قِصَّةُ يُونُسَ – الْجُزْءُ السَّادِسُْ
كَانَ الْجُزْءُ السَّابِقُ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُتَرَكِّزًا النِّقَاشُ فِيهِ عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَ شَخْصِيَّةِ ذِي النُّونِ مِنْ جِهَةٍ وَشَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ،
مِنْ حَيْثُ جُزْئِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ بِذَاتِهَا وَهِيَ أَنَّهُمَا مَنْ جَاءَتْ عِبَارَةُ "وَهُوَ مُلِيمٌ" خَاصَّةً بِهِمَا عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِْ،
وَقَدْ جَاءَتْ لِتَصِفَ حَالَتَيْهِمَا عِنْدَ الْغَرَقِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِْ:
ذُو النُّونِ:
فِرْعَوْنُ:
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّدَبُّرَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الْخَاصِّ بِفِرْعَوْنَ (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)ْ،
لَوَجَدْنَا أَنَّ الدِّقَّةَ تَسْتَدْعِي جَلْبَ الانْتِبَاهِ إِلَى الْفِكْرَةِ الْمُهِمَّةِ جِدًّا التَّالِيَةِْ:
بِالرَّغْمِ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ قَدْ نُبِذُوا جَمِيعًا فِي الْيَمِّ (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) إِلَّا أَنَّ وَاحِدًا فَقَطْ مِنْ بَيْنِهِمْ كَانَ مُلِيمًا (وَهُوَ مُلِيمٌ)ْ،
لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا كَانَ فِرْعَوْنُ مُلِيمًا عِنْدَمَا نُبِذَ فِي الْيَمِّ؟ وَلِمَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ جُنْدِهِ مُلِيمًا أَيْضًاْ؟
وَبِالْمَنْطِقِ نَفْسِهِ (نَحْنُ نَسْأَلُ): كَيْفَ كَانَ ذُو النُّونِ مُلِيمًا عِنْدَمَا الْتَقَمَهُ الْحُوتُ (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)ْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: [التَّشَابُكُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ]
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ تَشَابُكًا يَكَادُ يَكُونُ مُتَطَابِقًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ (وَهُوَ مُلِيمٌ)ْ،
فَحَالَةُ فِرْعَوْنَ- كَمَا يُحِبُّ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنْ يَصِفُوهَا مِنَ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ (وَهُوَ مُلِيمٌ)- تُشْبِهُ تَمَامًا حَالَةَ ذِي النُّونِ عِنْدَمَا الْتَقَمَهُ الْحُوتُْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَتْ حَالَتَيْهِمَاْ؟
لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ، فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّنَا بِحَاجَةٍ أَنْ نَنْبُشَ بِتَفَاصِيلِ حَيَاةِ الرَّجُلَيْنِْ،
وَمِنْ ثَمَّ مُحَاوَلَةُ رَبْطِ الْأَحْدَاثِ مَعًا عَلَّنَا نَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ بِافْتِرَاءَاتٍ تُرْشِدُنَا إِلَى غَايَتِنَا الْمَرْجُوَّةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُْ.
بِدَايَةً: [عَلَاقَةُ الْمُلِيمِ بِاللَّوْمِ]
نَحْنُ نَظُنُّ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) أَنَّ مُفْرَدَةَ "مُلِيمٌ" لَهَا عَلَاقَةٌ بِمُفْرَدَاتٍ مِثْلَ "لَوْمَةَ" وَ "لَائِمٍ" وَ "تَلُومُونِي" وَ "لُومُوا" ، وَ "اللَّوَّامَةِ" وَ "لُمْتُنَّنِي" الَّتِي وَرَدَتْ جَمِيعًا فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةِْ:
فَنِسْوَةُ الْمَدِينَةِ هُنَّ اللَّوَاتِي لُمْنَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ فِي فَتَاهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَّا أَنْ تُذَكِّرَهُنَّ بِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَكْبَرْنَ يُوسُفَ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّْ:
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّائِمَ هُوَ مَنْ يُلْقِي بِعِبْءِ الذَّنْبِ (وَسَبَبِ الْوُقُوعِ فِيهِ) عَلَى غَيْرِهِْ.
فَالشَّيْطَانُ مَثَلًا يُحَاوِلُ التَّنَصُّلَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ بِأَنْ يُلْقِيَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى أَنْفُسِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُْ.
فَكَانَ جُلُّ مَا فَعَلَ هُوَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ، وَلَكِنَّ الاسْتِجَابَةَ كَانَتْ مِنْهُمْ. فَيُصْبِحُ هُنَاكَ دَاعٍ وَهُنَاكَ مُسْتَجِيبٌْ.
فَالشَّيْطَانُ هُوَ الدَّاعِي (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ) وَلَكِنَّهُمْ هُمُ الْمُسْتَجِيبُونَ (فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)ْ،
وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ يَنْجَحُ الشَّيْطَانُ فِي الْإِفْلَاتِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الدَّاعِيَ لَا يَمْلِكُ السُّلْطَانَ عَلَى مَنْ دَعَاهُ (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ)ْ.
فَالَّذِي يَتَحَمَّلُ اللَّائِمَةَ هُوَ مَنْ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ. إِنْ صَحَّ هَذَا الْمَنْطِقُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، فَإِنَّنَا إِذَنْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِالاسْتِنْبَاطَاتِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةِْ:
- الشَّيْطَانُ يَدْعُو.
- الشَّيْطَانُ (كَدَاعٍ) لَا يَمْلِكُ سُلْطَانًا عَلَى مَنْ يَدْعُوهُ.
- الشَّيْطَانُ لَا يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَدْعُو (... وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ...).
- الَّذِي يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ هُوَ مَنْ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ.
- الْإِنْسَانُ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ لِأَنَّهُ هُوَ مَنِ اسْتَجَابَ.
- مَنِ اسْتَجَابَ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ السُّلْطَانَ.
- مَنِ اسْتَجَابَ هُوَ مَنْ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ.
- اللَّوْمُ يَجِبُ أَنْ يَقَعَ عَلَى النَّفْسِ.
- النَّفْسُ هِيَ مَنْ تَمْلِكُ السُّلْطَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ (... فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ...).
- إلخ.
