home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 15

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 21, 2015
محتويات المقال:

    قِصَّةُ يُونُسَ – الْخَامِسُ عَشَرْ (15)

    خَلَصْنَا فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إِلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ قَارُونَ كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ عَظِيمْ؛

    وَهُوَ عِلْمُ الْحُصُولِ عَلَى الْكُنُوزْ:

    "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ" [القصص: 76]

    وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَلَا وَهُوَ امْتِلَاكُ الرَّجُلِ لِبَصَرٍ لَا يَلِينْ، أَيْ بَصَرٌ حَدِيدْ.

    لِذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ بَصَرُهُ أَنْ يَخْتَرِقَ الْعَوَائِقَ (الْحَوَاجِزَ)، فَيَسْتَطِيعُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ مَا وَرَاءَهَا.

    وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ فَهْمُ ذَلِكَ بِنَفْسِ آلِيَّةِ مَا فَعَلَ صَاحِبُ مُوسَى عِنْدَمَا وَجَدَ كَنْزًا تَحْتَ جِدَارٍ لَمْ يَنْقَضَّ بَعْدْ:

    "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" [الكهف: 82]

    وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّ بَصَرَهُ كَانَ حَدِيدًا:

    "لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ" [ق: 22]

    [فَلْسَفَةُ الْمَعَادِنِ: الْحَدِيدُ اللَّيِّنُ وَالصَّلْبُ]

    وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَدِيدَ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَوَاجِزَ هُوَ حَدِيدٌ غَيْرُ مُلَيَّنْ، فَإِذَا أَصْبَحَ حَدِيدًا لَيِّنًا، لَمْ يَعُدْ فِيهِ خَاصِّيَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى اخْتِرَاقِ الْحَوَاجِزْ.

    فَأَصْبَحَ هُنَاكَ فِي رَأْيِنَا نَوْعَانِ مِنَ الْحَدِيدْ:
    * حَدِيدٌ لَمْ يَلِنْ: وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى النَّفَاذْ، لِذَا فَهُوَ يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِ اللَّازِمَةِ لِاخْتِرَاقِ الْعَوَائِقْ.
    * حَدِيدٌ قَدْ أُلِينَ: وَهُوَ الَّذِي يَفْقِدُ خَاصِّيَّةَ النَّفَاذْ.

    لِذَا كَانَ الِافْتِرَاءُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ هُوَ أَنَّ الْبَصَرَ إِذَا كَانَ حَدِيدًا، فَقَدْ اكْتَسَبَ خَاصِّيَّةَ الْقَسْوَةِ اللَّازِمَةِ لِاخْتِرَاقِ الْعَوَائِقْ.

    فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ إِلَى جِدَارٍ مَا، فَإِنَّ بَصَرَكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَهُ لِأَنَّ بَصَرَكَ غَيْرُ حَدِيدْ، فَيَحْصُلُ أَنْ يَنْقَلِبَ ذَلِكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا لِأَنَّهُ حَسِيرْ:

    "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)" [الملك: 3-4]

    أَمَّا مَنْ كَانَ بَصَرُهُ حَدِيدًا وَنَظَرَ إِلَى جِدَارٍ مَا، فَإِنَّ بَصَرَهُ حِينَهَا لَنْ يَنْقَلِبَ خَاسِئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ حَسِيرًا، لِذَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَوَاجِزَ فَيَرَى مَا وَرَاءَهَا.

    فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَدُقُّ مِسْمَارًا مِنْ حَدِيدٍ فِي الْجِدَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمِسْمَارَ سَيَنْفُذُ مِنَ الْجِدَارِ لِأَنَّهُ – بِبَسَاطَةٍ – حَدِيدًا، أَيْ يَتَّصِفُ بِخَاصِّيَّةِ الْقَسْوَةِ اللَّازِمَةِ لِاخْتِرَاقِ الْجِدَارْ.

    أَمَّا إِنْ كَانَ هَذَا الْمِسْمَارُ مِنْ خَشَبٍ مَثَلًا، فَهُوَ (لَا شَكَّ) لَنْ يَخْتَرِقَ الْجِدَارَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَفْقِدُ خَاصِّيَّةَ الْقَسْوَةِ اللَّازِمَةِ لِاخْتِرَاقِ الْحَوَاجِزْ.

    لِأَنَّ الْمُعَادَلَةَ – فِي ظَنِّنَا – هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كُلَّمَا ازْدَادَتْ قَسْوَةُ الْمِسْمَارْ، كُلَّمَا أَصْبَحَ اخْتِرَاقُهُ لِلْجِدَارِ أَكْثَرَ سُهُولَةً، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    السُّؤَالُ: [مَاهِيَّةُ تَصَدُّعِ الْجَبَلِ وَثَبَاتِ قَلْبِ النَّبِيِّ]؟

    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْأَمْرِ أَكْثَرَ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِ وَوَقَعَ عَلَيْهِ وَزْنٌ زَائِدٌ عَنْ طَاقَةِ تَحَمُّلِهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَدَّعْ.

    فَالْجَبَلُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِ، كَانَ سَيَتَصَدَّعُ لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ حِمْلًا ثَقِيلًا أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّحَمُّلْ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ – فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [الحشر: 21]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ الْجَبَلُ سَيَتَصَدَّعُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْقُرْآنْ؟

    رَأْيُنَا: لِأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ لَا شَكَّ قَوْلٌ ثَقِيلٌ تَمَّ إِلْقَاؤُهُ إِلْقَاءْ:
    "أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)"

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَ أَنَّ الْقَوْلَ ثَقِيلٌ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّقِيلَ سَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ طَاقَةِ الْجَبَلِ عَلَى التَّحَمُّلْ.

    لِذَا فَإِنَّ النَّتِيجَةَ الْحَتْمِيَّةَ هِيَ تَصَدُّعُ الْجَبَلِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى الْجَبَلْ:

    "لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ..." [الحشر: 21]

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ فِي حَالَةِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدْ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْقَى هَذَا الْقَوْلَ الثَّقِيلَ "الْقُرْآنَ" عَلَى مُحَمَّدْ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدْ:

    "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194)" [الشعراء: 192-194]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: لِمَاذَا لَمْ يَتَصَدَّعْ قَلْبُ مُحَمَّدٍ كَمَا تَصَدَّعَ الْجَبَلُ الَّذِي كَانَ سَيَتَصَدَّعُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ قَلْبَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَكُنْ يَتَّصِفُ بِالْقَسْوَةِ. فَلَوْ كَانَ قَلْبُ مُحَمَّدٍ قَاسِيًا، لَرُبَّمَا (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) تَصَدَّعَ جَرَّاءَ إِلْقَاءِ هَذَا الْقَوْلِ الثَّقِيلِ عَلَيْهِ.

    [سِرُّ تَحَمُّلِ الْقَلْبِ اللَّيِّنِ لِلْوَحْيِ الثَّقِيلِ]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ قَلْبُ مُحَمَّدٍ تَحَمُّلَ الصَّدْمَةِ إِذَنْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..." [آل عمران: 159]
    "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ..." [الزمر: 23]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ الْبَصَرِ إِذَا كَانَ حَدِيدًا مِنْ جِهَةٍ وَالْبَصَرِ إِذَا كَانَ غَيْرَ حَدِيدٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

    وَكَذَلِكَ نُرِيدُ أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ فَظًّا غَلِيظًا مِنْ جِهَةٍ وَالقَلْبِ إِذَا كَانَ لَيِّنًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَقَدْ كَانَ بَصَرُ صَاحِبِ مُوسَى حَدِيدًا، لِذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى مَا تَحْتَ الْجِدَارِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَنْقَضَّ بَعْدْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَّصِفُ بِخَاصِّيَّةِ الْقُدْرَةِ عَلَى اخْتِرَاقِ الْعَوَائِقْ:

    "فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا" [الكهف: 77]

    وَبِهَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، عَقَدْنَا مُقَارَنَةً (رُبَّمَا غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ وَغَيْرَ صَحِيحَةٍ) بَيْنَ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ قَارُونُ مِنَ الْعِلْمِ مَعَ بَعْضِ مَا كَانَ اللَّهُ قَدْ عَلَّمَهُ لِهَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ مُوسَى يَطْلُبُ الْعِلْمَ مِنْهُ:

    "فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)" [الكهف: 65-66]

    لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ تَكْمُنُ فِي حِينِ أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى قَدْ رَأَى الْكَنْزَ تَحْتَ الْجِدَارِ بِأُمِّ عَيْنِهِ فَحَافَظَ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ الْحَقِيقِيِّينَ، وَهُمَا الْيَتِيمَانِ الْمَوْجُودَانِ حِينَئِذٍ فِي الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ فِي الْقَرْيَةِ حَيْثُ بُنِيَ الْجِدَارْ.

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ قِصَّةِ مُوسَى).

    كَانَ قَارُونُ يَحُوزُ عَلَى تِلْكَ الْكُنُوزِ لِنَفْسِهِ، فَلَرُبَّمَا كَانَ يَتَعَدَّى بِذَلِكَ عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينْ:

    "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ..." [القصص: 76]

    وَرُبَّمَا يَعُودُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ قَلْبَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي وَجَدَ الْكَنْزَ تَحْتَ الْجِدَارِ كَانَ لَيِّنًا بَيْنَمَا كَانَ قَلْبُ قَارُونَ قَاسِيًا.

    فَأَصْبَحَتِ الْعَلَاقَةُ عَكْسِيَّةً بَيْنَ الْبَصَرِ الْحَدِيدِ مِنْ جِهَةٍ وَالْقَلْبِ اللَّيِّنِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

    فَالْمَطْلُوبُ مِمَّنْ كَانَ بَصَرُهُ حَدِيدًا أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ لَيِّنًا حَتَّى لَا يَقَعَ فِي مَحْظُورِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى أَمْوَالِ الْآخَرِينَ كَمَا فَعَلَ قَارُونْ.

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بَصَرًا حَدِيدًا وَقَلْبًا لَيِّنًا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينْ).

    [مَصَادِرُ كُنُوزِ قَارُونَ: أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ حَفْرٍ]

    لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي لَابُدَّ أَنْ يُثَارَ الْآنَ هُوَ: هَلْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي كَانَ يَحُوزُ بِهَا قَارُونُ عَلَى الْكُنُوزِ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَحْنُ نَسْأَلُ: هَلْ كَانَ بَاطِنُ الْأَرْضِ هُوَ مَصْدَرُ كُنُوزِ قَارُونَ كُلِّهَا؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَدَى قَارُونَ أَكْثَرُ مِنْ مَصْدَرٍ لِلْكُنُوزِ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا.

    السُّؤَالُ: وَمَاذَا كَانَتْ مَصَادِرُهُ إِذَنْ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: مِنْ أَجْلِ مُحَاوَلَتِنَا الْإِجَابَةَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، فَإِنَّنَا نَجِدُ لِزَامًا الْخَوْضَ فِي قَضِيَّتَيْنِ رَئِيسِيَّتَيْنِ، وَهُمَا:
    * مَاهِيَّةُ بَصَرِ قَارُونْ؟
    * مَكَانُ تَوَاجُدِ الْكُنُوزْ؟

    أَوَّلًا: مَاهِيَّةُ بَصَرِ قَارُونْ

    لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ صَاحِبِ مُوسَى (الَّذِي جَاءَ مُوسَى طَالِبًا أَنْ يُعَلِّمَهُ)، لَوَجَدْنَا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ صَاحِبَ بَصَرٍ ثَاقِبْ، وَتَمَثَّلَ ذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْقِفٍ وَلَيْسَ فَقَطْ فِي قِصَّةِ الْكَنْزِ الْمَدْفُونِ تَحْتَ الْجِدَارْ.

    أَوَّلًا، كَانَ الرَّجُلُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ هُنَاكَ مَلِكٌ قَادِمٌ مِنْ بَعِيدٍ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ دَافِعُهُ لِخَرْقِ سَفِينَةِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    "أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا" [الكهف: 79]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ عَلِمَ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ بِقُدُومِ ذَلِكَ الْمَلِكِ مِنْ بَعِيدْ؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ رَأَى قُدُومَ الْمَلِكِ مِنْ بَعِيدٍ بِأُمِّ عَيْنِهِ. لِذَا نَحْنُ نُقَدِّمُ الِافْتِرَاءَ الْخَطِيرَ التَّالِي: كَانَ بَصَرُ الرَّجُلِ حَدِيدًا لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى مَسَافَاتٍ بَعِيدَةً. لِذَا لَابُدَّ أَنْ نَتَخَيَّلَ بِأَنَّ مَجَالَ الرُّؤْيَا الْأُفُقِيَّةِ عِنْدَهُ بَعِيدٌ جِدًّا كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:

    [مَشْهَدُ جَزِيرَةٍ وَبَحْرٍ يَمْتَدُّ لِلْأُفُقِ الْبَعِيدِ]

    ثَانِيًا، كَانَ الرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ لِلْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ أَبَوَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ يَسْكُنَانِ فِي مَكَانٍ بَعِيدْ:

    "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)" [الكهف: 80-81]

    لِذَا كَانَتْ مَجَالُ الرُّؤْيَا الْأُفُقِيَّةِ عِنْدَهُ (نَحْنُ نَظُنُّ) تَخْتَرِقُ حَتَّى مَا وَرَاءَ الْحَوَاجِزِ (كَالْبُيُوتِ مَثَلًا).

    فَهُوَ لَا يَرَى فَقَطْ مَا هُوَ بَعِيدٌ عِنْدَهُ كَمَا فِي حَالَةِ الْمَلِكِ الْقَادِمِ مِنْ بَعِيدٍ بِجُنْدِهِ، وَلَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى مَا هُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ وَرَاءَ حِجَابٍ كَمَا فِي حَالَةِ وَالِدَيْ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:



    [ شَخْصٌ يَنْظُرُ نَحْوَ مَنْزِلٍ بَعِيدٍ - تَمْثِيلُ الرُّؤْيَةِ خَلْفَ الْحَوَاجِزِ]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ مَجَالَ الرُّؤْيَا الْأُفُقِيَّةِ لِلرَّجُلِ كَانَتْ حَدِيدًا، أَيْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْتَرِقَ الْحَوَاجِزْ.

    ثَالِثًا، عِنْدَ التَّعْرِيجِ عَلَى قِصَّةِ الْكَنْزِ الَّذِي وَجَدَهُ تَحْتَ الْجِدَارِ الَّذِي لَمْ يَنْقَضَّ بَعْدْ، نَجِدُ أَنَّ مَجَالَ رُؤْيَتِهِ كَانَتْ عَمُودِيَّةً إِلَى الْأَسْفَلْ، فَبَصَرُهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِقَ الْحَوَاجِزَ الَّتِي تَحْتَ قَدَمَيْهِ؟ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:


    [ شَخْصٌ يَنْظُرُ لِلْأَسْفَلِ بِتَرْكِيزٍ]

    [هَلْ يُمْكِنُ اخْتِرَاقُ السَّمَاءِ بِالْبَصَرِ؟]

    لَكِنْ يَبْقَى الْآنَ تَسَاؤُلٌ وَاحِدٌ يَخُصُّ هَذَا الرَّجُلَ أَلَا وَهُوَ: هَلْ كَانَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ عَمُودِيًّا إِلَى الْأَعْلَى فِي السَّمَاءِ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي؟


    [رَجُلٌ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ]
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَسْتَبْعِدُ أَنْ يَكُونَ بَصَرُ الرَّجُلِ حَدِيدًا (أَيْ ثَاقِبًا يَخْتَرِقُ الْحَوَاجِزَ) فِي الِاتِّجَاهِ الْعَمُودِيِّ إِلَى الْأَعْلَى.

    الدَّلِيلُ

    بِدَايَةً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ النَّاسِ أَنْ تَنْظُرَ فِي اتِّجَاهَاتٍ ثَلَاثَةٍ فَقَطْ، وَهِيَ:

    1. أُفُقِيًّا إِلَى الْأَمَامْ:

    "...قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..." [البقرة: 144]

    2. عَمُودِيًّا إِلَى الْأَسْفَلِ: كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ مُوسَى عِنْدَمَا رَأَى الْكَنْزَ تَحْتَ الْجِدَارْ:

    "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا..." [الكهف: 82]

    3. عَمُودِيًّا إِلَى الْأَعْلَى:

    "مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" [الحج: 15]

    لَكِنَّ الِافْتِرَاءَ الَّذِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهُ هُوَ أَنَّهُ فِي حِينِ أَنَّ النَّظْرَةَ الْأُفُقِيَّةَ إِلَى الْأَمَامِ وَالنَّظْرَةَ الْعَمُودِيَّةَ إِلَى الْأَسْفَلِ مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ حَدِيدًا، فَيَسْتَطِيعُ صَاحِبُهَا أَنْ يَخْتَرِقَ بِبَصَرِهِ الْحَوَاجِزَ الْأُفُقِيَّةَ الَّتِي أَمَامَهُ وَتِلْكَ الَّتِي هِيَ مِنْ تَحْتِهِ، فَإِنَّ النَّظْرَةَ الْعَمُودِيَّةَ إِلَى الْأَعْلَى لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَدِيدًا.

    الدَّلِيلُ: [مُحَاوَلَاتُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ]

    لِنَبْدَأَ الْبَحْثَ عَنِ الدَّلِيلِ بِإِثَارَةِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي: إِلَى أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْظُرَ الشَّخْصُ إِلَى الْأَعْلَى؟

    جَوَابٌ: فِي السَّمَاءِ.

    فَهَذَا مُحَمَّدٌ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ بَاحِثًا عَنْ قِبْلَةٍ يَرْضَاهَا:

    "قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا..." [البقرة: 144]

    وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ قَبْلِهِ يَبْحَثُ عَنْ رَبِّهِ فِي السَّمَاءِ، لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَنْظُرُ أُفُقِيًّا إِلَى الْأَعْلَى:

    "وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)" [الأنعام: 75-76]

    وَعِنْدَمَا لَمْ يَجِدْهُ هُنَاكَ، وَجَّهَ وَجْهَهُ لِلَّذِي فَطَرَهُنَّ:

    "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" [الأنعام: 79]

    السُّؤَالُ: هَلْ اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَخْتَرِقَ بِبَصَرِهِ السَّمَاءَ؟

    جَوَابٌ، كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، لِأَنَّ اخْتِرَاقَ السَّمَاءِ بِالْبَصَرِ رُبَّمَا هُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا نَفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)" [الملك: 3-4]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ إِذَنِ اخْتِرَاقُ السَّمَاءِ لِلنَّظَرِ فِيهَا؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ اخْتِرَاقِ السَّمَاءِ بِالْبَصَرِ فَلَابُدَّ مِنْ وُجُودِ الْوَسِيلَةِ، وَقَدْ لَا يَتَيَسَّرُ لَنَا ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ أَنْ نَمُدَّ بِسَبَبٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِلنَّظَرِ مِنْ هُنَاكَ فِيهَا:

    "مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" [الحج: 15]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا الْحَاجَةُ إِلَى مَدِّ السَّبَبِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ النَّظَرُ مِنْ هُنَاكَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لِاسْتِحَالَةِ النَّظَرِ مِنْ هُنَا مُبَاشَرَةً. فَلَوْ كُنَّا نَسْتَطِيعُ النَّظَرَ فِي السَّمَاءِ مِنْ هُنَا لَمَا كَانَ هُنَاكَ دَاعٍ أَنْ نَمُدَّ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ أَوَّلًا (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ) ثُمَّ نَقْطَعَ فَنَنْظُرَ فِيهَا مِنْ هُنَاكَ (ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ).

    وَهَذَا (نَحْنُ نَظُنُّ) مَا فَعَلَهُ فِرْعَوْنُ عِنْدَمَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا لِيَبْلُغَ مِنْ خِلَالِهِ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى:

    "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ..." [القصص: 38]

    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى مِنْ هُنَا، لَرُبَّمَا مَا طَلَبَ مِنْ هَامَانَ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ ذَلِكَ الصَّرْحَ الَّذِي يُمَكِّنُهُ مِنْ بُلُوغِ الْأَسْبَابِ حَتَّى يَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى مِنْ هُنَاكَ.

    وَهَذَا – بِرَأْيِنَا – مَا آتَاهُ اللَّهُ لِذِي الْقَرْنَيْنِ:

    "إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)" [الكهف: 84]

    فَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتْبَعَ سَبَبًا عِنْدَمَا كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ فِي السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي السَّمَاءِ، فَاتْبَعَ سَبَبًا ثَلَاثَ مَرَّاتْ.

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: قِصَّةُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)

    [بَابُ الْكُنُوزِ: تَحْتَ الْأَرْضِ أَمْ مِنَ السَّمَاءِ؟]

    لَعَلَّ مِنْ أَبْسَطِ أَبْجَدِيَّاتِ الْفَهْمِ أَنْ يَكُونَ مَا يَتِمُّ كَنْزُهُ هُوَ شَيْءٌ ثَمِينٌ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةْ:

    "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [التوبة: 34]

    لَكِنَّ الَّذِي قَدْ لَا يَجْلِبُ الِانْتِبَاهَ كَثِيرًا هُوَ مَكَانُ تَوَاجُدِ الْكُنُوزْ.

    فَفِي حِينِ أَنَّ الْفِكْرَ الشَّعْبِيَّ الدَّارِجَ يَرْبِطُ بَيْنَ الْكُنُوزِ وَبَاطِنِ الْأَرْضِ كَمَا فِي حَالَةِ الْكَنْزِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا تَحْتَ الْجِدَارْ، فَإِنَّ قِلَّةً مِنَ النَّاسِ مَنْ قَدْ يَلْتَفِتُ إِلَى الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ مَصَادِرَ أُخْرَى (غَيْرَ بَاطِنِ الْأَرْضِ) يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ الْكَنْزُ مِنْهَا:

    "فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ..." [هود: 12]
    "أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا..." [الفرقان: 8]

    فَبَعْدَ التَّدْقِيقِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْخَاصَّةِ بِالْكُنُوزِ، وَجَدْنَا أَنَّ الْمُثِيرَ لِلدَّهْشَةِ - عِنْدَنَا - هُوَ أَنَّ الْكَنْزَ يُمْكِنُ الْحُصُولُ عَلَيْهِ بِالطُّرُقِ التَّالِيَةْ:

    1. الِاسْتِخْرَاجُ: (وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا).

