدْنَا أَنَّ هَذِهِ الْبُنُوكَ (وَمَنْ هُمْ وَرَاءَهَا يَمْلِكُونَ مُعْظَمَ ثَرْوَةِ الْبِلَادِ)، فَكَانَ الْمَالُ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ. انْتَهَى.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: كُلُّ مُعَامَلَةٍ تِجَارِيَّةٍ لَا تَكُونُ نَاشِئَةً عَنْ رِضَا الطَّرَفَيْنِ، فَهِيَ مُعَامَلَةٌ يَشُوبُهَا الْبَاطِلُ، أَيْ الرِّبَا.
السُّؤَالْ: وَمَاذَا عَنِ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْأَسْوَاقِ، أَلَا تَكُونُ مُبْرَمَةً بِرِضَا الطَّرَفَيْنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، فَمُعْظَمُ الْمُعَامَلَاتِ الْمُبْرَمَةِ فِي الْأَسْوَاقِ مُبْرَمَةٌ أَيْضًا بِرِضَا طَرَفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّاجِرْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّ الزَّبُونَ لَا يَعْرِفُ التَّكْلِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْبِضَاعَةِ الْمُبَاعَةِ، وَلِأَنَّ التَّاجِرَ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَعْرِفُ الْقِيمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْبِضَاعَةْ.
السُّؤَالْ: وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُوصِلُنَا إِلَى مُبْتَغَانَا مِنْ هَذَا النِّقَاشِ كُلِّهْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: هَلْ يَقْبَلُ التَّاجِرُ أَنْ يُفْصِحَ فِعْلًا عَنِ التَّكْلِفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْبِضَاعَةِ الْمُبَاعَةْ؟
السُّؤَالْ: وَهَلْ يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يُفْصِحَ عَنِ التَّكْلِفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْبِضَاعَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ. يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكْ.
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يُفْصِحَ عَنِ الْقِيمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْبِضَاعَةِ الْمُبَاعَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: حَتَّى يَحْصُلَ التَّرَاضِ فِي إِبْرَامِ الصَّفْقَةِ التِّجَارَةِ. فَالْتِّجَارَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَسَاسِ مَبْنِيَّةً عَلَى تَرَاضٍ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابْ: تَخَيَّلْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنَّكَ قُمْتَ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِقِيمَةِ خَمْسِينَ دِينَارًا، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَكَ لَاحِقًا بِأَنَّ قِيمَتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، هَلْ تَشْعُرُ عِنْدَهَا بِالرِّضَا؟ هَلْ لَوْ أَفْصَحَ لَكَ الْبَائِعُ عَنْ قِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ (وَهِيَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ) وَقْتَ إِبْرَامِ الصَّفْقَةِ التِّجَارِيَّةِ، هَلْ كُنْتَ سَتَرْضَى أَنْ تَشْتَرِيَهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا؟!
جَوَابْ: لَعَلِّي أَظُنُّ أَنَّ الْغَالِبِيَّةَ السَّاحِقَةَ مِنَ النَّاسِ لَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ. لَا بَلْ وَسَيَنْتَابُكَ شُعُورٌ بِالْغَبْنِ، وَرُبَّمَا لَا تَتَرَدَّدُ أَنْ تَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَمْحَقَ تِجَارَتَهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ رِبًا، أَكَلَ مِنْ خِلَالِهَا مَالَكَ بِالْبَاطِلِ، قَالَ تَعَالَى:
(دُعَاءْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ تَمْحَقُ الرِّبَا الَّذِي أَكَلَ التُّجَّارُ بِهِ أَمْوَالَنَا بِالْبَاطِلِ – آمِينْ).
لَكِنْ بِالْمُقَابِلِ، تَخَيَّلْ لَوْ أَنَّكَ اكْتَشَفْتَ لَاحِقًا أَنَّ قِيمَةَ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَيْتَهَا فِعْلًا بِخَمْسِينَ دِينَارًا هِيَ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ دِينَارًا، هَلْ كُنْتَ سَتَشْعُرُ بِالْغَبْنِ حِينَئِذٍ؟ هَلْ كُنْتَ سَتَشْعُرُ أَنَّ مَنْ بَاعَكَ السِّلْعَةَ قَدْ أَكَلَ مَالَكَ بِالْبَاطِلِ؟ هَلْ كُنْتَ سَتَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَمْحَقَ رِبَاهْ؟
جَوَابْ: كَلَّا، لِأَنَّكَ سَتَشْعُرُ أَنَّ التَّاجِرَ لَمْ يَأْكُلْ مَالَكَ بِالْبَاطِلِ، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ لَكَ التَّاجِرُ عَنْ قِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ (كَانَ تَكُونَ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ دِينَارًا) سَتَكُونُ رَاضٍ تَمَامَ الرِّضَا، لَا بَلْ وَسَتَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةْ.