مَادَامَ أَنَّ النَّفْسَ هِيَ مَنْ تَمْلِكُ السُّلْطَانَ فَهِيَ إِذَنْ مَنْ تَتَحَمَّلُ اللَّائِمَةَْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: [بَرَاءَةُ الشَّيْطَانِ مِنَ السُّلْطَانِ]
لَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى النَّاسِ، فَهُوَ إِذَنْ يَقَعُ خَارِجَ دَائِرَةِ الْمَلَامَةِْ:
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ التَّالِيَ لَوَجَدْنَا أَنَّ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَْ:
وَهَذَا بِالضَّبْطِ هُوَ مَا قَالَهُ الشَّيْطَانُ لَهُمْ وَهُمْ يَتَحَاجُّونَ جَمِيعًا فِي النَّارِ (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ). وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ نَفْسَهُ جَيِّدًاْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَا يَجِبُ أَنْ نُلْقِيَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ فِيمَا نَفْعَلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَمْلِكُ سُلْطَانًا إِلَّا عَلَى مَنْ بَادَرَ بِنَفْسِهِ لِيَتَوَلَّاهُ مِنْ قَبْلُ وَأَصْبَحَ بِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَْ،
وَهُنَاكَ يَبْدَأُ سُلْطَانُ الشَّيْطَانِ يَنْفُذُ عَلَى هَؤُلَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَوَلَّوْنَهُ مِنْ قَبْلُْ.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: [كَفُّوا عَنْ لَوْمِ الشَّيْطَانِ]
لِيَكُفَّ النَّاسُ (نَحْنُ نُنَادِي) عَنْ إِلْقَاءِ التُّهَمِ جُزَافًا عَلَى الشَّيْطَانِ، فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ التُّهَمِ الْمُوَجَّهَةِ إِلَيْهِ بِهَدَفِ إِلْقَاءِ اللَّائِمَةِ عَنِ النَّفْسِ وَتَحْوِيلِهَا إِلَى الشَّيْطَانِْ.
فَغَالِبًا مَا نَجِدُ أَنَّ الَّذِي يَسْرِقُ – مَثَلًا- يُحَاوِلُ أَنْ يَرْمِيَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَزْنِي وَيَكْذِبُ وَيَفْعَلُ الذُّنُوبَ جَمِيعَهَاْ.
فَنَحْنُ نُذَكِّرُ أَنْفُسَنَا عِنْدَمَا نَقُولُ لِكُلِّ هَؤُلَاءِ أَنَّ فِعْلَكُمْ هَذَا لَا يَقَعُ – فِي ظَنِّنَا- إِلَّا فِي بَابِ مُحَاوَلَةِ تَخْفِيفِ وَطْأَةِ الذَّنْبِ عَنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِْ.
فَالَّذِي يَرْتَكِبُ الْمَعْصِيَةَ يُحَاوِلُ بِكُلِّ السُّبُلِ أَنْ يَجِدَ مُبَرِّرًا لِفَعْلَتِهِ، وَعَادَةً مَا يَكُونُ الشَّيْطَانُ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ هُوَ مَلَاذَ هَؤُلَاءِ، فَيُلْقُونَ بِاللَّائِمَةِ عَلَيْهِ فِي مُحَاوَلَةٍ يَائِسَةٍ لِتَبْرِئَةِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِْ.
لَكِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- تُكَذِّبُ دَعْوَاهُمْ جَمِيعًا. فَالشَّيْطَانُ لَا يَمْلِكُ سُلْطَانًا إِلَّا عَلَى مَنْ تَوَلَّاهُ مِنْ قَبْلُْ.
فَالَّذِي يَسْرِقُ فَإِنَّ نَفْسَهُ هِيَ الْمَسْؤُولَةُ وَهِيَ الْمُسْتَعِدَّةُ لِلسَّرِقَةِ وَهِيَ الَّتِي تُسَوِّلُ لَهُ فِعْلًا كَهَذَا قَبْلَ أَنْ يَجِدَ الشَّيْطَانَ يَدْفَعُهُ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْوُقُوعِ فِي فَعْلَةٍ كَهَذِهِْ.
فَالاسْتِعْدَادُ لِلْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ – فِي ظَنِّنَا- سَابِقَةٌ عَلَى الدَّوَامِ لِدَعْوَةِ الشَّيْطَانِ. فَالشَّيْطَانُ لَا يَحُثُّ الْإِنْسَانَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ نَفْسُ الْإِنْسَانِ تُحَدِّثُهُ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَسْرِقُ وَيَقْتُلُ وَيَكْذِبُ، إلخْ.
فَلَا يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُلْقِيَ مُرْتَكِبُ الذَّنْبِ بِاللَّائِمَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَلِكَ مَا يَكْفِي مِنَ الشَّجَاعَةِ لِتَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ بِإِلْقَاءِ اللَّائِمَةِ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِْ.
وَلْيَكُنْ لَنَا فِيمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَمُوسَى خَيْرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ. فَهَذَا السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ فِي سُورَةِ يُوسُفَ يُبَرِّئُ الشَّيْطَانَ وَيُلْقِي بِاللَّائِمَةِ عَلَى النَّفْسِْ:
وَهَذَا مُوسَى يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ بِالْقَتْلِْ:
وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ إِدْرَاكِهِ بِتَدَخُّلِ الشَّيْطَانِ فِي الْأَمْرِ (قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ ظُلْمَهُ لِنَفْسِهِْ:
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: [حَالَةُ الْمُلِيمِ]
نَعُودُ مِنْ هَذَا النِّقَاشِ إِلَى قِصَّةِ يُونُسَ بِالنَّتِيجَةِ الْمُفْتَرَاةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِيَةِْ:
عِنْدَمَا الْتَقَمَ الْحُوتُ يُونُسَ، كَانَ يُونُسُ فِي حَالَةِ أَنَّهُ مُلِيمٌ (وَهُوَ مُلِيمٌ)، عِنْدَهَا أَقَرَّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) بِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ فِيمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ حَالُهُ الْآنَْ.
وَهَكَذَا كَانَ فِرْعَوْنُ. فَمَا أَنْ وَجَدَ أَنَّ الْغَرَقَ لَا مَحَالَةَ قَدْ أَدْرَكَهُ حَتَّى أَيْقَنَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ مَا آلَتْ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، فَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُلِيمًا (وَهُوَ مُلِيمٌ)ْ.
وَهُنَاكَ بِالضَّبْطِ نَحْنُ نَتَخَيَّلُ جَاءَتْ دَعْوَتُهُمَا رَبَّهُمَا بِالنَّجَاةِ، فَجَاءَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
وَهُنَاكَ ارْتَفَعَ صَوْتُ ذِي النُّونِ بِالنِّدَاءِ عَالِيًاْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُلِيمَ هُوَ مَنْ كَانَ يُلْقِي بِاللَّائِمَةِ، وَلَكِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ ذَا النُّونِ وَفِرْعَوْنَ كَانَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ يُلْقُونَ بِاللَّائِمَةِ عَلَى طَرَفَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَاْ:
- أَنْفُسُهُمْ.
- الْمَلَأُ مِنْ حَوْلِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يَحُثُّونَهُمْ عَلَى التَّمَادِي فِي إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْآخَرِينَ بَعْدَ أَنْ أَلْحَقُوا الضَّرَرَ بِأَنْفُسِهِمْ.
الدَّلِيلُ: [إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ]
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ رُبَّمَا تُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ افْتِرَاءَاتِنَا هَذِهِ، خَاصَّةً اعْتِرَافَ ذِي النُّونِ بِلِسَانِهِ بِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَْ:
لِيَكُونَ التَّسَاؤُلُ الَّذِي سَنُثِيرُهُ الْآنَ هُوَ: كَيْفَ كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَْ؟
بَابُ: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
تَسَاؤُلَاتٌْ:
- كَيْفَ كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ؟
- مَا الَّذِي فَعَلَهُ حَتَّى كَانَ فِي فَتْرَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ مِنَ الظَّالِمِينَ؟
- وَهَلْ لَازَالَ مِنَ الظَّالِمِينَ؟
- وَمَتَى كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ؟
- وَمَتَى تَوَقَّفَ عَنْ ذَلِكَ؟
- ثُمَّ، أَلَمْ يَكُنْ ذُو النُّونِ أَصْلًا مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)؟
- وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَرْبِطَ "أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" مَعَ إِقْرَارِهِ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ "كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"؟
- فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّسْبِيحُ مَعَ الظُّلْمِ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَا مَعًا؟
- وَإِذَا كَانَ التَّسْبِيحُ وَالظُّلْمُ لَا يَجْتَمِعَانِ مَعًا، فَأَيُّهُمَا حَصَلَ فِي الْبِدَايَةِ التَّسْبِيحُ أَمِ الظُّلْمُ؟
- وَمَا هِيَ طَبِيعَةُ الظُّلْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ ذُو النُّونِ؟
- وَكَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ ذَاكَ الظُّلْمِ؟
- إلخ.
هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ النَّبْشَ فِيهِ فِيمَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ، سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ يَهْدِينَا رُشْدَنَا وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ أَعْلَمَ وَأَنْ يَزِيدَنَا عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.
أَمَّا بَعْدُْ،
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: [مَعْنَى كَوْنِهِ مِنَ الظَّالِمِينَ]
مَا مَعْنَى قَوْلِ ذِي النُّونِ "إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِي قَوْلِ ذِي النُّونِ هَذَا إِشَارَةً قَوِيَّةً جِدًّا لِنَسْجِ خُيُوطٍ عَنْكَبُوتِيَّةٍ بَيْنَهُ مِنْ جِهَةٍ وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ كَانَ "مِنَ الظَّالِمِينَ" عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَآدَمَ وَزَوْجِهِ مَثَلًاْ:
وَهُمَا مَنْ أَقَرَّا بِظُلْمِهِمَا أَنْفُسَهُمَا، فَطَلَبَا الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ مُبَاشَرَةًْ:
وَكَذَلِكَ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ مِنَ الظَّالِمِينَْ:
وَكَانَ قَوْمُ مُوسَى مِنَ الظَّالِمِينَ عِنْدَمَا اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًاْ:
وَكَذَلِكَ كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ فَرَّ مُوسَى مِنْهُمْْ:
وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ مَنْ طَلَبَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ النَّجَاةَ مِنْهُمْْ:
السُّؤَالُ: [لِمَاذَا كَانُوا مِنَ الظَّالِمِينَ؟]
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَقَبَّلُوا الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ الَّذِي صَدَرَ، فَآدَمُ وَزَوْجُهُ لَمْ يَتَمَثَّلَا الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ بِعَدَمِ الاقْتِرَابِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَكَانَا ظَالِمَيْنِ لِأَنْفُسِهِمْ عِنْدَمَا خَالَفَا الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ وَتَقَبَّلَا نَصِيحَةَ الشَّيْطَانِ لَهُمَاْ.
وَكَذَلِكَ كَانَ قَوْمُ نُوحٍ مِنَ الظَّالِمِينَ وَهُمُ الَّذِينَ رَفَضُوا قَبُولَ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ نُوحٍ الَّذِي دَعَاهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَعَلَانِيَةًْ،
وَكَذَلِكَ تَقَبَّلَ قَوْمُ مُوسَى فِي غِيَابِهِ دَعْوَةَ السَّامِرِيِّ وَرَفَضُوا نَصِيحَةَ هَارُونَ عَلَى فَصَاحَةِ لِسَانِهِ، فَكَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ. وَكَذَلِكَ كَانَ آلُ فِرْعَوْنَ مِنَ الظَّالِمِينَ، إلخْ.
السُّؤَالُ: [لِمَاذَا كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ؟]
لِمَاذَا كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ كَمَا أَقَرَّ بِذَلِكَ بِلِسَانِهِ (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلْ دَعْوَةَ النَّبِيِّ الَّذِي جَاءَهُ وَقَوْمَهُ أَجْمَعِينَْ.
الدَّلِيلُْ:
نَحْنُ بِدَايَةً نُؤْمِنُ أَنَّ الظُّلْمَ لَا يَقَعُ عَنْ جَهْلٍ وَإِنَّمَا عَلَى عِلْمٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا لِمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَإِنَّهُ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَخْرُجَ بِالاسْتِنْبَاطِ التَّالِي: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الظَّالِمَ هُوَ مَنِ اتَّبَعَ الْهَوَى بَعْدَ مَا جَاءَهُ مِنَ الْعِلْمِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَْ؟
السُّؤَالُ: كَيْفَ يَأْتِي الْعِلْمُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَأَصْبَحُوا ظَالِمِينَ؟ أَيْ مَا هِيَ طَرِيقَةُ وُصُولِ الْعِلْمِ لِهَؤُلَاءِ جَمِيعًاْ؟
جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ طُرُقِ إِيصَالِ الْعِلْمِ لِلنَّاسِ هِيَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، فَيَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ بِعَدَمِ الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ. وَانْظُرْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- مَلِيًّا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِيْ:
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّ كُلَّ الَّذِينَ جَاءَتْهُمْ دَعْوَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ) وَآثَرُوا إِتْبَاعَ أَهْوَائِهِمْ (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ) هُمْ مِنَ الظَّالِمِينَ،
وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ لَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)ْ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: [سِينَاِريُو ذِي النُّونِ]
كَانَ ذُو النُّونِ صَاحِبَ مَكَانَةٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ آتَاهُ حُكْمًا، فَظَنَّ أَنَّهُ مُؤَهَّلٌ لِلرِّسَالَةِ، وَلَكِنَّ الرِّسَالَةَ تَأَخَّرَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّهِ خَاصَّةً عِنْدَمَا وَجَدَ أَنَّ شَخْصًا آخَرَ قَدْ بُعِثَ فِي قَوْمِهِ رَسُولًا مِنْ رَبِّهِمْ إِلَيْهِمْ جَمِيعًاْ،
وَهُنَا ثَارَتْ ثَائِرَةُ الرَّجُلِ، فَكَتَمَ غَيْظَ قَلْبِهِ، فَكَانَ مَكْظُومًا (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ)ْ،
فَمَا اسْتَطَاعَ حِينَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ عِنْدَمَا سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- أَنْ لَا يَسْتَجِيبَ لِذَلِكَ الرَّسُولِ، فَكَانَ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ)ْ،
وَزَادَ الطِّينَ بِلَّةً (نَحْنُ لَا زِلْنَا نَتَخَيَّلُ) أَنْ آثَرَ إِلْحَاقَ الْأَذَى بِذَلِكَ الرَّسُولِ، وَقَدْ وَجَدَ التَّشْجِيعَ وَالدَّعْمَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ مِمَّنْ حَوْلَهُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ أُولَئِكَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا دَعْوَةَ رَبِّهِمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ مِنْ حَيَاةِ الرَّجُلِ كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ وَذَلِكَ لِظَنِّهِ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يَجْعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: كَانَ ذُو النُّونِ يَطْمَعُ أَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ إِمَامًا لِلنَّاسِْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ ذَا النُّونِ إِمَامًا لِلنَّاسِ بِالرَّغْمِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ آتَاهُ حُكْمًا مِنْ ذِي قَبْلُْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ مِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ لَنْ يَنَالَهُمْ عَهْدُ اللَّهِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَىْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَا يَنَالُ عَهْدُ اللَّهِ الظَّالِمِينَْ.
السُّؤَالُ: [لِمَاذَا لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ حِينَهَا؟]
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَْ:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ فَقَدْ كَانَ يَتَوَلَّى الظَّالِمِينَ كَمَا يَتَوَلَّوْنَهُ هُمْ مَا دَامَ أَنَّ الظَّالِمِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)ْ.
كَمَا نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ ذَا النُّونِ لَمْ يَسْتَجِبْ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ عِنْدَمَا آثَرَ إِتْبَاعَ الْهَوَىْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: فِي فَتْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ مِنْ حَيَاةِ ذِي النُّونِ كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَكَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَكُنْ مُؤَهَّلًا لِيَكُونَ إِمَامًا لِلنَّاسِ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَْ:
وَلِمَاذَاْ؟
كَانَ مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: لَمْ يَتَوَقَّفِ الْأَمْرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، كَانَ ذُو النُّونِ مِمَّنْ شَاقَقَ الرَّسُولَ الَّذِي جَاءَهُ وَقَوْمَهُ، فَكَادَتْ أَنْ تَكُونَ نِهَايَتُهُ وَخِيمَةً جِدًّاْ:
السُّؤَالُ: [هَلِ اللَّهُ هُوَ مَنْ هَدَى ذَا النُّونِ؟]
جَوَابٌ: كَلَّا، فَاللَّهُ لَمْ يَهْدِ ذَا النُّونِ وَجُلُّ مَا حَصَلَ أَنَّ اللَّهَ تَدَارَكَهُ بِنِعْمَةٍ مِنْهُْ:
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ هَدَى ذَا النُّونِ أَوْ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْهُْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهِدَايَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا لِمَنْ يَشَاءُْ:
فَـ الْهِدَايَةُ أَوِ الضَّلَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، فَاللَّهُ لَا يَتَدَخَّلُ فِي هِدَايَةِ فُلَانٍ (حَتَّى وَإِنْ كَانَ رَسُولًا) وَضَلَالَةِ فُلَانٍ (حَتَّى وَإِنْ كَانَ شَيْطَانًا رَجِيمًا) مَادَامَ أَنَّ ذَلِكَ مُرْتَبِطٌ بِمَشِيئَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ، فَمَنْ شَاءَ الْهِدَايَةَ وَجَدَ اللَّهَ هَادِيًا لَهُ، وَمَنْ شَاءَ الضَّلَالَةَ وَجَدَ اللَّهَ مُضِلًّا لَهُ. انْتَهَىْ.
(لِلتَّفْصِيلِ: انْظُرْ مَقَالَتَنَا جَدَلِيَّةُ التَّسْيِيرِ وَالتَّخْيِيرِ وَسِلْسِلَةَ مَقَالَاتِ هَلْ لِعِلْمِ اللَّهِ حُدُودٌ؟)ْ.
السُّؤَالُ: [لِمَاذَا تَدَارَكَهُ اللَّهُ بِنِعْمَةٍ؟]
لِمَاذَا إِذَنْ تَدَارَكَ اللَّهُ ذَا النُّونِ بِنِعْمَةٍ مِنْهُْ؟
جَوَابٌ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَْ:
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يَتَدَارَكَ اللَّهُ ذَا النُّونِ بِنِعْمَةٍ مِنْهُْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ بِدَايَةً نَظُنُّ بِأَنَّ مُفْرَدَةَ "نِعْمَةَ" فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ لَا تَعْنِي أَنَّهَا نِعْمَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، فَالْمُفْرَدَةُ نَفْسُهَا تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ (أَيْ أَكْثَرَ مِنْ نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَىْ:
فَمَادَامَ أَنَّ النِّعْمَةَ تَحْتَاجُ أَنْ تُعَدَّدَ، وَهِيَ لَا تُحْصَى حَتَّى وَإِنْ حَاوَلْنَا عَدَّهَا، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهَا مُتَعَدِّدَةٌ وَكَثِيرَةٌ جِدًّا. لِذَا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النِّعْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ تَتَمَثَّلُ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، نَذْكُرُ مِنْهَاْ:
1. النَّجَاةُ مِنَ السُّوءِ، فَهِيَ عَكْسُ الضُّرِّْ:
2. وَهِيَ تَتَمَثَّلُ أَيْضًا بِالرِّزْقِْ:
3. كَمَا تَتَمَثَّلُ بِالاجْتِبَاءِ بِالرِّسَالَةِ وَالْمُلْكِْ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ تَمَثَّلَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي تَدَارَكَتْ ذَا النُّونِْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
- النَّجَاةُ مِنَ السُّوءِ، فَأُخْرِجَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ.
