home الرئيسية chevron_left القصص | قصة يونس chevron_left

قصة يونس 7

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يناير 13, 2015
محتويات المقال:

    نُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْجَدِيدِ مِنَ الْمَقَالَةِ الْإِجَابَةَ عَلَى التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي أَنْهَيْنَا بِهَا الْجُزْءَ السَّابِقَ مِنَ الْمَقَالَةِ نَفْسِهَا، وَهِيَ تِلْكَ التَّسَاؤُلَاتُ الْخَاصَّةُ بِقِصَّةِ ذِي النُّونِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:

    • مِنْ أَيْنَ جَاءَ ذَا النُّونِ الْحُكْمُ؟ْ
    • وَمَا مَاهِيَّةُ ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يَصْبِرْ لَهُ؟ْ
    • وَلِمَاذَا لَمْ يَصْبِرْ لَهُ؟ْ
    • وَلِمَاذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْبَحْرِ عِنْدَمَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا؟ْ
    • وَأَيْنَ ذَلِكَ الْبَحْرُ الَّذِي تَوَجَّهَ نَحْوَهُ؟ْ
    • وَكَيْفَ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ؟ْ
    • وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْفُلْكُ الَّذِي أَبَقَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ؟ْ
    • وَلِمَاذَا أَبَقَ إِلَى فُلْكِ الْمَشْحُونِ أَصْلًا؟ْ
    • وَلِمَاذَا سَاهَمَ هُنَاكَ؟ْ
    • وَكَيْفَ سَاهَمَ؟ْ
    • وَكَيْفَ دُحِضَ الرَّجُلُ؟ْ
    • وَهَلْ كَانَ وَحْدَهُ عِنْدَمَا دُحِضَ؟ْ
    • وَمَنِ اللَّذَيْنِ دُحِضُوا مَعَهُ؟ْ
    • وَمَنْ هُمُ اللَّذِينَ دَحَضُوا ذَا النُّونِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ؟ْ
    • إِلَخْ...

    بَابُ الْحُكْمِ: [لِمَاذَا سُمِّيَ يُونُسُ بِذِي النُّونِ؟]ْ

    سَنُحَاوِلُ جَاهِدِينَ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ نُقَدِّمَ (بِمَا أَذِنَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ مِنْ عِلْمٍ) تَصَوُّرَنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا الْخَاصَّ بِتَسْمِيَةِ يُونُسَ بِذِي النُّونِ، طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَ الرَّئِيسَ التَّالِي: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ يُونُسُ هُوَ نَفْسُهُ ذُو النُّونِ؟ْ

    أَمَّا بَعْدُ،

    افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ السَّابِقَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَفِي غَيْرِهَا مِنْ مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةِ الْأُخْرَى بِأَنَّ الْحُكْمَ مَصْدَرُهُ إِلَهِيٌّ، فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَهَبَ لَهُ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ سَالِمًا مِنَ النَّارِ:
    "رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" [الشعراء: 83]

    وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ (رُبَّمَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) بِأَنَّ مَرْحَلَةَ الْحُكْمِ هِيَ مَرْحَلَةٌ سَابِقَةٌ لِلنُّبُوَّةِ. فَإِبْرَاهِيمُ قَدْ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِ أَنْ يَهَبَ لَهُ شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:

    1. أَنْ يَهَبَ لَهُ حُكْمًا (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا).
    2. أَنْ يُلْحِقَهُ بِالصَّالِحِينَ (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).

    وَلَمَّا ظَنَنَّا أَنَّ اللِّحَاقَ بِالصَّالِحِينَ تَعْنِي الِاصْطِفَاءَ بِالرِّسَالَةِ (انْظُرِ الْمَقَالَاتِ السَّابِقَةَ)، فَإِنَّ الْحُكْمَ هُوَ (فِي ظَنِّنَا) الْمَرْحَلَةُ السَّابِقَةُ لِتِلْكَ الْفَتْرَةِ. فَحَتَّى يُصْبِحَ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَصْطَفِيَهُ بِالرِّسَالَةِ مُؤَهَّلًا لَهَا، فَلَابُدَّ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) أَنْ يَمُرَّ بِمَرْحَلَةِ التَّجَهُّزِ لَهَا، وَهِيَ فِي ظَنِّنَا مَرْحَلَةُ الْحُكْمِ وَالْعِلْمِ، كَمَا حَصَلَ مَعَ مُوسَى مَثَلًا:

    "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" [القصص: 14]

    وَكَمَا حَصَلَ مَعَ يُوسُفَ أَيْضًا:

    "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" [يوسف: 22]

    وَرُبَّمَا كَمَا كَانَ يَحْصُلُ مَعَ جَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ:

    "وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ" [الأنبياء: 74]
    "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ" [الأنبياء: 79]
    "فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ" [الشعراء: 21]
    "رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" [الشعراء: 83]

    وَلَوْ رَاقَبْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مَحْصُورٌ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ:

    "مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [يوسف: 40]
    "وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" [يوسف: 67]
    "وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 70]
    "وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 88]
    "ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ" [غافر: 12]

    وَلَوْ رَاقَبْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يُؤْتِي بَعْضَ عِبَادِهِ الْحُكْمَ:

    "مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" [آل عمران: 79]
    "أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ" [الأنعام: 89]

    نَتِيجَةٌ 1: لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي أَنْ يُؤْتِيَ حُكْمَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ يَبْقَى اللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ:

    "أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" [التين: 8]

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ يَا مَنْ أَنْتَ وَحْدَكَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُؤْتِيَنِي حُكْمًا وَعِلْمًا - آمِينَ).

    نَتِيجَةٌ 2: وَلَوْ تَفَقَّدْنَا بَعْضَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ السَّابِقَةِ لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّ الْحُكْمَ مُرْتَبِطٌ بِفَتْرَةٍ عُمُرِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ بُلُوغُ الْأَشُدِّ، فَحَصَلَ عَلَيْهَا يُوسُفُ مَثَلًا بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ أَشُدَّهُ:

    "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" [يوسف: 22]

    بَيْنَمَا انْتَظَرَ مُوسَى فَتْرَةً زَمَنِيَّةً أَطْوَلَ، فَمَا حَصَلَ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى:

    "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" [القصص: 14]

    نَتِيجَةٌ 3: لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ الْإِلَهِيَّةِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) إِلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ فَقَطْ: إِنَّهُ يَحْيَى الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْحُكْمَ وَهُوَ لَازَالَ صَبِيًّا:

    "يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" [مريم: 12]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوحُ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ: مَا هُوَ الْحُكْمُ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى غَيْرُ مُبَاشِرٍ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى بَعْضِ الرَّوِيَّةِ وَالتَّأَنِّي، نَبْدَأُ النِّقَاشَ فِيهِ بِمُحَاوَلَتِنَا إِمْعَانَ التَّدَبُّرِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    "أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" [الشعراء: 197]

    دَقِّقْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - جَيِّدًا بِهَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ، لِتَجِدَ – بِرَأْيِنَا - حَالَةً مِنَ التَّنَافُرِ الظَّاهِرِيِّ الْعَجِيبِ بَيْنَهَا مِنْ جِهَةٍ وَالْآيَاتِ الَّتِي سَبَقَتْهَا وَتِلْكَ الَّتِي لَحِقَتْ بِهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَدَعْنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ السِّيَاقَ أَوَّلًا، ثُمَّ لَا نَتَرَدَّدُ أَنْ نَطْرَحَ التَّسَاؤُلَاتِ بِكُلِّ جُرْأَةٍ وَمِصْدَاقِيَّةٍ:

    "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَٰلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201)" [الشعراء: 192-201]

    التَّسَاؤُلَاتُ:

    • أَلَيْسَ الْقُرْآنُ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؟ْ
    • أَلَمْ يَنْزِلْ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ)؟ْ
    • أَلَمْ يُنْزِلْهُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ (عَلَىٰ قَلْبِكَ)؟ْ
    • أَلَيْسَ الْهَدَفُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ لِيَكُونَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ)؟ْ
    • أَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْإِنْذَارُ مِنْ مُحَمَّدٍ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)؟ْ
    • مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِزُبُرِ الْأَوَّلِينَ؟ْ
    • وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)؟ْ
    • وَمَا هُوَ "هَذَا" الَّذِي هُوَ فِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ؟ْ
    • وَمَا هِيَ زُبُرُ الْأَوَّلِينَ أَسَاسًا؟ْ
    • إِلَخْ...