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي تَقُولُهُ يَا رَجُلْ؟ هَلْ يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يُفْصِحَ لِلزَّبُونِ عَنِ الْقِيمَةِ الْحَقِيقَةِ لِكُلِّ سِلْعَةٍ يَبِيعُهَا؟ هَلْ هَذَا مُمْكِنًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَلَّا، هُوَ لَيْسَ مُضْطَرًّا إِلَى ذَلِكْ.
السُّؤَالْ: فَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ فِعْلُهُ إِذَنْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ بِرَبِّهِ (الَّذِي يَنْشُدُ الْبَيْعَ فِي مُعَامَلَاتِهِ التِّجَارِيَّةِ وَالَّذِي يُرِيدُ أَنْ تَحَرَّى أَنْ لَا يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا) أَنْ يَكُونَ نِبْرَاسُهُ فِي تِجَارَتِهِ الْقَاعِدَةَ الْإِلَهِيَّةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي جَاءَتْ لِتَحْدِيدِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ (وَتِبْيَانِ الرِّبَا الْمَمْنُوعِ)، وَهِيَ – بِرَأْيِنَا- مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الْحَقِّ تَعَالَى:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى مَبْدَأِ نَفْيِ الظُّلْمِ عَلَى الطَّرَفَيْنِ (التَّاجِرِ وَالزَّبُونِ)، فَلَا التَّاجِرُ يَظْلِمُ الزَّبُونَ وَلَا التَّاجِرُ يَظْلِمُ نَفْسَهْ.
لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ عَلَى التَّاجِرِ الْمُؤْمِنِ بِرَبِّهِ (الَّذِي لَا يُرِيدُ الْوُقُوعَ فِي الرِّبَا) أَنْ يَبْنِيَ تِجَارَتَهُ كُلَّهَا عَلَى مَبْدَأِ "لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ". فَعَلَيْهِ إِذَنْ أَنْ يَتَحَرَّى فِي تِجَارَتِهِ أَنْ لَا يُوقِعَ الظُّلْمَ عَلَى الْآخَرِينَ كَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى أَنْ لَا يُوقِعَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَطْبِيقُ هَذَا الْمَبْدَأِ فِي التِّجَارَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تَطْبِيقَ هَذَا الْمَبْدَأِ غَايَةٌ فِي الْبَسَاطَةِ، وَيَتَمَثَّلُ فِي أَنْ يَضَعَ التَّاجِرُ نَفْسَهُ مَكَانَ الزَّبُونِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ بِبَيْعِ الْبِضَاعَةِ لَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَخَيَّلَ نَفْسَهُ أَنَّهُ هُوَ الزَّبُونُ الَّذِي سَيَشْتَرِي الْبِضَاعَةَ، ثُمَّ يَقُومُ بِحِسَابِ الرِّبْحِ بِطَرِيقَةٍ لَا تُلْحِقُ الضَّرَرَ بِهِ وَلَا يَلْحَقُ الضَّرَرَ بِالْآخَرِينَ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا رِضَا الطَّرَفَيْنِ. فَتَاجِرُ الْقُمَاشِ سَيَضْطَرُّ سَيَحْتَاجُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْخُضَارَ وَالْفَاكِهَةَ لِأَطْفَالِهِ مِنَ السُّوقِ فِي نِهَايَةِ الْيَوْمِ، وَسَيَحْتَاجُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأَثَاثَ لِبَيْتِهِ فِي نِهَايَةِ الشَّهْرِ مِنْ تَاجِرٍ آخَرَ، وَسَيَحْتَاجُ أَنْ يَشْتَرِيَ الذَّهَبَ فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ مِنْ تَاجِرٍ، فَهَلْ يَقْبَلُ أَنْ يَأْكُلَ هَؤُلَاءِ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ كَمَا أَكَلَ مَالَ غَيْرِهِ يَوْمَ أَنْ بَاعَهُمْ قِطْعَةً مِنَ الْقُمَاشِ؟ فَهَلْ لَوْ كَانَ هُوَ فِعْلًا الزَّبُونَ الَّذِي سَيَدْفَعُ ثَمَنَ الْبِضَاعَةِ، هَلْ يَرْضَى أَنْ تُؤْكَلَ أَمْوَالُهُ بِالْبَاطِلِ مِنْ قِبَلِ غَيْرِهْ؟
نَتِيجَةْ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ النَّاسُ أَمْوَالَكَ بِالْبَاطِلِ فَلَا تَأْكُلْ أَمْوَالَ النَّاسِ أَنْتَ بِالْبَاطِلِ، أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَبْدَأُ الْإِلَهِيُّ (لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ).
