افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةْ، بِأَنَّ عَمَلَكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سَيَتَحَوَّلُ إِلَى نُورٍ فِي الْآخِرَةْ، بِمِقْدَارِ التَّقْوَى الَّتِي نَالَهَا اللَّهُ مِنْكَ مِنْ مَجْمُوعِ عَمَلِكَ كُلِّهْ:
وَسَيَكُونُ ذَلِكَ النُّورُ (مَصْدَرُ الطَّاقَةِ النَّظِيفَةْ) هُوَ الْمُشَغِّلُ الْحَقِيقِيُّ لِجَنَّتِكْ، وَسَتُنَارُ جَنَّتُكَ بِتِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي خَزَّنْتَهَا لِنَفْسِكَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ ضَاعَفَهَا لَكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةْ:
وَسَتَكُونُ مَاهِيَّةُ تِلْكَ الْجَنَّةِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تُصَوِّرُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
وَسَيَكُونُ هُنَاكَ تَفَاوُتٌ فِي الدَّرَجَاتْ:
وَهُوَ مَا سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ لَاحِقًا إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا فِي مَقَالَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهْ. فَاللَّهَ وَحْدَهُ أَدْعُو أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمْ، وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا، وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمْ – آمِينْ.
وَسَنَعُودُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ إِلَى التَّسَاؤُلِ الْقَدِيمِ الْخَاصِّ بِعَلَاقَةِ هَذِهِ الِافْتِرَاءَاتِ بِرُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ وَيُوسُفَ لِتِلْكَ الْكَيْنُونَاتْ (الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ)؟
[اعتزال إبراهيم: رحلة البحث عن النور في ظلمات الكهف]
طَارَ الْخَيَالُ بِنَا فِي السَّابِقِ إِلَى أَنْ نَتَصَوَّرَ مَا حَلَّ بِإِبْرَاهِيمَ بَعْدَ أَنِ اعْتَزَلَ قَوْمَهْ:
وَلَمَّا كَانَ اعْتِزَالُ إِبْرَاهِيمَ قَوْمَهُ مُرْتَبِطًا بِالْحَاجَةِ إِلَى دُعَاءِ رَبِّهِ، ظَنَنَّا (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ آوَى حِينَهَا إِلَى مَا يُشْبِهُ الْكَهْفَ الَّذِي آوَى إِلَيْهِ الْفِتْيَةْ (أَصْحَابُ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) بَعْدَ أَنِ اعْتَزَلُوا قَوْمَهُمْ:
فَوَجَدَ إِبْرَاهِيمُ نَفْسَهُ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) مُتَوَاجِدًا لِوَحْدِهِ فِي كَهْفٍ، وَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ ظُلُمَاتٌ ثَلَاثْ: ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وَظُلْمَةُ الْكَهْفِ، وَظُلْمَةُ الْإِبْصَارْ، بِالضَّبْطِ كَحَالِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهْ:
فَكَانَ اللَّيْلُ بِذَلِكَ قَدْ جَنَّ عَلَى إِبْرَاهِيمْ:
عِنْدَهَا لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ لِيَسْتَفِيدَ مِنْ حَاسَّةِ الْإِبْصَارِ (رَأْيِ الْعَيْنِ)، فَمَا عَادَتِ الْعُيُونُ تُبْصِرُ شَيْئًا، وَفِي تِلْكَ الظُّرُوفِ اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُشَغِّلَ فُؤَادَهُ لِيَرَى بِهِ بَدِيلًا عَنْ رَأْيِ الْعَيْنْ:
وَلَمَّا كَانَ قَلْبُ إِبْرَاهِيمَ سَلِيمًا:
مَا كَذَبَ فُؤَادُهُ مَا رَأَى:
فَتَحْتَ وَطْأَةِ تِلْكَ الظُّرُوفِ الْمُحِيطَةِ بِهِ حِينَهَا، اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ يَرَى تِلْكَ الْكَيْنُونَاتْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَرَى تِلْكَ الْكَيْنُونَاتْ؟
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، جَاعِلَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، يَا مَنْ تَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا تَشَاءُ، أَسْأَلُكَ نَفَاذَ مَشِيئَتِكَ لِي بِالْهِدَايَةِ إِلَى نُورِكَ الَّذِي أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُتِمَّهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، فَأَكُنْ مِنْ أَنْصَارِكَ لِتَجْعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَتُكَ هِيَ الْعُلْيَا، فَتُخْرِجَنَا بِهَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، – آمِينْ).
[نور الله: جدلية المشكاة والمصباح والزجاجة]
السُّؤَالُ: كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ مَعَ إِبْرَاهِيمْ؟
بَابٌ: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبْ.
لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَ كَيْنُونَاتٍ، يَلُفُّ بَعْضُهَا الْبَعْضَ الْآخَرَ، لَازِمَةً لِتَصْوِيرِ النُّورِ الْإِلَهِيِّ، وَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِلِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
1. الْمِشْكَاةْ.
2. الزُّجَاجَةْ.
3. الْمِصْبَاحْ.
وَهَذَا مَا يُشْبِهُ بِالضَّبْطِ كَيْنُونَةَ تَغْلِيفِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهْ. وَلَوْ حَاوَلْنَا تَدَبُّرَ هَذِهِ الْكَيْنُونَاتِ لَوَجَدْنَا التَّقَابُلَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
| النُّورُ الْإِلَهِيّ | الْجَنِين |
|---|---|
| الْمِشْكَاة | جِدَارُ بَطْنِ الْأُمّ |
| الزُّجَاجَة | غِلَافُ الْجَنِينِ دَاخِلَ بَطْنِ الْأُمّ |
| الْمِصْبَاح | الْجَنِين |
وَلَوْ حَاوَلْنَا إِسْقَاطَ ذَلِكَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الْكَهْفِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الصُّورَةَ هِيَ (فِي مِخْيَالِنَا) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
| النُّورُ الْإِلَهِيّ | الْجَنِين | إِبْرَاهِيم |
|---|---|---|
| الْمِشْكَاة | جِدَارُ بَطْنِ الْأُمّ | الْكَهْف |
| الزُّجَاجَة | غِلَافُ الْجَنِينِ دَاخِلَ بَطْنِ الْأُمّ | الْبَصَرُ (إِبْرَاهِيم) |
| الْمِصْبَاح | الْجَنِين | ظُلْمَةُ اللَّيْل |
فَلَقَدْ كَانَ الْكَهْفُ يُشَكِّلُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (وَهُوَ مَوْجُودٌ بِدَاخِلِهِ) مَا يُشَكِّلُهُ الْغِلَافُ الَّذِي يَتَوَاجَدُ بِهِ الْجَنِينُ دَاخِلَ بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْهِدَايَةِ بِاسْتِخْدَامِ فُؤَادِهِ بَدَلًا مِنْ بَصَرِهِ الَّذِي لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، فَالْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يَظْهَرُ مُغْلِقًا عَيْنَيْهِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
[الهداية القلبية: عندما يرى الفؤاد ما تعجز عنه الأبصار]
بَابٌ: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءْ.
فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ الْحَالِكَةِ بَدَأَ إِبْرَاهِيمُ يَبْحَثُ عَنِ النُّورِ الَّذِي سَيَهْدِيهِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ إِلَّا وَسِيلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الدُّعَاءْ:
(دُعَاءٌ: أَدْعُوكَ رَبِّ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَدْعُونَكَ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَدْعُوَ مَنْ هُمْ مِنْ دُونِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمْ – آمِينْ).
فَمَكَثَ إِبْرَاهِيمُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) فِي ذَلِكَ الْكَهْفِ مُعْتَزِلًا قَوْمَهُ، دَاعِيًا رَبَّهُ أَلَّا يَكُونَ بِدُعَائِهِ شَقِيًّا. فَكَانَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُشَغِّلَ جَمِيعَ حَوَاسِّهِ لِلْوُصُولِ إِلَى الْغَايَةِ الْمَنْشُودَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ أَدَوَاتِ الرُّؤْيَةِ هُمَا الْأَبْصَارُ وَالْأَفْئِدَةْ:
فَهُوَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ النَّاسَ يَنْقَسِمُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافْ:
1. هُنَاكَ مَنْ كَانَ مُشَغِّلًا لِبَصَرِهِ، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِعَيْنَيْهِ فَقَطْ، فَيَكُونُ قَدِ اسْتَفَادَ مِنْ بَصَرِهِ فَقَطْ.
2. هُنَاكَ مَنْ كَانَ مُشَغِّلًا لِفُؤَادِهِ، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِفُؤَادِهِ فَقَطْ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدِ اسْتَفَادَ مِنْ فُؤَادِهِ فَقَطْ.
3. وَهُنَاكَ مَنْ هُوَ مُشَغِّلٌ لِبَصَرِهِ وَلِفُؤَادِهِ، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِعَيْنَيْهِ وَبِفُؤَادِهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدِ اسْتَفَادَ مِنْ بَصَرِهِ وَفُؤَادِهِ مَعًا.
فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ (نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) مِنَ الْفِئَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي تَسْتَطِيعُ أَنْ تُشَغِّلَ الْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ مَعًا، فَكَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرِيَ بِعَيْنِهِ كَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِفُؤَادِهْ:
فَعِنْدَمَا وَجَدَ إِبْرَاهِيمُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ "الْكَهْفِ" مُعْتَزِلًا قَوْمَهُ، وَقَدْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، أَصْبَحَتِ الْأَبْصَارُ وَحْدَهَا لَا تُفِيدُ فِي شَيْءٍ، فَكَانَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُشَغِّلَ فُؤَادَهُ، لِيَسْتَطِيعَ أَنْ يَرَى مَا يَدُورُ حَوْلَهُ، وَهُنَاكَ بِالضَّبْطِ اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُشَغِّلَ فُؤَادَهُ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْ قَلْبِهِ السَّلِيمْ:
فَاسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَرَى بِفُؤَادِهِ مَا لَمْ يَرَاهُ النَّاسُ بِأَعْيُنِهِمْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي رَآهُ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَمَا شَغَّلَ فُؤَادَهْ؟
وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمِشْكَاةِ زُجَاجَةٌ وَكَانَ فِي تِلْكَ الزُّجَاجَةِ مِصْبَاحْ. وَلَوْ تَفَقَّدْنَا النَّصَّ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ هَذَا كُلَّهُ جَاءَ لِتَشْبِيهِ نُورِ اللَّهِ، فَنُورُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَالْأَمْرُ وَاقِعٌ فِي بَابِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانٍ أَنْ يَحْصُلَ التَّطَابُقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِلَهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُطَابِقُهُ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءْ:
وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُشْبِهُهْ:
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ..."
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةْ: نُورُ اللَّهِ لَا يَتَطَابَقُ مَعَ الْمِشْكَاةِ وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْمِشْكَاةْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ ذَلِكْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةْ: عِنْدَمَا يَكُونُ اللَّهُ هُوَ نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نُورٌ آخَرُ يُوَازِيهِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نُورٌ آخَرُ يَطْغَى عَلَيْهِ، لِذَا يُصْبِحُ نُورُ اللَّهِ هُوَ النُّورَ الْأَوْحَدَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَا وُجُودَ لِمَصْدَرٍ آخَرَ لِلنُّورِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ غَيْرَ نُورِ اللَّهْ.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا هَذَا، يُصْبِحُ النُّورُ الصَّادِرُ مِنَ الْمِشْكَاةِ هُوَ النُّورَ الْأَوْحَدَ الَّذِي يُضِيءُ الْمِنْطَقَةَ الَّتِي يَسْطَعُ عَلَيْهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ إِسْقَاطُ هَذَا الْخَيَالِ فِي حَالَةِ إِبْرَاهِيمْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِذَا تَخَيَّلْنَا أَنَّ اللَّيْلَ قَدْ جَنَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ، يَكُونُ إِبْرَاهِيمُ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ بِذَاتِهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَهُوَ فِي مِخْيَالِنَا ذَلِكَ الْكَهْفُ الَّذِي اعْتَزَلَ إِبْرَاهِيمُ الْقَوْمَ فِيهِ، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ الْحَتْمِيَّةَ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّنَا قَدْ وَصَلْنَا إِلَيْهَا هِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْكَهْفَ كَانَ يَسْطَعُ عَلَيْهِ النُّورُ مِنْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ وَهِيَ تِلْكَ الْمِشْكَاةُ، فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُعْتَزِلًا قَوْمَهُ فِي ذَلِكَ الْكَهْفِ، وَكَانَ مَصْدَرُ الضَّوْءِ الَّذِي يَسْطَعُ فِي ذَلِكَ الْكَهْفِ هُوَ تِلْكَ الْمِشْكَاةَ، فَيَدْخُلُ مِنْهَا النُّورُ لِيُنِيرَ مَا فِي دَاخِلِ الْكَهْفِ. فَتَكُونُ الْمِشْكَاةُ فِي ظَنِّنَا مَا يُشْبِهُ الْكُوَّةَ الَّتِي يَدْخُلُ مِنْهَا النُّورُ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى دَاخِلِ الْكَهْفِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْجِدَارِيَّةُ التَّالِيَةُ الَّتِي وَصَلَتْنَا مِنْ عِنْدِ صَدِيقِنَا الْعَزِيزِ عِصَام دَرْوِيش فِي أَرْضِ مِصْرَ الْخَالِدَةْ:
فَالطَّرَفُ الْأَيْسَرُ لِلْقَارِئِ مِنْ هَذِهِ الْجِدَارِيَّةِ يُبَيِّنُ دُخُولَ النُّورِ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ إِلَى دَاخِلِ الْمَكَانِ مِنْ خِلَالِ مَسْرَبٍ مُحَدَّدٍ، هُوَ فِي ظَنِّنَا تِلْكَ الْمِشْكَاةُ الَّتِي يُوجَدُ بِهَا النُّورْ.
[المحاججة الكبرى: إبراهيم والذي آتاه الله الملك]
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَرَى النُّورَ الْإِلَهِيّ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، نَجِدُ لِزَامًا التَّعْرِيجَ عَلَى قِصَّةٍ أُخْرَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَخُصُّ نَبِيَّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْمُحَاجَّةِ الشَّهِيرَةِ، وَهِيَ قِصَّتُهُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَعَ ذَلِكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
فَرُبَّمَا سَيَبِينُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ مِنْ خِلَالِ تَعْرِيجِنَا عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ أُمُورًا عَدِيدَةً، نَظُنُّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ جِدًّا مِنْ أَجْلِ الْخُرُوجِ بِتَصَوُّرٍ رُبَّمَا يَكُونُ أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً لِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْكُلِّيَّةِ، الْأَمْرُ الَّذِي سَيُسْهِمُ – لَا شَكَّ عِنْدَنَا- فِي تَوْضِيحِ رُؤْيَاهُ لِتِلْكَ الْكَيْنُونَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ مَدَارُ الْبَحْثِ فِي هَذَا الْمَقَامْ. فَاللَّهَ نَسْأَلُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يَزِيدَنَا عِلْمًا، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمْ.
أَمَّا بَعْدُ،
قَدْ يَجِدُ الْقَارِئُ غَيْرُ الْمُتَدَبِّرِ لِكِتَابِ اللَّهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُشِيرُ إِلَى قِصَّةٍ بَسِيطَةٍ عَابِرَةٍ، رُبَّمَا لَا تَسْتَدْعِي مِنْهُ التَّأَمُّلَ كَثِيرًا فِي مُفْرَدَاتِهَا وَدَلَالَتِهَا وَكَيْفِيَّةِ حُدُوثِهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ مِنْهَا (فِي ظَنِّ الْكَثِيرِينَ) جَلِيَّةٌ، تَتَمَثَّلُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الَّتِي لَا تُضَاهِيهَا قُدْرَةُ غَيْرِهْ. لِذَا دَعْنَا نَرْجِعُ أَوَّلًا إِلَى بُطُونِ أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ الصَّفْرَاءِ لِنَرَى مَا خَطَّتْ أَقْلَامُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ عَنْ عَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ. فَفِيهَا – بِرَأْيِنَا- مَا يُثِيرُ التَّعَجُّبَ وَالِاسْتِغْرَابَ تَارَةً وَالتَّهَكُّمَ وَالِاسْتِهْجَانَ تَارَةً أُخْرَى، وَلْنَبْدَأِ النِّقَاشَ بِمَا جَاءَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِشَيْخِ الْمُفَسِّرِينَ الْإِمَامِ الطَّبَرِيّ:
القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك} يعني تعالى ذكره بقوله: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} ألم تر يا محمد بقلبك الذي حاج إبراهيم؟ يعني الذي خاصم إبراهيم، يعني إبراهيم نبي الله صلى الله عليه وسلم في ربه، {أن آتاه الله الملك} يعني بذلك: حاجه فخاصمه في ربه، لأن الله آتاه الملك... وقيل: إن الذي حاج إبراهيم في ربه جبار كان ببابل يقال له نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح...
القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. قال أنا أحيي وأميت...} وذكر لنا أنه دعا برجلين، ففتل أحدهما، واستحيا الآخر، فقال: أنا أحيي هذا، أنا أستحيي من شئت، وأقتل من شئت...
فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه. وكان جبارا أربعمائة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله.
بِدَايَةً، لَابُدَّ – نَحْنُ نَرَى- مِنْ تَفْنِيدِ هَذَا الْفِكْرِ السَّائِدِ، الَّذِي يَتَّسِمُ – بِرَأْيِنَا- بِالسَّذَاجَةِ الْمَمْزُوجَةِ بِالتَّخْرِيفِ وَالتَّحْرِيفِ، وَمِنْ ثَمَّ مُحَاوَلَةُ إِيجَادِ فَهْمٍ بَدِيلٍ رُبَّمَا يَكُونُ أَكْثَرَ وَجَاهَةً وَمَنْطِقِيَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ "تَخْرِيصَاتِ" أَهْلِ الدِّرَايَةِ هَذِهِ لَا تَخْتَلِفُ (نَحْنُ نَرَى) فِي شَكْلِهَا وَمَضْمُونِهَا كَثِيرًا عَنْ مَا جَاءَ فِي بُطُونِ كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْقَارِئُ الَّذِي يُرِيدُ الْمُجَادَلَةَ مَدْعُوٌّ لِلْبَحْثِ فِي الْمَصْدَرَيْنِ مَعًا، لِيَرَى رَأْيَ الْعَيْنِ أَوْجُهَ التَّشَابُهِ بَيْنَهُمَا.
عَلَى أَيِّ حَالٍ، نَحْنُ نَرَى أَنَّ هُنَاكَ مُنْطَلَقَاتِ تَفْكِيرٍ بَسِيطَةً جِدًّا رُبَّمَا تُفَنِّدُ جُلَّ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ التَّفَاسِيرِ هَذِهِ، وَهِيَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّهَا تُفَسِّرُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ (نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ) "تَسْرِقُ" مِنْ مُؤَلَّفَاتِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى، وَتَدَّعِي أَنَّهَا أَفْهَامٌ حَقِيقِيَّةٌ لِأَهْلِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
أَوَّلًا، ظَنَّ أَهْلُ الدِّرَايَةِ – كَمَا نَقَلَ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ- أَنَّ هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ هُوَ مَلِكٌ فِي الْعِرَاقِ اسْمُهُ النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ: نُمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ كُوشَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟
السُّؤَالُ: هَلْ فِعْلًا كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَحَاجَّ إِبْرَاهِيمَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعِرَاقْ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: حَصَلَتِ الْمُحَاجَجَةُ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مُحَاجَجَةٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مُلْكًا فِي أَرْضِ الْعِرَاقْ. لِذَا وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مُحَاجَجَةِ إِبْرَاهِيمَ قَوْمَهُ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ وَمُحَاجَجَةِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَتِ الْمُحَاجَجَةُ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى السَّاعَةِ لَازَالَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) فَتًى، غَيْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ الْقَوْمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ الْقَوْمُ عَنْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِهِمْ، ذَكَرُوا إِبْرَاهِيمَ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرْ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا أَكْثَرَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَعْبُدُونَ آلِهَةً لَهُمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟
"قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ"
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الْقَوْمُ يَعْبُدُونَ آلِهَةً لَهُمْ، لِذَا يَسْتَحِيلُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ فِيهِمْ (إِنْ وُجِدَ) يَدَّعِي أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، كَمَا فَعَلَ مَنْ حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهْ:
وَالْأَهَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ – بِرَأْيِنَا- هُوَ أَنَّهُ مَا أَنْ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ النَّارِ (بِفَضْلٍ مِنْ رَبِّهِ) لَا يُصِيبُهُ أَذًى، حَتَّى كَانَ قَرَارُهُ تَرْكَ الْمَكَانِ كُلِّيًّا وَالْهِجْرَةَ إِلَى رَبِّهْ:
فَكَانَتْ نَجَاتُهُ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينْ:
لِنَخْلُصَ إِلَى التَّخَيُّلَاتِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةِ الَّتِي هِيَ لَا شَكَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَنْ مَا حَصَلَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ فِي أَرْضِ الْعِرَاقْ: لَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ كَانَ لَازَالَ فَتًى غَيْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يَعْبُدُونَ آلِهَةً لَهُمْ، هُمْ يَظُنُّونَ (نَحْنُ نَعْتَقِدُ) أَنَّهَا هِيَ الْكَفِيلَةُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَلَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ تَحْتَ سَيْطَرَةِ مَلِكٍ مُحَدَّدٍ، وَإِلَّا لَمَا غَابَ كُلِّيًّا عَنِ الْمُحَاجَجَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةٍ وَقَوْمِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بَعْدَ حَادِثَةِ تَجْذِيذِ الْأَصْنَامْ. لِأَنَّ الْمُحَاجَجَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَانَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةٍ وَقَوْمِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَمَا أَنْ أَخْرَجَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ سَالِمًا لَا يُصِيبُهُ أَذًى مِنَ النَّارِ، حَتَّى هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ، فَمَا حَصَلَ لِقَاءٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمَلِكٍ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ قَطّْ. انْتَهَى.
وَإِنَّ الَّذِي يَدْعُو إِلَى التَّنَدُّرِ وَالسُّخْرِيَةِ فِي مِثْلِ تَفْسِيرَاتِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ افْتِرَاؤُهُمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا "الْمَلِكَ" الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ عَاقَبَهُ اللَّهُ أَرْبَعَمِائَةِ عَامًا، لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: كَمْ يَا تُرَى كَانَتْ أَعْمَارُ النَّاسِ فِي زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ؟ أَهِيَ نَفْسُ الْكِذْبَةِ الَّتِي أَلْحَقُوهَا بِنُوحٍ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
(انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: كَمْ لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ؟)
وَالَّذِي يَدْعُو إِلَى الضَّحِكِ (بَلِ التَّبَسُّمِ ضَحِكًا مِنْ قَوْلِهِمْ) هُوَ طَرِيقَةُ الْعِقَابِ الْإِلَهِيِّ لِهَذَا "الْمَلِكِ":
"فَفَتَحَ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ، فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَلَمْ يَرَوْهَا مِنْ كَثْرَتِهَا، فَبَعَثَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ، وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعِظَامُ، وَالْمَلِكُ كَمَا هُوَ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ، فَمَكَثَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالْمَطَارِقِ..."
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ يَا أَهْلَ الدِّرَايَةِ عَلَى هَذِهِ...؟
[مفهوم الملك: الفرق بين الوراثة والإيتاء الإلهي]
الْفَهْمُ الْبَدِيلْ
سَنُحَاوِلُ تَقْدِيمَ تَصَوُّرِنَا لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ كَمَا فَهِمْنَاهَا مِنْ مَنْطُوقِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، ثُمَّ نَتْرُكُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ مُهِمَّةَ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ تَخْرِيصَاتِنَا هَذِهِ مَعَ مَا وَصَلَهُمْ مِنْ عِلْمٍ عَظِيمٍ مِنْ عِنْدِ سَادَتِنَا أَهْلِ الدِّرَايَةِ كَمَا نَقَلَهَا لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةْ. وَنَقُولُ مُسْبَقًا لِلْمُنَافِحِينَ عَنْ إِرْثِ الْآبَاءِ أَنَّ الْقَوْلَ الْفَصْلَ بَيْنَنَا دَائِمًا هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
أَمَّا بَعْدُ،
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ حَيَاةَ إِبْرَاهِيمَ فِي أَرْضِ الْعِرَاقِ لَمْ تَسْتَمِرَّ سَاعَةً وَاحِدَةً بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَالِمًا مُعَافًى، فَكَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى رَبِّهِ، وَكَانَتْ نَجَاتُهُ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ إِلَى هُنَاكَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا لُوطًا:
وَهُنَاكَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ، بَدَأَ إِبْرَاهِيمُ حَيَاةً جَدِيدَةً، فَشَكَّلَ إِبْرَاهِيمُ بِنَفْسِهِ أُمَّةً هُنَاكْ:
السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ هَذَا الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ إِذَنْ، إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا (كَمَا رُبَّمَا ظَنَّ الْجَمِيعُ) وَلَكِنَّهُ كَانَ هُوَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكْ.
السُّؤَالُ: وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا أَوْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ آتَاهُ الْمُلْكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ كَانَ مَلِكًا هُوَ مَنْ جَاءَهُ الْمُلْكُ بِالْوِرَاثَةِ مِمَّنْ سَبَقَهْ. فَالَّذِي يَرِثُ مُلْكًا مِنْ وَالِدِهِ يَكُونُ مَلِكًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُلْكَ قَدْ جَاءَهُ تَحْصِيلَ حَاصِلٍ دُونَ جُهْدٍ يَبْذُلُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ هُوَ مَنْ تَحَصَّلَ عَلَى الْمُلْكِ بِجُهْدٍ مِنْهُ، وَلَمْ يَأْتِيهِ الْمُلْكُ بِطَرِيقَةِ الْوِرَاثَةْ.
خُرُوجٌ عَنِ النَّصِّ: لِذَا فَإِنَّنِي أُعَارِضُ بِشِدَّةٍ وَأَعِيبُ عَلَى "شَيْخِ مَسْجِدِنَا" الَّذِي يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ الْآيَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" عَلَى نَحْوِ "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" فِي مُخَالَفَةٍ صَارِخَةٍ لِصَرِيحِ اللَّفْظِ وَالرَّسْمِ الْقُرْآنِيِّ، قَالَ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ الْمُلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى اللَّهِ انْتِقَالًا وِرَاثِيًّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ لَهُ الْمُلْكُ الْأَبَدِيّ:
وَبِهَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا نَحْنُ نَفْهَمُ لِمَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي سَبَأٍ تَمْلِكُ قَوْمَهَا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَلِكَةْ:
فَالْمَرْأَةُ لَمْ تَرِثْ مُلْكًا مِمَّنْ سَبَقَهَا وَلَكِنَّهَا حَازَتْ عَلَى الْمُلْكِ بِجُهْدٍ شَخْصِيٍّ مِنْهَا، فَأَصْبَحَتْ بِذَلِكَ مَالِكَةً لِقَوْمِهَا وَلَيْسَتْ فَقَطْ مَلِكَةً عَلَيْهِمْ.
كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا سَابِقًا أَنَّ الْمُلْكَ لَهُ حِيَازَةٌ عَامَّةٌ بَيْنَمَا الْمَالِكُ هُوَ صَاحِبُ الْحِيَازَةِ الْخَاصَّةْ. (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ).
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءْ
كَانَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ هُوَ شَخْصٌ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)، لِذَا فَهُوَ قَدْ حَازَ عَلَى الْمُلْكِ بِجُهْدٍ شَخْصِيٍّ مِنْهُ وَلَيْسَ بِالْوِرَاثَةِ عَمَّنْ سَبَقَهْ. وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ فِعْلًا مَلِكًا، لَجَاءَ اللَّفْظُ الْقُرْآنِيُّ (نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الْقَوْلَ) عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ كَمَا هِيَ الْحَالُ فِي قِصَّةِ الْمَلِكِ أَيَّامَ يُوسُفَ فِي أَرْضِ مِصْرْ:
فَالرَّجُلُ فِي زَمَنِ يُوسُفَ كَانَ "مَلِكًا" لِأَنَّهُ حَازَ عَلَى الْمُلْكِ بِالْوِرَاثَةِ عَمَّنْ سَبَقَهُ، وَلَوْ لَتَحَصَّلَ لَهُ الْمُلْكُ بِالْجُهْدِ الشَّخْصِيِّ لَجَاءَ اللَّفْظُ كَمَا فِي حَالَةِ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ تَحَصَّلَ لِهَذَا الرَّجُلِ الْمُلْكُ مَادَامَ أَنَّ وَالِدَهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا مِنْ قَبْلِهِ مَثَلًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَانَ اللَّهُ هُوَ مَنْ آتَى هَذَا الرَّجُلَ الْمُلْكَ، انْظُرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ مَرَّةً أُخْرَى:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ..."
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ كَافِرًا مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ آتَاهُ الْمُلْكْ؟
جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ تَصَرَّفَ بِنَفْسِ الْمَنْطِقِ الَّذِي تَصَرَّفَ بِهِ قَارُونْ. فَبِالرَّغْمِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ آتَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةْ:
إِلَّا أَنَّ الرَّجُلَ جَحَدَ وَأَنْكَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ، وَنَسَبَ الْفَضْلَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا أَنْكَرَ قَارُونُ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي كَانَ اللَّهُ هُوَ مَنْ آتَاهُ إِيَّاهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهُ الْعِلْمْ. انْظُرِ الْآيَةَ مَرَّةً أُخْرَى:
"قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي..."
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: عِنْدَمَا يُؤْتِي اللَّهُ بَعْضَ عِبَادِهِ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، قَدْ تَكُونُ النَّتِيجَةُ الْجُحُودَ ثُمَّ الْكُفْرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ الْفَضْلَ يَعُودُ فِيمَا حَصَلَ عَلَيْهِ إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمْ. فَلَقَدْ ظَنَّ قَارُونُ أَنَّ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنَ الْكُنُوزِ هُوَ نَتِيجَةُ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي). تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: بِالْمَنْطِقِ نَفْسِهِ، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ قَدِ اعْتَقَدَ (مُخْطِئًا) أَنَّ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ كَانَ الْفَضْلُ يَعُودُ فِيهِ إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ، فَأَنْكَرَ مَصْدَرَ هَذَا الْعِلْمِ، وَنَسَبَهُ إِلَى نَفْسِهِ بِالضَّبْطِ كَمَا فَعَلَ قَارُونْ.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى أَنْكَرَ فَضْلَ اللَّهِ فِيهْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: إِنَّهُ عِلْمُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتْ:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ..."
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِدَايَةً، لَابُدَّ أَنْ نَكُفَّ عَنِ التَّخْرِيفَاتِ وَالتَّخْرِيصَاتِ الَّتِي وُجِدَتْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ التَّفْسِيرِ الَّتِي صَوَّرَتْ قُدْرَةَ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
"قَالَ نُمْرُودُ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، أَنَا أُدْخِلُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ بَيْتًا، فَلَا يُطْعَمُونَ وَلَا يُسْقَوْنَ، حَتَّى إِذَا هَلَكُوا مِنَ الْجُوعِ أَطْعَمْتُ اثْنَيْنِ وَسَقَيْتُهُمَا فَعَاشَا، وَتَرَكْتُ اثْنَيْنِ فَمَاتَا! فَعَرَفَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً بِسُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ..."
أَلَا تَرَى – عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنَ السَّخَافَةِ مَا يَدْعُو إِلَى الْحَنَقِ وَالضَّحِكِ فِي آنٍ وَاحِدْ؟ وَهَلْ هَذَا فِعْلًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعَ حَدِيثٍ لِمِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي سَطَّرَ اللَّهُ قِصَّتَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزْ؟ أَلَا يَسْتَطِيعُ أَيُّ مَلِكٍ آخَرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكْ؟ أَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ الْعَادِيُّ فِعْلَ ذَلِكْ؟ وَمَاذَا لَوْ قَرَّرْتُ أَنَا أَنْ أُصْبِحَ مُجْرِمًا، أَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْتُلَ مَنْ أُرِيدُ وَأَتْرُكَ مَنْ أُرِيدْ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
السُّؤَالُ: هَلْ تَظُنُّ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَنْطِقِ يُمْكِنُ أَنْ يُسْكِتَ إِبْرَاهِيمْ؟ فَلِمَ لَمْ يَرُدَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا مَا يَسْتَطِيعُ أَيُّ شَخْصٍ أَنْ يَفْعَلَهْ؟ وَالتَّسَاؤُلُ الْأَهَمُّ – بِرَأْيِنَا- هُنَا هُوَ: هَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقْصِدُ ذَلِكَ عِنْدَمَا قَدَّمَ هَذِهِ الْحُجَّةَ لِلرَّجُلِ فِي بِدَايَةِ الْحِوَارْ؟
"... إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ..."
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي كَانَ يَقْصِدُهُ إِبْرَاهِيمُ مِنْ حُجَّتِهِ تِلْكْ؟ وَهَلِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ فِي رَدِّ الرَّجُلْ؟
"... قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ..."
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ: لِمَاذَا نَقْرَأُ فِعْلَيِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ فِي حَالَةِ الرَّجُلِ بِمَعْنًى يَخْتَلِفُ عَنْ مَعْنَاهُمَا فِي حَالَةِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةْ؟ فَهَلِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ فِي الْحَالَتَيْنْ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِفِعْلِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ كَمَا لَوْ أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ هُوَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكْ.
الدَّلِيلْ
نَحْنُ نَجِدُ الدَّلِيلَ عَلَى افْتِرَائِنَا هَذَا مِنْ سُلُوكِ إِبْرَاهِيمَ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَمَثَّلَ فِي أَمْرَيْنِ اثْنَيْنْ:
1. سُكُوتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الرَّدِّ، وَالتَّحَوُّلُ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ مَجِيءُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ:
2. طَلَبُ إِبْرَاهِيمَ لَاحِقًا مِنَ اللَّهِ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِ الْمَوْتَى:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا السُّلُوكَ الْأَوَّلَ لَوَجَدْنَا فِيهِ الْعَجَبْ: فَإِبْرَاهِيمُ يَقُولُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَيَطْلُبُ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، عِنْدَهَا يُبْهَتُ الَّذِي كَفَرَ، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟
السُّؤَالُ: أَيْنَ الْعَجَبُ فِي هَذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ صَحَّ مَنْطِقُ أَهْلِ الدِّرَايَةِ مِمَّنْ سَبَقُونَا، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا مَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، لَرَدَدْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَلَّا، ذَلِكَ لَيْسَ رَبَّكَ (يَا إِبْرَاهِيمُ) الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، بَلْ أَنَا مَنْ يَجِيءُ بِهَا مِنْ هُنَاكَ، فَدَعْ رَبَّكَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِهَا مِنَ الْمَغْرِبْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَفْعَلَ حِينَهَا؟ كَيْفَ سَيُقْنِعُ إِبْرَاهِيمُ الرَّجُلَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمَّا بُهِتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ هَكَذَا.
السُّؤَالُ الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ: لِأَنَّ الْمُحَاجَجَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ قَدْ تَمَّتْ عَنْ عِلْمٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْقَى إِلَيْهِ الشَّكّْ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مُهِمٌّ جِدًّا جِدًّا (1): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَرْهِنَ لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى مُهِمٌّ جِدًّا جِدًّا (2): وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَدِّمَ الْبُرْهَانَ لِلرَّجُلِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: إِنْ صَحَّ هَذَا الْمَنْطِقُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يُكَذِّبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. فَلَمْ يَرُدَّ إِبْرَاهِيمُ دَعْوَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ بَرْهَنَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرُدَّ الرَّجُلُ حُجَّةَ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ قَدَّمَ لَهُ الْبُرْهَانَ عَلَى ذَلِكْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى، نَحْنُ نَتَخَيَّلُ مَا جَرَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يُقَدِّمُ إِبْرَاهِيمُ الْحُجَّةَ بِأَنَّ رَبَّهُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)، فَتَأْتِي الْمُفَاجَأَةُ كَالصَّاعِقَةِ عَلَى رَأْسِ إِبْرَاهِيمَ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ، وَهُوَ هَذَا الرَّجُلُ (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فَيُقَدِّمُ الرَّجُلُ لِإِبْرَاهِيمَ الدَّلِيلَ الْعَمَلِيَّ عَلَى قُدْرَتِهِ تِلْكَ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى تَقْدِيمِ حُجَّةٍ جَدِيدَةٍ هِيَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) وَيَطْلُبُ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ (فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، وَلَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَرْهِنَ لِلرَّجُلِ ذَلِكَ فِعْلًا، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَرُدَّ حُجَّةَ إِبْرَاهِيمَ هَذِهِ، وَهُنَا بِالضَّبْطِ يُبْهَتُ الَّذِي كَفَرَ (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ).
الدَّلِيلْ
لَوْ تَدَبَّرْنَا سُلُوكَ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَوَجَدْنَا فِيهِ الْعَجَبْ. وَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ – بِرَأْيِنَا- بِالشَّكِّ الَّذِي أَخَذَ يَتَسَرَّبُ إِلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جَدِيدْ. فَبِالرَّغْمِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ بِقَلْبٍ سَلِيمْ:
إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ قَدْ أَعَادَتْ بُذُورَ الشَّكِّ لِتَنْمُوَ فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جَدِيدٍ، بِدَلِيلِ الْحِوَارِ الَّذِي دَارَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَرَبِّهِ بِخُصُوصِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي الْآيَاتِ الَّتِي تَلِي ذَلِكْ:
فَالْمُتَدَبِّرُ لِهَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ يَجِدُ أَنَّ قَلْبَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ سَلِيمًا قَدْ أَصَابَهُ خَلَلٌ مِنْ جَدِيدٍ، فَأَصْبَحَ بِحَاجَةٍ أَنْ يَطْمَئِنَّ. وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْمُحَاجَجَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةٍ وَهَذَا الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هِيَ مَا سَبَّبَتْ عَدَمَ اطْمِئْنَانِ قَلْبِ إِبْرَاهِيمْ.
لَمَّا أَدْرَكَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ (كَمَا يَفْعَلُ رَبُّهُ)، تَدَارَكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْقِفَ بِحُجَّةٍ أُخْرَى، مَفَادُهَا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَهُ قُدْرَاتٌ أُخْرَى غَيْرُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، فَاسْتَعَانَ بِهَا فَوْرًا، لِيَرَى (نَحْنُ نَظُنُّ) حَجْمَ قُدْرَاتِ الرَّجُلِ الَّذِي حَاجَّهُ، فَكَانَتْ حُجَّةُ إِبْرَاهِيمَ الْأُخْرَى هِيَ قُدْرَةُ اللَّهِ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَطَلَبَ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا الْمَغْرِبَ، وَهُنَا بِالضَّبْطِ بُهِتَ الرَّجُلُ وَهُوَ الَّذِي كَفَرَ بِنِعْمَةِ رَبِّهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا بُهِتَ الَّذِي كَفَرَ هُنَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ بُهِتَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِمِثْلِ ذَلِكْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا انْصَاعَ الرَّجُلُ لِلْأَمْرِ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ سَبَبَ بُهْتَانِ الرَّجُلِ بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَّةِ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ) قَدْ قَدَّمَ لَهُ بِالدَّلِيلِ الْعَمَلِيِّ كَيْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَمَا اسْتَطَاعَ الرَّجُلُ أَنْ يُكَذِّبَ دَعْوَى إِبْرَاهِيمْ.
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا طَرِيقَةَ خِطَابِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ الرَّجُلِ، لَوَجَدْنَا فِيهَا الْعَجَبَ بِاسْتِخْدَامِهِ لِلْأَلْفَاظِ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي الْآيَةِ مَرَّةً أُخْرَى:
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدِّقَّةُ فِي الْأَلْفَاظِ فِي كَلَامِ إِبْرَاهِيمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: عِنْدَمَا كَانَ الْحَدِيثُ جَارٍ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ عَنْ قَضِيَّةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، جَاءَ اللَّفْظُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
"... إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ..."
وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَحَوَّلَ الْمَوْضُوعُ إِلَى قَضِيَّةِ الشَّمْسِ، جَاءَ اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
"... قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ..."
فَالْمُدَقِّقُ فِي اللَّفْظِ يَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ نَسَبَ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ (الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ) إِلَى رَبِّهِ، بَيْنَمَا نَسَبَ الْفِعْلَ الثَّانِي (مَجِيءَ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) إِلَى اللَّهْ. انْظُرِ التَّقَابُلَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى:
"... إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ..."
"... قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ..."
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ: لِأَنَّ الْأَرْبَابَ مُتَفَرِّقُونَ، بَيْنَمَا اللَّهُ فَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ فِي خِطَابِهِ صَاحِبَيِ السِّجْنْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ قَضِيَّةَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقُدْرَاتِ الرَّبِّ (أَيْ مَنْ كَانَ رَبًّا)، وَمَادَامَتْ كَذَلِكَ، فَيُمْكِنُ (نَحْنُ نَسْتَنْبِطُ الْقَوْلَ) لِكُلِّ مَنْ كَانَ رَبًّا (أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ رَبًّا) أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا، لِذَا هُنَاكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ غَيْرَ اللَّهِ مَادَامَ أَنَّ هُنَاكَ أَرْبَابٌ مِنْ دُونِهْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ مِنْ قُدْرَاتِ الرَّبِّ، لِذَا فَهِيَ تَقَعُ فِي بَابِ الْإِيمَانِ بِالرُّبُوبِيَّةْ.
لَكِنَّ مَجِيءَ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ – بِالْمُقَابِلِ- مُتَعَلِّقَةٌ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) بِقُدْرَاتِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، أَيِ اللَّهِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهْ.
السُّؤَالُ: هَلْ أَدْرَكَ الرَّجُلُ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ، بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، لَقَدْ أَدْرَكَ الرَّجُلُ أَنَّ هُنَاكَ أَفْعَالًا يَقْدِرُ عَلَيْهَا مَنْ كَانَ رَبًّا (كَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ) وَلَكِنَّ هُنَاكَ أَيْضًا أَفْعَالٌ مُحَدَّدَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ كَانَ إِلَهًا. وَهَذَا (بِرَأْيِنَا) مَا جَعَلَهُ يُبْهَتُ. انْتَهَى.
وَسَنَرَى لَاحِقًا (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِي ذَلِكَ) تَبِعَاتِ هَذَا الطَّرْحِ عَلَى قُدْرَاتِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ رَبًّا:
وَهُوَ مَنْ زَعَمَ أَيْضًا أَنَّهُ إِلَهًا:
(دُعَاءٌ: فَاللَّهَ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – آمِينْ).
[سر الأهرامات: تكنولوجيا الإحياء والإماتة المفقودة]
التَّسَاؤُلَاتْ:
* كَيْفَ بَرْهَنَ الرَّجُلُ لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْيِيَ وَيُمِيتْ؟
* كَيْفَ بَرْهَنَ إِبْرَاهِيمُ لِلرَّجُلِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى 1: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ بِيَدِهِ الْآلِيَّةُ الَّتِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَرْهِنَ لِإِبْرَاهِيمَ (وَلِغَيْرِهِ) مِنْ خِلَالِهَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى فِعْلَيِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى 2: نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ بِيَدِهِ الْآلِيَّةُ الَّتِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَرْهِنَ لِلرَّجُلِ (وَلِغَيْرِهِ) بِوَاسِطَتِهَا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ.
السُّؤَالُ الْقَوِيُّ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبَيِّنَ لَنَا الْآلِيَّةَ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ، أَسْتَطِيعُ ذَلِكْ.
التَّحَدِّي: هَاتِ مَا عِنْدَكَ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إِذَنْ!
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِكَيْ أَسْتَطِيعَ تِبْيَانَ ذَلِكَ، فَلَابُدَّ بِدَايَةً مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الْمُحَاجَجَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا نَحْتَاجُ التَّعَرُّفَ عَلَى الْمَكَانِ أَوَّلًا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّ الْأَدَوَاتِ الَّتِي بَرْهَنَ بِهَا كُلُّ طَرَفٍ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ لَا تَزَالُ مَوْجُودَةً حَتَّى الْآنَ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهْ.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ ذَلِكَ الْمَكَانْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: إِنَّهَا أَرْضُ مِصْرَ الْخَالِدَةْ. انْتَهَى.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ حَصَلَ ذَلِكَ فِي أَرْضِ مِصْرْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: فِي الْبُقْعَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ الَّتِي لَازَالَتْ آثَارُهَا دَالَّةً عَلَى ذَلِكْ.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ هِيَ؟
جَوَابٌ: إِنَّهَا أَرْضُ الْأَهْرَامَاتِ الْخَالِدَةْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَعَمْ، فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ حَصَلَتِ الْمُوَاجَهَةُ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةٍ وَذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَهُنَاكَ لَازَالَتْ تَقْبَعُ أَدَوَاتُ الْعِلْمِ الَّتِي بَرْهَنَ بِهَا كُلُّ طَرَفٍ عَلَى صِدْقِ حُجَّتِهِ لِلطَّرَفِ الْآخَرْ. فَالْأَدَوَاتُ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الرَّجُلُ لِإِثْبَاتِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ لَازَالَتْ مَوْجُودَةً هُنَاكَ، وَكَذَلِكَ الْأَدَوَاتُ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا إِبْرَاهِيمُ لِإِثْبَاتِ حُجَّتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ لَازَالَتْ مَوْجُودَةً حَتَّى الْآنَ هُنَاكْ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا هِيَ أَدَوَاتُ الْعِلْمِ الَّتِي بَرْهَنَ بِهَا الرَّجُلُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ؟
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا هِيَ أَدَوَاتُ الْعِلْمِ الَّتِي بَرْهَنَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى حُجَّتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى 2 خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لَقَدْ بَرْهَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى صِدْقِ حُجَّتِهِ بِأَبِي الْهَوْلْ.
الدَّلِيلْ
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَخْدَمَ الرَّجُلُ الْأَهْرَامَاتِ لِإِثْبَاتِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَمَّا كُنَّا نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْأَهْرَامَاتِ هِيَ أَوْتَادٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
كَانَتْ هَذِهِ الْأَهْرَامَاتُ بِمَثَابَةِ الْجِبَالِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَرْضْ:
[الجيولوجيا القرآنية: الفرق الجوهري بين الجبال والرواسي]
بَابٌ: الْجِبَالُ أَوْتَادًا.
لَوْ عُدْنَا إِلَى قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ رَبِّهِ بِخُصُوصِ كَيْفِيَّةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ طَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَيَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، وَمِنْ ثَمَّ يَدْعُوهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ، لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ أَنْ يَأْتِينَهُ سَعْيًا:
وَهُنَا نَتَوَقَّفُ لِنُثِيرَ تَسَاؤُلَاتٍ (نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهَا) غَايَةٌ فِي الْخُطُورَةِ لِمَا سَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ نَتَائِجَ نَظُنُّ أَنَّهَا رُبَّمَا غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ، نَذْكُرُ مِنْهَا:
* لِمَاذَا طَلَبَ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَضَعَ تِلْكَ الطَّيْرَ عَلَى الْجِبَالْ؟
* لِمَاذَا لَمْ يَتِمَّ الْأَمْرُ مُبَاشَرَةً؟
* مَا دَخْلُ الْجِبَالِ بِقَضِيَّةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ؟
* الْخَ.
أَمَّا بَعْدُ،
نَحْنُ نَطْلُبُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ إِيمَانًا مُطْلَقًا بِدِينِ الْآبَاءِ أَنْ يَتَوَقَّفُوا عَنِ الْقِرَاءَةِ هُنَا فَوْرًا، فَكَلَامُنَا الْقَادِمُ مُوَجَّهٌ فَقَطْ لِلْبَاحِثِ عَنِ الْحَقِيقَةِ لِيَتَّبِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْعَوَاقِبْ:
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَدْعُوكَ وَحْدَكَ أَنْ تُنْفِذَ قَوْلَكَ بِمَشِيئَتِكَ لِي بِأَنْ أَكُونَ مُتَّبِعًا لِمَا أَنْزَلْتَ مِنَ الْحَقِّ، وَأَعُوذُ بِكَ وَحْدَكَ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يُؤْثِرُونَ مَا أَلِفُوا آبَاءَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِلُونَ فَيَهْتَدُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَرِيَ عَلَيْكَ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْكَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ – آمِينْ).
أَمَّا بَعْدُ،
نَحْنُ نَجْلِبُ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ بِدَايَةً إِلَى ضَرُورَةِ أَنْ يَقْرَأَ مَا جَاءَ فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ... لِأَنَّ الِافْتِرَاءَاتِ الْمُتَوَافِرَةَ هُنَا تُشَكِّلُ – بِرَأْيِنَا- أَسَاسِيَّاتِ الْفَهْمِ لِمَا سَنَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ مِنِ افْتِرَاءَاتٍ قَادِمَةٍ رُبَّمَا تَكُونُ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةْ.
السُّؤَالُ: مَا قِصَّةُ الْجِبَالِ فِي قَضِيَّةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ؟
لَمَّا كُنَّا نَعْتَقِدُ يَقِينًا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَقْصُودٌ بِذَاتِهِ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي بَابِ الْمُصَادَفَةِ، لَزِمَ عَلَيْنَا طَرْحُ هَذَا التَّسَاؤُلِ الْخَاصِّ بِعَلَاقَةِ الْجِبَالِ فِي قَضِيَّةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، فَاللَّهُ هُوَ مَنْ طَلَبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْ تِلْكَ الطَّيْرِ الَّتِي صَرَّهُنَّ إِلَيْهِ جُزْءًا، وَمِنْ ثَمَّ يَدْعُوهُنَّ لِيَأْتِينَهُ مِنْ هُنَاكَ سَعْيًا. وَهَذَا الْوَاقِعُ الَّذِي حَصَلَ يُجْبِرُنَا عَلَى طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةْ:
* لِمَ لَمْ يُرِ إِبْرَاهِيمَ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى؟
* لِمَ كَانَتِ الطَّيْرُ هِيَ فَقَطْ مَجَالَ التَّجْرِيبِ الْعَمَلِيّ؟
* لِمَ لَمْ يَطْلُبِ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَضَعَ تِلْكَ الطَّيْرَ أَمَامَهُ لِيَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الطَّيْرِ فِي بَثٍّ حَيٍّ وَمُبَاشِرٍ مِنْ هُنَاكْ؟
* لِمَ لَمْ يَطْلُبِ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَضَعَهُنَّ فِي وَادٍ ثُمَّ يَدَعَهُنَّ لِيَأْتِينَهُ مِنْ هُنَاكَ؟
* لِمَ لَمْ يَطْلُبِ اللَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَضَعَهُنَّ عَلَى صَخْرَةٍ أَمَامَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ لِيَشْهَدُوا أَيْضًا عَلَى الْمَوْقِفْ؟
* الْخَ.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ فِعْلُ أَيٍّ مِنْ هَذِهِ السِّينَارِيُوهَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ، كَمَا نُؤْمِنُ أَنَّهُ بِالِاسْتِحَالَةِ بِمَكَانٍ أَنْ يَتِمَّ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ مَا تَمَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ لَمْ يُرِ إِبْرَاهِيمَ كَيْفِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ رَجَعْنَا إِلَى النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَوَجَدْنَا أَنَّ قَضِيَّةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى قَدْ تَمَّتْ بِطُرُقٍ أُخْرَى، فَهَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَخْلُقُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا:
فَلِمَ إِذَنْ (نَحْنُ نَتَسَاءَلُ) لَمْ تَتِمَّ الْعَمَلِيَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةْ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
وَهَذَا الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا يُرِيهِ اللَّهُ كَيْفَ يُحْيِي الْقَرْيَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي بَثٍّ مُبَاشِرٍ أَمَامَ نَاظِرَيْهْ:
فَلِمَ إِذَنْ (نَحْنُ نَتَسَاءَلُ) لَمْ تَتِمَّ الْعَمَلِيَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةْ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ تَتِمَّ الْعَمَلِيَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ إِطْلَاقًا؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نَحْنُ نَظُنُّ) كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى لِيَتَأَكَّدَ مِمَّا فَعَلَهُ الرَّجُلُ الَّذِي حَاجَّهْ؟
سُؤَالٌ: لَمْ أَفْهَمْ شَيْئًا، مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَقُولَهْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ طَلَبَ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِنَفْسِ الْآلِيَّةِ الَّتِي قَامَ بِهَا الرَّجُلُ الَّذِي حَاجَّهُ، لِيَتَأَكَّدَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي قَامَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي حَاجَّهُ يَقَعُ فِعْلًا فِي بَابِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى. فَإِبْرَاهِيمُ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) يُرِيدُ مُقَارَنَةَ مَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ نَفْسُهُ فِي الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا.
السُّؤَالُ: وَهَلْ فِعْلًا قَامَ الرَّجُلُ (كَمَا تَزْعُمُ) بِفِعْلِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ أَمَامَ نَاظِرَيْ إِبْرَاهِيمْ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مَرَّةً أُخْرَى.
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَعَمْ، لَقَدْ فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ أَمَا نَاظِرَيْ إِبْرَاهِيمْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ حَصَلَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ التِّقْنِيَّةِ الْمُتَوَافِرَةِ فِي الْأَهْرَامَاتِ، وَالَّتِي اسْتَطَاعَ الرَّجُلُ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهْ.
السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ تِلْكَ التِّقْنِيَّةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَهْرَامَاتِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ صُرُوحٍ عِمْلَاقَةٍ لِالْتِقَاطِ الطَّاقَةِ مِنَ الْفَضَاءْ. انْتَهَى.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَتِ الْأَهْرَامَاتُ (نَحْنُ نَظُنُّ) مِنْ صِنَاعَةِ عَادٍ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادْ. وَكَانَتِ الْغَايَةُ مِنْ تَشْيِيدِ تِلْكَ الصُّرُوحِ الْعِمْلَاقَةِ هِيَ تَجْمِيعُ الطَّاقَةِ مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، ثُمَّ تَخْزِينُهَا فِي قَوَاعِدِ تِلْكَ الْأَهْرَامَاتِ، لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا فِي أَغْرَاضٍ كَثِيرَةٍ، أَهَمُّهَا عِلْمُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةْ.
السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ حَصَلُوا عَلَى الْعِلْمِ بِذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: مِنَ الْجِبَالْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَقَدْ تَوَصَّلَتْ عَادٌ إِلَى مَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، مَفَادُهَا أَنَّ الْجِبَالَ بِحَدِّ ذَاتِهَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) كَيْنُونَةٌ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الْأَرْضِ، لَهَا غَايَةٌ مُحَدَّدَةٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا وَالِاسْتِفَادَةُ مِنْهَا، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ تُشِيرُ - حَسَبَ فَهْمِنَا - إِلَى الدَّلِيلِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُثْبِتَ زَعْمَنَا هَذَا، قَالَ تَعَالَى:
فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُبَيِّنُ (كَمَا نَفْهَمُهَا طَبْعًا) حَقِيقَةً جَلِيَّةً تَتَمَثَّلُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَرَضَ الْأَمَانَةَ (قَبْلَ أَنْ يَحْمِلَهَا الْإِنْسَانُ) عَلَى ثَلَاثِ كَيْنُونَاتٍ هِيَ:
* السَّمَاوَاتْ.
* الْأَرْضْ.
* الْجِبَالْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَتَحَدَّثُ عَنْ كَيْنُونَاتٍ ثَلَاثَةٍ، مُخْتَلِفَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ عَنْ بَعْضِهَا الْبَعْضِ، اخْتِلَافًا يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُؤَهَّلَةً لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ الَّتِي عَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَوْ أَنَّهَا تَقَبَّلَتْهَا، فَلَوْ تَقَبَّلَتِ الْجِبَالُ مَثَلًا حَمْلَ الْأَمَانَةِ، لَكَانَتِ الْجِبَالُ (وَلَا شَيْءَ غَيْرَ الْجِبَالِ) مَسْئُولَةً عَنْهَا، وَلَمَا كَانَتِ الْأَرْضُ حِينَهَا سَتُحَاسَبُ عَلَيْهَا، وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَوْ تَقَبَّلَتِ الْأَرْضُ حَمْلَ الْأَمَانَةِ لَمَا كَانَتِ الْجِبَالُ أَوِ السَّمَوَاتُ مَسْئُولَةً عَنْ تَحَمُّلِ تَبِعَاتِ قَرَارِ الْأَرْضِ، وَهَكَذَا.
وَلَقَدْ جَاءَ هَذَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةٍ وَالْجِبَالِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْقِعٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى:
فَلَوْ كَانَ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ كَيْنُونَةً وَاحِدَةً (أَوْ كُتْلَةً وَاحِدَةً) لَمَا تَطَلَّبَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَادَامَ أَنَّ الْمَصِيرَ وَاحِدٌ (فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً). إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ أَنَّ الْجِبَالَ وَالْأَرْضَ كَيْنُونَتَانِ مُتَّصِلَتَانِ لَكِنَّهُمَا مُنْفَصِلَتَانِ وَمُخْتَلِفَتَانِ عَنْ بَعْضِهِمَا، وَإِلَّا لَانْتَفَتْ – فِي ظَنِّنَا- الْحَاجَةُ إِلَى ذِكْرِهِمَا كَكَيْنُونَتَيْنِ مُنْفَصِلَتَيْنْ.
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَرُبَّمَا تَأَكَّدَ الظَّنُّ عِنْدَنَا بِضَرُورَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْكَيْنُونَتَيْنِ، قَالَ تَعَالَى:
فَاللَّهُ يُخْبِرُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي سَتُسَيَّرُ فِيهِ الْجِبَالُ وَلَا تُسَيَّرُ فِيهِ الْأَرْضُ، وَلَكِنَّهَا سَتَكُونُ حِينَئِذٍ بَارِزَةً فَقَطْ.
وَقَدْ وَرَدَتْ فِكْرَةُ حَرَكَةِ الْجِبَالِ (دُونَ الْأَرْضِ) فِي أَكْثَرَ مِنْ سِيَاقٍ قُرْآنِيٍّ آخَرْ:
وَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عِنْدَ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ دُونَ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ مَصِيرَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَخْتَلِفُ عَنْ مَصِيرِ الْآخَرْ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- إِلَى مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْجِبَالُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
وَالْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَصِيرَ الْأَرْضِ غَيْرُ مَصِيرِ الْجِبَالِ، فَفِي حِينِ أَنَّ الْأَرْضَ سَتَنْشَقُّ، فَإِنَّ الْجِبَالَ سَتَخِرُّ هَدًّا:
وَفِي حِينِ أَنَّ الْأَرْضَ سَتَرْجُفُ فَإِنَّ الْجِبَالَ سَتَصِيرُ كَثِيبًا مَهِيلًا:
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْجِبَالْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ الْجِبَالَ هِيَ أَوْتَادْ:
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْوَتَدْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْوَتَدَ هُوَ مَا يَبْرُزُ إِلَى الْأَعْلَى بَعْدَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُثَبِّتُهُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ كَمَا فِي وَتَدِ الْخَيْمَةِ (أَوْ TENT PEG بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ) كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
فَمَا يَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْمُثَبَّتِ فَوْقَ سَطْحِ الْأَرْضِ فَهُوَ مَا (نَظُنُّ) أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُسَمَّى وَتَدًا. أَمَّا مَا يَدْخُلُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، فَهُوَ لَيْسَ وَتَدًا وَإِنَّمَا هُوَ (بِرَأْيِنَا) مِرْسَاةٌ، لِذَا فَإِنَّ الْجِبَالَ الَّتِي هِيَ أَوْتَادٌ قَدْ تَمَّ إِرْسَاؤُهَا فِي دَاخِلِ الْأَرْضْ:
فَأَصْبَحَ هُنَاكَ جِبَالٌ (وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَظْهَرُ فَوْقَ الْأَرْضِ)، وَأَصْبَحَ هُنَاكَ رَوَاسِي (وَهُوَ الَّذِي يَغُوضُ فِي بَاطِنِهَا).
وَنَحْنُ نَرَى ضَرُورَةَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْكَيْنُونَتَيْنِ لِمَا سَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَفْهَامٍ مُفْتَرَاةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لَاحِقًا. فَدَعْنَا أَوَّلًا نَقْرَأُ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ ذَاتَ الْعَلَاقَةِ، لِنَخْرُجَ (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ) بِاسْتِنْبَاطَاتٍ نَظُنُّ أَنَّهَا غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ لِأَغْرَاضِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُفْرَدَتَيْنْ.
أَوَّلًا، الْجِبَالُ يُمْكِنُ أَنْ يَرَاهَا الْإِنْسَانُ بِأُمِّ عَيْنِهْ:
الْجِبَالُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّخِذَ النَّاسُ مِنْهَا بُيُوتًا:
وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَّخِذَ مِنْهَا الْكَائِنَاتُ الْأُخْرَى كَالنَّحْلِ مَثَلًا بُيُوتًا:
وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْوِيَ إِلَيْهَا الْإِنْسَانُ بِرِجْلَيْهِ كَمَا ظَنَّ ابْنُ نُوحْ:
أَمَّا الرَّوَاسِي فَهِيَ – بِالْمُقَابِلِ- تِلْكَ الْأَجْزَاءُ الدَّاخِلِيَّةُ الْمُتَجَذِّرَةُ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا، وَلَا يُمْكِنُ لِلنَّحْلِ أَنْ تَتَّخِذَ مِنْهَا بُيُوتًا، وَلَا نَسْتَطِيعُ نَحْنُ أَنْ نَنْحِتَ مِنْهَا بُيُوتًا لِأَنْفُسِنَا، وَلَا يُمْكِنُ لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يُؤْوِيَ إِلَيْهَا.
وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْجِبَالَ هِيَ تِلْكَ الْكَيْنُونَةُ الَّتِي تَظْهَرُ فَوْقَ السَّطْحِ، فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُؤَكِّدُ أَنَّ مَا يُشْبِهُ "شَكْلَ الْجَبَلِ" يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَوَّنَ عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ كَمَا كَانَ الْحَالُ يَوْمَ طُوفَانِ نُوحْ:
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْخَاصَّةَ بِالرَّوَاسِي كَمَا جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لَوَجَدْنَا (حَسَبَ فَهْمِنَا لَهَا) أَنَّهَا (كَمَا الْجِبَالِ) لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ. فَعِنْدَ اسْتِعْرَاضِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الرَّوَاسِي نَجِدُ الْفَصْلَ وَاضِحًا بَيْنَ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةٍ وَالرَّوَاسِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: "مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ (4)").
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْجِبَالَ وَالرَّوَاسِيَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ مَرْحَلَةِ الْخَلْقِ (أَيْ لَحْظَةَ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ)، فَاللَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْجِبَالَ وَالرَّوَاسِيَ عِنْدَ خَلْقِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضْ.
الدَّلِيلْ
جَاءَ ذِكْرُ "خَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ" فِي سِيَاقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى:
إِنَّ مَا نَوَدُّ أَنْ نَجْلِبَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ إِلَيْهِ هُنَا هُوَ أَنَّ الْعَرْشَ كَانَ (قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) عَلَى الْمَاءْ:
لَمْ نَجِدْ آيَةً وَاحِدَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ تُشِيرُ بِأَنَّ الْجِبَالَ قَدْ أُوجِدَتْ بِطَرِيقَةِ الْخَلْقِ، وَلَكِنَّهَا جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْجَعْلِ، فَمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ مِنْ ذَلِكْ؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ تَكُنِ الْجِبَالُ حَاضِرَةً عِنْدَمَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَسْأَلُ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ الْجِبَالَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: يَقُودُنَا هَذَا التَّسَاؤُلُ عَلَى الْفَوْرِ لِلْحَدِيثِ عَنِ الْهَدَفِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَوْجَدَ اللَّهُ الْجِبَالَ أَصْلًا، فَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَدَ الْجِبَالَ لِغَايَةٍ مُهِمَّةٍ أُنِيطَتْ بِهَا.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْمُهِمَّةُ الَّتِي أُنِيطَتْ بِالْجِبَالْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ مِنْ إِيجَادِ تِلْكَ الْكَيْنُونَةِ (أَيِ الْجِبَالِ) بِطَرِيقَةِ الْجَعْلِ بَعْدَ أَنْ خُلِقَتِ الْأَرْضُ كَانَ –نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- مِنْ أَجْلِ تَثْبِيتِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ إِيجَادُ الْجِبَالِ- بِرَأْيِنَا- لِكَيْ تَحْمِيَ الْأَرْضَ مِنَ الْحَرَكَةِ الْعَمُودِيَّةِ (فَلَا تَبْرُزُ إِلَى الْأَعْلَى). فَإِذَا مَا سُيِّرَتْ تِلْكَ الْجِبَالُ حَتَّى تُصْبِحَ الْأَرْضُ بَارِزَةْ:
السُّؤَالُ: مَا دَوْرُ الرَّوَاسِي؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّوَاسِيَ (الْجُزْءَ الدَّاخِلِيَّ مِنْ تِلْكَ الْكَيْنُونَةِ الْكَبِيرَةِ) تَعْمَلُ عَلَى تَثْبِيتِ الْأَرْضِ فَلَا تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً أُفُقِيَّةً، فَلَا تَمِيدُ بِنَا الْأَرْضْ:
نَحْنُ نَسْتَطِيعُ تَبْسِيطَ الصُّورَةِ بِالْقَوْلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَوَاسِي لَتَحَرَّكَتِ الْأَرْضُ بِالِاتِّجَاهَاتِ الْأَرْبَعَةِ (شَمَالًا وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا)، فَالرَّوَاسِي تَشُدُّ كُتْلَةَ الْأَرْضِ مَعًا لِتُبْقِيَهَا كُتْلَةً وَاحِدَةً مُتَمَاسِكَةً، وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي اللَّفْظِ أَكْثَرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ مُفْرَدَةَ الرَّوَاسِي لَمْ تُفْرَدْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (أَيْ لَمْ تَرِدْ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ)، فَهُنَاكَ دَائِمًا رَوَاسِي، وَلَوْ حَاوَلْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِحَجْمِ الرَّوَاسِي (حَيْثُ أَنَّهَا كُتَلٌ ضَخْمَةٌ دَاخِلَ الْأَرْضِ)، لَرُبَّمَا خَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ الرَّوَاسِيَ جَمِيعَهَا كُتْلَةٌ مُتَّصِلَةٌ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ، أَيْ أَنَّهَا جَمِيعَهَا تُمَثِّلُ كُتْلَةً وَاحِدَةً مُرْتَبِطَةً مُمْتَدَّةً دَاخِلَ الْأَرْضِ، تَمْنَعُ الْأَرْضَ مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِنَا، وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى فَهِيَ تَعْمَلُ عَلَى مَنْعِ الْأَرْضِ مِنَ التَّحَرُّكِ أُفُقِيًّا بِأَيِّ اتِّجَاهْ.
مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: مَا أَنْ خُلِقَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى تَثْبِيتِ الْأَرْضِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْعَرْشِ عَنْهَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تِلْكَ الْكَيْنُونَةَ الْهَائِلَةَ الَّتِي عَمِلَتْ عَلَى تَثْبِيتِ الْأَرْضِ، وَعِنْدَمَا دَخَلَ جُزْءٌ مِنْهَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ حَصَلَ التَّحَوُّلُ، فَجُعِلَ الْجُزْءُ الَّذِي أُلْقِيَ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ. وَبَقِيَ جُزْءٌ آخَرُ فَوْقَهَا فَجُعِلَ جِبَالًا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَسْتَطِيعُ الْقَوْلَ الْآنَ أَنَّ الرَّوَاسِيَ تَعْمَلُ عَلَى حِمَايَةِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِنَا (أَيْ حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ أُفُقِيًّا)، وَأَنَّ وَظِيفَةَ الْجِبَالِ هِيَ حِمَايَةُ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ تَبْرُزَ (فَلَا تَرْتَفِعُ إِلَى الْأَعْلَى).
وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لَمْ يُفْرِدِ الرَّوَاسِيَ (وَيَذْكُرُهَا عَلَى الدَّوَامِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ)، وَلَا يُصَوِّرُهَا عَلَى أَنَّهَا أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَهِيَ عَلَى الدَّوَامِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ فَقَطْ. أَمَّا الْجِبَالُ - بِالْمُقَابِلِ- فَجَاءَتْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (جِبَال) وَبِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ (جَبَل) كَمَا بَيَّنَتِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ، وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ هُنَاكَ أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجِبَالِ، فَهُنَاكَ ثَلَاثُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْجِبَالِ كَمَا نَفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا السَّابِقَةَ: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ).
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءْ: لَمَّا كَانَتِ الْجِبَالُ أَوْتَادًا، كَانَتْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ لَوَاقِطَ لِلطَّاقَةِ الْقَادِمَةِ مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، بِالضَّبْطِ كَمَا يَفْعَلُ لَاقِطُ الْمَوْجَاتِ الْكَهْرُومَغْنَاطِيسِيَّةِ فِي الْآلَاتِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ كَالتِّلِفِزْيُونِ وَالرَّادْيُو وَالتِّلِفُونِ، الْخَ. وَمَا أَنْ يَقُومَ الْجَبَلُ بِالْتِقَاطِ تِلْكَ الطَّاقَةِ حَتَّى يَعْمِدَ إِلَى تَخْزِينِهَا فِي الدَّاخِلِ، أَيْ فِي الرَّوَاسِي، فَتُصْبِحُ تِلْكَ الرَّوَاسِي عِبَارَةً عَنْ مُجَمِّعَاتٍ لِلطَّاقَةِ (أَوْ بَطَّارِيَّاتٍ بِالْمُفْرَدَاتِ الدَّارِجَةِ).
السُّؤَالُ: مَا الْفَائِدَةُ مِنْ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ: لِتَدُبَّ الْحَيَاةُ فِي الْكُتْلَةِ كُلِّهَا (أَيِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ جَمِيعِهَا).
السُّؤَالُ: وَمَا الْفَائِدَةُ مِنْ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَا يَجْعَلُ الْكُرَةَ الْأَرْضِيَّةَ كُلَّهَا قَادِرَةً عَلَى الْحَرَكَةْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يَتِمُّ ذَلِكْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَتَحَرَّكُ وَلَكِنَّ الْحَرَكَةَ هِيَ لِلْجِبَالِ فَقَطْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ الْجِبَالَ لَيْسَتْ جَامِدَةً كَمَا نَحْسَبُهَا؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، أَيْ قَادِرَةٌ عَلَى الْحَرَكَةْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْجِبَالَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ قَادِرَةً عَلَى الْحَرَكَةْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الطَّاقَةَ الَّتِي تَلْتَقِطُهَا الْجِبَالُ مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ وَتَقُومُ بِتَخْزِينِهَا فِي رَوَاسِيهَا هِيَ مَا يَجْعَلُهَا غَيْرَ جَامِدَةٍ، قَادِرَةً عَلَى الْحَرَكَةِ، فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَهَذَا هُوَ صُنْعُ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءْ.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الطَّاقَةُ الَّتِي تَلْتَقِطُهَا الْجِبَالُ مِنَ الْفَضَاءْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهَا الرُّوحْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: تَرْتَفِعُ الْجِبَالُ عَنْ سَطْحِ الْأَرْضِ عَلَى شَكْلِ لَوَاقِطَ لِلطَّاقَةِ (أَيِ الرُّوحِ)، فَتَدُبُّ الْحَيَاةُ فِيهَا، فَلَا تَعُودُ جَامِدَةً كَمَا يَحْسَبُهَا النَّاظِرُ إِلَيْهَا، فَتَقُومُ تِلْكَ الطَّاقَةُ الرُّوحُ، بِتَحْرِيكِ تِلْكَ الْكَيْنُونَةِ فِي حَرَكَةٍ مُنْتَظِمَةٍ، تَعْمَلُ عَلَى تَحْرِيكِ الْكُتْلَةِ كُلِّهَا (أَيِ الْأَرْضِ جَمِيعًا) بِفِعْلِ حَرَكَةِ الْجِبَالِ نَفْسِهَا.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي سَيَحْصُلُ لَوْ أَنَّ تِلْكَ الْجِبَالَ قَدْ نُسِفَتْ كَمَا سَيَحْصُلُ يَوْمَ الْقِيَامَةْ:
جَوَابٌ مُفْتَرًى: سَتَنْتَهِي تِلْكَ الْحَرَكَةُ، وَسَتَتَوَقَّفُ الْكُتْلَةُ عَنِ الْحَرَكَةِ كُلِّيًّا.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءْ
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ رَبِّهِ فِي قَضِيَّةِ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى:
جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا: لَمَّا كَانَتِ الطَّاقَةُ الرُّوحُ هِيَ مَا تَلْتَقِطُهُ تِلْكَ الْجِبَالُ مِنَ الْفَضَاءِ الْخَارِجِيِّ، كَانَ لِزَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَضَعَ تِلْكَ الطَّيْرَ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ، وَهُنَاكَ يَتِمُّ بَثُّ الطَّاقَةِ (الرُّوحِ) فِي تِلْكَ الطَّيْرِ الَّتِي صَرَّهُنَّ إِبْرَاهِيمُ إِلَيْهِ، وَهُنَاكَ تَنْبَعِثُ الْحَيَاةُ فِيهِنَّ مِنْ جَدِيدٍ، فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ أَنْ يَأْتِينَ إِبْرَاهِيمَ سَعْيًا.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ ذَلِكَ الَّذِي حَاجَّهُ فِي رَبِّهْ؟
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ..."
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ وَلَكِنْ مِنْ خِلَالِ أَوْتَادِهِ هُوَ، أَيْ مِنْ خِلَالِ الْأَهْرَامَاتِ الَّتِي هِيَ فِعْلًا أَوْتَادًا:
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَانَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الْأَهْرَامَاتِ هِيَ لَوَاقِطُ لِلطَّاقَةِ، وَأَنَّ رَوَاسِيَهَا الَّتِي تَغُوضُ فِي دَاخِلِ الْأَرْضِ هِيَ مَخَازِنُ لِتِلْكَ الطَّاقَةِ (أَيِ الرُّوحِ) الَّتِي تَمَّ الْتِقَاطُهَا، كَمَا نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ اسْتِغْلَالَ تِلْكَ الطَّاقَةِ فِي بَثِّ الْحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَاتَتْ.
السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسْتَطِيعُ تَفْرِيغَ تِلْكَ الطَّاقَةِ فِي أَدَوَاتٍ يَتِمُّ مِنْ خِلَالِهَا بَثُّ الْحَيَاةِ فِي الْأَجْسَامِ الَّتِي تُوضَعُ بِهَا.
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْأَدَوَاتُ الَّتِي كَانَ الرَّجُلُ يَسْتَخْدِمُهَا مِنْ أَجْلِ تَفْرِيغِ الطَّاقَةْ؟
جَوَابٌ: إِنَّهُ قَضِيبُ تَفْرِيغِ الطَّاقَةْ.
السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْقَضِيبْ؟
جَوَابٌ: إِنَّهَا الْعَصَا.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَفْرِيغِ جُزْءٍ مِنْ تِلْكَ الطَّاقَةِ الَّتِي الْتَقَطَتْهَا الْجِبَالُ وَخَزَّنَتْهَا فِي رَوَاسِيهَا فِي عَصَاهُ، الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا تُشْبِهُ فِي فِعْلِهَا مَا كَانَتْ عَصَا مُوسَى تَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أُلْقِيَتْ فِي النَّارِ، فَعَادَتْ سِيرَتَهَا الْأُولَى.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ ذَلِكْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَعْنَا نُقَدِّمُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ الْجِدَارِيَّةَ التَّالِيَةَ الَّتِي وَصَلَتْنَا سَابِقًا مِنْ عِنْدِ صَاحِبِنَا عِصَام دَرْوِيش مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَهِيَ الْجِدَارِيَّةُ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا تُصَوِّرُ تِلْكَ الْمُحَاجَجَةَ الشَّهِيرَةَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ (الْفَتَى) وَذَلِكَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، ثُمَّ نَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ عَنْ تَفَاصِيلِ آلِيَّةِ فِعْلِ تِلْكَ الْعَصَا الْمَشْحُونَةِ الَّتِي تَظْهَرُ بِيَدِ ذَلِكَ الْمَلِكْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى بِاسْتِخْدَامِهِ تِلْكَ الْعَصَا الَّتِي بِيَدِهْ؟
جَوَابٌ: هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ تِبْيَانَهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ فِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا. فَاللَّهَ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا. وَأَدْعُوهُ وَحْدَهُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رُشْدِي، وَأَعُوذُ بِهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرِي كَأَمْرِ فِرْعَوْنَ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ – آمِينْ.
تعليقات