    2. الْإِنْزَالُ: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ).

    3. الْإِلْقَاءُ: (أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ).

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: مَا الْفَرْقُ؟ وَكَيْفَ كَانَ قَارُونُ يَحْصُلُ عَلَى تِلْكَ الْكُنُوزِ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا؟

    بَابُ إِنْزَالِ الْكُنُوزِ

    بِدَايَةً، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِنْزَالَ يَكُونُ مِنَ السَّمَاءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

    "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ" [سبأ: 2]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ تَحْصُلُ عَمَلِيَّةُ الْإِنْزَالِ (التَّنْزِيل)؟

    افْتِرَاءٌ مُهِمٌّ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِنْزَالِ بِشَكْلٍ عَامٍّ وَالْإِنْزَالِ مِنَ السَّمَاءِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ.

    فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُصَوِّرُ حَرَكَةَ نُزُولِ الْمَلَكِ (كَالرُّوحِ الْأَمِينِ) عَلَى أَنَّهَا حَرَكَةُ نُزُولٍ فَقَطْ:

    "قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ..." [البقرة: 97]

    فِي حِينِ يُصَوِّرُ حَرَكَةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَنَّهَا نُزُولًا مِنَ السَّمَاءِ:

    "قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا" [الإسراء: 95]

    وَعَلَى نَحْوِ أَنَّهَا تَنْزِيلًا:

    "وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا" [الفرقان: 25]

    [فَلْسَفَةُ: اللَّهُ، الرَّبُّ، وَالْإِلَهُ]

    لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ طَرْحَهُ وَالْإِجَابَةَ عَلَيْهِ هُنَا هُوَ: أَيْنَ هُوَ مَصْدَرُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ أَنَّهَا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ؟ فَمِنْ أَيْنَ أُنْزِلَتِ الْكُتُبُ وَالْأَنْعَامُ وَالْحَدِيدُ وَغَيْرُهَا؟

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَوْجُودٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ مَادَامَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ يُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءْ:
    "وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا"

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: اللَّهُ خَارِجُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: الْإِلَهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: الرَّبُّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.

    السُّؤَالُ: مَا الَّذِي تَقُولُهُ؟ لَا أَفْهَمُ مَا تَقْصِدُ يَقُولُ صَاحِبُنَا؟

    رَأْيُنَا: لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا سَيَكُونُ لَهَا تَبِعَاتٌ جَمَّةٌ عَلَى الْفِكْرِ الَّذِي نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهُ بِافْتِرَاءَاتٍ هِيَ – لَا شَكَّ – مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا.

    نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ أَنَّ اللَّهَ هُوَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    "رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" [مريم: 65]

    [فَلْسَفَةُ الْفِطْرَةِ: بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْفُطْرِ]

    السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ الْفِطْرَةُ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيرٌ جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الِاسْتِقْلَالِيَّةُ التَّامَّةُ عَنِ الْخَالِقِ. فَالْإِنْسَانُ يَمْلِكُ الْمُقَوِّمَاتِ اللَّازِمَةَ لِلِاسْتِقْلَالِ التَّامِّ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُخَيَّرًا فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ. انْتَهَى.


    خروج عن النص في استراحة لغوية قصيرة

    رأينا المفترى: نحن نفتري الظن في سياق الحديث عن مفردة "فطر" ومشتقاتها, أن "الفطريات" (ككائنات حية) لها علاقة مباشرة بهذا الجذر الثلاثي الذي اشتقت منه, أي "فطر". فالفطريات هي – في ظننا- تلك الكائنات ذاتية التغذية، القادرة أن تستفيد بنفسها من مصادر خارجية من أجل البقاء، أي أنها تتطفل على غيرها من أجل سد حاجاتها الذاتية. وربما لمثل هذا السبب، أطلقت مفردة "الفطر" على ذلك النبات الذي يعيش تقريبا في كافة المناخات البرية، والذي يعرف باللغة الإنجليزية بـ (mashroom) ذات الأنواع والأصناف المختلفة التي ربما يجمعها كلها صفة التطفل بالاستفادة من مصادر متنوعة من التغذية. فلربما (نحن نتخيل) أن الفطر هو الكائن النباتي الوحيد ذاتي التغذية الذي يأخذ التغذية من أكثر من مصدر، فلا يعتمد بشكل رئيسي على عملية التمثيل الضوئي كما هي الحال بالنسبة لكل النباتات الأخرى. وانظر – عزيزي القارئ – إن شئت- إلى هذا الاقتباس من موسوعة الويكيبيدا عن هذا النبات:


    وصف الصورة (برومبت لتوليد الصورة)

    A highly detailed, vibrant photograph of a classic Amanita muscaria (fly agaric) mushroom with a red cap and white spots, growing on a mossy forest floor. The image should be sharp and capture the texture of the mushroom and its surroundings.



    وصف الصورة (برومبت لتوليد الصورة)

    A small cluster of fresh, white button mushrooms rests on a warm wooden surface. Three are presented whole, their caps smooth and perfectly rounded with an earthy texture. A fourth has been sliced neatly in half, revealing the delicate, pale gills and the solid structure within. It's a clean and simple composition that celebrates the humble beauty of a kitchen staple.

    Source: http://en.wikipedia.org/wiki/Mushroom

    Many species of mushrooms seemingly appear overnight, growing or expanding rapidly. This phenomenon is the source of several common expressions in the English language including "to mushroom" or "mushrooming" (expanding rapidly in size or scope) and "to pop up like a mushroom" (to appear unexpectedly and quickly). In reality all species of mushrooms take several days to form primordial mushroom fruit bodies, though they do expand rapidly by the absorption of fluids.

    The cultivated mushroom as well as the common field mushroom initially form a minute fruiting body, referred to as the pin stage because of their small size. Slightly expanded they are called buttons, once again because of the relative size and shape. Once such stages are formed, the mushroom can rapidly pull in water from its mycelium and expand, mainly by inflating preformed cells that took several days to form in the primordia.

    Similarly, there are even more ephemeral mushrooms, like Parasola plicatilis (formerly Coprinus plicatlis), that literally appear overnight and may disappear by late afternoon on a hot day after rainfall.[16] The primordia form at ground level in lawns in humid spaces under the thatch and after heavy rainfall or in dewy conditions balloon to full size in a few hours, release spores, and then collapse. They "mushroom" to full size.

    Not all mushrooms expand overnight; some grow very slowly and add tissue to their fruitbodies by growing from the edges of the colony or by inserting hyphae. For example Pleurotus nebrodensis grows slowly, and because of this combined with human collection, it is now critically endangered.[17]


    وصف الصورة (برومبت لتوليد الصورة)

    A bright, eye-catching photo of a cluster of Yellow flower pot mushrooms (Leucocoprinus birnbaumii) growing in a potted plant. The image should show various stages of their development, from small pins to fully opened caps, highlighting their vivid yellow color.

    Though mushroom fruiting bodies are short-lived, the underlying mycelium can itself be long-lived and massive. A colony of Armillaria solidipes (formerly known as Armillaria ostoyae) in Malheur National Forest in the United States is estimated to be 2,400 years old, possibly older, and spans an estimated 2,200 acres (8.9 km2). Most of the fungus is underground and in decaying wood or dying tree roots in the form of white mycelia combined with black shoelace-like rhizomorphs that bridge colonized separated woody substrates.[18]

    It has been suggested the electrical stimulus of a lightning bolt striking mycelia in logs accelerates the production of mushrooms

    mushrooms were also sometimes regarded as magic or satanic, their fruiting bodies appearing quickly overnight from underground. Some believed they were the Devil's fruit, and others that mushroom rings were magical portals

    عودة على بدء

    منطقنا المفترى: أصبحنا نحن الناس مفطورين عندما زودنا بالإرادة المستقلة التي تمكننا من الاختيار من تلقاء أنفسنا، لكن بالرغم من قدرتنا على الاستقلالية عن خالقنا عندما فطرنا، فإننا مطالبون بالاستعانة به من أجل النجاة وذلك لأننا لا محالة إليه راجعون:

    وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٢﴾
    سورة يس

    فتصبح السيناريوهات المتاحة أمام الناس المفطورين عن خالقهم على النحو التالي:

    • الاعتماد على الذات والبحث عن الطريقة والغاية بالجهد الشخصي بعيدا عن الإله، وهذه الطريقة غير مضمونة النتائج، لأنك قد تصيب الهدف مرة ولكنك ستخطئ الطريق والغاية مرات ومرات كما فعل فرعون مثلا
    • الرجوع إلى الذي فطرك ليهديك السبيل كما فعل إبراهيم، وهذه الطريقة - لا شك- مضمونة الغاية والوسيلة.

    فبالرغم أن الله هو من آتى إبراهيم رشده، وبالرغم أن إبراهيم كان يتصف برجاحة العقل وقوة المنطق والتفكير، إلا أن هذا لم يمنعه أن يعتمد على ربه ليهديه:

    إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾
    سورة الزخرف

    وكذلك فعل موسى عندما بحث عن طريق النجاة:

    وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ ﴿٢٢﴾
    سورة القصص

    ولو لم يفعل محمد ذلك لبقى (نحن نفتري القول من عند أنفسنا) طوال حياته ضالا:

    وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴿٧﴾
    سورة الضحى

    (دعاء: اللهم أنت من فطرتني، وأنت من تهديني، فلا تكلني لنفسي، وأسألك وحدك أن تهديني في كل أمري، إنك أنت السميع البصير – آمين)

    مراحل الوجود الإلهي الثلاث

    بناء على هذا الطرح المفترى من عند أنفسنا، فإننا نستطيع أن نستنبط أن هناك ثلاثة مراحل مر بها الله، وهي على النحو التالي:

    1. في القديم كان الله ولم يكن هناك شيء غيره:
      وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٣٩﴾
      سورة النور
      في تلك المرحلة التي لم يكن هناك شيء، كان الله أحدا. لذا نحن نفتري القول من عند أنفسنا أن السورة الكريمة التالية توصف الله في تلك المرحلة:
      قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾
      سورة الإخلاص
    2. ما أن بدأ الله يخلق الخلق، حتى أصبح ربا، فكان هو الرب (وكيل كل شيء مادام أنه هو خالق كل شي). فخلق السموات والأرض والضياء والنور، الخ. ونحن نفتري القول من عند أنفسنا أن السورة الكريمة التالية توصف الله الخالق الذي أصبح ربا في تلك المرحلة
      قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴿٣﴾ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴿٤﴾ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴿٥﴾
      سورة الفلق
    3. بعد أن خلق الله الخلق وأصبح ربا، عمد إلى أن يفطر بعض خلقه، وهم الذين أصبحوا ممتلكين للإرادة المستقلة عند إرادة خالقهم، وهي التي تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم (الذاتية) وعدم الرجوع إلى خالقهم إن هم أرادوا ذلك. فأصبح هذا الذي هو رب كل شي إلها لبعض من خلق من خلقه، وهم الذين فطرهم من خلقه، ولما أصبح إلها، طلب من هؤلاء عبادته باختيار من أنفسهم مادام أنهم مخيرون ولم يعودوا مسيرين كباقي الخلق الذين كان الله هو ربهم ولم يصبح إلها لهم. ونحن نفتري القول من عند أنفسنا أن السورة الكريمة التالية توصف الله في تلك المرحلة
      قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ مَلِكِ النَّاسِ ﴿٢﴾ إِلَهِ النَّاسِ ﴿٣﴾ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿٤﴾ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ ﴿٦﴾
      سورة الناس

    نتيجة مفتراة 1: كان هو الله أولا وقبل كل شيء

    نتيجة مفتراة 2: أصبح الله ربا عندما خلق كل شيء

    نتيجة مفتراة 3: أصبح الله إلها عندما فطر بعض خلقه ليعبدوه عن إرادة منهم

    طبيعة الذات الإلهية: كل شيء وجه

    السؤال: أين كان الله عندما كان هو الله ولم يكن هناك شيء غيره؟

    رأينا: كان الله أحدا، ولم يكن معه شيء، فكان هو في كل اتجاه:

    وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾
    سورة البقرة

    السؤال: وأين الله نفسه إذا كان وجهه موجود أينما ولينا وجوهنا؟

    رأينا: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية ربما تجيب على مثل هذا التساؤل:

    وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٨﴾
    سورة القصص

    السؤال: إذا كان كل شيء هالك إلا وجهه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)، فما الذي سيحصل ليديه مثلا؟ هل ستهلكا؟

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٦٤﴾
    سورة المائدة

    وماذا سيحصل لعينه مثلا؟ هل ستهلك؟

    أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴿٣٩﴾
    سورة طه

    جواب مفترى من عند أنفسنا: بعيدا عن التحليق في عالم المجازات وسماء الاستعارات اللغوية التي صاغتها عقول الأجداد اللذين ملكوا نواصي العربية، فإننا نحن (الذين ربما لا نقوى أن نتمسك بأكثر من الذيل منها) نظن أن يدا الله وعينه لن تهلكا بالرغم أن كل شيء هالك إلا وجهه.

    السؤال: لماذا؟ أي كيف يمكن الموائمة بين الكلام الإلهي بأن (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) وافترائنا الذي مفاده أن يدا الله وعينه لن يهلكا؟

    رأينا المفترى: نحن نظن أن الموائمة بين الحالتين ربما تكون مفهومة إذا ما سلمنا بالافتراء الخطير التالي الذي هو لا شك من عند أنفسنا، والذي مفاده أن كل ما في الله هو وجه. فيداه وجه. وعينه وجه. وكله وجه:

    وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾
    سورة البقرة

    السؤال: وكيف ذلك؟

    بداية، نحن نظن أن الوجه هو تلك الكينونة التي تدل على صاحبها، فأنت لا تتعرف على أحد من خلال يده أو رجله أو أي عضو آخر في جسمه إلا إذا نظرت مباشرة إلى وجهه. فالوجه هو – في ظننا- تلك الكينونة التي تدل على صاحبها. لذا لو طرنا بخيالنا (المزيف بالطبع) إلى مرحلة ما قبل الخلق، أي قبل أن يصبح الله إلها، وقبل أن يصبح ربا، أي عندما كان الله هو أحد. فما الذي يمكن أن نتخيله؟

    جواب مفترى: نحن نظن أنه في تلك المرحلة كان الله هو الموجود المطلق، لذا كان الله ولم يكن شيء غيره، وفي تلك المرحلة كان الله هو الصمد، فلو قدّر لنا أن ننظر إلى ذلك الأحد الصمد، لوجدناه في كل اتجاه ننظر إليه (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ)، فلو أنت نظرت فوقك لكان الله – لا شك- هو الأعلى، ولو أنت نظرت أسفل منك لوجدت الله هناك، ولو نظرت إلى الأمام لوجدت الله أمامك، ولو نظرت إلى الخلف لوجدت الله خلفك، ولو نظرت عن يمينك لوجدت الله ناظرا إليك من تلك الجهة، ولو نظرت عن شمالك لوجدته هناك، ولو نظرت وراءك لوجدت الله وراءك، وهكذا. ولكان الله موجود أينما وليت وجهك:

    وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿١١٥﴾
    سورة البقرة

    السؤال: لماذا الله كله وجه؟

    رأينا: نحن نعتقد جازمين أنه من الاستحالة بمكان التعرف على الآخرين دون وجود الوجه، فأنت تتعرف فقط على من يكون مقابلا لوجهك ومن خلال وجهه، وربما لا تستطيع أن تتعرف على من كان عن يمينك أو من كان عن شمالك إذا لم يكن يقع في مجال وجهك، وأنت لن تتعرف على من كان خلفك أو وراءك لأنك لا تراه مادام أنه لا يقع في الجهة المقابلة لوجهك، لهذا لا تستطيع أن تستكشف كل ما حولك، فيحضرك شيء (وهو ما يقع مقابلا لوجهك) وتغيب عنك أشياء وهي التي لا تقع في الجهة المقابلة لوجهك.

    السؤال: كيف ينطبق هذا التصور المفترى على الإله نفسه؟

    جواب مفترى: لمّا كان الله كلّه وجه، فهو الوحيد الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء:

    وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴿٦١﴾
    سورة يونس
    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴿٣﴾
    سورة سبأ

    فكل شيء مكشوف بالنسبة للإله مادام أنه كله وجه، لذا يكون كل شيء (بغض النظر عن موقعه) مكشوف تحت بصره ما دام أنه هو البصير، فتعالى الله عما يشركون، وهو الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير:

    فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴿١١﴾
    سورة الشورى

    عودة على بدء على بدء

    السؤال: ما علاقة هذا الطرح بقضية التنزيل التي تناولناها في معرض الحديث عن تنزيل الكنوز؟

    رأينا: كنا نتحدث عن المكان الذي كانت الكتب التي أنزلت تتواجد فيه قبل أن تنزل، والتي زعمنا أنها لم تكن موجودة في السماء أصلا، محاولين من خلال هذا الطرح (على ركاكته) الوصول إلى ذلك المكان الأول الذي تواجدت فيه تلك الكتب، والتي منها أنزل الله الكتب بالحق:

    اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿١٧﴾
    سورة الشورى

    فتلقى محمد القرآن من لدن حكيم خبير:

    وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴿٦﴾
    سورة النمل

    ومن هناك أنزل الله الكتاب الذي جاء به موسى:

    وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴿٩١﴾
    سورة الأنعام

    ليكون الافتراء الآن على النحو التالي: كان المكان الأول في الوجود هو لدُن الله، ففيه العلم ومن هناك نزل الكتاب، ومن هناك يأتي النور الأبدي الذي فيه هدى للناس.

    (دعاء: اللهم فاطر السموات والأرض أنت من فطرتني وأنت من تهديني إلى نورك الذي أبيت إلا أن تتمه ولو كره الكافرون، فإني أدعوك أن تدلني على ذلك النور بكلماتك التي تحق بها الحق وتبطل بها الباطل ولو كره المجرمون – آمين)

    إذا كان الكتاب – كما تزعم- لم ينزل من السماء لأن مكانه الأبدي هو من لدُن حكيم خبير، فمن أين أنزل الحديد؟ ربما يريد أن يسأل صاحبنا مستغربا.

    رأينا المفترى: نحن نظن أن الحديد لم ينزل من السماء بدليل قوله تعالى:

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٢٥﴾
    سورة الحديد

    ولو كان الحديد (نحن نفتري القول) قد أنزل من السماء، لجاءت الآية الكريمة على النحو التالي:

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ من السماء فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

    كما جاء في الآيات الكريمة التالية التي تتحدث عن الإنزال من السماء بصريح اللفظ:

    أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾
    سورة البقرة

    [...]

    أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾
    سورة الملك

    السؤال مرة أخرى: لماذا لم يأتي النص القرآني على نحو أن الحديد قد أنزل من السماء؟

    رأينا: لأن الحديد لم ينزل من السماء؟

    السؤال: من أين إذن أنزل الحديد؟

    جواب مفترى: نحن نظن أن الحديد لم ينزل من السماء نفسها، ولكنه أنزل من كينونات أخرى موجودة في السماء. فالمدقق في السياقات القرآنية التالية يجد أن السماء يمكن أن تحوي على أجسام أخرى كالبروج مثلا:

    وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴿١٦﴾
    سورة الحجر

    أو السراج والقمر المنير:

    تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا ﴿٦١﴾
    سورة الفرقان

    أو الكواكب والمصابيح:

    إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿٦﴾
    سورة الصافات
    فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿١٢﴾
    سورة فصلت

    نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأن في السماء كينونات يمكن أن ينزل منها أشياء إلى الأرض، ونحن نفتري الظن أن من يملك العلم بها يستطيع أن ينفذ إليها، ليحوز منها على ما يشاء من كنوز تلك الكينونات البعيدة نسبيا عنا:

    يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٤﴾ يُرْسَلَ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ ﴿٣٥﴾ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٦﴾
    سورة الرحمن

    فإذا كان من الممكن أن يرسل النحاس من خارج الأرض كما يمكن أن يرسل علينا شواظ من نار من خارجها، فلا ضير أن يكون الحديد قد جاء من مكان ما في السماء وليس بالضرورة من السماء نفسها.

    نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن قارون كان يملك العلم الذي يمكّنه من الوصول إلى تلك الأماكن البعيدة في السماء ليحصل منها على ما يريد من تلك المعادن الثمينة التي جعلته صاحب كنوز عظيمة، تنوء مفاتحها بالعصبة أولي القوة:

    إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿٧٦﴾
    سورة القصص

    السؤال: وهل كان قارون يستطيع الوصول إلى تلك الأماكن البعيدة في الفضاء الخارجي؟

    جواب مفترى: إذا سلمنا بالافتراء الذي قدمناه سابقا بأن فرعون قد طلب من هامان أن يبني له صرحا لبلوغ أسباب السموات والأرض ليطلع فعلا إلى إله موسى:

    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٣٨﴾
    سورة القصص
    وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿٣٦﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ﴿٣٧﴾
    سورة غافر

    فإن مسألة الارتقاء في السماء لم تكن بعيدة المنال على هؤلاء الجبابرة في غابر الزمان؟

    السؤال: وكيف فعل قارون ذلك؟

    جواب: هذا ما سنتعرض له بحول الله وتوفيق منه في الجزء القادم من هذه المقالة عندما ننتقل للحديث عن علم فرعون الذي كان - في ظننا- أكثر خطورة وأعظم أثرا من علم قارون هذا.

    والله أعلم

    (دعاء: فالله وحده أسأل أن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لغيري إنه هو الواسع العليم، وأعوذ به وحده أن أفتري عليه الكذب أو أن أقول عليه ما ليس لي بحق، إنه هو العليم الحكيم – آمين)

    الْمَرَاجِعُ وَالْمَصَادِرُ:

    1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ (الْمَصْدَرُ الْأَسَاسِيُّ). quran.com
    2. سِلْسِلَةُ مَقَالَاتِ قِصَّةِ مُوسَى - د. رَشِيدُ الْجَرَّاحْ.
    3. مَقَالَةُ قِصَّةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - د. رَشِيدُ الْجَرَّاحْ.
    4. الْمَصَادِرُ اللُّغَوِيَّةُ وَالْعِلْمِيَّةُ حَوْلَ "Mushrooms" (Wikipedia).
    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمُ الْجَرَّاحْ & عَلِيُّ مَحْمُودُ سَالِمُ الشَّرْمَانْ
    بِقَلَمِ: د. رَشِيدُ الْجَرَّاحْ
    2 أَيَّار 2015

    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس