قِصَّةُ يُونُسَ - الْجُزْءُ الثَّلَاثُونْ (1)
كَانَ الْحَدِيثُ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُنْصَبًّا حَوْلَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَبِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا الْمُفْتَرَى لِمَنْطُوقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ، خَرَجْنَا بِافْتِرَاءَاتٍ هِيَ لَا شَكَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، ظَنَنَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِخُصُوصِ قِصَّةِ الْمُحَاجَجَةِ الشَّهِيرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَهَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكْ.
وَكَانَتْ أَبْرَزُ الِافْتِرَاءَاتِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا حِينَئِذٍ تَتَمَثَّلُ بِالنُّقْطَتَيْنِ الرَّئِيسِيَّتَيْنِ التَّالِيَتَيْنْ:
- بَرْهَنَ الرَّجُلُ لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْيِيَ وَيُمِيتْ.
- بَرْهَنَ إِبْرَاهِيمُ لِلرَّجُلِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ.
فَلَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ كَانَ يَمْلِكُ بِيَدِهِ الْآلِيَّةَ (أَوْ لِنَقُلِ الْأَدَاةَ) الَّتِي يَسْتَطِيعُ بِوَاسِطَتِهَا أَنْ يُبَرْهِنَ لِإِبْرَاهِيمَ (وَلِغَيْرِهِ) أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى فِعْلَيِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ.
كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ بِيَدِهِ الْآلِيَّةُ (أَوْ لِنَقُلِ الْأَدَاةُ) الَّتِي يَسْتَطِيعُ مِنْ خِلَالِهَا أَنْ يُبَرْهِنَ لِلرَّجُلِ (وَلِغَيْرِهِ) بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ.
وَقَدْ دَفَعَنَا فَهْمُنَا هَذَا (رُبَّمَا الْخَاطِئُ لِلْقِصَّةِ) أَنْ نُقَدِّمَ الِافْتِرَاءَاتِ الْأَكْثَرَ خُطُورَةً التَّالِيَةْ:
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا (1): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ بَرْهَنَ قُدْرَتَهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنْ خِلَالِ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي الْأَهْرَامَاتْ.
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ بَرْهَنَ عَلَى صِدْقِ حُجَّتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الشَّرْقِ بِالْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي أَبِي الْهَوْلْ.
وَسَنُتَابِعُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ حَدِيثَنَا عَنِ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي الْأَهْرَامَاتِ الَّذِي اسْتَطَاعَ الرَّجُلُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي تَطْوِيرِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ فِي بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ لِلْحَدِيثِ عَنِ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي أَبِي الْهَوْلِ الَّذِي اسْتَخْدَمَهُ إِبْرَاهِيمُ لِلتَّدْلِيلِ عَلَى صِدْقِ حُجَّتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ.
سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَأْتِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ، وَأَنْ يَزِيدَنَا عِلْمًا، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَنَعُوذُ بِهِ أَنْ نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ – آمِينْ.
أَمَّا بَعْدْ،
بَابُ الْأَهْرَامَاتْ: [لُغْزُ الْبَشَرِيَّةِ الْأَكْبَرْ]
لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الصُّرُوحَ الْخَالِدَةَ فِي أَرْضِ مِصْرَ الْعَظِيمَةِ هِيَ اللُّغْزُ الْأَكْبَرُ لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ فِيهَا مِنَ الْأَسْرَارِ مَا قَدْ يُعْجِزُ الْخَيَالَ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ عَقَائِدِيًّا بِأَنَّ انْكِشَافَ هَذِهِ الْأَسْرَارِ سَتُؤَدِّي فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى نُورِ اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ خُرُوجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَحْدَهْ.
كَمَا نُؤْمِنُ يَقِينًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ بِأَنَّ رِجَالَ الدِّينِ قَدْ حَاوَلُوا عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ أَنْ يُخْفُوا هَذِهِ الْأَسْرَارَ عَنِ النَّاسِ لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ مَا فِي الْأَهْرَامَاتِ مِنَ الْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ سَيُبَيِّنُ لِلْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ زَيْفَ الْعَقَائِدِ الَّتِي يُرَوِّجُ لَهَا كُلُّ طَرَفٍ عَلَى حِسَابِ الطَّرَفِ الْآخَرْ.
وَنَحْنُ نَجْزِمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ خِطَابَنَا هَذَا مُوَجَّهٌ إِلَى رِجَالِ الدِّينِ فِي الْعَقَائِدِ السَّمَاوِيَّةِ الثَّلَاثْ: الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ وَالْإِسْلَامْ. فَهُمْ جَمِيعًا – بِالنِّسْبَةِ لَنَا- مَنْ حَاوَلُوا عَلَى الدَّوَامِ ثَنْيَ النَّاسِ عَنْ تَدَبُّرِ آيَاتِ اللَّهْ.
فَاللَّهَ وَحْدَهُ نَسْأَلُ أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ لَنَا بِالْهِدَايَةِ إِلَى نُورِهِ الَّذِي أَبَى إِلَّا أَنْ يُتِمَّهُ، لِيَجْعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَتُهُ الَّتِي يُخْرِجُنَا بِهَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ هِيَ الْعُلْيَا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ – آمِينْ.
وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَاتِ تِبْيَانَ رُؤْيَتِنَا (رُبَّمَا الْمَغْلُوطَةِ) لِمَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُمَثِّلُ حَقِيقَةَ هَذِهِ الصُّرُوحِ الْخَالِدَةِ وَمَا تَحْوِيهِ مِنْ عِلْمٍ عَظِيمٍ، عَزَّ نَظِيرُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضْ.
وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذَا السِّيَاقِ تَسْطِيرَ افْتِرَاءَاتٍ نَظُنُّ أَنَّهَا غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ، وَنَعْتَقِدُ جَازِمِينَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّ افْتِرَاءَاتِنَا هَذِهِ لَنْ تَرُوقَ لِكُلِّ الْمُنَافِحِينَ عَنْ إِرْثِ الْآبَاءِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فِي الْعَقَائِدِ السَّمَاوِيَّةِ الثَّلَاثْ.
لَكِنَّنَا عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهَا قَدْ تَرُوقُ لِمَنْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا أَوْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَوْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا، فَلَا يَكُونُونَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
فَلِلْمُدَافِعِينَ عَنْ إِرْثِ آبَائِهِمُ الْمَوْجُودِ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ الصَّفْرَاءِ الْمُقَدَّسَةِ عِنْدَهُمْ بِحِبْرِهَا وَوَرَقِهَا نَقُولْ: دَعُوكُمْ مِنْ هُرَائِنَا هَذَا، وَاذْهَبُوا لِتَنْهَلُوا مِنْ مَعِينِ الْعِلْمِ فِي بَطْنِ تِلْكَ الْكُتُبِ الْعَظِيمَةْ.
أَمَّا لِمَنْ يَجِدُ عِنْدَهُ الْوَقْتَ الْكَافِيَ لِإِضَاعَتِهِ فِي بَعْضِ التَّسْلِيَةِ الْفِكْرِيَّةِ نَقُولْ: دَعْنَا نَنْطَلِقُ مِنْ هُنَا (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا) بِتَقْدِيمِ بَعْضِ الِافْتِرَاءَاتِ الْخَطِيرَةِ جِدًّا، ثُمَّ نَنْظُرُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهْ.
وَلَا نَنْسَى أَنْ نُذَكِّرَ الْجَمِيعَ بِعَقِيدَتِنَا الرَّاسِخَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّهُ إِنْ أَصَبْنَا فَذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَةٍ مِنْهُ وَحْدَهُ، وَإِنْ أَخْطَأْنَا فَذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِنَا وَمِمَّا كَسَبَتْ أَيْدِينَا.
فَنَحْنُ نَجْزِمُ الْقَوْلَ أَنَّ مَا نُقَدِّمُهُ مِنِ افْتِرَاءَاتٍ لَا تَدُلُّ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِعْلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ فَقَطْ عَلَى فَهْمِنَا نَحْنُ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهْ.
لِذَا نَحْنُ نَرْجُو مِنْ كُلِّ مَنْ سَيَقْرَأُ مَا سَتُسَطِّرُهُ أَيْدِينَا هُنَا مِنِ افْتِرَاءَاتٍ أَنْ لَا يَبْخَلَ عَلَيْنَا بِالرَّأْيِ وَالنَّقْدِ، الَّذِي سَيُؤَدِّي (لَا شَكَّ عِنْدَنَا) إِلَى تَصْحِيحِ الْخَطَأِ وَالْمُضِيِّ قُدُمًا بِالصَّوَابِ (إِنْ وُجِدَ) إِلَى الْأَمَامِ، وَلَهُمْ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ الْأَجْرُ، وَمِنَّا الثَّنَاءُ وَالشُّكْرْ.
أَمَّا بَعْدْ،
الِافْتِرَاءُ الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا رَقَمْ (1): كَانَ الصِّرَاعُ الْأَعْظَمُ فِي الْكَوْنِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ بَيْنَ مِنْطَقَتَيْنِ جُغْرَافِيَّتَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُمَا الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ (أَرْضُ الرَّبِّ الْحَقِيقِيِّ) وَمِصْرُ (أَرْضُ الْأَرْبَابِ الْمُتَفَرِّقُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ). انْتَهَى.
وَيَنْبَثِقُ مِنْ هَذَا الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ جِدًّا مُنْطَلَقَاتُ تَفْكِيرٍ مُتَفَرِّعَةٌ نَذْكُرُ مِنْهَا:
- الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ هِيَ أَرْضُ الرَّبِّ الْحَقِيقِيّ.
- مِصْرُ هِيَ أَرْضُ أَرْبَابٍ مُتَفَرِّقُونَ مِنْ دُونِ اللَّهْ.
- مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ هُوَ عِلْمُ الْإِلَهْ.
- مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي مِصْرَ هُوَ عِلْمُ الْأَرْبَابِ الْمُتَفَرِّقُونَ مِنْ دُونِ اللَّهْ.
- مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ الْعِلْمِ هُوَ مُحَاكَاةٌ لِلْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي سَطَّرَهُ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ إِلَهُ هَذَا الْكَوْنِ الْأَوْحَدُ، وَاسْتَغَلَّهُ الْأَرْبَابُ الْمُتَفَرِّقُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ لِمَصَالِحِهِمُ الذَّاتِيَّةْ.
- ظَنَّ مَنْ كَانَ رَبًّا فِي أَرْضِ مِصْرَ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَمَا نَسَبُوا الْفَضْلَ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمٍ إِلَى الْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّ (اللَّهِ).
- حَصَلَ صِرَاعٌ بَيْنَ إِلَهِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَرْبَابِ مِصْرْ.