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ الْمُرْبِكُ لَنَا الْآنَ هُوَ: كَيْفَ يَكُونُ فِي هَذَا (الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) آيَةٌ يَعْلَمُهَا عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَحَدَّثُ بِلِسَانِهِمْ مَادَامَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ْ

    "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [إبراهيم: 4]

    ثُمَّ، كَيْفَ أَنَّ فِي نُزُولِ هَذَا الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (لَوْ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ) لَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي إِيمَانِهِمْ؟ْ

    "وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)" [الشعراء: 198-199]
    • وَمَنْ هُمْ هَؤُلَاءِ الْأَعْجَمِينَ الَّذِينَ لَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لَوْ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؟ْ
    • وَمَاذَا عَنِ الْآخَرِينَ مِنْهُمْ؟ْ
    • وَلِمَ لَمْ يَنْزِلْ قُرْآنًا مِثْلَهُ بِلِسَانِ الْأَعْجَمِينَ؟ْ
    • أَلَمْ يَكُنِ الْبَعْضُ الْآخَرُ سَيُؤْمِنُونَ بِهِ لَوْ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِلِسَانِهِمْ؟ْ
    • أَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَدْلٌ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ؟ْ
    • فَمَا ذَنْبُ بَعْضِ الْأَعْجَمِيِّينَ الَّذِينَ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لَوْ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ قُرْآنًا بِلِسَانِهِمْ؟ْ
    • وَكَيْفَ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ رَسُولًا لِلنَّاسِ جَمِيعًا؟ْ
    "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [الأعراف: 158]
    • وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حُجَّةً عَلَى الْجَمِيعِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي أَنْذَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ؟ْ
    • إِلَخْ...
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى كُلِّ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ رُبَّمَا نَجِدُهُ فِي مُفْرَدَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ "الْحُكْمُ" – مَوْضُوعُ النِّقَاشِ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ الْآنَ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُفْرَدَةِ الْحُكْمِ الْوَارِدَةِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَنْ تُسْعِفَنَا فِي الْوُصُولِ إِلَى إِجَابَاتٍ مُفْتَرَاةٍ لِجَمِيعِ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ الْمُثِيرَةِ وَالْمُرْبِكَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟ْ

    جَوَابٌ: دَعْنَا نُدَقِّقُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي:

    "وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)" [الرعد: 36-37]

    السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَتَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِ الْجَمِيعِ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ عَلَى الْفَوْرِ هُوَ: كَيْفَ أُنْزِلَ هَذَا الْكِتَابُ حُكْمًا عَرَبِيًّا (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا)؟ْ

    نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا 1: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ مُنْذِرًا بِهِ (أَيِ الْكِتَابِ) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)" [الشعراء: 192-195]

    نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا 2: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْكِتَابَ قَدْ أُنْزِلَ حُكْمًا عَرَبِيًّا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ْ

    "وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)" [الرعد: 36-37]

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ الْكِتَابَ قَدْ أُنْزِلَ حُكْمًا عَرَبِيًّا إِذَنْ؟ْ

    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ كَلَامُ اللَّهِ مَقْصُودٌ بِذَاتِهِ، فَإِنَّنَا نَجِدُ لِزَامًا الْإِقْرَارَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ بِالْمَبْدَأِ الرَّاسِخِ عِنْدَنَا الَّذِي مَفَادُهُ بِأَنَّ أَيَّ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ (مَهْمَا كَانَ صَغِيرًا) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَدْفُوعًا بِاخْتِلَافٍ فِي الْمَعْنَى، فَآيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ "مُحْكَمَةُ" الصِّيَاغَةِ، لِذَا يَجِبُ تَوَخِّي أَقْصَى دَرَجَاتِ الدِّقَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَهَا. لِذَا نَحْنُ بِحَاجَةٍ أَنْ نَتَوَقَّفَ عِنْدَ كُلِّ مُفْرَدَةٍ لِنَتَدَبَّرَهَا مَلِيًّا قَبْلَ أَنْ نَقْفِزَ إِلَى اسْتِنْبَاطَاتٍ غَالِبًا مَا تَتَّصِفُ بِالْعُمُومِيَّاتِ الَّتِي رُبَّمَا لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ.

    السُّؤَالُ: عَلَى مَنْ أُنْزِلَ الْكِتَابُ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: عَلَى جَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ. فَاللَّهُ هُوَ مَنْ آتَى مُوسَى مَثَلًا الْكِتَابَ:

    "وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [البقرة: 53]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ" [البقرة: 87]
    "ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ" [الأنعام: 154]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" [هود: 110]
    "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا" [الإسراء: 2]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ" [المؤمنون: 49]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا" [الفرقان: 35]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [القصص: 43]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ" [السجدة: 23]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ" [غافر: 53]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ" [فصلت: 45]

    وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ الْمَسِيحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْكِتَابَ:

    "قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (48)" [آل عمران: 47-48]
    "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [المائدة: 110]

    وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ:

    "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: 231]
    "نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" [آل عمران: 3]
    "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [آل عمران: 7]
    "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" [النساء: 113]
    "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا" [النساء: 140]
    "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [النحل: 64]
    "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ" [النحل: 89]
    "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [العنكبوت: 51]
    "إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" [الزمر: 41]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: آتَى اللَّهُ مُوسَى الْكِتَابَ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: عَلَّمَ اللَّهُ عِيسَى الْكِتَابَ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 3: أَنْزَلَ اللَّهُ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ.

    السُّؤَالُ الْمُهِمُّ: هَلِ الْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى وَعَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسَى؟ْ

    رَأْيُنَا: نَعَمْ هُوَ الْكِتَابُ نَفْسُهُ.

    السُّؤَالُ: هَلْ أُنْزِلَ الْكِتَابُ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى حُكْمًا عَرَبِيًّا كَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ْ

    جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، فَقَدْ آتَى اللَّهُ مُوسَى الْكِتَابَ بِلِسَانِ قَوْمِ مُوسَى. فَكَانَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) حُكْمًا عِبْرَانِيًّا وَلَمْ يَكُنْ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ رَسُولٍ كَانَ يُنْذِرُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ:

    "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [إبراهيم: 4]

    السُّؤَالُ: وَهَلْ أُنْزِلَ الْكِتَابُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسَى حُكْمًا عَرَبِيًّا؟ْ

    جَوَابٌ: كَلَّا وَأَلْفُ كَلَّا، فَقَدْ عَلَّمَ اللَّهُ عِيسَى الْكِتَابَ بِلِسَانِ مَنْ كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) حُكْمًا آرَامِيًّا.

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ قَدْ أُنْزِلَ حُكْمًا عَرَبِيًّا؟ْ

    بَابُ: [وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا]ْ

    بِدَايَةً، لَابُدَّ مِنْ تَدَارُسِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ – رُبَّمَا بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ - الْفَصْلَ الْوَاضِحَ بَيْنَ الْكِتَابِ مِنْ جِهَةٍ وَالْحُكْمِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَالْكِتَابُ شَيْءٌ وَالْحُكْمُ شَيْءٌ آخَرُ، وَالنُّبُوَّةُ شَيْءٌ ثَالِثٌ:

    "مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" [آل عمران: 79]
    "أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ" [الأنعام: 89]

    لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الْمُسْتَنْبَطَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    نَتِيجَةٌ 1: هُنَاكَ الْكِتَابُ (الْكِتَابَ).

    نَتِيجَةٌ 2: هُنَاكَ الْحُكْمُ (وَالْحُكْمَ).

    نَتِيجَةٌ 3: هُنَاكَ النُّبُوَّةُ (وَالنُّبُوَّةَ).

    ثَانِيًا، لَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي هَذِهِ الْمُفْرَدَةِ عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَوَجَدْنَا عَلَى الْفَوْرِ إِمْكَانِيَّةَ الْحُصُولِ عَلَى وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَانْظُرْ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ:

    • إِبْرَاهِيمُ: "رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" (26:83).
    • لُوطٌ: "وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ" (21:74).
    • سُلَيْمَانُ وَدَاوُودُ: "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ" (21:79).
    • مُوسَى: "فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ" (26:21).
    • يُوسُفُ: "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" (12:22).

    ثَالِثًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ بِالرَّغْمِ أَنَّ الْحُكْمَ شَيْءٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْكِتَابِ بِدَلِيلِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ (الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) إِلَّا أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَهُمَا وَثِيقَةٌ، فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا الرَّبْطَ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْحُكْمِ مُبَاشِرًا:

    "وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ" [الرعد: 37]

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا: كَيْفَ يَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِالْكِتَابِ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ تُصَوِّرُ ذَلِكَ أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ:

    "الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" [هود: 1]

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 1: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْكِتَابَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الْآيَاتِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 2: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ قَدْ أُحْكِمَتْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 3: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَتَوَلَّى مَسْؤُولِيَّةَ إِحْكَامِ آيَاتِ الْكِتَابِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 4: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةَ لَابُدَّ مِنْ أَنْ تُفَصَّلَ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمُ الرَّسُولُ حَتَّى يَسْتَطِيعُونَ فَهْمَهُ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا 5: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَتَوَلَّى تَفْصِيلَ الْآيَاتِ الَّتِي أُحْكِمَتْ وَهُوَ الرَّسُولُ نَفْسُهُ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يَتِمُّ ذَلِكَ كُلُّهُ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَتَدَبَّرَ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ، لَرُبَّمَا خَرَجْنَا بِاسْتِنْبَاطَاتٍ أُخْرَى لَهَا عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِفَحْوَى النِّقَاشِ:

    "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ" [فصلت: 44]

    لِتَكُونَ الِافْتِرَاءَاتُ الَّتِي نُحَاوِلُ الْخُرُوجَ بِهَا مِنْ هَذَا النِّقَاشِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • هُنَاكَ الْكِتَابُ.
    • هُنَاكَ الْقُرْآنُ.
    • الْكِتَابُ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ.
    • آيَاتُ الْكِتَابِ الَّتِي أُحْكِمَتْ قَدْ فُصِّلَتْ قُرْآنًا.
    • جَاءَتْ تِلْكَ الْآيَاتُ مُفَصَّلَةً قُرْآنًا عَرَبِيًّا.

    لِيَكُونَ السِّينَارِيُو الَّذِي نُحَاوِلُ أَنْ نَرْسُمَهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    الْكِتَابُ:

    • مِنْ لَدُنِ اللَّهِ.
    • آيَاتٌ.
    • أُحْكِمَتْ.

    الْقُرْآنُ:

    • عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
    • آيَاتٌ.
    • فُصِّلَتْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: تَكُونُ آيَاتُ الْكِتَابِ مُحْكَمَةً (بِاللُّغَةِ الْإِلَهِيَّةِ) فَيَتِمُّ تَفْصِيلُهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَرْجَمَتِهَا عَرَبِيَّةً وَأَعْجَمِيَّةً.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ هَذَا كُلَّهُ؟ْ

    رَأْيُنَا: بِدَايَةً نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الضَّرُورَةَ رُبَّمَا تَسْتَدْعِي الرُّجُوعَ إِلَى مَا افْتَرَيْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ مَا جَاءَ فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا تَحْتَ عُنْوَانِ لِمَاذَا قَدَّمَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطٌ بَنَاتِهِ بَدَلًا مِنْ ضُيُوفِهِ؟ خَاصَّةً الْجُزْءَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَمَا بَعْدَهُ وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟ لِذَا نَحْنُ نَنْصَحُ الْقَارِئَ الْكَرِيمَ بِالرُّجُوعِ إِلَى تِلْكَ الْمَقَالَاتِ لِيَنْظُرَ بِمَا جَاءَ فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا لَهُ حَتَّى تَتَكَوَّنَ عِنْدَهُ صُورَةٌ وَاضِحَةٌ لِمَا نُحَاوِلُ تَسْوِيقَهُ مِنْ ظُنُونٍ مُفْتَرَاةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ الْخَطِيرِ جِدًّا. فَنَحْنُ نَعْلَمُ مِقْدَارَ الضَّعْفِ (وَرُبَّمَا الْعَجْزِ) الَّذِي نُعَانِي مِنْهُ فِي صِيَاغَةِ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَدُورُ فِي ذِهْنِنَا كَنُصُوصٍ وَاضِحَةٍ يَسْتَطِيعُ الْقَارِئُ الْكَرِيمُ أَنْ يُتَابِعَهَا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، لِذَا نَحْنُ نَعْتَمِدُ عَلَى قُدْرَةِ الْمُتَلَقِّي عَلَى فَهْمِ الْفِكْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى صِيَاغَتِهَا بِالشَّكْلِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ. سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، وَأَنْ يَزِدَنَا عِلْمًا، إِنَّهُ هُوَ الْوَاسِعُ الْعَلِيمُ – آمِينَ.

    أَمَّا بَعْدُ،

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ: مَا الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْحُكْمِ؟ْ

    بَعْدَ مُحَاوَلَتِنَا تَدَبُّرَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْحُكْمِ وَارْتِبَاطِهَا بِالْكِتَابِ، لَفَتَ انْتِبَاهَنَا الْمُلَاحَظَةُ التَّالِيَةُ: لَمْ يَكُنْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ حُكْمًا، لَكِنَّنَا وَجَدْنَا أَنَّ "الْحِكْمَةَ" (وَلَيْسَ الْحُكْمَ) هِيَ الْمُصَاحِبَةُ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ:

    "قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (48)" [آل عمران: 47-48]
    "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [المائدة: 110]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي حَاوَلْنَا عَلَى الْفَوْرِ تَدَبُّرَهُ هُوَ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا جَاءَتِ الْحِكْمَةُ مُصَاحِبَةً لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟ وَلِمَ لَمْ يَكُنْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِمَّنْ آتَاهُمُ اللَّهُ حُكْمًا كَمَا حَصَلَ مَعَ يَحْيَى مَثَلًا، وَهُوَ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا:

    "يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" [مريم: 12]

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ مَرَّةً أُخْرَى، وَحَاوَلْنَا تَدَبُّرَهَا جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا مَا يَدْعُو الْوُقُوفَ عِنْدَهُ مَلِيًّا، وَأَقْصِدُ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ الْمُلَاحَظَةَ الَّتِي فَحْوَاهَا أَنَّ عِيسَى قَدْ حَصَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَكَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّعْلِيمِ، رَاقِبْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - هَذِهِ الْآيَاتِ مَرَّةً أُخْرَى:

    "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" [آل عمران: 48]

    ... وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ...

    وَلَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ - لَوْ قَارَنَّا ذَلِكَ بِمَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ لَوَجَدْنَا أَنَّ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ وَكَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّنْزِيلِ (وَلَيْسَ التَّعْلِيمِ)، رَاقِبْ - عَزِيزِي الْقَارِئَ - السِّيَاقَ التَّالِيَ جَيِّدًا:

    "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" [النساء: 113]

    وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ اللَّذَانِ جَاءَا مُحَمَّدًا تَنْزِيلًا، عَلَّمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا أَيْضًا مَا لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ يَعْلَمُهُ:

    ... وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)

    وَلَوْ حَاوَلْنَا تَدَبُّرَ السِّيَاقَاتِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ عِيسَى وَمُحَمَّدًا قَدْ تَوَلَّيَا مُهِمَّةَ تَعْلِيمِ مَنْ حَوْلَهُمَا الْحِكْمَةَ، فَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُومُ بِتَعْلِيمِ غَيْرِهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ اللَّتَانِ جَاءَتْهُ تَنْزِيلًا بَعْدَ أَنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الْآيَاتِ:

    "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [البقرة: 129]
    "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 151]
    "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [آل عمران: 164]
    "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [الجمعة: 2]

    وَكَانَ عِيسَى قَدْ جَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلُ بِالْحِكْمَةِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ بَعْضَ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ:

    "وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" [الزخرف: 63]

    بَعْدَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ، دَعْنَا نُثِيرُ التَّسَاؤُلَ الْكَبِيرَ جِدًّا التَّالِيَ: لِمَاذَا جَاءَ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ تَعْلِيمًا بَيْنَمَا جَاءَ مُحَمَّدًا تَنْزِيلًا؟ْ

    • عِيسَى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (48).
    • مُحَمَّدٌ: ... وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113).

    وَبِالْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى نَفْسِهِ نَحْنُ نَسْأَلُ: لِمَاذَا عَلَّمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ يَعْلَمُهُ؟ وَلِمَ لَمْ يُعَلِّمْ عِيسَى مِثْلَ ذَلِكَ؟ْ

    وَبِالْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى نَفْسِهِ نَحْنُ نَسْأَلُ: لِمَاذَا عَلَّمَ اللَّهُ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؟ وَلِمَ لَمْ يَحْصُلْ مِثْلُ هَذَا التَّعْلِيمِ لِمُحَمَّدٍ؟ْ

    نَتَائِجُ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا:

    • كَانَ عِيسَى يَعْلَمُ مَا فِي الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ (وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الطَّرِيقَةُ).
    • كَانَ عِيسَى يَمْلِكُ الْحِكْمَةَ وَكَذَلِكَ كَانَ مُحَمَّدٌ (وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الطَّرِيقَةُ).
    • كَانَ عِيسَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَلِّمْهُ التَّوْرَاةَ كَمَا عَلَّمَ عِيسَى.
    • كَانَ عِيسَى يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ مَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْإِنْجِيلَ كَمَا عَلَّمَ عِيسَى.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا الَّذِي نَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ مَا لَمْ يَجِدْ أَنَّ الدَّلِيلَ يَدْعَمُهُ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ لِهَذَا عَلَاقَةً مُبَاشِرَةً بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تَخُطُّ وَاحِدَةً مِنْ سُنَنِ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلُ، وَالْآيَةُ هِيَ:
    "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [إبراهيم: 4]

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذِهِ الْآيَةِ بِمُحَاوَلَتِنَا الْإِجَابَةَ عَلَى التَّسَاؤُلَاتِ السَّابِقَةِ؟ْ

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَّضِحَ لَاحِقًا، لَكِنْ لَابُدَّ أَنْ نَبْدَأَ (نَحْنُ نَظُنُّ) مِنَ الْمَنْطِقِ الْمُفْتَرَى التَّالِي: لَمْ يَكُنْ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْمٌ، لِذَا فَهُوَ لَا يَتَحَدَّثُ لُغَةَ النَّاسِ بَيْنَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يَنْتَمِي إِلَى عَشِيرَةٍ مُحَدَّدَةٍ فَكَانَ يُنْذِرُهُمْ بِلِسَانِهِمْ.

    الدَّلِيلُ:

    لِنَبْدَأِ الْبَحْثَ عَنِ الدَّلِيلِ بِإِثَارَةِ التَّسَاؤُلِ التَّالِي: إِذَا كَانَ كُلُّ رَسُولٍ قَدْ أُرْسِلَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، فَمَنْ هُمْ قَوْمُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ اثْنَانِ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَوْمٌ يَنْتَمُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمَا (1) عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَ (2) دَاوُودُ. وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا كَمَا سَنَرَى لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ) جَاءَ اللَّعْنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ هَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ:

    "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ" [المائدة: 78]

    وَسَنَرَى لَاحِقًا كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا سَبَبًا كَافِيًا أَنْ يَكُونَ دَاوُودُ (كَمَا كَانَ عِيسَى وَمُحَمَّدٌ) مِمَّنْ آتَاهُمُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ:

    "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة: 251]

    لَكِنْ دَعْنَا هُنَا نُبْقِي التَّرْكِيزَ مُنْصَبًّا عَلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، لِنَفْتَرِيَ الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَكِنَّهُ كَانَ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.

    الدَّلِيلُ:

    دَعْنَا نُحَاوِلُ مُقَارَنَةَ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْ مُوسَى مَثَلًا، مُخَاطِبًا قَوْمَهُ مُبَاشَرَةً:

    "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [الصف: 5]

    بِالسِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي الَّذِي جَاءَ خَاصًّا بِعِيسَى:

    "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [الصف: 6]

    أَلَا تَجِدُ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - أَنَّ مُوسَى يُوَجِّهُ خِطَابَهُ إِلَى قَوْمِهِ (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ) بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، وَلَكِنَّ عِيسَى – بِالْمُقَابِلِ - لَا يُخَاطِبُ قَوْمًا لَهُ وَلَكِنَّهُ يُخَاطِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَطْ (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم).

    وَالْآنَ دَعْنَا نُحَاوِلُ أَنْ نَرْبِطَ ذَلِكَ بِمَا جَاءَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ، لِنَجِدَ عَلَى الْفَوْرِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ مُحَمَّدًا رَسُولًا إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا:

    "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [الأعراف: 158]

    لِنَخْرُجَ مِنْ هَذَا النِّقَاشِ بِتَسَاؤُلَاتٍ غَايَةٍ فِي الْإِثَارَةِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:

    • هَلْ كُلُّ النَّاسِ هُمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ؟ْ
    • وَهَلْ يَتَحَدَّثُ مُحَمَّدٌ بِلِسَانِ كُلِّ النَّاسِ؟ْ
    • أَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ يُنْذِرُ النَّاسَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ:
    "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا" [مريم: 97]
    "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [الدخان: 58]
    "عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)" [الشعراء: 194-195]

    تَلْخِيصُ مَا سَبَقَ: نَحْنُ نُثِيرُ جُمْلَةً مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّهَا مُتَرَابِطَةٌ، وَذَلِكَ لِغَرَضِ التَّأْطِيرِ لِلتَّسَاؤُلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ: لِمَاذَا جَاءَ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ تَعْلِيمًا بَيْنَمَا جَاءَ مُحَمَّدًا تَنْزِيلًا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا لَمْ يَكُنْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَنْتَمِي إِلَى قَوْمٍ مِنَ النَّاسِ، فَهُوَ بِالتَّالِي لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ لِسَانَهُمْ، وَبِالتَّالِي كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) يَحْتَاجُ أَنْ يَتَعَلَّمَ تَعْلِيمًا، فَجَاءَ تَعْلِيمُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" [آل عمران: 48]

    ... وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ...

    لِيَكُونَ الْمَشْهَدُ الْخَاصُّ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (كَمَا نَفْتَرِيهِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يُنَفِّذُ اللَّهُ أَمْرَهُ بِكَلِمَتِهِ الْمَسِيحِ، فَيَكُونُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ كَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ:

    "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا" [النساء: 171]

    وَلَمَّا كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ كَلِمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، لَمْ يَكُنْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ (نَتِيجَةَ ذَلِكَ النَّفْخِ الْإِلَهِيِّ كَكَلِمَةٍ مِنْهُ) يَنْتَمِي إِلَى قَوْمٍ مِنَ النَّاسِ مَادَامَ أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِمَرَاحِلِ خَلْقِ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:

    "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" [الحج: 5]

    وَمَادَامَ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَمَا يُخْلَقُ النَّاسُ جَمِيعًا:

    "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات: 13]

    وَمَا أَنْ يُخْلَقَ الْمَسِيحُ حَتَّى يَنْطَلِقَ لِسَانُهُ بِالْكَلَامِ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ:

    "وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ" [آل عمران: 46]
    "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [المائدة: 110]
    "فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)" [مريم: 29-30]

    فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ مُعَلِّمًا لَهُ مِنَ النَّاسِ، لِذَا لَمْ يَنْطِقْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ بِلِسَانِ قَوْمٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدَمَا تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) لَيْسَ مِنْهُمْ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: جَاءَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَتَحَدَّثُ مُنْذُ يَوْمِهِ الْأَوَّلِ لُغَةً خَاصَّةً بِهِ لَيْسَتْ مِنْ لُغَاتِ النَّاسِ. لِذَا كَانَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ لِسَانًا يَخْتَلِفُ عَنْ أَلْسُنِ النَّاسِ جَمِيعًا.

    يَنْشَأُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَتَحَدَّثُ كَلَامًا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ مَنْ حَوْلَهُ أَنْ يَفْهَمُوا مَا كَانَ يَقُولُ، لِذَا فَهُوَ لَمْ يُخَاطِبِ النَّاسَ إِلَّا فِي طُفُولَتِهِ وَعِنْدَ كُهُولَتِهِ:

    "وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ" [آل عمران: 46]

    وَذَلِكَ (فِي ظَنِّنَا) لِسَبَبٍ بَسِيطٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ حَوْلَ الْمَسِيحِ لَمْ يَكُنْ لِيَفْهَمَ مَا كَانَ يَنْطَلِقُ لِسَانُ الْمَسِيحِ بِهِ مَادَامَ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ بِلِسَانِهِ الْخَاصِّ الَّذِي يَخْتَلِفُ عَنْ أَلْسِنَتِهِمْ جَمِيعًا. وَرُبَّمَا لِهَذَا كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ لِيَفْهَمُوا لُغَتَهُ الْخَاصَّةَ، فَأُخْتُصَّ الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ الْمُقَدَّسَةُ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الشُّبَّانِ هُمُ الْحَوَارِيُّونَ:

    "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ" [المائدة: 111]

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَتِنَا كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ الْمَسِيحِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟).

    وَبِالْمَنْطِقِ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ لِيَفْهَمَ كَلَامَ مَنْ كَانَ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِلِسَانٍ غَيْرِ لِسَانِهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ أَصْلًا بِحَاجَةٍ أَنْ يَفْهَمَ كَلَامَهُمْ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ أَسْمَاءٍ سَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِيسَى لِيَسْتَبْدِلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ:

    "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ ..." [البقرة: 61]

    لَمْ يَكُنْ لِيَتْرُكَ اللِّسَانَ الَّذِي يَتَحَدَّثُ بِهِ (وَهُوَ خَيْرٌ) مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِلِسَانِ الْقَوْمِ مِنْ حَوْلِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُوَ أَدْنَى).

    وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا مَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:

    "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" [آل عمران: 48]

    ... وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ...

    فَجَاءَ التَّعْلِيمُ الْإِلَهِيُّ لَهُ عَلَى النَّحْوِ وَالتَّرْتِيبِ التَّالِي:

    • تَعْلِيمُ الْكِتَابِ (الْكِتَابَ).
    • تَعْلِيمُهُ الْحِكْمَةَ (وَالْحِكْمَةَ).
    • تَعْلِيمُهُ التَّوْرَاةَ (وَالتَّوْرَاةَ).
    • تَعْلِيمُهُ الْإِنْجِيلَ (وَالْإِنجِيلَ).

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا: فَأَيْنَ الْحُكْمُ؟ لِمَ لَمْ يُؤْتِي اللَّهُ الْمَسِيحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْحُكْمَ كَمَا آتَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَيُوسُفَ وَلُوطًا وَغَيْرَهُمْ مِنْ رُسُلِهِ؟ وَلِمَ لَمْ يُؤْتِيهِ الْحُكْمَ صَبِيًّا كَمَا حَصَلَ مَعَ يَحْيَى مَثَلًا؟ْ

    "يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا" [مريم: 12]
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَدْ وُلِدَ وَمَعَهُ الْحُكْمُ أَصْلًا.

    السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي وُلِدَ عِيسَى وَهُوَ يَمْلِكُهُ؟ْ

    رَأْيُنَا: إِنَّهَا اللُّغَةُ الْإِلَهِيَّةُ. انْتَهَى.

    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْمَوْقِفَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: وُلِدَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَتَحَدَّثُ بِلِسَانِهِ الْخَاصِّ بِهِ، فَانْطَلَقَ لِسَانُهُ بِهِ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَكَلَّمَ مَنْ حَوْلَهُ وَهُوَ لَازَالَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ (نَحْنُ لَازَلْنَا نَتَخَيَّلُ) بِلِسَانِ الْقَوْمِ اللَّذِينَ هُمْ مِنْ حَوْلِهِ (أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَسَاسًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ. فَكَانَ يَتَكَلَّمُ حُكْمًا (خَاصًّا بِهِ)، وَهُوَ الْقَوْلُ الْفَصْلُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. وَنَحْنُ نَسْتَطِيعُ تَصْوِيرَ ذَلِكَ (مِنْ أَجْلِ تَقْرِيبِ الصُّورَةِ إِلَى الْأَذْهَانِ) عَلَى نَحْوِ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هُوَ النُّسْخَةُ الْمَادِّيَّةُ الْحَيَّةُ لِلْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ. فَمَا تَكَلَّمَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِلَّا الْحَقَّ، وَمَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ:

    "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ" [المائدة: 116]

    لِيَكُونَ السِّينَارِيُو فِي حَالَةِ عِيسَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    • الْحُكْمُ (جَاءَ مَعَهُ).
    • التَّعْلِيمُ (الْكِتَابُ الْحِكْمَةُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ).

    تَلْخِيصٌ: وُلِدَ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَمَعَهُ حُكْمًا خَاصًّا بِهِ (فَحَدَّثَ بِهِ مَنْ كَانَ حَوْلَهُ مِنَ النَّاسِ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِوِلَادَتِهِ)، فَمَا تَعَلَّمَ لِسَانَ الْقَوْمِ الَّذِينَ مِنْ حَوْلِهِ لِأَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَيْسُوا قَوْمَهُ وَإِنْ كَانَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ جُلُّ مَا يَحْتَاجُ الْمَسِيحُ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ مِمَّا عِنْدَ هَؤُلَاءِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ (مِمَّا عِنْدَ اللَّهِ) وَعِلْمُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ (مِمَّا عِنْدَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ).

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟).

    نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا سَنَحْتَاجُ إِلَيْهَا لَاحِقًا: مَادَامَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لَا يَعْرِفُ لِسَانَ النَّاسِ الَّذِينَ مِنْ حَوْلِهِ فَهُوَ إِذَنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْحِكْمَةَ تَعْلِيمًا.

    أَمَّا فِي حَالَةِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْأَمْرَ يَخْتَلِفُ بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ، فَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ مِنَ النَّاسِ مَادَامَ أَنَّهُ مَرَّ بِمَرَاحِلِ خَلْقِ النَّاسِ جَمِيعًا:

    "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" [الحج: 5]

    وَمَادَامَ أَنَّهُ قَدْ خُلِقَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى:

    "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات: 13]

    فَكَانَ يَنْتَمِي إِلَى قَوْمٍ بِأَعْيُنِهِمْ:

    "وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" [الشعراء: 214]

    فَجَاءَهُ الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ تَنْزِيلًا:

    ... وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)

    نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: مَادَامَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ (أَيْ لُغَةَ النَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ) فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ تَنْزِيلًا.

    فَكَانَتْ مُهِمَّةُ مُحَمَّدٍ تَكْمُنُ فِي أَنْ يُعَلِّمَ مَنْ حَوْلَهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ:

    "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [البقرة: 129]
    "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 151]
    "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [آل عمران: 164]
    "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [الجمعة: 2]

    فَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُومُ بِمُهِمَّتِهِ تِلْكَ (أَيْ تَعْلِيمُ النَّاسِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ اللَّتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْزَالًا) بِلِسَانِ قَوْمِهِ:

    "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا" [مريم: 97]
    "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" [الدخان: 58]
    "عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)" [الشعراء: 194-195]

    السُّؤَالُ: مَاذَا كَانَ يَفْعَلُ مُحَمَّدٌ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ؟ْ

    "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران: 187]

    السُّؤَالُ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ْ

    جَوَابٌ: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ:

    "بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل: 44]

    لِيُصْبِحَ الْمَشْهَدُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، كَانَتْ مُهِمَّةُ مُحَمَّدٍ تَشْمَلُ تَعْلِيمَ النَّاسِ ذَلِكَ (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فَكَانَ يَقُومُ بِذَلِكَ خَيْرَ قِيَامٍ، وَكَانَ أَيْضًا يُبَيِّنُ لَهُمْ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ (مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ)، وَكَانَ يُبَيِّنُ لَهُمْ ذَلِكَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ الْمَشْهَدَ بِصُورَةٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْكِتَابُ الْمُبِينُ:

    "الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ" [يوسف: 1]
    "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ" [الشعراء: 2]
    "تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ" [القصص: 2]
    "وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ" [الزخرف: 2]
    "وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ" [الدخان: 2]

    وَأَنْزَلَ اللَّهُ مَعَهُ الْحِكْمَةَ (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فَكَانَتْ مُهِمَّتُهُ تَكْمُنُ فِي أَنْ يُعَلِّمَ مُحَمَّدٌ النَّاسَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، وَأَصْبَحَتْ مُهِمَّةُ مُحَمَّدٍ هِيَ تِبْيَانُ مَا هُوَ أَصْلًا مُبَيَّنًا (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).

    السُّؤَالُ: كَيْفَ كَانَ مُحَمَّدٌ يَقُومُ بِذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: كَانَ مُحَمَّدٌ يَقُومُ بِذَلِكَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَلَيْسَ بِالنُّسْخَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْكِتَابُ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ.

    السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ النُّسْخَةُ الْأَصْلِيَّةُ مِنَ الْكِتَابِ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّهَا لُغَةُ الْوَحْيِ. فَآيَاتُ الْكِتَابِ مَسْطُورَةٌ فِي الْكِتَابِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) حُكْمًا إِلَهِيًّا كَمَا نَظُنُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ مِنْ بِدَايَةِ سُورَةِ الشُّورَى تُصَوِّرُهَا أَحْسَنَ تَصْوِيرٍ:

    "حم (1) عسق (2) كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)" [الشورى: 1-3]

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: أَنَّهَا الْآيَاتُ الْمُحْكَمَةُ الَّتِي لَمْ تُفَصَّلْ حُكْمًا عَرَبِيًّا فَبَقِيَتْ فِي حُكْمِهَا الْإِلَهِيِّ الْأَزَلِيِّ:

    "الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" [هود: 1]

    السُّؤَالُ الْكَبِيرُ جِدًّا: كَيْفَ يَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِالْكِتَابِ؟ْ

    "وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ" [الرعد: 37]

    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَفْهَمَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ؟ْ

    جَوَابٌ: بِمَا لَدَيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مُصَاحِبَةً لِلْكِتَابِ:

    ... وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: كَانَ مُحَمَّدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ آيَاتِ الْكِتَابِ الَّتِي أُحْكِمَتْ بِمَا لَدَيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عَنْ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْأَدَاةُ اللَّازِمَةُ لِفَهْمِ آيَاتِ الْكِتَابِ الَّتِي أُحْكِمَتْ.

    وَالْآنَ لِلنَّظَرِ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْحِكْمَةِ:

    "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [البقرة: 129]
    "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" [البقرة: 151]
    "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: 231]
    "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة: 251]
    "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [البقرة: 269]
    "وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" [آل عمران: 48]
    "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [آل عمران: 164]
    "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا" [النساء: 54]
    "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا" [النساء: 113]
    "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [المائدة: 110]
    "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل: 125]
    "ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا" [الإسراء: 39]
    "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" [لقمان: 12]
    "وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا" [الأحزاب: 34]
    "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ" [ص: 20]
    "وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" [الزخرف: 63]
    "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [الجمعة: 2]

    نَتِيجَةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا: كَانَ مُحَمَّدٌ يَسْتَطِيعُ تَفْصِيلَ آيَاتِ الْكِتَابِ الَّتِي أُحْكِمَتْ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مُصَاحِبَةً لِلْكِتَابِ، لِذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُفَصِّلَهَا (أَيْ يُتَرْجِمَهَا) قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ. لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْأَدَاةُ اللَّازِمَةُ لِفَهْمِ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ. فَمَنْ يَمْتَلِكُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ تَفْصِيلُهَا بِلِسَانٍ بَشَرِيٍّ، لِتُصْبِحَ الصُّورَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    الْكِتَابُ الْمُبِينُ (آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) – الْحِكْمَةُ – التَّفْصِيلُ – الذِّكْرُ - فَالتِّبْيَانُ.

    تَبِعَاتُ هَذَا الظَّنِّ:

    لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا فِيهَا (نَحْنُ نَظُنُّ) أَمْرًا يَدْعُو إِلَى الِاسْتِغْرَابِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلْنَنْظُرِ الْآيَةَ أَوَّلًا ثُمَّ نَطْرَحُ التَّسَاؤُلَ بَعْدَ ذَلِكَ:

    "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [آل عمران: 7]

    السُّؤَالُ: أَلَمْ يَنْزِلِ الْكِتَابُ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ تَكُنْ مُهِمَّةُ مُحَمَّدٍ تَكْمُنُ فِي تَفْصِيلِ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ؟ فَهَلْ فَصَّلَ مُحَمَّدٌ كُلَّ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبِينًا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى وَالْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: كَلَّا، لَمْ يُفَصِّلْ مُحَمَّدٌ كُلَّ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا؟ْ

    السُّؤَالُ: فَمَا الَّذِي فَصَّلَهُ مُحَمَّدٌ وَمَا الَّذِي لَمْ يُفَصِّلْهُ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمْ يُفَصِّلْ مُحَمَّدٌ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ اللَّاتِي هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ؟ْ

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: فَصَّلَ مُحَمَّدٌ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: لَمْ يُفَصِّلْ مُحَمَّدٌ آيَاتِ الْكِتَابِ الْمُحْكَمَاتِ اللَّاتِي هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ.

    السُّؤَالُ: مَا هِيَ تِلْكَ الْآيَاتُ الَّتِي لَمْ تُفَصَّلْ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهَا الْآيَاتُ الَّتِي ظَلَّتْ مُحْكَمَةً:

    هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...

    السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ تِلْكَ الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ؟ْ

    رَأْيُنَا: أَنَّهَا الَّتِي بَقِيَتْ صِيَاغَتُهَا حُكْمًا غَيْرَ عَرَبِيٍّ، أَيِ الَّتِي لَمْ تُفَصَّلْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا.

    السُّؤَالُ: وَمَا هِيَ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهَا الْأَحْرُفُ الْمُتَقَطِّعَةُ فِي بِدَايَةِ بَعْضِ السُّوَرِ وَهِيَ:

    الم، الر، المص، المر، كهيعص، طه، طس، طسم، يس، ص، حم، عسق، ق، ن.

    السُّؤَالُ: أَلَيْسَتْ هَذِهِ آيَاتٌ مِنَ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ؟ فَمَا هَذِهِ الْآيَاتُ؟ْ

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: إِنَّهَا لُغَةُ الْوَحْيِ كَمَا جَاءَتْ رُسُلَ اللَّهِ جَمِيعًا، وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ - فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ مَرَّةً أُخْرَى:

    "حم (1) عسق (2) كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)" [الشورى: 1-3]

    فَمُفْرَدَةُ كَذَٰلِكَ تَعُودُ (نَحْنُ نَظُنُّ) عَلَى مَا سَبَقَهَا مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ (حم (1) عسق (2))، لِيَكُونَ الْمَعْنَى كَمَا نَفْهَمُهُ هُوَ: أَنَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلَامِ (حم (1) عسق) جَاءَ الْوَحْيُ مُحَمَّدًا كَمَا جَاءَ كُلَّ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ.

    السُّؤَالُ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ (مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْفَصَاحَةِ) أَنْ يُبَيِّنَهَا لَنَا؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: هِيَ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي لَمْ تُفَصَّلْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَبَقِيَتْ حُكْمًا عَرَبِيًّا، فَلَا يَسْتَطِيعُ مَنْ يَعْرِفُ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ (مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْفَصَاحَةِ) أَنْ يَفْهَمَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةَ الَّتِي لَمْ تُفَصَّلْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، لِأَنَّ مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ.

    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ فَهْمُهَا؟ْ

    رَأْيُنَا: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْهَمَ هَذِهِ الْآيَاتِ فَلَابُدَّ أَنْ يُؤْتِيَ الْحُكْمَ فِيهَا، أَيْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ لُغَتَهَا، وَمِنْ ثَمَّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَصِّلَهَا أَيْ يُتَرْجِمَهَا، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ، أَيْ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حُكْمًا بِهَا أَوْ بِبَعْضٍ مِنْهَا، وَنَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ هِيَ "حُكْمًا" مُسْتَقِلًّا بِحَدِّ ذَاتِهَا، لَكِنَّهَا تُشَكِّلُ مُجْتَمِعَةً "الْحُكْمَ" كُلَّهُ، فَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ:

    "مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" [يوسف: 40]
    "وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" [يوسف: 67]
    "وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 70]
    "وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [القصص: 88]
    "ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ" [غافر: 12]

    وَاللَّهُ هُوَ مَنْ يُؤْتِي بَعْضَ عِبَادِهِ حُكْمًا كَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَيُوسُفَ وَلُوطًا وَغَيْرِهِمْ مِنْ رُسُلِهِ.

    لَكِنَّ الْجَدِيرَ بِالْمُلَاحَظَةِ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى رُسُلِ اللَّهِ، فَاللَّهُ قَدْ آتَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْحُكْمَ:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" [الجاثية: 16]

    وَلَكِنْ مَنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَفْهَمَ الْكِتَابَ (الْحُكْمَ) فَيُفَصِّلَهُ بِلِسَانِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ؟ْ

    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ آتَاهُ الْحِكْمَةَ كَآلِ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًا:

    "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا" [النساء: 54]

    وَأَشْخَاصٌ مِنْ مِثْلِ دَاوُودَ:

    "فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة: 251]
    "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ" [ص: 20]

    وَمَنْ هُمْ مِنْ مِثْلِ لُقْمَانَ:

    "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" [لقمان: 12]
    "وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا" [الأحزاب: 34]

    فَاللَّهُ هُوَ مَنْ يُؤْتِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْحِكْمَةَ:

    "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" [البقرة: 269]

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ وَحْدَكَ أَنْ تُنَفِّذَ أَمْرَكَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ بِأَنْ أَكُونَ مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ آتَيْتَهُمُ الْحِكْمَةَ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ – آمِينَ).

    عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقِصَّةِ يُونُسَ الَّتِي نُحَاوِلُ جَاهِدِينَ أَنْ نَتَدَبَّرَهَا بِمَا أَذِنَ اللَّهُ لَنَا فِيهَا مِنْ عِلْمٍ؟ْ

    جَوَابٌ: نَحْنُ نُحَاوِلُ مِنْ خِلَالِ هَذَا الطَّرْحِ (عَلَى رَكَاكَتِهِ وَعِلَّاتِهِ) أَنْ نَفْهَمَ الْحُكْمَ الَّذِي كَانَ يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْحُوتِ وَلَمْ يَصْبِرْ لَهُ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْكَرِيمُ الَّتِي جَاءَتْ فِي سُورَةِ الْقَلَمِ خَاصَّةً بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي ذَهَبَ مُغَاضِبًا وَظَنَّ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ:

    "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ" [القلم: 48]

    لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي حَاوَلْنَا طَرْحَهُ فِي بِدَايَةِ هَذَا الْبَابِ (بَابُ: وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) هُوَ: مَا هُوَ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْخَاصُّ بِيُونُسَ الَّذِي لَمْ يَصْبِرْ لَهُ كَمَا جَاءَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ الْقَلَمِ؟ْ

    فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) الْقَلَمُ

    رَأْيُنَا الْخَطِيرُ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي بِدَايَةِ سُورَةِ الْقَلَمِ نَفْسِهَا؟ْ

    السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: لِنَقْرَأْ مَعًا بِدَايَةَ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، لِتَرَى بِأُمِّ عَيْنِكَ – عَزِيزِي الْقَارِئَ - مَا نَطْمَحُ إِلَيْهِ مِنْ مُحَصِّلَةِ هَذَا النِّقَاشِ كُلِّهِ:

    "ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" [القلم: 1]

    السُّؤَالُ: وَأَيْنَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؟ْ

    رَأْيُنَا: أَنَّهُ الْحُكْمُ الَّذِي لَمْ يُفَصَّلْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا؟ْ

    السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: إِنَّهُ ن ۚ

    افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَعَمْ إِنَّهُ ن ۚ، فَهَذِهِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) آيَةٌ مُحْكَمَةٌ (ظَلَّتْ حُكْمًا عَرَبِيًّا) لَمْ تُفَصَّلْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فَبَقِيَتْ مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ كَانَ لِسَانُهُ عَرَبِيًّا أَنْ يَفْهَمَهَا مَا لَمْ يُؤْتِيَ الْحِكْمَةَ.

    (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ نَفَاذَ مَشِيئَتِكَ بِأَنْ تَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ فِيهَا، إِنَّكَ أَنْتَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ – آمِينَ).

    السُّؤَالُ: مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَهُمَا إِذَنْ؟ْ

    رَأْيُنَا: مَنْ كَانَ يَمْلِكُ "الْحِكْمَةَ"؟ْ

    السُّؤَالُ: هَلْ أَذِنَ اللَّهُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ الْإِحَاطَةَ عِلْمًا بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ (ن ۚ)؟ هَلْ مَلَكَ أَحَدٌ حُكْمَهَا (أَيِ الْحِكْمَةَ الَّتِي تُبَيِّنُهَا)؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ بَسَاطَةً نَحْنُ نَسْأَلُ: هَلْ أُوتِيَ أَحَدٌ الْعِلْمَ بِ ن ۚ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَعَمْ، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا قَدْ أُوتِيَ الْعِلْمَ فِيهَا: إِنَّهُ ذُو النُّونِ نَفْسُهُ.

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا سُمِّيَ يُونُسُ بِذِي النُّونِ؟ْ

    جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: لِأَنَّهُ هُوَ مَنْ كَانَ قَدْ أُوتِيَ الْحُكْمَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ اللَّاتِي هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ. فَسُمِّيَ بِذِي النُّونِ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ - نَتِيجَةَ الْحُكْمِ الَّذِي أُوتِيَ فِيهَا، فَكَانَ يَعْلَمُ مَاهِيَّةَ هَذَا الْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْمُحْكَمَاتِ.

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ يُونُسُ قَدْ أُوتِيَ حُكْمَ ن ۚ ؟ فَهَلْ هَذَا شَيْءٌ كَثِيرٌ؟ْ

    رَأْيُنَا: لَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا لَرُبَّمَا خَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ الْمُفْتَرَى الْخَطِيرِ التَّالِي: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْعِلْمَ بِ ن ۚ يُوَازِي (أَوْ رُبَّمَا يَزِيدُ) عَنْ كُلِّ مَا سَطَرُوا بِالْقَلَمِ:

    "ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" [القلم: 1]

    كَمَا أَنَّهُ – لَا شَكَّ - سَابِقٌ لِلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَقَتْهُ بِالتَّرْتِيبِ. فَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَضَعَ ذَلِكَ فِي كِفَّتَيْ مِيزَانٍ لَجَاءَتْ ن ۚ فِي كِفَّةٍ وَجَاءَ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى، وَلَرُبَّمَا (نَحْنُ نَظُنُّ) رَجَحَتْ كِفَّتُ نُونٍ.

    السُّؤَالُ: مَتَى حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ؟ْ

    رَأْيُنَا: مِنْ أَجْلِ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ فَلَابُدَّ مِنْ طَرْحِ التَّسَاؤُلِ الْمُثِيرِ التَّالِي: لِمَاذَا كَانَ يُونُسُ يَحْمِلُ مُسَمَّيَاتٍ مُخْتَلِفَةً؟ْ

    أَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ يُسَمَّى بِيُونُسَ؟ْ

    "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا" [النساء: 163]
    "وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ" [الأنعام: 86]
    "فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ" [يونس: 98]
    "وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" [الصافات: 139]

    وَأَلَمْ يُسَمَّى أَيْضًا بِذِي النُّونِ؟ْ

    "وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" [الأنبياء: 87]

    وَأَلَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ أَيْضًا تَسْمِيَةَ صَاحِبِ الْحُوتِ؟ْ

    "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ" [القلم: 48]

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ التَّسْمِيَاتِ بِحَقِّ رَجُلٍ وَاحِدٍ؟ْ

    هَذَا مَا سَنَبْدَأُ بِهِ الْجُزْءَ الْقَادِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ، فِي مُحَاوَلَةٍ مِنَّا الْإِجَابَةَ عَلَى بَقِيَّةِ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي طَرَحْنَاهَا فِي بِدَايَةِ هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ، نُعِيدُ التَّذْكِيرَ يَبْعَضِهَا، خَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي لَمْ تُتَحْ لَنَا الْفُرْصَةُ لِتَنَاوُلِهِ فِي هَذَا الْجُزْءِ، وَاعِدِينَ الْقَارِئَ الْكَرِيمَ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) أَنْ نَتَنَاوَلَهَا فِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ مِنَ الْمَقَالَةِ نَفْسِهَا:

    • لِمَاذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْبَحْرِ عِنْدَمَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا؟ْ
    • وَأَيْنَ ذَلِكَ الْبَحْرُ الَّذِي تَوَجَّهَ نَحْوَهُ؟ْ
    • وَكَيْفَ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ؟ْ
    • وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْفُلْكُ الَّذِي أَبَقَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ؟ْ
    • وَلِمَاذَا أَبَقَ إِلَى فُلْكِ الْمَشْحُونِ أَصْلًا؟ْ
    • وَلِمَاذَا سَاهَمَ هُنَاكَ؟ْ
    • وَكَيْفَ سَاهَمَ؟ْ
    • وَكَيْفَ دُحِضَ الرَّجُلُ؟ْ
    • وَهَلْ كَانَ وَحْدَهُ عِنْدَمَا دُحِضَ؟ْ
    • وَمَنِ اللَّذَيْنِ دُحِضُوا مَعَهُ؟ْ
    • وَمَنْ هُمُ اللَّذِينَ دَحَضُوا ذَا النُّونِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ؟ْ
    • إِلَخْ...

    فَكَانَ جُلُّ مَا فَعَلْنَاهُ فِي هَذَا الْجُزْءِ هُوَ إِبْدَاءُ رَأْيِنَا فِي جُزْئِيَّةٍ وَاحِدَهٍ تَحْتَ بَابِ الْحُكْمِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ ذَا النُّونِ تَتَعَلَّقُ بِمَاهِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، فَخَلَصْنَا إِلَى افْتِرَاءِ الْقَوْلِ بِأَنَّ حُكْمَ ذِي النُّونِ هُوَ الَّذِي جَاءَ حَامِلًا صِفَتَهُ تَحْتَ أَحَدِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الرَّجُلُ: إِنَّهُ ذُو النُّونِ:

    "وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" [الأنبياء: 87]

    بَعْدَ أَنْ رَبَطْنَا ذَلِكَ بِمَا جَاءَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ (فِي رَأْيِنَا) وَاحِدَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْمُحْكَمَاتِ الَّتِي لَمْ تُفَصَّلْ قُرْآنًا عَرَبِيًّا:

    "ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" [القلم: 1]

    فَاللَّهُ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِي عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَنْ يُنَفِّذَ مَشِيئَتَهُ بِالْإِذْنِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي، وَهُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ – آمِينَ.

    المراجع والمصادر:

    1. القرآن الكريم (موقع quran.com). ^
    2. سلسلة مقالات "لماذا قدم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه؟". ^
    3. سلسلة مقالات "كيف تم خلق المسيح عيسى بن مريم؟". ^
    المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان
    بقلم د. رشيد الجراح
    18 كانون ثاني 2015
    مركز اللغات – جامعة اليرموك
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة يونس