- الرِّزْقُ، فَأَنْبَتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ.
- الاجْتِبَاءُ بِالرِّسَالَةِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ بِيُونُسَ تَتَمَثَّلُ بِأَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ فَمَا لَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
وَكَانَتْ نَجَاتُهُ تِلْكَ مَتْبُوعَةً بِجَلْبِ الرِّزْقِ لَهُ عِنْدَمَا أَنْبَتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَتَمَّتْ نِعْمَةُ رَبِّهِ عَلَيْهِ بِالاجْتِبَاءِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِ.
وَنَحْنُ نَكَادُ نَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالهِدَايَةِ لِأَنَّ أَمْرَ الْهِدَايَةِ مَتْرُوكٌ لِمَشِيئَةِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
السُّؤَالُ: [أَيْنَ حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ؟]
أَيْنَ حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ لِذِي النُّونِ إِذَنْْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ فِي الْفَتْرَةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وَقَبْلَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ (لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ)ْ.
السُّؤَالُ: وَمَتَى حَصَلَ ذَلِكَْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: هُنَاكَ عِنْدَمَا الْتَقَمَهُ الْحُوتُ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِْ:
لِتُصْبِحَ مَسِيرَةُ حَيَاةِ ذِي النُّونِ – بِرَأْيِنَا الْمُفْتَرَى- عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
مِنْ مُسَبِّحِينَ – مِنَ الظَّالِمِينَ – الْهِدَايَةُ – النِّعْمَةُ – الاجْتِبَاءُ بِالرِّسَالَةِْ.
السُّؤَالُ: [لِمَاذَا اخْتَلَفَتِ النِّهَايَاتُ؟]
لِمَاذَا حَصَلَ ذَلِكَ لِذِي النُّونِْ؟
السُّؤَالُ الْمُعَاكِسُ: لِمَاذَا لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ ذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ؟ أَلَمْ يَدْعُ رَبَّهُ بِدُعَاءٍ مُشَابِهٍ لِدُعَاءِ ذِي النُّونِ؟ أَلَمْ يَكُنْ مِنَ الظَّالِمِينَ كَمَا كَانَ ذُو النُّونِ؟ إلخْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ خَاتِمَةَ الرَّجُلَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَتْ لِأَنَّ مُقَدِّمَتَهُمَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً. فَفِي حِينِ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَْ:
فَقَدْ كَانَ فِرْعَوْنُ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَْ:
سُؤَالٌ: هَلْ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فَقَطْ؟ هَلْ هَذَا السَّبَبُ كَافِيًا حَتَّى يُصْبِحَ الْفَرْقُ فِي نِهَايَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا شَاسِعًا بِهَذَا الشَّكْلِْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ سَبَبًا آخَرَ يُمَيِّزُ حَالَةَ ذِي النُّونِ عَنْ حَالَةِ فِرْعَوْنَْ.
السُّؤَالُ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْفَرْقُْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّهُ الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ. فَفِي حِينِ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَالِيًا فِي الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ ذُو النُّونِ كَذَلِكَْ.
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا: فِي حِينِ أَنَّ كِلَا الرَّجُلَيْنِ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، إِلَّا أَنَّ غَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الظُّلْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ تَخْتَلِفُ عَنْ غَايَةِ الْآخَرِ،
فَفِي حِينِ أَنَّ ظُلْمَ فِرْعَوْنَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- كَانَ مَدْفُوعًا بِالْعُلُوِّ بِالْأَرْضِ، لَمْ يَكُنْ ظُلْمُ ذِي النُّونِ مَدْفُوعًا بِذَلِكَ الْهَدَفِ.
فَغَايَةُ ذِي النُّونِ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا- كَانَتْ تَتَمَثَّلُ بِالْعُلُوِّ فِي الْآخِرَةِ وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ، فَالظُّلْمُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ كَانَ الْهَدَفُ مِنْ وَرَائِهِ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ حَسَنَةًْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَ أَنَّ ذَا النُّونِ (نَحْنُ نُؤْمِنُ) مِنْ أَصْحَابِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَهُوَ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا.
وَبِهَذَا الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْلَا الْفَسَادُ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ فِرْعَوْنُ وَلَوْلَا أَنَّ هَدَفَهُ كَانَ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ لَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ لَا تَقِلُّ عَنْ عَاقِبَةِ ذِي النُّونِْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُْ:
- لَمْ تَكُنْ غَايَتُهُ مَدْفُوعَةً بِهَدَفِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ.
- لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: كَانَ ظُلْمُ ذِي النُّونِ غَيْرَ مَدْفُوعٍ بِالْعُلُوِّ بِالْأَرْضِ وَلَا بِالْفَسَادِ، بَيْنَمَا كَانَ ظُلْمُ فِرْعَوْنَ مَدْفُوعًا بِالْعُلُوِّ بِالْأَرْضِ وَبِالْفَسَادِ. وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِْ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مَادَامَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ، فَهُوَ لَنْ يَكُونَ مِمَّنْ جُعِلَتْ لَهُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَمْ تُجْعَلْ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِْ:
السُّؤَالُ: [مُقَارَنَةٌ مَعَ مُوسَى]
إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْفَرْقَ – كَمَا تَزْعُمُ – بَيْنَ الظُّلْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ ذُو النُّونِ وَذَاكَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ فِرْعَوْنُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الظُّلْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ ذُو النُّونِ وَذَاكَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ مُوسَى مَثَلًاْ؟
أَلَمْ يُقِرَّ مُوسَى بِارْتِكَابِهِ الظُّلْمَ عِنْدَمَا قَتَلَ الرَّجُلَ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ قَتْلَ مُوسَى لِلرَّجُلِ رُبَّمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ظُلْمِ ذِي النُّونِ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: دَقِّقْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- جَيِّدًا فِيمَا قَالَهُ مُوسَى بِالضَّبْطِ دُونَ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. أَلَا تَجِدُ بِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِظُلْمِهِ نَفْسَهُ (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي)ْ؟
السُّؤَالُ: وَمَا الْفَرْقُْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَْ؟
بَيْنَمَا كَانَ مُوسَى ظَالِمًا لِنَفْسِهِ فَقَطْْ:
الْفَرْقُ بَيْنَ الظُّلْمِ مِنْ جِهَةٍ وَظُلْمِ النَّفْسِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىْ
السُّؤَالُ: وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ ظَالِمًا (كَذِي النُّونِ) أَوْ أَنْ تَكُونَ ظَالِمًا لِنَفْسِكَ (كَمُوسَى) مَثَلًاْ؟
جَوَابٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ فَهُوَ مَنْ يَبُوءُ بِإِثْمٍ وَاحِدٍ بَيْنَمَا مَنْ كَانَ ظَالِمًا فَهُوَ مَنْ يَبُوءُ بِإِثْمَيْنِ اثْنَيْنِْ.
الدَّلِيلُ: [قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ]
دَقِّقْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ مَا قَالَهُ أَحَدُ ابْنَيْ آدَمَ عِنْدَمَا أَرَادَ أَخُوهُ أَنْ يَقْتُلَهُْ:
أَلَا تَرَى بِأَنَّ الظَّالِمَ (أَيْ مَنْ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ) هُوَ مَنْ يَبُوءُ بِإِثْمِ غَيْرِهِ (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي) كَمَا يَبُوءُ بِإِثْمِهِ (وَإِثْمِكَ)ْ؟
السُّؤَالُ: فَمَنْ هُوَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ إِذَنْْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الَّذِي يَظْلِمُ نَفْسَهُ هُوَ مَنْ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ فَقَطْ، وَلَا يَبُوءُ بِإِثْمِ غَيْرِهِ. وَلَوْ دَقَّقْنَا مَلِيًّا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ عُقُوبَةَ الظَّالِمِ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِظُلْمِهِ وَيَتَرَاجَعُ عَنْهُ هِيَ جَهَنَّمُْ:
وَهِيَ لَا شَكَّ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ كَآدَمَ وَزَوْجِهِْ:
أَوْ كَمُوسَى مَثَلًاْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ مُوسَى ظَالِمًا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الظَّالِمِينَْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِأَنَّ مُوسَى بَاءَ بِإِثْمِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبُوءُ بِإِثْمِ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ لِأَنَّ مُوسَى (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُعْتَدِينَْ:
سُؤَالٌ: مَا الَّذِي تَقُولُهُ (يَا رَجُلُ): أَلَمْ يَقْتُلْ مُوسَى رَجُلًا؟ كَيْفَ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُعْتَدِينَ؟ لِمَ لَا يَبُوءُ بِإِثْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ؟ رُبَّمَا يَسْتَغْرِبُ صَاحِبُنَا قَائِلًاْ.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَابُدَّ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ مِنْ جَلْبِ سِيَاقَيْنِ قُرْآنِيَّيْنِ مَعًا يُصَوِّرَانِ لَنَا مُوَاجَهَةً بَيْنَ طَرَفَيْنِ (أَيْ رَجُلَيْنِ). وَهُنَا نَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ السِّيَاقَيْنِ التَّالِيَيْنِْ:
السِّيَاقُ الْأَوَّلُ: الْمُوَاجَهَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَ ابْنَيْ آدَمَْ:
السِّيَاقُ الثَّانِي: الْمُوَاجَهَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَ مُوسَى وَذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَهُ مُوسَىْ:
السُّؤَالُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَاجَهَتَيْنِْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْفَرْقَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّضِحَ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ بَعْدَ طَرْحِ التَّسَاؤُلِ التَّخَيُّلِيِّ التَّالِي: مَا الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ لَوْ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَقْتُلِ الرَّجُلَ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَكَانَ ذَاكَ الرَّجُلُ أَسْرَعَ إِلَى قَتْلِهِ مُوسَى، لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ بَاسِطًا يَدَهُ لِقَتْلِهِ مُوسَى كَمَا كَانَ مُوسَى بَاسِطًا يَدَهُ لِقَتْلِ ذَاكَ الرَّجُلِ.
وَلَكِنْ هَلْ هَذَا مَا حَصَلَ فِي الْمُوَاجَهَةِ بَيْنَ ابْنَيْ آدَمَ مِنْ قَبْلُ؟
جَوَابٌ مُفْتَرًى: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، لِأَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَطْ كَانَ بَاسِطًا يَدَهُ لِقَتْلِ الْآخَرِ بَيْنَمَا لَمْ يَبْسُطِ الْآخَرُ يَدَهُ لِقَتْلِهِ أَخِيهِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا بَسَطَ أَحَدُ ابْنَيْ آدَمَ يَدَهُ لِقَتْلِ آخِيهِ، فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِ نَفْسِهِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَبْسُطِ الْأَخُ الْآخَرُ يَدَهُ لِقَتْلِ أَخِيهِ الَّذِي بَسَطَ يَدَهُ لِقَتْلِهِ بَاءَ الْأَوَّلُ بِإِثْمٍ آخَرَ وَهُوَ إِثْمُ أَخِيهِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَبْسُطْ يَدَهُ لِقَتْلِهِ،
فَكَانَ الْقَاتِلُ مِنْهُمَا يَتَحَمَّلُ إِثْمَيْنِ مَعًا: إِثْمَ أَخِيهِ وَإِثْمَ نَفْسِهِ (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ)، فَكَانَ يَسْتَحِقُّ عَاقِبَةَ مَنْ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ (وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ). وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ- إِنْ شِئْتَ- فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا مَرَّةً أُخْرَى مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِْ:
أَمَّا فِي حَالَةِ مُوسَى، فَقَدْ كَانَ كِلَا الرَّجُلَيْنِ (مُوسَى وَعَدُوُّهُ) بَاسِطًا كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَهُ لِقَتْلِ الْآخَرِ، فَعِنْدَمَا بَسَطَ مُوسَى يَدَهُ لِقَتْلِ الرَّجُلِ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ أَيْضًا بَاسِطًا يَدَهُ لِقَتْلِ مُوسَى،
عِنْدَهَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَبُوءُ بِإِثْمِ نَفْسِهِ (أَيْ إِثْمِ الْقَتْلِ) لَكِنَّهُ لَا يَبُوءُ بِإِثْمِ الْآخَرِ. فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ظَالِمًا لِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لِغَيْرِهِْ.
تَخَيُّلَاتٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ مُوسَى كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (وَلَيْسَ فَقَطْ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ) لَوْ أَنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى قَتْلِ الرَّجُلِ الْآخَرِ فِي صَبِيحَةِ الْيَوْمِ التَّالِيْ:
لَاحِظْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- كَيْفَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ مُوسَى أَنْ يَبْطِشَ بِهِ لَمْ يَبْسُطْ يَدَهُ لِقَتْلِ مُوسَى (قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ)ْ،
فَلَوْ أَنَّ مُوسَى (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) قَدْ أَقْدَمَ عَلَى قَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ هَذَا الرَّجُلُ عَنْ بَسْطِ يَدِهِ لِيَقْتُلَ مُوسَى، لَكَانَ مُوسَى (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) مِنَ الظَّالِمِينَ وَلَبَاءَ حِينَهَا بِإِثْمَيْنِ اثْنَيْنِ: إِثْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَإِثْمِ نَفْسِهِْ.
وَلَعَلَّ مِثْلَ هَذَا الطَّرْحِ (عَلَى رَكَاكَتِهِ) رُبَّمَا يَحُلُّ إِشْكَالِيَّةً كَبِيرَةً فِي الْفِكْرِ الدِّينِيِّ تَتَمَثَّلُ فِي حِسَابِ مُوسَى عِنْدَ رَبِّهِ يَوْمَ الدِّينِ. لِذَا عَلَيْنَا أَنْ نَطْرَحَ تَسَاؤُلَاتٍ كَثِيرَةً حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ مِثْلَْ:
- أَلَا يَحِقُّ لِذَاكَ الرَّجُلِ أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ مِنْ مُوسَى؟
- أَلَمْ يَقْتُلْهُ مُوسَى عِنْدَمَا وَكَزَهُ؟
- وَلِمَ (نَحْنُ لَا زِلْنَا نَسْأَلُ) يَغْفِرُ اللَّهُ لِمُوسَى ظُلْمَهُ لِنَفْسِهِ؟
السُّؤَالُ الْخَطِيرُ: كَيْفَ تَتَحَصَّلُ الْمَغْفِرَةُ الْإِلَهِيَّةُ لِمُوسَى بِالرَّغْمِ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا؟ فَأَيْنَ حَقُّ الْمَقْتُولِ إِذَنْْ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِمُوسَى ذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ (أَيْ بَاءَ بِإِثْمِهِ) وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا (أَيْ بَاءَ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ غَيْرِهِ).
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِثْمَ بَيْنَهُمَا قَدْ تَسَاوَى، فَكَمَا بَسَطَ مُوسَى يَدَهُ لِقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا بَاسِطًا يَدَهُ لِقَتْلِ مُوسَى أَيْضًا، فَكَانَا كَأَنَّمَا هُمَا جُنْدِيَّانِ فِي سَاحَةِ حَرْبٍ، فَالْأَسْبَقُ هُوَ مَنْ يُطِيحُ بِخَصْمِهِ أَرْضًا، وَهُوَ لَا يَبُوءُ بِإِثْمِ خَصْمِهِ مَادَامَ أَنَّ هَذَا الْخَصْمَ كَانَ بَاسِطًا يَدَهُ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ أَيْضًا.
وَلَكِنْ، لَوْ أَنَّ الْمَقْتُولَ لَمْ يَبْسُطْ يَدَهُ لِقَتْلِ الْقَاتِلِ (كَمَا فِي حَالَةِ ابْنَيْ آدَمَ)، لَحَقَّ لِلْمَقْتُولِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ مِنْ أَخِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُ بَاسِطًا يَدَهُ لِقَتْلِ أَخِيهِ، فَكَانَ أَخُوهُ هُوَ الَّذِي اعْتَدَى، فَكَانَ ظَالِمًا يَبُوءُ بِإِثْمَيْنِ اثْنَيْنِ: إِثْمِ أَخِيهِ وَإِثْمِ نَفْسِهِْ:
تَبِعَاتُ هَذَا الظَّنِّْ
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَهَمَّ تَبِعَاتِ هَذَا الظَّنِّ هُوَ أَنَّ الْإِثْمَ الْوَاحِدَ هَذَا يَتَحَوَّلُ إِلَى ذَنْبٍ، قَابِلًا لِأَنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُْ:
السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِثْمَ (جَزَاءٌ لِمَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، يُصْبِحُ ذَنْبًا قَابِلًا لِلْمَغْفِرَةِْ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ مُتَوَافِرٌ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي الَّذِي جَاءَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى نَفْسِهِ مُعْتَرِفًا بِالذَّنْبِ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ جَرَّاءَ قَتْلِهِ وَاحِدًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَْ:
الدَّلِيلُ: [الظُّلْمُ وَالاعْتِدَاءُ]
لَا شَكَّ - عِنْدَنَا - أَنَّ الظَّالِمَ هُوَ مَنِ اعْتَدَى، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَىْ:
السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ مَنِ اعْتَدَى هُوَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، فَهَلْ كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ (أَيْ ظَالِمًا) وَلَمْ يَكُنْ فَقَطْ ظَالِمًا نَفْسَهُْ؟
رَأْيُنَا: نَعَمْ، كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الظَّالِمِينَ (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، لِذَا كَانَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ، فَهُوَ إِذًا يَبُوءُ بِإِثْمَيْنِ اثْنَيْنِ: إِثْمِ نَفْسِهِ وَإِثْمِ مَنْ حَوْلَهُ، وَرُبَّمَا هَكَذَا كَانَ فِرْعَوْنُ أَيْضًاْ.
الدَّلِيلُ: [أَوْجُهُ الظُّلْمِ]
أَوَّلًا، مَا دَامَ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَالاحْتِمَالِيَّةُ قَائِمَةٌ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُعْتَدِينَْ:
ثَانِيًا، وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَـ لَرُبَّمَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَطْرُدُونَ مَنْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِـ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّْ:
ثَالِثًا، لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ فَقَدْ كَانَ يَزْدَرِي الْآخَرِينَ الَّذِينَ هُمْ أَقَلُّ دَرَجَةً مِنْهُ عَلَى السُّلَّمِ الاجْتِمَاعِيِّ كَقَوْمِ نُوحٍ مَثَلًا الَّذِينَ كَانُوا يَزْدَرُونَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِنُوحٍْ:
رَابِعًا: لَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الظَّالِمِينَ قَدْ لَا يَتَرَدَّدُونَ فِي إِخْرَاجِ الرُّسُلِ مِنْ أَرْضِهِمْْ:
السُّؤَالُ: فَهَلْ كَانَ ذُو النُّونِ مِمَّنْ طَرَدَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؟ وَهَلْ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَلَى إِخْرَاجِ رُسُلِ اللَّهِ مِنَ الْأَرْضِْ؟
خَامِسًا، لَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّ عَاقِبَةَ الظَّالِمِينَ – إِنْ هُمْ لَمْ يَتَرَاجَعُوا عَنْ ظُلْمِهِمْ- هِيَ الْعَذَابُْ:
وَلَا شَكَّ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ سَتُصِيبُهُمْ إِنْ هُمْ أَصَرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْْ:
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَْ:
سَادِسًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ فَهُوَ إِذَنْ مِنَ الظَّالِمِينَْ:
فَالْمُعْتَدِي عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى بِالسَّرِقَةِ فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَْ:
وَلَا شَكَّ أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ الظُّلْمُ الْعَظِيمُْ:
نَتَائِجُ مُفْتَرَاةٌ: [خُلَاصَةُ حَالَةِ ذِي النُّونِ]
نَحْنُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْ هَذَا النِّقَاشِ بِالافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا تَنْطَبِقُ فِي حَالَةِ ذِي النُّونِْ:
- كَانَ ذُو النُّونِ فِي فَتْرَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ مِنَ الظَّالِمِينَ.
- وَلَرُبَّمَا كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الْمُعْتَدِينَ.
- وَلَرُبَّمَا كَانَ ذُو النُّونِ مِمَّنْ يَطْرُدُونَ مَنْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِـ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ.
- وَلَرُبَّمَا كَانَ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَلَى إِخْرَاجِ الرُّسُلِ مِنَ الْأَرْضِ.
- وَلَرُبَّمَا كَانَ ذُو النُّونِ مِمَّنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ.
- وَلَرُبَّمَا كَانَ ذُو النُّونِ مِمَّنْ يَتَوَلَّى الظَّالِمِينَ مِمَّنْ هُمْ حَوْلَهُ كَمَا كَانَ بَعْضُ الظَّالِمِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ.
- لَكِنَّ الْمُؤَكَّدَ لَنَا أَنَّ ذَا النُّونِ لَمْ يُصِرَّ عَلَى ظُلْمِهِ.
- وَقَدْ أَقَرَّ ذُو النُّونِ بِظُلْمِهِ نَفْسَهُ وَظُلْمِهِ غَيْرَهُ فَتَحَمَّلَ بِأَنْفُسِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ.
- كَمَا أَقَرَّ ذُو النُّونِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَدْعُوَهُ.
- إلخ.
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ قِصَّةَ ذِي النُّونِ وَقَدْ حَصَلَتْ إِذًا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَتَحَصَّلُ ذُو النُّونِ عَلَى الْحُكْمِ، فَيَكُونُ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، وَيَسْتَطِيعُ التَّأْثِيرَ بِمَا لَهُ مِنْ مَكَانَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ فِي قَوْمِهِ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، فَيُصْبِحُ مُعْظَمُهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ،
وَيَبْقَى الرَّجُلُ عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةِ طَامِعًا بِأَنْ يَجْتَبِيَهُ رَبُّهُ وَيَجْعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِلَّا أَنَّ الرَّجُلَ يَقَعُ فِي فِعْلِ الظُّلْمِ، فَيَكُونُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَيُصْبِحُ كَمَنْ يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِ غَيْرِهِ.
وَنَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ عِنْدَمَا وَجَدَ ذُو النُّونِ أَنَّ رَجُلًا آخَرَ قَدِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى قَوْمِهِ. فَعِنْدَهَا دَخَلَ الْحَنَقُ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) قَلْبَهُ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكْتُمَ غَيْظَ قَلْبِهِ، فَيُصْبِحُ مَكْظُومًا،
وَلَمَّا كَانَ فِيمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمَلَأِ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ الَّذِينَ أَوْغَرُوا صَدْرَ الرَّجُلِ ضِدَّ قَبُولِ دَعْوَةِ هَذَا الرَّسُولِ الْجَدِيدِ، لَمْ يَتَوَقَّفْ ذُو النُّونِ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ، بَلْ عَمَدَ إِلَى الْعَمَلِ عَلَى إِخْرَاجِ ذَلِكَ الرَّسُولِ مِنَ الْأَرْضِ،
وَذَهَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ لِيَلْحَقَ بِذَلِكَ الرَّسُولِ، وَهُنَا يَتَهَاوَى إِيمَانُ الرَّجُلِ إِلَى الْحَضِيضِ عِنْدَمَا ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ وَمَنْ مَعَهُ لَنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
فَمَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْبَحْرِ لَاحِقًا بِذَلِكَ الرَّسُولِ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُنَاكَ أَبَقَ الرَّجُلُ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ، وَلَكِنْ كَانَتِ النَّتِيجَةُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فَيَسْقُطُ الرَّجُلُ فِي الْبَحْرِ،
وَلَا يُنْقِذُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَمَا سَاقَ لَهُ ذَلِكَ الْحُوتَ لِيَلْتَقِمَهُ، وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ يَعُودُ الرَّجُلُ إِلَى رُشْدِهِ، فَيُنَادِي فِي الظُّلُمَاتِ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَخْرَجَتْهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِْ:
التَّسَاؤُلَاتُ الْمَنْوِيُّ الْخَوْضُ فِيهَا فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ (بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ) تَشْمَلُْ:
- مِنْ أَيْنَ جَاءَ ذَا النُّونِ الْحُكْمُ؟
- وَمَا مَاهِيَّةُ ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ؟
- وَلِمَاذَا لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ؟
- وَأَيْنَ ذَلِكَ الْبَحْرُ الَّذِي تَوَجَّهَ نَحْوَهُ؟
- وَكَيْفَ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ؟
- وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْفُلْكُ الَّذِي أَبَقَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ؟
- وَلِمَاذَا سَاهَمَ هُنَاكَ؟
- وَكَيْفَ سَاهَمَ؟
- وَكَيْفَ دُحِضَ الرَّجُلُ؟
- وَهَلْ كَانَ وَحْدَهُ عِنْدَمَا دُحِضَ؟
- وَمَنْ هُمُ الَّذِينَ دُحِضُوا مَعَهُ؟
- وَمَنِ الَّذِي دَحَضَهُمْ؟
- إلخ.
دُعَاءٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَأَسْأَلُهُ وَحْدَهُ أَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَأَسْأَلُهُ وَحْدَهُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمَ وَأَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَْ.
تعليقات