مِثَالْ: تَخَيَّلْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنَّكَ كُنْتَ مُقْدِمًا عَلَى شِرَاءِ بِضَاعَةٍ مَا، وَكَانَ ثَمَنُ هَذِهِ السِّلْعَةِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، هَلْ تَقْبَلُ أَنْ تَأْخُذَهَا بِأَقَلَّ مِنْ تَكْلِفَتِهَا الْحَقِيقِيَّةْ؟
جَوَابٌ كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْبَلُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، فَأَنْتَ لَنْ تَرْضَى لِلتَّاجِرِ أَنْ يَخْسَرَ، فَلَا تُقَدِّمْ مَصْلَحَتَكَ عَلَى مَصْلَحَةِ التَّاجِرِ، وَلَا تَبْنِي سَعَادَتَكَ عَلَى تَعَاسَةِ الْآخَرِينَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
سُؤَالْ: لِمَاذَا لَا تَرْفُضُ أَنْ تَأْخُذَ الْبِضَاعَةَ بِأَقَلَّ مِنْ تَكْلِفَتِهَا الْحَقِيقِيَّةْ؟
جَوَابْ: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ظُلْمٌ وَاضِحٌ لِلتُّجَّارِ، وَهُوَ مَا نَهَانَا اللَّهُ عَنْهُ، فَكَمَا نُحِبُّ أَنْ لَا نُظْلَمَ فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَظْلِمَ الْآخَرِينَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالْ: وَمَاذَا لَوْ بَاعَكَ التَّاجِرُ الْبِضَاعَةَ (الَّتِي كَلَّفَتْهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ) بِأَحَدَ عَشَرَ دِينَارْ؟
جَوَابْ: لَا شَكَّ أَنَّكَ سَتَكُونُ رَاضٍ تَمَامَ الرِّضَا، لَا بَلْ سَتَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي بَابِ الْمَوَدَّةْ.
السُّؤَالْ: وَمَاذَا لَوْ بَاعَكَ إِيَّاهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا؟
جَوَابْ: لَا شَكَّ أَنَّكَ سَتَكُونُ رَاضٍ تَمَامًا، وَرُبَّمَا سَتَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَقَدْ تَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةْ.
السُّؤَالْ: وَمَاذَا سَيَكُونُ شُعُورُكَ لَوْ أَنَّهُ بَاعَكَ إِيَّاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَا شَكَّ أَنَّ رِضَاكَ سَيَبْدَأُ يَتَنَاقَصُ كُلَّمَا زَادَ التَّاجِرُ فِي كَمِّيَّةِ الرِّبْحِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْكْ.
السُّؤَالْ: وَمَتَى سَتَقَعُ الْمُعَامَلَةُ فِي بَابِ الرِّبَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِذَا شَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مَالَكَ بِالْبَاطِلِ، أَيْ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ "رِبْحًا" أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبْ.
السُّؤَالْ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَقَعُ فِي يَدِ وَلِيِّ الْأَمْرِ نَفْسِهِ، فَهُوَ الْمُنَظِّمُ الْمُتَحَكِّمُ بِالسُّوقِ، وَهُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يُحَدِّدَ هَامِشَ الرِّبْحِ الَّذِي يُحَقِّقُ الْمَبْدَأَ الْإِلَهِيَّ (لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)
السُّؤَالْ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّهُ هُوَ مَنْ سَتَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْوَالُ الزَّكَاةِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ. فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُحَدِّدَ هَامِشَ الرِّبْحِ الَّذِي سَيُحَاسِبُ التَّاجِرَ عَلَى مَا غَنِمَ جَرَّاءَ ذَلِكَ عِنْدَمَا يَقُومُ التَّاجِرُ بِتَقْدِيمِ كَشْفِ الزَّكَاةْ.
السُّؤَالْ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِإِيتَاءِ الزَّكَاةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: عِنْدَمَا يَكُونُ التَّاجِرُ مُؤْمِنًا مُلْتَزِمًا بِالشَّرْعِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ خُمُسَ مَا يَغْنَمُ لِخَزِينَةِ الدَّوْلَةِ، فَهُوَ إِذًا سَيَعْمِدُ إِلَى تَقْلِيلِ هَامِشِ الرِّبْحِ، لِأَنَّهُ سَيَشْعُرُ أَنَّ مِنَ الْأَوْلَى أَنْ تَبْقَى الْأَمْوَالُ بِيَدِ أَصْحَابِهَا، فَلَا يَأْكُلُهَا بِالْبَاطِلِ، وَلَا يَضْطَرُّ أَنْ يَدْفَعَ قِسْطًا كَبِيرًا مِنْهَا لِخَزِينَةِ الدَّوْلَةْ.
السُّؤَالْ: مَا الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَمَا لَا يَلْتَزِمُ التَّاجِرُ بِذَلِكَ وَيُفَضِّلُ أَنْ يَأْكُلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟ فَمَا هِيَ عَوَاقِبُ أَكْلِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مِنْ جَرَّاءِ الرِّبَا الْفَاحِشْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ النَّتِيجَةَ سَتَكُونُ لَا مَحَالَةَ وَخِيمَةً، وَهِيَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تُصَوِّرُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
نَعَمْ، هِيَ الْحَرْبُ الْمُعْلَنَةُ مِنَ اللَّهِ الَّتِي سَتَكُونُ عَاقِبَتُهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
نَعَمْ، النَّتِيجَةُ هِيَ أَنَّ اللَّهَ لَا مَحَالَةَ سَيَمْحَقُ الرِّبَا، وَسَيَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونْ:
وَسَنَرَى لَاحِقًا عِنْدَمَا نَتَعَرَّضُ لِهَذِهِ الْقَضَايَا فِي مَقَالَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ وَمُفَصَّلَةٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ انْعِكَاسَاتِ هَذِهِ الْقَضَايَا عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَلَعَلِّي لَا أَتَرَدَّدُ فِي الْقَوْلِ أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فَوْضَى عَارِمَةٍ هُوَ وُقُوعُهُمْ فِي الرِّبَا، فَكَانَتْ حَرْبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُعْلَنَةً، وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ مَحَقَ أَسْوَاقَهُمْ، فَبِالرَّغْمِ مِنْ وَفْرَةِ الْمَالِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ (الَّتِي لَا يَكَادُ يُوجَدُ مَثِيلٌ لَهَا فِي بِلَادٍ أُخْرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) إِلَّا أَنَّهَا الْبِلَادُ الْأَكْثَرُ مُعَانَاةً فِي الْفَقْرِ وَالْبَطَالَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالتَّشَاحُنِ وَالْحَسَدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعِيدَ النَّاسَ إِلَى رُشْدِهِمْ وَأَنْ يُهَيِّئَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ رُشْدًا، فَلَا يَظْلِمُونَ وَلَا يُظْلَمُونَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبْ.
وَاللَّهُ وَحْدَهُ أَدْعُوهُ أَنْ يَهْدِيَنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْحَقِّ، إِنَّهُ هُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ الْمُجِيبْ.
أَمَّا بَعْدْ،
كَانَتِ الْغَايَةُ الْمَرْجُوَّةُ مِنْ هَذَا الِاسْتِطْرَادِ الطَّوِيلِ هُوَ الدُّخُولُ فِي مَعْنَى الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ التَّعَرُّفِ عَلَى كَيْفِيَّةِ الْقَتْلِ الَّذِي حَصَلَ لِفِرْعَوْنَ عِنْدَمَا شَنَّ هُجُومَهُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ شَنَّ هُجُومَيْنِ اثْنَيْنِ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ هِيَ قَتْلَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَمَا حَصَلَتْ لَهُ النِّهَايَةُ الْأَكِيدَةُ إِلَّا عِنْدَمَا اسْتُدْرِجَ إِلَى الْبَحْرِ، وَهُنَاكَ خَارَتْ قُوَاهُ وَأَدْرَكَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْمُوَاجَهَةِ. وَخَلَصْنَا إِلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ قُتِلَ مَرَّتَيْنِ لَكِنَّ قَتْلَهُ لَمْ يُسْفِرْ عَنْ مَوْتِهِ، قَالَ تَعَالَى:
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَتْلَ نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا يَخْتَلِفُ عَنِ الْمَوْتِ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي صَوَّرَتْ لَنَا إِمْكَانِيَّةَ أَنْ يُقْتَلَ مُحَمَّدٌ أَوْ أَنْ يَمُوتَ، قَالَ تَعَالَى:
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أُنْهِيَتْ حَيَاتُهُ بِالْقَتْلِ لَا يَكُونُ قَدْ مَاتَ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
ثُمَّ أَتْبَعَهَا مُبَاشَرَةً بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْأُخْرَى التَّالِيَةِ، حَيْثُ يَنْهَانَا اللَّهُ فِيهَا أَنْ نُسَمِّيَ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِهِ أَمْوَاتًا:
السُّؤَالْ: كَيْفَ دَارَ رَحَى الْقِتَالِ بَيْنَ فِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟ وَكَيْفَ كَانَ مُجْرَيَاتُ أَحْدَاثِ الْقِتَالْ؟ وَأَيْنَ حَصَلَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ نَتَائِجُهْ؟
رَأْيُنَا: هَذِهِ هِيَ التَّسَاؤُلَاتُ الَّتِي سَنُحَاوِلُ الْخَوْضَ فِيهَا فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِنَا، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي، وَأَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْهُ سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ.


تعليقات