- كَانَتْ عَادٌ هِيَ أَوَّلَ مَنْ تَوَصَّلَ إِلَى هَذَا الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، فَاسْتَفَادُوا مِنْهُ فِي إِنْشَاءِ حَضَارَةٍ لَا مَثِيلَ لَهَا عَلَى مَرِّ التَّارِيخْ.
- كَنَزَتْ عَادٌ هَذَا الْعِلْمَ فِي صُرُوحِهَا (وَخَاصَّةً الْأَهْرَامَاتْ).
- تَوَصَّلَ بَعْضُ النَّاسِ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ إِلَى مَا هُوَ مَكْنُوزٌ فِي الْأَهْرَامَاتِ مِنْ عِلْمٍ عَظِيمٍ، فَظَنُّوا أَنَّهُ عِلْمٌ مِنْ عِنْدِهِمْ.
- اسْتَخْدَمَ بَعْضُ الطُّغَاةِ هَذَا الْعِلْمَ لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى مَنْ حَوْلَهُمْ؛ فَاسْتَخَفُّوا قَوْمَهُمْ، فَأَطَاعُوهُمْ.
- كَانَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَصَّلُوا إِلَى بَعْضِ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي الْأَهْرَامَاتِ (خَاصَّةً عِلْمَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ)، فَظَنَّ أَنَّهُ رَبًّا.
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ حَازَ عَلَى الْقِسْطِ الْأَكْبَرِ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ، فَظَنَّ أَنَّهُ رَبًّا وَظَنَّ أَنَّهُ إِلَهًا، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهْ.
- بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ إِلَى هَؤُلَاءِ لِثَنْيِهِمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ، فَمَا نَجَحَتِ الْمُهِمَّةْ.
- كَانَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ أَوَّلَ مَنْ حَاوَلَ ثَنْيَ هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ عَنْ ضَلَالَتِهِ، فَمَا نَجَحَتْ مُهِمَّتُهْ.
- عَادَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَرْضِ الرَّبِّ (الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ)، بِطَلَبٍ مِنْ هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، فَمَا حَصَلَ صِرَاعٌ عَلَنِيٌّ عَلَى الْمَلَأِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنْ.
- كَانَتْ مُهِمَّةُ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ تَتَمَثَّلُ فِي ثَنْيِ فِرْعَوْنَ عَنْ ضَلَالَتِهِ، فَمَا نَجَحَتْ مُهِمَّتُهُمَا.
- لَمْ يَتْرُكْ فِرْعَوْنُ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ لِيَذْهَبَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَحَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الْفِعْلِيَّةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْمَلَأْ.
- تَدَخَّلَ الْإِلَهُ (رَبُّ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) فِي الصِّرَاعِ الَّذِي دَارَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنْ.
- انْتَهَتِ الْمُوَاجَهَةُ بَيْنَ رَبِّ مِصْرَ (فِرْعَوْنَ) وَرَبِّ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ (اللَّهِ) بِانْتِصَارِ الرَّبِّ الْحَقِيقِيِّ عَلَى الرَّبِّ الَّذِي كَفَرْ.
- حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ بَيْنَ إِلَهِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الْحَقِيقِيِّ وَإِلَهِ مِصْرَ الَّذِي كَفَرَ فِي الْبَحْرْ.
- إِلَخْ.
بَابٌ: [مِصْرُ هِيَ أَرْضُ الْأَرْبَابِ الْمُتَفَرِّقُونَ مِنْ دُونِ اللَّهْ]
لَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مِسَاحَتِهِ، لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ مَنِ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِصْرْ. فَلَا نَجِدُ أَنَّهُ قَدْ بَرَزَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ مَثَلًا رَجُلٌ مُحَدَّدٌ بِعَيْنِهِ يَدَّعِي أَنَّهُ رَبًّا، أَوْ أَنَّهُ إِلَهًا.
وَلَا نَجِدُ مِنَ النَّاسِ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَبًّا فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، فَصَحِيحٌ أَنَّ النَّاسَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ كَانُوا يَتَّخِذُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ أَرْبَابًا لِيَعْبُدُوهُمْ:
إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ بَيْنِهِمْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ رَبًّا عَلَيْهِمْ يَدِينُونَ لَهُ بِالْعِبَادَةِ كَمَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ مَثَلًا، أَوْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ مَنْ كَانَ رَفِيقًا لِيُوسُفَ فِي السِّجْنِ فِي أَرْضِ مِصْرَا:
كَمَا لَا نَجِدُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ قَدْ سَكَنَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا. لِنَخْلُصَ إِلَى النَّتِيجَةِ الَّتِي مَفَادُهَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) أَنَّ أَرْضَ مِصْرَ هِيَ الْأَرْضُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ أَوِ الْإِلُوهِيَّةَ وَكَانَ عَلَى رَأْسِهِمْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا ظَهَرَ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ النَّاسِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ رَبًّا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَابُدَّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَبًّا أَوْ أَنَّهُ إِلَهًا أَنْ يَمْلِكَ مِنَ الْمُقَوِّمَاتِ مَا يُؤَهِّلُهُ لِمِثْلِ هَذَا الْإِدِّعَاءِ، حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يُقْنِعَ مَنْ حَوْلَهُ بِأَنَّهُ كَذَلِكْ.
فَحَتَّى الرُّسُلُ الَّذِي جَاءُوا أَقْوَامَهُمْ بِالرِّسَالَةِ كَانَ التَّحَدِّي الْأَوَّلُ الَّذِي وَاجَهَهُمْ هُوَ إِثْبَاتُ صِدْقِ دَعْوَاهُمْ لِمَنْ حَوْلَهُمُ الَّذِي طَالَبُوهُمْ بِذَلِكْ:
فَمَا بَالُكَ بِمَنْ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُ إِلَهٌ فَصَدَّقُوهُ (كَفِرْعَوْنَ مَثَلًا)؟
أَلَا يَحْتَاجُ مَنْ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ أَوِ الْإِلُوهِيَّةَ لِنَفْسِهِ (نَحْنُ نَسْأَلُ) أَنْ يَمْلِكَ مِنَ الْمُقَوِّمَاتِ مَا يَجْعَلُ الْقَوْمَ جَمِيعًا يُطِيعُوهْ؟
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ اسْتِخْفَافَ كُلِّ قَوْمِهِ؟ فَهَلْ كَانَ الْقَوْمُ (كُلُّ الْقَوْمِ) عَلَى دَرَجَةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ الْعَقْلِيِّ (كَمَا يَتَصَوَّرُ ذَلِكَ الْفِكْرُ الشَّعْبِيُّ) تَجْعَلُ شَخْصًا وَاحِدًا مِنْ بَيْنِهِمْ قَادِرًا عَلَى اسْتِخْفَافِهِمْ جَمِيعًا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ السَّابِقَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ، لَوَجَدْنَا مَا يُؤَيِّدُ حُجَّةَ فِرْعَوْنَ فِي قَوْمِهْ:
فَالْآيَاتُ تَدُلُّ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَمْلِكُ الْمُقَوِّمَاتِ التَّالِيَةْ:
- هُوَ مَنْ لَهُ مُلْكُ مِصْرَ جَمِيعًا.
- كَانَتِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِ عَلَى مَرْأَى مِنَ الْقَوْمِ جَمِيعًا.
- كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا أَنْ يُبِينَ، فَظَنَّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي ظَنَّ فِرْعَوْنُ أَنَّهُ مَهِينٌ فَلَا يَكَادُ يُبِينْ.
- كَانَ قَدْ أُلْقِيَ عَلَى فِرْعَوْنَ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبْ.
- كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُؤَيِّدُ فِرْعَوْنَ، كَتَأْيِيدِ الْمَلَائِكَةِ لِلْإِلَهِ الْوَاحِدْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَبِهَذِهِ الْمُقَوِّمَاتِ، اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ يُقْنِعَ مَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُ رَبُّهُمُ الْأَعْلَى، وَأَنَّهُ هُوَ إِلَهُهُمُ الْأَوْحَدُ، فَلَا إِلَهَ لَهُمْ غَيْرُهُ كَمَا زَعَمَ، وَسَنَتَعَرَّضُ لِهَذِهِ "الْمُقَوِّمَاتِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ" تِبَاعًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ لَاحِقًا.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُطْرَحَ عَلَى الْفَوْرِ هُنَا هُوَ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِأَرْضِ مِصْرَ؟ أَوْ لِمَاذَا بَرَزَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ وَالْإِلُوهِيَّةَ كَمَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ مَثَلًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَهِّلَ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ أَنْ يَنْسِبَ لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ أَوِ الْإِلُوهِيَّةْ.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ هَذَا الْعِلْمُ فِي أَرْضِ مِصْرَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا تِلْكَ الصُّرُوحُ الْعِمْلَاقَةُ الَّتِي لَا تَزَالُ مَوْجُودَةً فِي الْجِيزَةِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ الْخَالِدَةِ، أَيِ الْأَهْرَامَاتْ. انْتَهَى.
بَابُ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي الْأَهْرَامَاتْ
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْعِلْمُ الْمَكْنُوزُ فِي الْأَهْرَامَاتْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، نَجِدُ لِزَامًا التَّعَرُّضَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ لِمَنْ حَازَ عَلَى أَكْبَرِ قِسْطٍ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ وَهُوَ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي نَطْرَحُهُ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ: مَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ هُوَ الشَّخْصُ الْأَوْحَدُ عَلَى مَدَارِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا الَّذِي اسْتَطَاعَ (بِجُهْدِهِ الشَّخْصِيِّ) أَنْ يَصِلَ إِلَى كُلِّ الْعِلْمِ الْمَكْنُوزِ فِي الْأَهْرَامَاتِ، وَنَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ بِأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي حَازَ عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ هُوَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْأَسْرَارِ الْعِلْمِيَّةِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تَحْوِيهَا تِلْكَ الْأَوْتَادُ (أَيِ الْأَهْرَامَاتُ) هُوَ عِلْمُ الْفَلَكِ، حَيْثُ يَكُونُ تَقْدِيرُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، انْتَهَى.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 2: كَمَا نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْأَسْرَارِ الْعِلْمِيَّةِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تَحْوِيهَا تِلْكَ الْأَوْتَادُ (أَيِ الْأَهْرَامَاتُ) هُوَ عِلْمُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، انْتَهَى.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 3: وَنَحْنُ نَظُنُّ أَيْضًا بِأَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْأَسْرَارِ الْعِلْمِيَّةِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تَحْوِيهَا تِلْكَ الْأَوْتَادُ (أَيِ الْأَهْرَامَاتُ) هُوَ عِلْمُ تَسْخِيرِ الْجَانِّ، انْتَهَى.
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْكَ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّكَ أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ – آمِينْ)
الدَّلِيلْ
دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ هُنَا بِطَرْحِ التَّسَاؤُلِ الَّذِي أَثَرْنَاهُ قَدِيمًا فِي الْأَجْزَاءِ السَّابِقَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهُوَ: مَا الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ الْعِمْلَاقَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَهْرَامَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ صِنَاعَةِ عَادٍ الْأُولَى، كَانَتْ عِبَارَةً (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) عَنْ مَصَانِعَ لِلْخُلُودْ:
فَالْقَوْمُ - فِي تَصَوُّرِنَا - لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ، وَلَكِنَّهُمْ - لَا شَكَّ عِنْدَنَا- كَانُوا عَلَى عَقِيدَةٍ مَفَادُهَا أَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى الْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ هِيَ مَقَرُّهُمْ فِي الْحَيَاةِ الْأُولَى وَهِيَ مُسْتَقَرُّهُمْ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى.
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَتْ تِلْكَ الْأَهْرَامَاتُ مَصَانِعَ لِلْخُلُودْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَانَتْ عَادٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) عَلَى دَرَجَةٍ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي أَمَدَّهُمْ بِهِ اللَّهُ، وَانْظُرْ – إِنْ شِئْتَ- عَزِيزِي الْقَارِئَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنْ عَادْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ هُنَا هِيَ: مَا تَحَصَّلَ لِعَادٍ مِنَ الْعِلْمِ كَانَ مَصْدَرُهُ اللَّهَ نَفْسَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَدَّهُمْ بِذَلِكَ الْعِلْمْ.
وَمَا دَامَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَالسُّؤَالُ الَّذِي نَطْرَحُهُ عَلَى الْفَوْرِ هُنَا هُوَ: مَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَمَدَّ اللَّهُ بِهِ عَادْ؟
جَوَابٌ: إِنَّهُ عِلْمُ الْحَيَاةِ الْأُخْرَى، أَيِ الْحَيَاةِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتْ.
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ السَّابِقَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ عَادًا كَانُوا يَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً، وَكَانَ الْهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَبَثْ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ مَنْ كَانَ عَابِثًا هُوَ مَنْ حَسِبَ أَنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ إِلَى اللَّهْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمَّا كَانَتْ عَادٌ تَبْنِي بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً مِنْ أَجْلِ الْعَبَثِ، فَهُمْ مَنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا إِلَى اللَّهِ، لِذَا عَمَدُوا إِلَى بِنَاءِ مَصَانِعِ الْخُلُودِ، وَهَذَا الْمَنْطِقُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا يَقُودُنَا إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى دَرَجَةٍ مِنَ الْعِلْمِ بِسِرِّ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، فَهُمْ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَتَطَلَّبُ مِنْهُمْ بِنَاءَ التِّقْنِيَّةِ الَّتِي مِنْ خِلَالِهَا يَسْتَطِيعُونَ تَحْقِيقَ هَذِهِ الْغَايَةِ، فَكَانَتِ الْوَسِيلَةُ لِتَحْقِيقِ تِلْكَ الْغَايَةِ هِيَ تِلْكَ الْمَصَانِعُ (أَيْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ الْعِمْلَاقَةُ) الَّتِي هِيَ مَصَانِعُ لِلْخُلُودْ:
وَهِيَ – بِرَأْيِنَا- بِمَثَابَةِ الْأَوْتَادِ كَمَا الْجِبَالْ:
فَكَانَتْ تِلْكَ الْأَهْرَامَاتُ مَبْنِيَّةً لِتَكُونَ أَوْتَادًا كَمَا الْجِبَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ بِنَفْسِهْ.
وَلَوْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ وَالَّذِي مَفَادُهُ بِأَنَّ الْجِبَالَ هِيَ بِحَدِّ ذَاتِهَا عِبَارَةٌ عَنْ لَوَاقِطَ لِلطَّاقَةِ (أَيِ الرُّوحِ) مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، لَخَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ الْخَطِيرِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِي: بُنِيَتِ الْأَهْرَامَاتُ لِتَكُونَ أَدَوَاتِ اسْتِقْطَابِ الطَّاقَةِ (الرُّوحِ) مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، فِي مُحَاكَاةٍ وَاضِحَةٍ لِلْخَلْقِ الْإِلَهِيّ:
| الْخَلْقُ الْإِلَهِيّ | الْخَلْقُ الْبَشَرِيُّ (عَادْ) |
|---|---|
| الْجِبَالُ (الْأَوْتَادُ) مُسْتَقْطِبَاتُ الطَّاقَةِ (الرُّوحِ) مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيّ | الْأَهْرَامَاتُ (أَوْتَادًا) مُسْتَقْطِبَاتُ طَاقَةِ (الرُّوحِ) مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيّ |
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، تَقُومُ هَذِهِ الصُّرُوحُ الْمُسْتَقْطِبَةُ لِلطَّاقَةِ (الرُّوحِ) بِتَخْزِينِ تِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي الْتَقَطَتْهَا فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ، وَهُوَ - فِي ظَنِّنَا- مَوْجُودٌ فِي قَوَاعِدِهَا (أَيْ رَوَاسِيهَا)، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى شَحْنِ الْكُتْلَةِ كُلِّهَا.
إِنَّ هَذَا الطَّرْحَ يَتَطَلَّبُ وُجُودَ الْأَدَوَاتِ التَّالِيَةْ:
- اللَّاقِطْ.
- الْمَمَرّ.
- الْمَخْزَنْ.
لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْهَرَمَ (الْخَارِجَ مِنَ الْأَرْضِ كَالْوَتَدِ) هُوَ لَاقِطُ الطَّاقَةِ (أَيِ الرُّوحِ)، وَمِنْ هُنَاكَ (أَيْ مِنْ قِمَّةِ الْهَرَمِ) يَبْدَأُ الْمَمَرُّ الَّذِي يُوصِلُ تِلْكَ الطَّاقَةَ حَتَّى يَنْقَضِيَ فِي قَاعِدَةِ الْهَرَمِ حَيْثُ يَتِمُّ تَخْزِينُ تِلْكَ الطَّاقَةْ.
وَمَا أَنْ يَتِمَّ تَخْزِينُ تِلْكَ الطَّاقَةِ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ حَتَّى يُصْبِحَ بِالْإِمْكَانِ الِاسْتِفَادَةُ مِنْ تِلْكَ الطَّاقَةِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ شَحْنِ الْأَجْسَامِ الْأُخْرَى. الَّتِي تَدِبُّ بِهَا الْحَيَاةُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَيِّتَةْ.
وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا كَانَ لَهُ الْأَثَرُ فِي عَدَمِ إِلْحَاقِ الْأَذَى الْجَسَدِيِّ بِفِرْعَوْنَ، وَسَنَتَحَدَّثُ عَنْ ذَلِكَ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ عِنْدَمَا نَتَعَرَّضُ لِتَحْدِيدِ الْمَكَانِ الَّذِي نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجِدَ فِيهِ مَخْزَنَ الطَّاقَةِ هَذَا فِي قَاعِدَةِ الْأَهْرَامَاتْ. فَاللَّهَ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يَمُدَّنَا بِعِلْمٍ مِنْهُ، فَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ وَلَا نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – آمِينْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ ذَلِكْ؟
لِكَيْ نَتَصَوَّرَ ذَلِكَ، فَلَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ تِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي يَتِمُّ الْتِقَاطُهَا مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيّ. وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ تِلْكَ الطَّاقَةَ هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّوحِ الْمُشَغِّلَةِ لِلْحَيَاةِ، فَتَدِبُّ الْحَيَاةُ فِي أَيِّ جِسْمٍ مَتَى مَا نُفِخَتْ فِيهِ نَفْخًا. وَبِذَلِكَ يُشْفَى الْجِسْمُ الَّذِي لَحِقَ بِهِ الْأَذَى. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَوْضِيحُ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ بِالْإِمْكَانِ جَلْبُ الْحَادِثَةِ الَّتِي حَصَلَتْ مَعَ مُوسَى فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ لِلنِّقَاشِ هُنَا مِنْ أَجْلِ تَصْوِيرِ مَاهِيَّةِ تِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي يَتِمُّ تَخْزِينُهَا فِي الْأَهْرَامَاتْ. وَلَكِنْ كَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَمَّا أَنْهَى مُوسَى الْأَجَلَ فِي مَدْيَنَ، سَارَ بِأَهْلِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ قِصَّةُ مُوسَى)، وَعَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ الْوَادِ الْمُقَدَّسِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا:
وَهُنَا نُثِيرُ التَّسَاؤُلَ التَّالِي: مَاذَا كَانَتْ مَاهِيَّةُ تِلْكَ النَّارِ الَّتِي آنَسَهَا مُوسَى مِنْ جَانِبِ الطُّورْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ النَّارَ كَانَتْ مُصَاحِبَةً لِلْمُبَارَكَةْ:
لِنَطْرَحَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا:
- لِمَاذَا كَانَتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ مُبَارَكَةً؟
- وَكَيْفَ كَانَ مُبَارَكًا مَنْ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى 1: لَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا أَنَّ الْمُبَارَكَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِسَبَبِ الْحُضُورِ الْإِلَهِيِّ نَفْسِهِ، لِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ هِيَ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ لِأَنَّ الْإِلَهَ قَدْ حَضَرَ هُنَاكَ بِنَفْسِهْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى 2: أَمَّا الْمُبَارَكَةُ لِمَنْ فِي النَّارِ، فَقَدْ حَصَلَتْ لِمَنْ كَانَ مُتَوَاجِدًا فِي دَاخِلِهَا (أَيْ فِي دَاخِلِ تِلْكَ النَّارِ)، وَهُوَ – بِرَأْيِنَا- الرُّوحْ.
الدَّلِيلْ
كَانَ مُوسَى مُتَوَاجِدًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، فَجَاءَ الطَّلَبُ الْإِلَهِيُّ الْأَوَّلُ مِنْ مُوسَى عَلَى نَحْوِ أَنْ يَخْلَعَ مُوسَى نَعْلَيْهْ:
الِاسْتِنْبَاطَاتُ الْمُفْتَرَاةُ بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا لِهَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ هِيَ:
- يَأْنَسُ مُوسَى نَارًا.
- يَطْلُبُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَمْكُثُوا فِي مَكَانِهِمْ.
- يَذْهَبُ مُوسَى لِوَحْدِهِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي آنَسَ فِيهِ النَّارْ.
- يَصِلُ مُوسَى إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَيَجِدُ النَّارْ.
- يَحْصُلُ النِّدَاءُ لِمُوسَى.
- يَعْلَمُ مُوسَى أَنَّ الْإِلَهَ قَدْ حَضَرَ هُنَاكَ بِنَفْسِهْ.
- يَطْلُبُ الْإِلَهُ مِنْ مُوسَى أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَوْرًا.
- يَتَوَاجَدُ مُوسَى فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ خَالِعًا نَعْلَيْهِ حَوْلَ النَّارِ فِي حَضْرَةِ الْوُجُودِ الْإِلَهِيّ.
وَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ سَابِقًا بِأَنَّ السَّبَبَ مِنْ وَرَاءِ خَلْعِ مُوسَى نَعْلَيْهِ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هُوَ حَتَّى لَا تَدِبَّ الْحَيَاةُ فِي نَعْلَيْ مُوسَى، فَلَوْ لَمْ يَخْلَعْ مُوسَى نَعْلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَدَبَّتِ الْحَيَاةُ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا- فِيهِمَا كَمَا دَبَّتِ الْحَيَاةُ فِي عَصَاهُ، وَلَخَرَجَ مُوسَى مِنَ الْمَكَانِ بِنَعْلَيْنِ تَدِبُّ فِيهِمَا الْحَيَاةُ كَمَا حَصَلَ لِلْعَصَا نَفْسِهَا. لِذَا جَاءَ الطَّلَبُ الْإِلَهِيُّ مِنْ مُوسَى أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ قَبْلَ الِاقْتِرَابِ مِنَ النَّارْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: هُنَاكَ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنَ النَّارِ وَقَفَ مُوسَى حَوْلَ النَّارِ حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ، لَا يَحْمِلُ مَعَهُ إِلَّا عَصَاهُ، وَعِنْدَهَا جَاءَ السُّؤَالُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّهِ نَفْسِهِ مُوَجَّهًا إِلَى مُوسَى، فَكَانَ السُّؤَالُ عَنْ مَا يَحْمِلُ مُوسَى بِيَمِينِهْ:
فَجَاءَ جَوَابُ مُوسَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَجَاءَ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ عَلَى الْفَوْرِ أَنْ يُلْقِيَ بِهَا:
وَمَا أَنِ امْتَثَلَ مُوسَى لِلْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ مُلْقِيًا عَصَاهُ فِي تِلْكَ النَّارِ حَتَّى خَرَجَتِ الْعَصَا بِنَفْسِهَا حَيَّةً تَسْعَى:
إِذَنْ، نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ مُوسَى قَدْ أَلْقَى بِتِلْكَ الْعَصَا فِي النَّارِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا قَدْ خَرَجَتْ تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
فَجَاءَ التَّطْمِينُ الْإِلَهِيُّ لِمُوسَى بِأَنْ لَا يَخَافَ وَأَنَّهُ مِنَ الْمُرْسَلِينْ:
وَأَعْطَى اللَّهُ الْأَمَانَ لِمُوسَى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةْ:
مَا أَنْ عَادَ مُوسَى إِلَى الْمَكَانِ حَوْلَ النَّارِ حَتَّى كَانَ الطَّلَبُ الْإِلَهِيُّ مِنْ مُوسَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَمْرُ عَلَى الْعَصَا، بَلْ جَاءَتْ مُوسَى آيَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَضْمُمَ مُوسَى يَدَهُ إِلَى جَنَاحِهِ لِتَخْرُجَ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءْ:
فَكَانَتْ تِلْكَ (الْعَصَا وَضَمُّ الْيَدِ إِلَى الْجَنَاحِ) مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْكُبْرَى الَّتِي أَرَاهَا اللَّهُ مُوسَى:
وَبِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ طَلَبَ اللَّهُ مِنْ مُوسَى الذَّهَابَ إِلَى فِرْعَوْنَ الَّذِي طَغَى:
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ إِذَا مَا أَخَذْنَا بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ فَحْوَى النِّقَاشِ هُنَا؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَصَا مُوسَى قَدْ أَصْبَحَتْ حَيَّةً تَسْعَى بِسَبَبِ إِلْقَائِهَا فِي النَّارِ، فَالْعَصَا – بِرَأْيِنَا – قَدِ اكْتَسَبَتِ الْحَيَاةَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا اكْتَسَبَتِ الْعَصَا الْحَيَاةَ مِنْ تِلْكَ النَّارْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: حَصَلَ ذَلِكَ نَتِيجَةَ وُجُودِ الرُّوحِ فِي دَاخِلِ النَّارْ. فَتِلْكَ الرُّوحُ هِيَ – بِرَأْيِنَا- الطَّاقَةُ الْمُشَغِّلَةُ لِلْحَيَاةْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَانَتْ تِلْكَ النَّارُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ وِعَاءٍ مَمْلُوءٍ بِالرُّوحِ (الطَّاقَةِ)، وَمَا أَنْ أَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ، حَتَّى دَبَّتِ الْحَيَاةُ فِيهَا، فَخَرَجَتْ مِنَ النَّارِ حَيَّةً تَسْعَى.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءْ
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَفَادَتْ عَادٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بِنَاءِ الْأَهْرَامَاتْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَانَتْ عَادٌ عَلَى عِلْمٍ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِهِ، فَبَنَوْا تِلْكَ الصُّرُوحَ الْعِمْلَاقَةَ فِي مُحَاكَاةٍ وَاضِحَةٍ لِلْجِبَالِ، فَأَخَذَتْ تِلْكَ الصُّرُوحُ تَلْتَقِطُ الطَّاقَةَ (الرُّوحَ) مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، وَتَقُومُ بِتَجْمِيعِ تِلْكَ الطَّاقَةِ فِي وِعَاءٍ فِي قَاعِدَةِ الْهَرَمِ، وَسَنَرَى لَاحِقًا (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا) أَنَّ ذَلِكَ الْوِعَاءَ هُوَ مَا يُشْبِهُ الرَّحِمَ (حَيْثُ تَتَوَلَّدُ الْحَيَاةُ)، وَمَا أَنْ يَتِمَّ تَجْمِيعُ قَدْرٍ كَافٍ مِنَ الطَّاقَةِ حَتَّى يَتِمَّ شَحْنُ الْمَوَادِّ الَّتِي لَا حَيَاةَ فِيهَا، بِفِعْلِ تِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي شَحَنَتْهَا (أَيِ الرُّوحْ).
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِفِرْعَوْنَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: كَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى عِلْمٍ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلِ تِلْكَ الْأَوْتَادِ، فَاسْتَطَاعَ الْوُصُولَ إِلَى حَوْضِ الطَّاقَةِ الَّتِي تَجَمَّعَتْ بِفِعْلِ عَمَلِ الْأَوْتَادِ (الْأَهْرَامَاتِ)، فَعَمَدَ إِلَى شَحْنِ الْأَدَاةِ الَّتِي سَيَسْتَخْدِمُهَا مِنْ أَجْلِ بَثِّ الْحَيَاةِ فِي مَا يُرِيدْ.
السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ تِلْكَ الْأَدَاةُ الَّتِي كَانَ يَشْحَنُهَا فِرْعَوْنُ مِنْ حَوْضِ الطَّاقَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا الْعَصَا. انْتَهَى. وَسَنَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِنَا لَاحِقًا أَنَّ تِلْكَ الْعَصَا الَّتِي شُحِنَتْ بِالطَّاقَةِ تَسْتَطِيعُ فِعْلَ مَا يَفْعَلُهُ قَضِيبُ الرَّجُلِ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةْ.
مُلَاحَظَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: أَرْجُو أَنْ لَا يَتَعَجَّلَ الْقَارِئُ بِفَهْمِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ كَمَا يَحْلُو لَهُ. فَنَحْنُ مَسْئُولُونَ عَنْ أَقْوَالِنَا وَلَكِنَّا غَيْرُ مُحَاسَبِينَ عَلَى أَفْهَامِ غَيْرِنَا.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: كَانَ فِرْعَوْنُ بِيَدِهِ عَصًا تُشْبِهُ عَصَا مُوسَى فِي شَكْلِهَا وَفِي آلِيَّةِ عَمَلِهَا، وَقَدْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْحَنَ تِلْكَ الْعَصَا بِالطَّاقَةِ، فَتَنْقَلِبُ حَيَّةً تَسْعَى.
سُؤَالٌ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: مَا أَنْ ذَهَبَ مُوسَى وَأَخُوهُ هَارُونُ إِلَى فِرْعَوْنَ حَتَّى كَانَ اللِّقَاءُ الْأَوَّلُ الَّذِي تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ لَوَجَدْنَا أَنَّ أَوَّلَ مَا فَعَلَهُ مُوسَى عِنْدَمَا حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ الْمُبَاشِرَةُ مَعَ فِرْعَوْنَ هُوَ أَنَّهُ قَدْ أَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى:
فَكَانَتْ رَدَّةُ فِرْعَوْنَ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
لِنُثِيرَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
- كَيْفَ كَذَّبَ فِرْعَوْنُ مَا أَرَاهُ مُوسَى؟
- وَكَيْفَ عَصَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كَذَّبَ "أَنَّ مَا أَرَاهُ مُوسَى (أَيِ الْعَصَا) هِيَ الْآيَةُ الْكُبْرَى".
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ كَذَّبَ أَنَّ مَا فِي يَمِينِ مُوسَى هِيَ آيَةُ اللَّهِ الْكُبْرَى، فَلِمَاذَا عَصَى؟ أَلَا يَكْفِي أَنْ يُكَذِّبَ وَكَفَى؟ فَكَيْفَ بِهِ يُكَذِّبُ وَيَعْصَى أَيْضًا؟
رَأْيُنَا: لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ الَّذِينَ عَصَوْا، لَوَجَدْنَا أَوَّلَ الْعَاصِينَ كَانَ إِبْلِيسَ نَفْسَهْ:
ثُمَّ جَاءَ آدَمُ بِالْمَعْصِيَةِ الْأُولَى:
وَهَا هُوَ فِرْعَوْنُ يَعْصَى:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَمَا وَجَدْنَا الْمَعْصِيَةَ تَخُصُّ شَخْصًا مُحَدَّدًا بِذَاتِهِ إِلَّا مَا جَاءَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي الَّذِي يُصَوِّرُ الْحَدِيثَ الَّذِي دَارَ بَيْنَ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ بَعْدَ عَوْدَةِ مُوسَى مِنْ لِقَائِهِ الثَّانِي مَعَ رَبِّهْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
رَأْيُنَا: لَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا بِأَنَّ مُوسَى قَدْ تَرَكَ الْعَصَا مَعَ أَخِيهِ هَارُونَ عِنْدَمَا أَخْلَفَهُ فِي قَوْمِهِ، لِذَا كَانَ مُوسَى قَلِقًا أَنْ يَكُونَ هَارُونُ قَدِ اسْتَغَلَّ الْعَصَا الَّتِي أَوْدَعَهَا مُوسَى عِنْدَهُ، فَعَصَى كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ كَإِبْلِيسَ وَآدَمَ وَفِرْعَوْنَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: مَا أَنْ تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ مُحَدَّدَةً بِشَخْصٍ بِذَاتِهِ حَتَّى تَكُونَ الْعَصَا حَاضِرَةً. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ: لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ يَمْلِكُ الْأَدَاةَ الَّتِي تُؤَهِّلُهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ. لِذَا نَحْنُ نُقَدِّمُ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةْ:
- لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلِيسُ أَنْ يَعْصِيَ رَبَّهُ إِلَّا بِوُجُودِ أَدَاةٍ تُمَكِّنُهُ مِنَ الْمَعْصِيَةْ.
- عَصَى آدَمُ رَبَّهُ عِنْدَمَا امْتَلَكَ أَدَاةً لِتُؤَهِّلَهُ عَلَى ذَلِكْ.
- عَصَى فِرْعَوْنُ رَبَّهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَدَاةَ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنَ الْمَعْصِيَةْ.
- كَانَ هَارُونُ مُؤَهَّلًا لِلْمَعْصِيَةِ (حَسَبَ ظَنِّ مُوسَى) لِأَنَّ الْعَصَا كَانَتْ بِحَوْزَتِهْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ أَدَاةُ الْمَعْصِيَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّهَا الْعَصَا. انْتَهَى.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: كَيْفَ كَذَّبَ فِرْعَوْنُ وَكَيْفَ عَصَى فِي نَفْسِ الْوَقْتْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ كَذَّبَ أَنَّ مَا فِي يَمِينِ مُوسَى هِيَ الْآيَةُ الْكُبْرَى وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَصَى لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ عَصًا تُشْبِهُ الْعَصَا الَّتِي فِي يَمِينِ مُوسَى، أَيْ لَقَدْ كَانَ فِي يَدِ فِرْعَوْنَ عَصًا مِثْلُ الْعَصَا الَّتِي فِي يَدِ مُوسَى.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ فِرْعَوْنُ صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمٍ، وَكَانَ يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى حَقْلِ الطَّاقَةِ الْمَوْجُودِ فِي دَاخِلِ الْهَرَمِ، فَيَقُومُ بِشَحْنِ عَصَاهُ مِنْ هُنَاكَ، فَظَنَّ فِرْعَوْنُ أَنَّ هَذِهِ الَّتِي يَمْلِكُهَا هُوَ هِيَ الْآيَةُ الْكُبْرَى. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَهُ مُوسَى بِالْآيَةِ الْكُبْرَى وَأَرَاهُ إِيَّاهَا، جُنَّ جُنُونُ فِرْعَوْنَ، فَكَذَّبَ مُوسَى بِأَنَّ مَا فِي يَمِينِهِ هِيَ فِعْلًا الْآيَةُ الْكُبْرَى، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَصَرَّ فِرْعَوْنُ عَلَى مَوْقِفِهِ بِأَنَّهُ هُوَ وَلَيْسَ مُوسَى مَنْ يَمْلِكُ تِلْكَ الْآيَةْ.
السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ يَفْعَلُ فِرْعَوْنُ بِتِلْكَ الْعَصَا؟ وَلِمَاذَا ظَنَّ فِرْعَوْنُ أَنَّهُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ تِلْكَ الْآيَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ بِتِلْكَ الْعَصَا أَنْ يُسَخِّرَ الْجَانَّ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ هَامَانْ.
خُرُوجٌ عَنِ النَّصِّ فِي اسْتِرَاحَةٍ قَصِيرَةْ: [بَابُ هَامَانَ مَلِكِ الْجَانّ]
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لَعَلَّ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ الْمُولَعَ بِالشَّخْصِيَّاتِ الْكَرْتُونِيَّةِ مِثْلَ سُوبَرْمَانَ وَبَاتْمَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ وَالِدَهُ أَوْ وَالِدَتَهُ السُّؤَالَ التَّالِي: لِمَاذَا تُسَمَّى هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتُ "الْخَيَالِيَّةُ"، ذَاتُ الْقُدُرَاتِ الْخَارِقَةِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ؟ أَيْ لِمَاذَا اسْمُهُ سُوبَرْمَانْ (Superman)؟ وَلِمَاذَا يُسَمَّى بَاتْمَانْ (Batman)؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَنْصَحُ الْآبَاءَ أَنْ يُوصِلُوا لِأَبْنَائِهِمُ الْجَوَابَ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِنَا التَّالِي: هَذِهِ التَّسْمِيَاتُ جَاءَتْ عَلَى مِنْوَالِ مَنْ تَشَبَّهُوا بِهِ أَصْلًا وَهُوَ هَامَانُ (الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ فِي قِصَّةِ فِرْعَوْنَ هَذَا). فَهَؤُلَاءِ الشَّخْصِيَّاتُ الْخَيَالِيَّةُ كَسُوبَرْمَانَ وَبَاتْمَانَ يَسْتَطِيعُونَ الْقِيَامَ بِأَعْمَالٍ خَارِقَةٍ عَلَى مِنْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي يُحَاوِلُونَ تَقْلِيدَهَا وَهِيَ شَخْصِيَّةُ هَامَانَ (Haman).
السُّؤَالُ الثَّانِي: وَرُبَّمَا يُرِيدُ الطِّفْلُ أَنْ يَسْأَلَ وَالِدَهُ أَوْ وَالِدَتَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ: لِمَاذَا سَمَّى دَاوُودُ وَلَدَهُ الْوَحِيدَ "سُلَيْمَانَ"؟ فَمَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ اسْمُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ "سُلَيْمَانَ"؟ أَيْ مَا مَعْنَى الِاسْمِ "سُلَيْمَانَ"؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدْ سَمَّى دَاوُودُ وَلَدَهُ الْوَحِيدَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ لِيَكُونَ – بِرَأْيِنَا- الشَّخْصَ الْبَشَرِيَّ الْقَادِرَ عَلَى تَسْخِيرِ هَامَانَ وَمَنْ هُمْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنَ الْجِنِّ (وَالشَّيَاطِينِ).
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: وَرُبَّمَا يُرِيدُ كُلُّ شَخْصٍ يَقْرَأُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَهُوَ الرَّحْمَنُ؟ لِمَاذَا الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى:
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ مَا هُوَ خَارِقٌ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَالَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ تَصَوُّرَهَا بِبَسَاطَةٍ، أَوِ التَّعَامُلَ مَعَهَا بِوَاقِعِيَّتِهِ الْمَعْهُودَةِ (كَالَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَهَا مِنْ أَفْعَلِ الْجَانِّ).
الدَّلِيلْ
لِنَقْرَأِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةْ:
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ "اللَّهَ"، فَلِمَ هُوَ الرَّحْمَنُ؟
جَوَابٌ: غَالِبًا مَا سَوَّقَ الْفِكْرُ الشَّعْبِيُّ السَّائِدُ لِلنَّاسِ (كَمَا خَطَّتْهُ أَقْلَامُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ مِنْهُمْ) أَنَّ الرَّحْمَنَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى وُجُودِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ الْمُطْلَقَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَنَحْنُ إِذْ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، لَنَوَدُّ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنْ نُثِيرَ تَسَاؤُلًا (نَظُنُّ أَنَّهُ شَرْعِيٌّ) حَوْلَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ مُخَاطِبًا وَالِدَهْ:
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ اللَّهُ هُوَ الرَّحْمَنَ الْمُتَّصِفَ بِالرَّحْمَةِ (كَمَا نَقَلَ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ عَنْ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ)، فَكَيْفَ يَتَوَافَقُ ذَلِكَ مَعَ إِيقَاعِ الْعَذَابِ (عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ)؟ فَهَلْ مَنْ كَانَتْ صِفَتُهُ الرَّحْمَةَ يُوقِعُ الْعَذَابَ بِالْآخَرِينَ؟ مَنْ يَدْرِي؟!!!
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ الَّتِي عَهِدْنَاهَا مِنْ عِنْدِ سَادَتِنَا أَهْلِ الدِّرَايَةِ، مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ مُوقِعٌ لِلْعَذَابِ (عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ)، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَمَاشَى مَعَ فِكْرَةِ وُجُودِ الرَّحْمَةِ (كَمَا يَتَخَيَّلُهَا الْفِكْرُ الشَّعْبِيُّ السَّائِدُ).
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ الرَّحْمَنُ إِذَنْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّحْمَنُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرَّحِمِ بِمَعْنَى الصِّلَةِ (وَسَنَتَحَدَّثُ عَنْ ذَلِكَ لَاحِقًا مَتَى مَا أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا. فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمْ، لِأَنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ الرَّحْمَنِ إِذَنْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي تَتَّصِلُ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ نِطَاقِ الْمَأْلُوفِ عِنْدَ الْبَشَرِ، وَهُوَ مَا يَقَعُ فِي نِطَاقِ عِلْمِ وَفِعْلِ الْجَانّ.
الدَّلِيلْ
لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ مَرْيَمَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، لَوَجَدْنَا الْآيَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ مَنْ كَانَ تَقِيًّا:
لِنَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ التَّالِيَ حَوْلَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لِمَاذَا اسْتَعَاذَتْ مَرْيَمُ بِالرَّحْمَنِ مِنْهُ؟ لِمَ لَمْ تَسْتَعِذْ بِـ "اللَّهِ" مِنْهُ مَثَلًا؟ أَيْ لِمَ لَمْ تَقُلْ مَثَلًا: "إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا".
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا يُعْزَى إِلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَهَا فِي مَكَانِ عُزْلَتِهَا الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ الْعَادِيُّونَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ. فَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ (أَيِ الْحِجَابِ):
لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ تَقِيًّا، أَيْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْفِيَ نَفْسَهُ عَنِ الْأَنْظَارِ (لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ، انْظُرْ مَقَالَتَنَا كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمْ؟).
لِذَا لَابُدَّ أَنْ تَلْجَأَ مَرْيَمُ إِلَى مَنْ سَيَصِلُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَلَابُدَّ مِنْ تَدَخُّلِ صَاحِبِ الْقُوَّةِ الْخَارِقَةِ الْمُطْلَقَةِ بِأَنْ يُخَلِّصَهَا مِنْهُ مَادَامَ أَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَّقِيَ عَنْ أَنْظَارِ النَّاسِ جَمِيعًا مِنْ حَوْلِهَا وَيَصِلَ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمُنْعَزِلِ، حَيْثُ هِيَ مُتَوَاجِدَةٌ مِنْ دُونِ قَوْمِهَا جَمِيعًا.
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْيَمَ، فَلَابُدَّ أَنْ يَمُرَّ عَلَى قَوْمِهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا، لِذَا كَانَتْ مَرْيَمُ تَتَعَجَّبُ مِنْ كَيْفِيَّةِ وُصُولِ شَخْصٍ عَادِيٍّ إِلَى حِجَابِهَا دُونَ أَنْ يَرَاهُ الْقَوْمُ الَّذِينَ هِيَ مِنْ دُونِهِمْ جَمِيعًا. (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمْ؟)
السُّؤَالُ: بِمَنْ إِذًا سَتَسْتَعِيذُ مَرْيَمُ مِنْ شَخْصٍ كَهَذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَابُدَّ لِمَرْيَمَ أَنْ تَمُدَّ صِلَةً مَعَ صَاحِبِ الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ الْخَارِقَةِ، وَهُوَ – بِرَأْيِنَا- الرَّحْمَنُ:
وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ سُلَيْمَانَ مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَمْلِكُ قَوْمَهَا فِي سَبَأٍ لَوَجَدْنَا رِسَالَةَ سُلَيْمَانَ لَهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتْ رِسَالَةُ سُلَيْمَانَ مَبْدُوءَةً بِالتَّسْمِيَةِ (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؟ فَأَيْنَ الرَّحْمَةُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَنْ طَلَبَ أَنْ يَأْتُوهُ مُسْلِمِينَ شَاءُوا أَمْ أَبَوْا؟
أَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ وَاضِحٌ مِنْ سُلَيْمَانَ لَهَا وَلِقَوْمِهَا إِنْ هُمْ خَالَفُوا الْأَمْرَ الْمُوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ هَذَا؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا إِذَنْ بَدَأَ سُلَيْمَانُ رِسَالَتَهُ بِالتَّسْمِيَةِ مَادَامَ أَنَّ التَّهْدِيدَ (وَالْعَذَابَ) وَاقِعٌ بِهِمْ لَا مَحَالَةَ إِنْ هُمْ لَمْ يُلَبُّوا دَعْوَتَهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ أَوْصَلَ لِلْمَرْأَةِ وَلِقَوْمِهَا الرِّسَالَةَ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِـ "الرَّحْمَنِ" عَلَيْهِمْ، لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ سُلَيْمَانَ يَقُولُ لَهُمْ أَنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِصَاحِبِ الْقُدْرَةِ الْخَارِقَةِ الَّتِي لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا، مَهْمَا بَلَغَ بَأْسُهُمْ وَقُوَّتُهُمْ. وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْقِصَّةِ أَكْثَرَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ صَاحِبَةَ عَرْشٍ عَظِيمٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
لِذَا، نَحْنُ نَظُنُّ أَيْضًا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ أَوْصَلَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ الرِّسَالَةَ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَاحِبَةَ عَرْشٍ عَظِيمٍ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ الرَّحْمَنَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ الْمُسْتَوِي عَلَى الْعَرْشْ:
فَهُوَ الْإِلَهُ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءْ:
وَنَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ فَهِمَتْ رِسَالَةَ سُلَيْمَانَ عَلَى الْفَوْرِ، فَمَا كَانَ رَدُّهَا عَلَى اقْتِرَاحِ قَوْمِهَا بِالْمُقَاوَمَةْ:
إِلَّا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرٌ لِمُفْرَدَةِ الرَّحْمَنِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْجِنِّ (وَالشَّيَاطِينِ) حَاضِرٌ فِيهَا:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ أَيْضًا عَنْ مُفْرَدَةِ الرَّحْمَنِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقُوَّةَ الْمُطْلَقَةَ الْخَارِقَةَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا أَيْضًا. وَسَنُقَدِّمُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَنَتْرُكُ لَهُ مُهِمَّةَ تَدَبُّرِهَا مِنْ هَذَا الْجَانِبِ عَلَى أَنْ نُعَاوِدَ الْبَحْثَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ مَتَى مَا أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا. قَالَ تَعَالَى:
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
أَمَّا بَعْدْ،
مَنْ هُوَ هَامَانُ هَذَا إِذَنْ؟ وَلِمَاذَا يُسَمَّى هَامَانَ (Haman)؟ وَلِمَاذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ فِرْعَوْنُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ الْأَوَامِرَ فَيُنَفِّذَهَا لَهُ عَلَى الْفَوْرِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَامَانَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جُنْدِ فِرْعَوْنَ إِطْلَاقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَامَانَ هَذَا كَانَ لَهُ جُنُودُهُ كَمَا كَانَ لِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ جُنُودُهُ، وَاقْرَأْ – إِنْ شِئْتَ- قَوْلَهُ تَعَالَى:
فَلَوْ كَانَ هَامَانُ (نَحْنُ نَتَسَاءَلُ) مِنْ ضِمْنِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ، وَلَوْ كَانَ هَامَانُ شَخْصًا عَادِيًّا مِنْ مَلَأِ فِرْعَوْنَ، وَلَوْ كَانَ هَامَانُ أَحَدَ وُزَرَاءِ فِرْعَوْنَ (كَمَا جَاءَ فِي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ الَّتِي لَا نَثِقُ بِهَا كَثِيرًا)، فَلِمَ كَانَ لَهُ جُنُودُهُ؟ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَزِيرِ مَثَلًا جُنُودُهُ الْخَاصِّينَ بِهِ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَكُونَ لِلْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِ جُنُودُهُ وَأَنْ يَكُونَ لِوَزِيرِهِ جُنُودُهُ، فَجُنُودُ الْوَزِيرِ هُمْ جُنُودُ الْفِرْعَوْنِ نَفْسِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ لِهَامَانَ جُنُودُهُ إِذَنْ كَمَا كَانَ لِفِرْعَوْنَ جُنُودُهُ (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ هَامَانَ لَمْ يَكُنْ مِنْ ضِمْنِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ. فَفِرْعَوْنُ - لَا شَكَّ عِنْدَنَا- لَهُ مُلْكُ مِصْرْ:
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: مَادَامَ أَنَّ مُلْكَ مِصْرَ كُلَّهُ يَعُودُ لِفِرْعَوْنَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ مَنْ لَهُ جُنُودُهُ الْخَاصِّينَ بِهِ كَمَا هِيَ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِهَامَانَ. لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ هَامَانَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إِطْلَاقًا. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ هَامَانُ إِذًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَامَانَ هُوَ مَنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوقِدَ لِفِرْعَوْنَ عَلَى الطِّينِ فَيَجْعَلَ لَهُ صَرْحًا، يُمَكِّنُهُ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ، أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى:
السُّؤَالُ: مَنْ يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى تَنْفِيذِ أَمْرٍ كَهَذَا، أَيْ بِنَاءِ صَرْحٍ يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضْ؟
جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ لَا نَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْإِنْسِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكْ.
السُّؤَالُ: مَنْ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ إِذَنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: مَنْ كَانَ مِنَ الْجِنِّ. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مِسَاحَتِهِ لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ الصَّرْحَ قَدْ بُنِيَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ بَعْدِ فِرْعَوْنَ إِلَّا لِسُلَيْمَانْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي لَابُدَّ أَنْ يُطْرَحَ مُبَاشَرَةً هُوَ: مَنِ الَّذِي بَنَا الصَّرْحَ لِسُلَيْمَانَ إِذَنْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَمَّا كَانَ اللَّهُ هُوَ مَنْ سَخَّرَ لِسُلَيْمَانَ مِنَ الشَّيَاطِينِ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصْ:
كَانَ مِنَ الْجِنِّ (وَبِالذَّاتِ الشَّيَاطِينِ مِنْهُمْ) مَنْ هُوَ "بَنَّاءٌ"، قَادِرٌ عَلَى تَشْيِيدِ الصَّرْحِ لِسُلَيْمَانَ، وَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ هُوَ مَنْ دَعَا رَبَّهُ مِنْ قَبْلُ بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ التَّالِي:
فَجَاءَتِ الِاسْتِجَابَةُ الْإِلَهِيَّةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ سُلَيْمَانُ قَادِرًا عَلَى التَّحَكُّمِ بِهَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينْ؟
جَوَابٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَمْلِكُ الْأَدَاةَ الَّتِي تُسَخِّرُهُمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُفْلِتَ مِنَ الْعِقَابِ إِنْ هُوَ تَمَرَّدَ عَلَى أَوَامِرِ سُلَيْمَانْ:
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْأَدَاةُ الَّتِي كَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَخْدِمُهَا لِتَسْخِيرِ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينْ؟
جَوَابٌ: إِنَّهَا الْمِنْسَأَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ كَسَبَتْ حُرِّيَّتَهَا بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ عِنْدَمَا أَكَلَتْ دَابَّةُ الْأَرْضِ مِنْسَأَتَهْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَاتِ وَهِيَ الرَّحْمَنُ وَهَامَانُ وَسُلَيْمَانُ قَدْ جَاءَتْ مُتَنَاغِمَةً فِي اللَّفْظِ (وَخَاصَّةً الْقَافِيَةَ كَمَا يُحِبُّ أَهْلُ الشِّعْرِ أَنْ يُسَمُّونَهَا) وَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهَا فِي الْوَظِيفَةِ، وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الصِّلَةِ مَعَ الْجِنِّ وَتَنْفِيذِ الْأَوَامِرِ الَّتِي قَدْ تَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى خَارِقَةً لِلْقُدُرَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الْمَأْلُوفَةْ.
خُرُوجٌ عَنِ النَّصِّ مَرَّةً أُخْرَى
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ أَكْثَرَ لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصٌ آخَرُونَ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذِهِ الْقَافِيَةِ (وَالْوَزْنِ) غَيْرَ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَهُوَ لُقْمَانْ:
تَسَاؤُلَاتٌ:
- مَنْ هُوَ لُقْمَانُ هَذَا؟
- وَمَنْ هُوَ ابْنُهُ الَّذِي كَانَ يَعِظُهُ؟
- وَلِمَاذَا جَاءَ ذِكْرُهُمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟
- وَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى شَخْصِيَّاتِهِمَا؟
- إِلَخْ.
سَنُحَاوِلُ هُنَا تَقْدِيمَ افْتِرَاءٍ خَطِيرٍ جِدًّا، وَلَنْ نَخُوضَ فِي تَفَاصِيلِهِ لِأَنَّنَا سَنَعُودُ لِلْحَدِيثِ عَنْهُ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ مَتَى مَا أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهِ. وَسَنُرَكِّزُ هُنَا فَقَطْ عَلَى فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَلَا وَهِيَ: لِمَ جَاءَ الِاسْمُ (لُقْمَانُ) عَلَى وَزْنِ وَقَافِيَةِ رَحْمَنَ وَهَامَانَ وَسُلَيْمَانْ.
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا رُبَّمَا يَكُونُ غَيْرَ مَسْبُوقٍ: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ لُقْمَانَ هُوَ وَالِدُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُودَ، وَأَنَّ الِابْنَ الَّذِي كَانَ يَعِظُهُ لُقْمَانُ هُوَ دَاوُودُ نَفْسُهُ، لِيُصْبِحَ خَطُّ الْوِرَاثَةِ فِي تِلْكَ السُّلَالَةِ الطَّيِّبَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
لُقْمَانُ ← دَاوُودُ ← سُلَيْمَانُ
(دُعَاءٌ: وَاللَّهَ وَحْدَهُ نَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمْ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَأَنْ يَزِيدَنَا عِلْمًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينْ)
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ مَرَّةً أُخْرَى: [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ لَهُ مُلْكٌ قَدْ سَبَقَ مُلْكَ سُلَيْمَانَ، وَلَمَّا كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا عَلَى إِصْدَارِ الْأَوَامِرِ لِمَنْ يَبْنِي لَهُ الصُّرُوحَ، فَإِنَّنَا نَعْتَقِدُ (رُبَّمَا جَازِمِينَ) أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَمْلِكُ بِيَدِهِ الْأَدَاةَ الَّتِي يُسَخِّرُ بِهَا هَامَانَ، فَلَا يَسْتَطِيعُ هَذَا الْأَخِيرُ (أَيْ هَامَانُ) إِلَّا أَنْ يُنَفِّذَ أَوَامِرَ فِرْعَوْنَ فِي الْحَالْ.
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نُنَاقِشُ الْأَمْرَ فِي ضَوْءِ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَالَّتِي نُثِيرُ حَوْلَهَا التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةْ:
- مَنْ هُوَ هَذَا الَّذِي أُوتِيَ آيَاتِ اللَّهِ؟
- لِمَاذَا انْسَلَخَ مِنْهَا؟
- كَيْفَ انْسَلَخَ مِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ؟
- كَيْفَ أَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ؟
- وَمَنْ هُوَ الشَّيْطَانُ الَّذِي أَتْبَعَهُ؟
- لِمَاذَا شَبَّهَهُ اللَّهُ بِالْكَلْبِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟ لِمَ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِالْحِمَارِ مَثَلًا؟
- لِمَاذَا جَاءَ هَذَا فِي مَعْرِضِ قَصِّ الْقَصَصِ؟
- وَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَتَفَكَّرَ فِي ذَلِكْ؟
- إِلَخْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ هُوَ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا).
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي تَبِعَهُ هُوَ هَامَانُ (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ).
الدَّلِيلْ
لَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مِسَاحَتِهِ لَمَا وَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ آتَى آيَاتِهِ كُلَّهَا إِلَّا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِرْعَوْنُ نَفْسُهْ:
وَهُوَ الَّذِي كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ عَلَى مِسَاحَتِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا كَانُوا تَابِعِينَ لِلشَّيْطَانْ:
وَيَشِذُّ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ شَخْصٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي كَانَ الشَّيْطَانُ تَابِعًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ تَابِعًا لِلشَّيْطَانِ. لِنَقْرَأِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ مَرَّةً أُخْرَى:
السُّؤَالُ: كَيْفَ تَبِعَهُ الشَّيْطَانُ؟ وَكَيْفَ بِالشَّيْطَانِ يَكُونُ تَابِعًا لِغَيْرِهِ؟ وَمَتَى كَانَ الشَّيْطَانُ أَصْلًا يَتْبَعُ غَيْرَهُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَجِدُ الْإِجَابَةَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
دَقِّقْ عَزِيزِي الْقَارِئَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي ضَوْءِ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةْ:
- مَنْ هُوَ هَذَا الشَّيْطَانُ الَّذِي زَيَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)؟
- مَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِي زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)؟
- لِمَاذَا قَالَ لَهُمْ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ)؟
- وَلِمَاذَا قَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ؟ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَغْلِبَهُمْ مَنْ هُمْ لَيْسُوا مِنَ النَّاسِ مَثَلًا؟
- لِمَ قَالَ لَهُمْ أَنَّهُ جَارٌ لَهُمْ (وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ)؟
- مَنْ هُمَا الْفِئَتَانِ اللَّتَانِ تَرَاءَتَا (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ)؟ وَمَتَى حَصَلَ ذَلِكْ؟
- لِمَاذَا نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ لَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ)؟
- مَتَى حَصَلَ ذَلِكْ؟
- كَيْفَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ؟
- لِمَاذَا أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ مِنَ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ جَارٌ مِنْ قَبْلُ (وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ)؟
- وَلِمَنْ قَالَ ذَلِكْ؟
- كَيْفَ كَانَ يَرَى مَا لَا يَرَوْنَ (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ)؟
- لِمَاذَا أَكَّدَ أَنَّهُ يَخَافُ اللَّهَ (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)؟
- إِلَخْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ هُوَ هَامَانُ (الشَّيْطَانُ)، وَحَصَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ أَنْ تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ (الْمُؤْمِنَةُ وَالْكَافِرَةُ)، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَمَا تَبِعَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وَهَامَانُ وَجُنُودُهُ مِنْ جِهَةٍ مُوسَى وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى إِلَى الْبَحْرِ، وَهُنَاكَ تَرَاءَى الْجَمْعَانْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ؟
قِصَّةُ الْغَرَقِ فِي الْبَحْرِ: [رُؤْيَا جَدِيدَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا]
يَأْخُذُنَا هَذَا النِّقَاشُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى قِصَّةِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ (الْقَصَصِ)، الَّتِي قُصَّتْ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ، حَيْثُ بَدَأَتْ بِالْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
وَلَعَلَّ مِنْ أَهَمِّ مِيزَاتِ فِرْعَوْنَ كَانَتْ قُدْرَتَهُ عَلَى اسْتِخْفَافِ قَوْمِهِ، حَتَّى حَصَلَتْ لَهُ الطَّاعَةُ الْعَمْيَاءُ مِنْهُمْ:
وَحَتَّى وَصَلَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقَوْلِ صَرَاحَةً لَهُمْ:
السُّؤَالُ: هَلْ فِعْلًا كَانَ فِرْعَوْنُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ فِعْلًا؟ وَكَيْفَ كَانَ يُرِيهِمْ فَقَطْ مَا يَرَاهُ هُوَ؟
رَأْيُنَا: لَوْ حَاوَلْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِالْآيَاتِ الْخَاصَّةِ بِالَّذِي انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا وَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، لَوَجَدْنَا أَنَّ قَصَّ الْقَصَصِ حَاضِرًا فِيهَا بِكُلِّ وُضُوحْ:
لِنَخْرُجَ بِالِاسْتِنْبَاطِ الْمُفْتَرَى الْأَوَّلِ التَّالِي: إِنَّ الَّذِي انْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ هُوَ مَنْ جَاءَتْ سُورَةُ الْقَصَصِ لِتَتْلُوَ عَلَيْنَا مِنْ نَبَأِهِ، إِنَّهُ فِرْعَوْنُ نَفْسُهْ.
وَفِي تِلْكَ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ، كَانَ يَجِبُ عَلَى سَادَتِنَا أَهْلِ الدِّرَايَةِ – نَحْنُ نَظُنُّ- الْوُقُوفُ مَلِيًّا عِنْدَ الْمَشْهَدِ الْأَخِيرِ فِي الْمُوَاجَهَةِ بَيْنَ الطَّرَفَانِ وَهُوَ يَوْمَ أَنْ تَرَاءَى الْجَمْعَانْ:
وَلَعَلَّ الْجُزْئِيَّةَ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُثِيرَهَا هُنَا تَتَعَلَّقُ بِالْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ جُزْءًا مِمَّا حَصَلَ فِعْلًا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، فَالْآيَاتُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ أُغْرِقُوا هُمْ آلُ فِرْعَوْنَ:
وَالْآيَاتُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ أُغْرِقُوا كَانُوا قَوْمَ فِرْعَوْنَ:
وَالْآيَةُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ غَشِيَهُمُ الْيَمُّ هُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهْ:
وَالْآيَاتُ التَّالِيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِينَ نُبِذُوا فِي الْيَمِّ هُمْ جُنُودُ فِرْعَوْنَ:
بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، أَلَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَطْرَحَ السُّؤَالَ التَّالِي: أَيْنَ هُمْ جُنُودُ هَامَانَ؟ أَلَمْ يَغْرَقُوا مَعَ جُنُودِ فِرْعَوْنَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ (جَازِمِينَ) أَنَّ هَامَانَ وَجُنُودَهُ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، فَهُمْ لَمْ يَغْرَقُوا فِي الْيَمّ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ (كَمَا نَفْهَمُهَا) تُقَدِّمُ لَنَا السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَذْهَبْ هَامَانُ وَجُنُودُهُ فِي الْغَرَقِ كَمَا حَصَلَ مَعَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهْ:
فَلَوْ تَدَبَّرْتَ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ جَيِّدًا لَوَجَدْتَ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ الَّذِي تَبِعَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي الْبَحْرِ هُمْ فَقَطْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا).
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَتْبَعْ هَامَانُ وَجُنُودُهُ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي الْبَحْرِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّ هَامَانَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ قَدْ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّهُ رَأَى مَا لَمْ يَرَاهُ جُنُودُ فِرْعَوْنَ وَآلُهُ وَقَوْمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةْ.
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: دَعْنَا نَرْجِعُ إِلَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي أَثَرْنَا حَوْلَهَا التَّسَاؤُلَاتِ الْجَارِيَةَ لِنَتَدَبَّرَهَا مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقْ:
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَتْ إِسْتْرَاتِيجِيَّةُ الشَّيْطَانِ مَبْنِيَّةً فِي الْأَسَاسِ عَلَى تَزْيِينِ الْكُفْرِ لِلنَّاسِ، كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْمُهِمَّةَ الَّتِي قَامَ بِهَا هَامَانُ (الشَّيْطَانُ) فِي إِيقَاعِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِي الشِّرْكِ، فَقَامَ بِتَزْيِينِ أَعْمَالِهِمْ لَهُمْ (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ)، حَتَّى حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ النِّهَائِيَّةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فِي يَوْمٍ مُحَدَّدٍ، وَكَانَ قَدْ عَقَدَ لَهُمْ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَغْلُوبِينَ (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ)، وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَاهُ يُؤَكِّدُ أَنَّ غَلَبَتَهُمْ غَيْرُ حَاصِلَةٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ)، وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَامَانَ قَدْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ وَجُنُودَهُ لَيْسُوا مِنَ النَّاسِ أَصْلًا، لِذَا جَاءَ تَزْيِينُ الْأَمْرِ لَهُمْ أَنَّ غَلَبَتَهُمْ مِنَ النَّاسِ (أَيْ مِنْ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) غَيْرُ مُمْكِنَةٍ حَتَّى تَرَاءَى الْجَمْعَانِ عِنْدَ الْبَحْرْ:
فَمَادَامَ أَنَّ الْبَحْرَ قَدْ أَصْبَحَ مِنْ أَمَامِ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، وَفِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ مِنْ وَرَائِهِمْ، أَصْبَحَتْ مُهِمَّةُ الشَّيْطَانِ سَهْلَةً فِي التَّرْوِيجِ لِفِكْرَةِ الْغَلَبَةِ الْيَوْمَ لِفِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهْ. فَيَسْتَحِيلُ عَلَى الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ (عَلَى مَحْدُودِيَّتِهِ) أَنْ يُدْرِكَ أَنَّ هُنَاكَ نَجَاةً مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ الْيَوْمَ (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ)، فَحَتَّى أَصْحَابُ مُوسَى أَنْفُسُهُمْ قَدْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مُدْرَكُونَ لَا مَحَالَةَ (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ). فَمَا بَالُكَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ؟
وَقَدْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ الْبُشْرَى بَادِيَةً عَلَى وُجُوهِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِأَنَّ الْخَلَاصَ مِنْ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ قَدْ أَصْبَحَ أَمْرًا مُحَقَّقًا لَا مَحَالَةْ. وَلَعَلِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ الْإِحْبَاطَ وَالْخَوْفَ قَدْ سَيْطَرَ عَلَى قَوْمِ مُوسَى. فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ انْبَرَى هَامَانُ (أَنَا لَا زِلْتُ أَتَخَيَّلُ) لِيُؤَكِّدَ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ جَارٌ لَهُمْ (وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ).
وَلَمْ يَكُنْ لِيَسْلَمَ مِنْ مَنْطِقِ هَامَانَ هَذَا إِلَّا شَخْصٌ مُؤْمِنٌ بِرَبِّهِ الرَّحْمَنِ الَّذِي لَا يَقْطَعُ صِلَتَهُ بِهِ، وَهُوَ الرَّبُّ الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مَا لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ أَنْ يَتَخَيَّلَهُ، وَهُوَ شَقُّ الْبَحْرِ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْمَوْقِفِ. وَهَذَا الشَّخْصُ هُوَ مُوسَى فَقَطْ، فَمَا كَانَ قَوْلُهُ إِلَّا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى مُوقِنٌ بِأَنَّ اللَّهَ (الرَّحْمَنَ) مَعَهُ يَسْمَعُ وَيَرَى، فَهَذَا مَا قَالَهُ لَهُ رَبُّهُ فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ مُنْذُ الْبِدَايَةْ:
وَهُنَا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْإِيمَانِيَّةِ الَّتِي عَزَّ مَثِيلُهَا، جَاءَ الْوَحْيُ لِمُوسَى عَلَى الْفَوْرِ بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ:
فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ عَلَى الْفَوْرِ هِيَ انْفِلَاقُ الْبَحْرِ حَتَّى كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمْ:
فَكَانَ هَامَانُ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) هُوَ أَوَّلَ مَنْ رَأَى بِأُمِّ عَيْنِهِ مَا حَصَلَ مِنِ انْفِلَاقٍ لِلْبَحْرِ بِضَرْبَةٍ مِنْ عَصَا مُوسَى، فَمَا كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ أَكْثَرَ مِنَ النُّكُوصِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا يَرَوْنَ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي السِّيَاقِ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ هَامَانَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِجُنُودِهِ الَّذِينَ يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهْ،
فَهُوَ إِذَنْ يَرَى الْآنَ (فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ) مَا لَا يَرَاهُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. لِذَا، مَا أَنْ أَوْصَلَهُمُ الشَّيْطَانُ (هَامَانُ) إِلَى حَتْفِهِمْ نَتِيجَةَ سُوءِ أَعْمَالِهِمْ (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) حَتَّى رَدَّدَ عِبَارَتَهُ الْمَشْهُورَةَ بَعْدَ نَجَاحِ كُلِّ مُهِمَّةٍ لَهُ، أَلَا وَهِيَ أَنَّهُ يَخَافُ اللَّهَ:
وَهَذِهِ لَا شَكَّ هِيَ سِيَاسَةُ الشَّيْطَانِ فِي إِيقَاعِ الْإِنْسَانِ فِي الْفَخّ:
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ فَرِيسَةً لِلشَّيْطَانِ، فَأَنْتَ وَلِيِّي، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أُنِيبُ – آمِينْ)
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ نَجِدُ لِزَامًا طَرْحَ تَسَاؤُلَاتٍ غَرِيبَةٍ بَعْضَ الشَّيْءِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- أَلَمْ يَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ، أَلَمْ يَرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ كَيْفَ شُقَّ الْبَحْرُ بِعَصَا مُوسَى؟
- وَإِذَا كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، لِمَ أَقْدَمَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ عَلَى اللِّحَاقِ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ مَجْهُولَةِ الْمَخَاطِرْ؟
- لِمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ؟
- لِمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ؟
- لِمَ لَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ؟
- هَلْ وَصَلَ الْغَبَاءُ بِهِمْ لِهَذَا الْحَدّ؟
- أَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِمْ جَمِيعًا عَاقِلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ عَنْ طُغْيَانِهِ أَمَامَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةْ؟
- أَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْنِهِمْ شَخْصٌ وَاحِدٌ تَجْرِي فِي دِمَائِهِ جِينَاتُ حُبِّ الْخِيَانَةِ لِقَائِدِهِ الْخَالِدِ الرَّمْزِ كَحَالِ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يُظْهِرُونَ الشَّجَاعَةَ مُنْقَطِعَةَ النَّظِيرِ عِنْدَمَا يَنْهَارُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ تِمْثَالُ الْقَائِدِ الرَّمْزِ بِأَحْذِيَةِ الْعَسْكَرِ مِنْ بَنِي الْأَصْفَرْ؟
- لِمَ لَمْ يُرَاجِعْ هَؤُلَاءِ النَّاسُ حِسَابَاتِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةْ؟
- لَوْ كُنْتَ (عَزِيزِي الْقَارِئَ) وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ، أَلَنْ تُرَاجِعَ حِسَابَاتِكَ وَتَنْكِصَ عَلَى عَقِبَيْكَ بَعْدَ أَنْ تَرَى بِأُمِّ عَيْنِكَ مَا حَصَلَ لِلْبَحْرْ؟
- إِلَخْ
السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: لِمَاذَا لَمْ يَنْكِصْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَوْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَوْ مِنْ جُنُودِ فِرْعَوْنَ عَلَى عَقِبَيْهِ بَعْدَ أَنْ شَقَّ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ حَتَّى كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا مَا فَعَلَ مُوسَى، وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْبَحْرَ قَدْ شُقَّ أَصْلًا؟
السُّؤَالُ: هَلْ أَنْتَ فِي كَامِلِ قُوَاكَ الْعَقِيلَةِ؟ يَتَسَاءَلُ صَاحِبُنَا. كَيْفَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ الْبَحْرَ قَدْ شُقَّ فِعْلًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: هَذَا مَا نَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِعْلًا، مُسْتَنْبِطِينَ ذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ مَنْ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ (هَامَانُ) فِي تِلْكَ اللَّحْظَةْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَرَوْا ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ أَسْبَابِ سَيْطَرَةِ فِرْعَوْنَ عَلَى قَوْمِهِ، لِذَا نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْإِمْكَانِيَّاتِ مَا يَجْعَلُهُ يَحْجُبُ الْقَوْمَ عَنْ رُؤْيَةِ مَا يَحْصُلُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ. انْتَهَى.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ، ظَنَّ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ الْيَوْمَ غَالِبُونَ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ هُوَ مَنْ يُؤَيِّدُ لَهُمْ ظَنَّهُمْ هَذَا، وَفِي الْمُقَابِلِ أَصَابَ أَصْحَابَ مُوسَى الذُّعْرُ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا مَحَالَةَ مُدْرَكُونَ، لَكِنَّ ثِقَةَ مُوسَى بِرَبِّهِ الرَّحْمَنِ دَائِمَةٌ لَا تَنْقَطِعُ، وَظَنَّهُ بِهِ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ سَيَهْدِيهِ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ بِأَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ، فَمَا كَانَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِاسْمِ رَبِّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ.
لَمْ يَكُنِ الْبَحْرُ لِيَتَحَمَّلَ قُوَّةَ الضَّرْبَةِ، فَانْفَلَقَ حَتَّى كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ هَامَانُ وَفِرْعَوْنُ، فَنَكَصَ هَامَانُ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَاتَّبَعَهُ جُنُودُهُ، فَلَمْ يَكُونَا مِنَ الْمُغْرَقِينْ. لَكِنَّ فِرْعَوْنَ أَصَرَّ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ، فَكَانَ لَابُدَّ أَنْ يَحْجُبَ مَا حَصَلَ مِنْ أَمْرِ شَقِّ الْبَحْرِ عَنْ قَوْمِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ إِلَّا مَا يُرِيهِمْ:
فَحَجَبَ الرُّؤْيَةَ عَنْ قَوْمِهِ، وَخَاضَ بِهِمُ الطَّرِيقَ لِيَلْحَقَ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ، فَكَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَضَلَّ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى:
السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ، لِمَاذَا أَقْدَمَ فِرْعَوْنُ بِنَفْسِهِ عَلَى الْخَوْضِ فِي الْبَحْرِ؟ أَلَمْ يَكُنْ يُدْرِكُ أَنَّ فِي ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَتْفُهُ وَقَوْمَهُ أَجْمَعِينَ؟ فَهَلْ أَصَابَ فِرْعَوْنَ الْجُنُونُ؟
جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، لَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَهُوَ يُرِيدُ الْمُوَاجَهَةَ الْفِعْلِيَّةَ مَعَ إِلَهِ مُوسَى نَفْسِهِ، وَهَا هِيَ الْفُرْصَةُ قَدْ سَنَحَتْ لَهُ لِمُوَاجَهَةِ إِلَهِ مُوسَى الَّذِي كَانَ فِرْعَوْنُ يَظُنُّ أَنَّهُ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينْ:
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ هَلْ فِعْلًا يُرِيدُ فِرْعَوْنُ الْمُوَاجَهَةَ الْفِعْلِيَّةَ مَعَ الْإِلَهِ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟!!!
جَوَابٌ:
جَوَابٌ مُفْتَرًى: هَذَا مَا سَنَتَنَاوَلُهُ فِي بِدَايَةِ الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهْ. سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِنَا، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي، وَأَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْ لَدُنْهُ سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، أَوْ مِمَّنْ يَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقٍّ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، إِنَّ رَبِّي الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ – آمِينْ.

تعليقات