home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (6): باب النمل

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 12, 2016
محتويات المقال:

    مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (6): بَابُ النَّمْلِ

    حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ مَقَالَتِنَا هَذِهِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ ثَلَاثِ مُفْرَدَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ هِيَ الْإِنَابَةُ، وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالْخُرُورُ رَاكِعًا.

    وَكَانَ الْقَصْدُ مَدْفُوعًا بِالرَّغْبَةِ الْمَرْجُوَّةِ أَنْ نَفْهَمَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ سَبَبَ تَأَخُّرِ سُلَيْمَانَ فِي الْإِنَابَةِ بَعْدَ أَنْ حَصَلَتْ لَهُ الْفِتْنَةُ وَوَجَدَ الْجَسَدَ مُلْقًى عَلَى كُرْسِيِّهْ.

    وَقَادَنَا الْحَدِيثُ عِنْدَئِذٍ إِلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءِ الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمَانَ كَانَ سَبَبُهَا حُبَّهُ لِلْخَيْرِ مِنَ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ (أَيْ مُدَاعَبَةَ النِّسَاءِ) عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ (أَيِ التَّسْبِيحِ) فِي وَقْتِ الْعَشِيِّ.

    وَكَانَ هَمُّنَا هُوَ إِثْبَاتَ أَنَّهُ لَمَّا أَنَابَ سُلَيْمَانُ مِنْ فِتْنَتِهِ تِلْكَ، جَاءَهُ الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ عَلَى نَحْوِ أَنْ يَمْنُنَ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

    فَخُضْنَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وَحَاوَلْنَا عَقْدَ مُقَارَنَةٍ بَيْنَ مَا حَصَلَ لِسُلَيْمَانَ بَعْدَ إِنَابَتِهِ تِلْكَ مَعَ مَا تَحَصَّلَ لِمُحَمَّدٍ بَعْدَ حَادِثَةِ التَّزْوِيجِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِزَيْنَبَ.

    ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.

    سُورَةُ الْأَحْزَابِ

    (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ مَعَ الرَّجَاءِ بِعَدَمِ الِاقْتِبَاسِ، فَالنَّصُّ يُؤْخَذُ كُتْلَةً وَاحِدَةً أَوْ أَنْ لَا يُؤْخَذَ أَبَدًا، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ لَا يَعْفُوَ عَنْ مَنْ يَجْتَزِئُ شَيْءٌ مِنْهُ دُونَ إِذْنٍ مُسْبَقٍ مِنِّي).

    مُلَخَّصُ الْجُزْءِ السَّابِقِ وَتَسَاؤُلَاتٌ جَدِيدَةٌ

    وَقَدْ تَوَقَّفْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ عِنْدَ هَذِهِ الْأُعْطِيَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الْكَرِيمَةِ لِسُلَيْمَانَ بِأَنْ يَمْنُنَ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

    وَزَعَمْنَا الظَّنَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَصَلَ فِي وَادِ النَّمْلِ عِنْدَمَا أَوْقَفَ سُلَيْمَانُ جَيْشَهُ بِأَكْمَلِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ لِيُتِيحَ الْمَجَالَ لِلنَّمْلِ بِأَنْ يَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ حَتَّى لَا يَحْطِمَنَّهُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ.[1]

    وَحَيْثُ وُجِدَ الْجَسَدُ مُلْقًى عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَحَاوَلَ أَنْ يَفْهَمَ كَيْفِيَّةَ وُصُولِ الْجَسَدِ إِلَى كُرْسِيِّهِ بِنَفْسِهِ، فَأَخْطَأَ سُلَيْمَانُ الِاسْتِنْتَاجَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- عِنْدَمَا ظَنَّ أَنَّ الْهُدْهُدَ هُوَ مَنْ قَامَ بِفِعْلِ الْإِلْقَاءِ.

    فَخَرَجَ بَاحِثًا عَنْهُ، مُهَدِّدًا لَهُ بِالذَّبْحِ أَوْ مُتَوَعِّدًا إِيَّاهُ بِالْعِقَابِ الشَّدِيدِ.

    وَلَمَّا اسْتَطَاعَ الْهُدْهُدُ أَنْ يُقَدِّمَ لِسُلَيْمَانَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْمَكَانِ كُلِّهِ لَحْظَةَ أَنْ أُلْقِيَ الْجَسَدُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَهُوَ كَانَ يَسْتَطْلِعُ خَبَرَ مَلِكَةِ سَبَأٍ، أَسْكَتَ ذَلِكَ غَضَبَ سُلَيْمَانَ مِنَ الْهُدْهُدِ بَعْضَ الشَّيْءِ.

    وَلَكِنَّهُ أَرْسَلَهُ فِي مُهِمَّةِ إِلْقَاءِ رِسَالَتِهِ إِلَى تِلْكَ الْمَلِكَةِ، طَالِبًا فِيهَا أَنْ تَأْتِيَهُ وَقَوْمَهَا مُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ سُلَيْمَانُ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا.

    مَحَاوِرُ النِّقَاشِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ

    وَلَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى نِهَايَتِهِ بَعْدُ، ظَنَنَّا أَنَّ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ سَتَكُونُ مِحْوَرَ نِقَاشٍ فِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ مِنْ مَقَالَتِنَا هَذِهِ:

    • مَا هُوَ النَّمْلُ؟ وَلِمَ النَّمْلُ؟ وَمَا هِيَ تِلْكَ النَّمْلَةُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ بِاسْمِ جِنْسِهَا؟ وَأَيْنَ هُوَ وَادِ النَّمْلِ ذَاكَ؟ وَكَيْفَ هِيَ مَسَاكِنُ النَّمْلِ؟ وَكَيْفَ دَخَلَ النَّمْلُ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ؟
    • مَا هُوَ الْهُدْهُدُ؟ وَكَيْفَ أَوْصَلَ الْهُدْهُدُ الرِّسَالَةَ لِلْمَلِكَةِ؟ كَيْفَ عَادَ بِالرَّدِّ؟
    • مَنْ هِيَ تِلْكَ الْمَلِكَةُ؟ وَأَيْنَ هِيَ مَمْلَكَتُهَا؟ وَلِمَاذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ هِيَ الَّتِي تَحْكُمُهُمْ؟ لِمَ لَمْ يَكُنِ الَّذِي يَحْكُمُهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ؟
    • كَيْفَ تَمَّ إِحْضَارُ عَرْشِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ؟ وَلِمَاذَا الْعَرْشُ؟ وَمَا هُوَ الْعَرْشُ الَّذِي أُحْضِرَ؟ وَمَنِ الَّذِي أَحْضَرَهُ؟
    • كَيْفَ تَعَرَّفَتِ الْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ عَلَى عَرْشِهَا؟
    • لِمَاذَا أُمِرَتْ أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحَ؟ وَمَا هُوَ ذَلِكَ الصَّرْحُ؟
    • لِمَاذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا عِنْدَمَا رَأَتِ الصَّرْحَ؟

    مِحْوَرُ هَذَا الْجُزْءِ: قِصَّةُ سُلَيْمَانَ مَعَ النَّمْلِ

    وَسَنُتَابِعُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ الْحَدِيثَ عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ مَعَ النَّمْلِ فَقَطْ، مُبْرِزِينَ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ:

    • مَا هُوَ النَّمْلُ؟ وَلِمَ النَّمْلُ؟ وَمَا هِيَ تِلْكَ النَّمْلَةُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ بِاسْمِ جِنْسِهَا؟
    • وَأَيْنَ هُوَ وَادِ النَّمْلِ ذَاكَ؟ وَكَيْفَ هِيَ مَسَاكِنُ النَّمْلِ؟ وَكَيْفَ دَخَلَ النَّمْلُ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ؟
    • وَلِمَ ذَهَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى وَادِ النَّمْلِ أَصْلًا؟ وَهَلْ فِعْلًا دَخَلَ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَادَ النَّمْلِ؟

    دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ رَبِّ أَنْفِذْ قَوْلَكَ بِمَشِيئَتِكَ وَإِرَادَتِكَ لِيَ الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِي إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، وَأَسْأَلُكَ رَبِّي أَنْ تُؤْتِيَنِي كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِكَ وَأَنْ تَجْعَلَ لِي نُورًا أَمْشِي بِهِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

    أَمَّا بَعْدُ،

    النَّمْلُ: تَسَاؤُلَاتٌ أَوَّلِيَّةٌ

    رُبَّمَا يَثُورُ الِاسْتِغْرَابُ لَدَى الْكَثِيرِينَ إِنْ نَحْنُ طَرَحْنَا التَّسَاؤُلَ الْبَسِيطَ التَّالِيَ:

    • مَا هُوَ النَّمْلُ؟ أَوْ مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ النَّمْلِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ وَهَلْ هِيَ فِعْلًا تِلْكَ الْحَشَرَةُ الَّتِي نَعْرِفُهَا؟[2]

    وَلَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَنْ نُلْقِيَ بِظِلَالِ الشَّكِّ عَلَى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الْمُفَسِّرُونَ حَوْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ عَنِ النَّمْلِ عِنْدَمَا نَطْرَحُ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ:

    أَوَّلًا: إِشْكَالِيَّةُ مَنْطِقِ الطَّيْرِ وَالنَّمْلِ

    أَلَمْ يُعَلَّمْ سُلَيْمَانُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ؟

    ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.

    سُورَةُ النَّمْلِ

    فَكَيْفَ إِذًا بِسُلَيْمَانَ الَّذِي كَانَ قَدْ عُلِّمَ مَنْطِقَ الطَّيْرِ يَتَخَاطَبُ الْآنَ مَعَ حَشَرَةٍ تَزْحَفُ عَلَى الْأَرْضِ؟

    رَأْيُنَا: رُبَّمَا لَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى عِنْدَنَا إِلَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْ طَرِيقَتَيْنِ:

    1. أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ قَدْ تَعَلَّمَ مَنْطِقَ تِلْكَ النَّمْلَةِ الَّتِي هِيَ لَيْسَتْ مِنَ الطَّيْرِ الَّذِي تَعَلَّمَ مَنْطِقَهُ.
    2. أَوْ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَشَرَةُ (الَّتِي نَعْرِفُهَا عَلَى أَنَّهَا هِيَ النَّمْلُ) مِنْ فَصِيلَةِ الطَّيْرِ الَّذِي تَعَلَّمَ سُلَيْمَانُ مَنْطِقَهُ.

    ثَانِيًا: خُصُوصِيَّةُ "وَادِ النَّمْلِ"

    أَلَمْ يَكُنِ الْحِوَارُ قَدْ جَرَى فِي وَادِ النَّمْلِ؟

    ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

    سُورَةُ النَّمْلِ

    فَكَيْفَ نَفْهَمُ أَنَّ لِذَاكَ النَّمْلِ وَادٍ خَاصٌّ بِهِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النَّمْلَ الَّذِي نَعْرِفُهُ مُنْتَشِرٌ فِي كَافَّةِ أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ؟

    ثَالِثًا: مَنْطِقُ الْمَسَاكِنِ وَالتَّحْطِيمِ

    أَلَمْ تَطْلُبِ النَّمْلَةُ مِنْ رَفِيقَاتِهَا أَنْ يَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ؟ فَإِذَا كَانَ النَّمْلُ قَدْ دَخَلَ مَسَاكِنَهُ الَّتِي – ظَنَّ عُلَمَاؤُنَا- أَنَّهَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ، أَلَنْ يُسَبِّبَ مُرُورُ سُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ فَوْقَ مَسَاكِنِهِمْ تَدْمِيرًا أَشَدَّ؟

    رَابِعًا: مُشَارَكَةُ كُلِّ الْجُنُودِ فِي التَّحْطِيمِ

    أَلَمْ تَكُنِ النَّمْلَةُ تَخْشَى مِنَ التَّحْطِيمِ مِنْ قِبَلِ سُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ (الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالطَّيْرِ)؟

    فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِكَ جُنُودُ سُلَيْمَانَ كُلُّهُمْ فِي تَدْمِيرِ النَّمْلِ إِنْ كَانَ هُوَ النَّمْلَ الَّذِي نَعْرِفُهُ؟ أَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارِكَ الطَّيْرُ فِي تَدْمِيرِ النَّمْلِ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ رَأْيَ مَنْ سَبَقُونَا هُوَ رَأْيٌ مَغْلُوطٌ بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، لَا يَرْقَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ إِتِّبَاعٍ لِلظَّنِّ وَالْأَمَانِي، وَتَنْقُصُهُ الْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنَ الْكِتَابِ نَفْسِهِ.

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ شَوَاهِدَ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ رُبَّمَا تُبْطِلُ (حَسَبَ زَعْمِنَا) مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ قُرُونًا مِنَ الزَّمَنِ.

    ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

    سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ (20)

    ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.

    سُورَةُ الْبَقَرَةِ (78)

    اسْتِرَاحَةٌ قَصِيرَةٌ: خَطَرُ الْإِسْقَاطِ الشَّعْبِيِّ عَلَى النَّصِّ

    نَجِدُ لِزَامًا هُنَا التَّأْكِيدَ عَلَى فِكْرَةٍ حَاوَلْنَا تَمْرِيرَهَا مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ، أَلَا وَهِيَ ظَنُّنَا بِأَنَّ مِنَ الْخَطَأِ الْجَسِيمِ أَنْ نُسْقِطَ فَهْمَنَا الشَّعْبِيَّ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.

    فَلَقَدْ كَانَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى – فِي رَأْيِنَا- عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَنَّهُمْ لَمْ يُحَاوِلُوا تَهْذِيبَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْحُجَّةِ مِنَ الْكِتَابِ، فَخَرَجُوا بِتَفْسِيرَاتٍ أَشَدَّ مَا تَكُونُ غَرَابَةً.

    وَسَأُحَاوِلُ فِي عُجَالَةٍ أَنْ أُقَدِّمَ مِثَالًا غَالِبًا مَا تَغَنَّى بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّرَايَةِ وَخَاصَّةً الْمُرَوِّجُونَ مِنْهُمْ لِنَظَرِيَّاتِ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

    وَالْمِثَالُ الَّذِي أُقَدِّمُهُ يُثِيرُ سُؤَالًا بَسِيطًا حَوْلَ مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ سَيِّدِنَا يُونُسَ (صَاحِبِ الْحُوتِ):

    ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)﴾.

    سُورَةُ الصَّافَّاتِ

    فَعِنْدَمَا تَصَدَّى أَهْلُ الْعِلْمِ لِلْحَدِيثِ عَنْ شَجَرَةِ الْيَقْطِينِ، ذَهَبَتْ جُلُّ تَفْسِيرَاتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ النَّبَاتَاتِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِاسْمِ الْيَقْطِينِ، وَمَا يُعْرَفُ بِاللِّسَانِ الْإِنْجِلِيزِيِّ بِمُسَمَّيَاتٍ مِثْلِ Zucchini أَوْ marrow.



    وصف الصورة المقترح (Prompt):
    رسم توضيحي لنبات الكوسا أو القرع (Zucchini/marrow)، بأوراقه الخضراء وثماره الطويلة، لتوضيح الفهم الشائع لكلمة يقطين.

    وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ تِلْكَ النَّبْتَةَ مِنَ الْيَقْطِينِ هِيَ مِنَ الْأَنْوَاعِ التَّالِيَةِ (pumpkin):



    وصف الصورة المقترح (Prompt):
    مجموعة متنوعة من ثمار اليقطين والقرع بأشكال وألوان مختلفة، مثل قرع الأكورن والقرع العادي (pumpkin)، معزولة على خلفية بيضاء.

    أَمَّا اسْتِغْرَابُنَا فَيَأْتِي مِنَ الْحَقِيقَةِ التَّالِيَةِ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِتِلْكَ الْأَنْوَاعِ مِنَ النَّبَاتَاتِ أَنْ تَكُونَ شَجَرَةً؟ وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ شَجَرَةً يَسْتَظِلُّ الرَّجُلُ بِظِلِّهَا؟

    فَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْبَتَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾.[3]

    رَأْيُنَا: لَابُدَّ قَبْلَ أَنْ نَغُوصَ فِي الْإِعْجَازَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، أَنْ نُهَذِّبَ مَا تَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَعْرِفَةٍ بِعِلْمِ الْيَقْطِينِ الَّذِي نَعْرِفُهُ بِعَرْضِهَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ.

    فَيَحِقُّ لَنَا أَنْ نَتَسَاءَلَ: هَلْ فِعْلًا أَنَّ شَجَرَةَ الْيَقْطِينِ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ عَلَى صَاحِبِ الْحُوتِ هِيَ نَفْسُهَا الْيَقْطِينُ الَّذِي نَعْرِفُهُ فِي مَطَابِخِنَا؟!

    أَمْ هَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُهَذِّبَ مَعْرِفَتَنَا بِالْعِلْمِ الْمَوْجُودِ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ؟

    عَوْدَةٌ إِلَى تَحْلِيلِ قِصَّةِ النَّمْلِ

    أَمَّا بَعْدُ،

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ النَّمْلُ؟

    رَأْيُنَا (1): رُبَّمَا يَكُونُ النَّمْلُ نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ؟

    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: مَادَامَ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ عُلِّمَ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، فَهُوَ إِذَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ وَرُبَّمَا يُخَاطِبَ الطَّيْرَ.

    وَلَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ تِلْكَ النَّمْلَةِ وَفَهِمَهُ، فَلَابُدَّ إِذَنْ أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ قَوْلَ مَنْ تَعَلَّمَ مَنْطِقَهُ.

    مَا هُوَ مَنْطِقُ النَّمْلِ؟

    إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّحْرِيفِ (أَوِ التَّخْرِيفِ) الَّذِي هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا يَدْعُونَا عَلَى الْفَوْرِ لِلتَّدَبُّرِ بِمَعْنَى الْمَنْطِقِ، لِنَسْأَلَ: مَا هُوَ الْمَنْطِقُ؟

    رَأْيُنَا: غَالِبًا مَا تَبَادَرَ لِذِهْنِ الْقَارِئِ لِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَنَّ الْمَنْطِقَ هُوَ اللُّغَةُ نَفْسُهَا، فَسُلَيْمَانُ عِنْدَمَا تَعَلَّمَ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، فَهُوَ إِذَنْ قَدْ تَعَلَّمَ لُغَتَهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ الْمَنْطِقِ بِاللُّغَةِ؟ هَلْ فِعْلًا الْمَنْطِقُ هُوَ اللُّغَةُ نَفْسُهَا؟

    إِنَّ جُلَّ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَتِلْكَ النَّمْلَةِ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَهَا فَفَهِمَهُ:

    ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.

    سُورَةُ النَّمْلِ (19)

    وَلَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِلسِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِسُلَيْمَانَ يَجِدُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يُجْرِ حَدِيثًا مَعَهَا كَمَا فَعَلَ عِنْدَمَا خَاطَبَ الْهُدْهُدَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    رَأْيُنَا: كَانَ سُلَيْمَانُ يَفْهَمُ مَنْطِقَهَا لَكِنَّهَا (أَيِ النَّمْلَةَ) لَمْ تَكُنْ تَفْهَمُ مَنْطِقَهُ. وَلَكِنْ لِمَاذَا؟

    تَحَدَّثْنَا فِي مَقَالَةٍ سَابِقَةٍ لَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ "عِلْمُ اللُّغَةِ" عَنْ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا نَجِدُ ضَيْرًا فِي إِعَادَةِ صِيَاغَةِ بَعْضِ الْأَفْكَارِ الَّتِي وَرَدَتْ هُنَاكَ.

    فَلَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ الْحَدِيثُ عَنِ "اللُّغَةِ"، فَجَاءَ ذِكْرُ اللُّغَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- بِمُفْرَدَةِ "لِسَانٍ".

    ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾.

    سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ (4)

    ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾.

    سُورَةُ النَّحْلِ (103)

    ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾.

    سُورَةُ الرُّومِ (22)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: اللِّسَانُ كَيْنُونَةٌ خَاصَّةٌ بِالْبَشَرِ، فَتَدَبُّرُ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلِّسَانِ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ كَانَ خَاصًّا بِنَا نَحْنُ الْبَشَرَ، وَلَمْ يَشْمَلِ الْكَائِنَاتِ الْأُخْرَى كَالْجِنِّ أَوِ الطَّيْرِ مَثَلًا.

    وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى النُّطْقِ (وَالْمَنْطِقِ):

    ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.

    سُورَةُ النَّمْلِ (16)

    ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

    سُورَةُ فُصِّلَتْ (21)

    وَتَسَاؤُلُنَا الْبَسِيطُ هُوَ: مَا الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْبَشَرِ وَتِلْكَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ غَيْرِ الْبَشَرِ حَتَّى يُسْتَخْدَمَ لَفْظُ "النُّطْقِ" عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟

    نَقُولُ إِنَّ الْمُتَفَحِّصَ لِهَذِهِ الْآيَاتِ يُدْرِكُ أَنَّ الَّذِي "يَنْطِقُ" لَا شَكَّ يَقُولُ الْحَقِيقَةَ وَلَا شَيْءَ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (1): نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الَّذِي يَنْطِقُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى لِسَانٍ، فَالْكِتَابُ الَّذِي يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ، وَجُلُودُهُمُ الَّتِي نَطَقَتْ لِتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ لَهَا لِسَانٌ لِتَسْتَخْدِمَهُ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (2): أَمَّا الَّذِي يَنْطِقُ وَعِنْدَهُ لِسَانٌ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَخْدِمَ لِسَانَهُ لِيَفْتَرِيَ الْكَذِبَ، فَرَسُولُنَا – لَا شَكَّ- لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ (3): نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ اللِّسَانَ هُوَ سَبَبُ الْمُشْكِلَةِ، فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ الَّتِي يَرِدُ فِيهَا ذِكْرُ اللِّسَانِ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّ اللِّسَانَ هُوَ مَنْ يُحَاوِلُ تَزْيِيفَ الْحَقَائِقِ.

    عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ

    وَالْآنَ لِنَنْظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ سُلَيْمَانُ لِلْهُدْهُدِ عِنْدَمَا جَاءَهُ بِالنَّبَأِ الْيَقِينِ مِنْ سَبَأٍ:

    ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.

    سُورَةُ النَّمْلِ (27)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَ الْهُدْهُدُ – حَسَبَ رَأْيِ سُلَيْمَانَ- رُبَّمَا يَقُولُ الْحَقِيقَةَ وَرُبَّمَا لَا يَقُولُ الْحَقِيقَةَ، فَإِنَّنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ لِلْهُدْهُدِ لِسَانٌ (لُغَةٌ)، فَتَخَاطَبَ سُلَيْمَانُ مَعَ الْهُدْهُدِ بِتِلْكَ اللُّغَةِ.

    وَلَكِنَّ الْحَالَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّمْلِ، فَقَدْ كَانَ – حَسَبَ ظَنِّنَا - مُخْتَلِفًا بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلَمْ يَجْرِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَذَلِكَ النَّمْلِ الْخِطَابُ بِالْأَخْذِ وَالرَّدِّ.

    وَجُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ سُلَيْمَانَ هُوَ أَنَّهُ فَهِمَ مَا قَالَتِ النَّمْلَةُ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَاطَبْ مَعَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قَالَتْ بِأَفْوَاهِهَا وَلَمْ تَنْطِقْ بِلِسَانِهَا.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي فَهِمَ سُلَيْمَانُ قَوْلَ تِلْكَ النَّمْلَةِ (مَنْطِقَهَا)، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النَّمْلَةُ لِتَفْهَمَ خِطَابَ سُلَيْمَانَ لَوْ أَنَّهُ خَاطَبَهَا (لِأَنَّ لَيْسَ لَهَا لِسَانٌ: لُغَةٌ).

    وَهِيَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُصْدِرُ أَصْوَاتًا عَالِيَةً جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنْ يَسْمَعَهَا مَنْ هُوَ خَارِجَ الْوَادِ.

    لِمَاذَا قَصَدَ سُلَيْمَانُ وَادَ النَّمْلِ؟

    رُبَّمَا ظَنَّ الْكَثِيرُونَ أَنَّ مَجِيءَ سُلَيْمَانَ إِلَى وَادِ النَّمْلِ كَانَ عَارِضًا فِي طَرِيقِهِ إِلَى سَبَأٍ، وَلَكِنَّنَا نَوَدُّ أَنْ نَجْلِبَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ إِلَى أَنَّ مَجِيءَ سُلَيْمَانَ كَانَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ.

    ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾.

    سُورَةُ النَّمْلِ

    وَنَحْنُ نَرَى الدَّلِيلَ عَلَى زَعْمِنَا هَذَا مُتَوَافِرٌ فِي مُفْرَدَتَيْنِ وَرَدَتَا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهِ وَهُمَا: وَحُشِرَ وَ أَتَوْا.

    أَوَّلًا: مَفْهُومُ الْحَشْرِ

    لَمَّا كَانَ جُنُودُ سُلَيْمَانَ قَدْ حُشِرُوا لَهُ، فَلَابُدَّ أَنَّ الدَّعْوَةَ قَدِ انْطَلَقَتْ لِلْجَمِيعِ بِأَنْ يَأْتُوهُ طَوَاعِيَةً أَوْ كَرْهًا.

    لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّهُ عِنْدَمَا لَمْ يَجِدْ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّمْلَ قَدْ لَبَّى دَعْوَتَهُ بِالْحَشْرِ، ذَهَبَ هُوَ بِجُنُودِهِ قَاصِدًا وَادِيَهُمْ.

    وَلَكِنْ كَانَتِ الْمُفَاجَأَةُ لِسُلَيْمَانَ أَنَّهُ مَا أَنْ وَصَلَ وَادِيَهُمْ حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّ ذَلِكَ النَّمْلَ لَمْ يَكُنْ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَفْهَمَ دَعْوَةَ سُلَيْمَانَ.

    وَفَهِمَ سُلَيْمَانُ مِنْ رَدَّةِ فِعْلِ النَّمْلِ تِلْكَ (الرَّكْضِ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ خَوْفًا مِنْ بَأْسِ سُلَيْمَانَ) أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ دَعْوَتِهِ وَلَكِنَّهُمْ فَقَطْ لَمْ يَفْهَمُوهَا، لِذَا جَاءَ تَبَسُّمُ سُلَيْمَانَ مِنْ قَوْلِهَا.

    ثَانِيًا: دَلَالَةُ الْفِعْلِ "أَتَوْا"

    أَمَّا دَلِيلُنَا الثَّانِي عَلَى أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ ذَهَبَ قَاصِدًا وَادَ النَّمْلِ فَيَأْتِي مِنْ مُفْرَدَةِ "أَتَوْا".

    فَنَحْنُ نَفْهَمُ مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْعَدِيدَةِ أَنَّ الْإِتْيَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى مَكَانٍ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ.

    ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.

    سُورَةُ الْفُرْقَانِ (40)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ أَتَى بِجُنُودِهِ إِلَى وَادِ النَّمْلِ، فَهُوَ إِذًا كَانَ قَاصِدًا الذَّهَابَ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ بِحَدِّ ذَاتِهِ.

    تَحْلِيلُ كَلِمَةِ "الْمَسْكَنِ"

    إِنَّ دُخُولَ الْمَسْكَنِ كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا هُوَ إِشَارَةٌ بِالْإِحْسَاسِ بِالْبَأْسِ الْقَادِمِ.

    ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)﴾.

    سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ

    نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ طَلَبَ النَّمْلَةِ مِنْ زَمِيلَاتِهَا أَنْ يَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّهَا كَائِنَاتٌ مُهَدَّدَةٌ بِالزَّوَالِ، فَالْأَقْوَامُ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ الْمَسَاكِنَ هِيَ أَقْوَامٌ أُبِيدَتْ بِأَكْمَلِهَا.[4]

    ثَانِيًا، مَادَامَ أَنَّ تِلْكَ الْكَائِنَاتِ كَانَتْ تَعِيشُ فِي مَسَاكِنَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُشِيرُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ مَسَاكِنَهُمْ تُرَى بِالْعَيْنِ.

    ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.

    سُورَةُ الْأَحْقَافِ (25)

    ثَالِثًا، لَقَدْ كَانَ خَوْفُ تِلْكَ النَّمْلَةِ مِنْ سُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ، فَهِيَ تَعْتَقِدُ أَنَّ جُنُودَ سُلَيْمَانَ سَيُشَارِكُونَ جَمِيعًا فِي تَحْطِيمِهَا وَأَخَوَاتِهَا مِنَ النَّمْلِ.

    رَأْيُنَا:

    • الْإِنْسُ سَيُحَطِّمُ مِنْ تِلْكَ الْكَائِنَاتِ مَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ.
    • وَالطَّيْرُ سَيُحَطِّمُ مِنْ تِلْكَ الْكَائِنَاتِ مَا يَطِيرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.
    • أَمَّا الْجِنُّ فَسَيُحَطِّمُ مِنْهَا مَا يَقْفِزُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ يَصْعُبُ تَصْدِيقُهَا: النَّمْلُ هُوَ كَائِنَاتٌ زَاحِفَةٌ قَافِزَةٌ طَائِرَةٌ، تَتَوَاجَدُ فِي بِيئَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ (تَقْطُنُ مَسَاكِنَ لَهَا)، تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا هَلَاكَ جِنْسِهَا، ذَاتُ أَفْوَاهٍ، تُصْدِرُ أَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةً جِدًّا، فَمَا هِيَ؟

    جَوَابٌ مُفْتَرًى: هِيَ كَائِنَاتٌ تُشْبِهُ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الصُّوَرِ التَّالِيَةِ:



    وصف الصورة المقترح (Prompt):
    تصور فني لمخلوقات مجنحة منقرضة تشبه الزواحف الطائرة (Pterosaurs) أو التنانين الصغيرة، وهي تحلق في بيئة طبيعية قديمة. يجب أن تظهر بعضها على الأرض وبعضها في الجو، لتعكس فكرة أنها كائنات زاحفة قافزة طائرة.

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِي، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ.


    الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيد سَلِيم الْجَرَّاحُ، عَلِيّ مَحْمُود سَالِم الشَّرْمَانُ.

    بِقَلَمِ: د. رَشِيد الْجَرَّاحُ.

    13 تِشْرِينَ ثَانِي 2012.

    الْحَوَاشِي وَالْمَصَادِرُ

    1. وَسَنَرَى لَاحِقًا أَنَّ دُخُولَ النَّمْلِ مَسَاكِنَهُمْ كَانَتْ عَلَامَةً عَلَى اسْتِسْلَامِ النَّمْلِ لِسُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ أَصْلًا قَاصِدًا وَادَ النَّمْلِ فِي حَمْلَتِهِ الْعَسْكَرِيَّةِ تِلْكَ.
    2. لِلتَّفْصِيلِ حَوْلَ النَّمْلِ انْظُرْ مَا جَاءَ فِي الْوِيكِيبِيدِيَا حَوْلَ هَذَا الْكَائِنِ.
    3. وَرُبَّمَا تَكُونُ الصُّورَةُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ تِلْكَ النَّبْتَةَ قَدِ الْتَفَّتْ حَوْلَ جِسْمِهِ حَتَّى غَطَّتْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا نَنْسَى أَنَّ آدَمَ وَزَوْجَهُ طَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، فَمُفْرَدَةُ "عَلَيْهِ" وَعَلَيْهِمَا تَسْتَدْعِي جَلْبَ سِيَاقَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ عَدِيدَةٍ لِفَهْمِ مَاهِيَّةِ الْعُلُوِّ هُنَا. وَهَذَا مَا سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي مَقَالَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ قَادِمَةٍ إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ.
    4. نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الْمَسَاكِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْمَسَاكِنِ فِي الْآخِرَةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ مَسَاكِنَ الْآخِرَةِ عَلَى أَنَّهَا مَسَاكِنُ طَيِّبَةٌ.
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان