home الرئيسية chevron_left القصص | قصة سليمان chevron_left

قصة سليمان (5): باب الإنابة

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available فبراير 11, 2016
محتويات المقال:

    مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (5): بَابُ الْإِنَابَةْ

    تَحَدَّثْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَنِ الْفِتْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِسُلَيْمَانَ وَهُوَ لَا زَالَ مَوْجُودًا فِي وَادِ النَّمْلِ.

    وَكَانَ جُلُّ افْتِرَاءِنَا يَدُورُ حَوْلَ تَقْدِيمِ سُلَيْمَانَ لِحُبِّ الْخَيْرِ "مُدَاعَبَةُ النِّسَاءِ" – كَمَا زَعَمْنَا- عَلَى ذِكْرِ رَبِّهْ.

    فَلَقَدِ اشْتَغَلَ سُلَيْمَانُ بِحُبِّ الْخَيْرِ فِي وَقْتٍ كَانَ مُخَصَّصًا أَصْلًا لِلتَّسْبِيحِ كَمَا وَرِثَهُ عَنْ وَالِدِهِ دَاوُودَ، وَهُوَ وَقْتُ الْعَشِيِّ:

    اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)
    (ص)

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَشِيِّ هُوَ وَقْتَ تَسْبِيحٍ فِي شَرِيعَةِ الْوَالِدِ دَاوُودَ، كَانَ الْأَوْلَى بِسُلَيْمَانَ إِذًا أَنْ يُحَافِظَ عَلَى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ.

    فَيُخَصِّصُ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِلتَّسْبِيحِ (الذِّكْرِ) كَمَا كَانَ يَفْعَلُ وَالِدُهُ دَاوُودَ، وَلَكِنَّهُ فِي لَيْلَةٍ مُحَدَّدَةٍ بِذَاتِهَا آثَرَ "حُبَّ الْخَيْرِ" (عَرْضَ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ) عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ (التَّسْبِيحِ):

    وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)
    (ص)

    وَزَعَمْنَا أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ يَوْمَ أَنْ أَرَاحَ سُلَيْمَانُ جُنْدَهُ فِي وَادِ النَّمْلِ لِيَتِمَّ لِلنَّمْلِ دُخُولُ مَسَاكِنِهِمْ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ شَكْوَى وَاحِدَةٍ مِنَ النَّمْلِ:

    حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
    (النمل)

    كَمَا زَعَمْنَا أَيْضًا أَنَّ حُبَّ مُدَاعَبَةِ النِّسَاءِ "الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ" عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ "التَّسْبِيحِ" فِي وَقْتِ الْعَشِيِّ كَانَتْ هِيَ فِتْنَةَ سُلَيْمَانَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا، وَكَانَ عَاقِبَةُ تِلْكَ الْفِتْنَةِ أَنْ أَلْقَى عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا:

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)
    (ص)

    مُقَارَنَةُ الْفِتْنَةِ: بَيْنَ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامْ

    وَكَانَ جُلُّ النِّقَاشِ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مُنْصَبًّا عَلَى قِصَّةِ ذَلِكَ الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ وَطَبِيعَةِ رَدَّةِ فِعْلِ سُلَيْمَانَ عَلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ يَوْمَ أَنْ وَجَدَ الْكُرْسِيَّ مُلْقًى عَلَى كُرْسِيِّهْ.

    وَحَاوَلْنَا رَبْطَ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ بِفِتْنَةِ وَالِدِهِ دَاوُودَ عَلَّنَا نَفْهَمُ سَبَبَ تَأَخُّرِ سُلَيْمَانَ فِي الْإِنَابَةِ إِلَى رَبِّهِ "ثُمَّ أَنَابَ".

    وَزَعَمْنَا أَنَّ هُنَاكَ فُرُوقَاتٍ وَاضِحَةً بَيْنَ رَدَّةِ فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى فِتْنَتِهِ، فَبِالرَّغْمِ أَنَّ الْفِتْنَةَ حَصَلَتْ لِلْوَالِدِ دَاوُودَ وَلِلْوَلَدِ سُلَيْمَانَ، لَكِنَّ الْمُتَدَبِّرَ لِلنَّصِّ فِي السِّيَاقَيْنِ الْقُرْآنِيَّيْنِ - لَا شَكَّ- سَيَخْرُجُ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ ذَاتِ دَلَالَةٍ.

    أَهَمُّهَا فِي نَظَرِنَا حَتَّى السَّاعَةِ هِيَ: فِي حِينِ أَنَّ دَاوُودَ "فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ"، كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ سُلَيْمَانَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي "ثُمَّ أَنَابَ" فَقَطْ:

    ... وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (ص 34)

    وَحَاوَلْنَا فِي مَقَالَتِنَا السَّابِقَةِ التَّرْكِيزَ عَلَى الِاسْتِنْبَاطَاتِ التَّالِيَةِ:

    • كِلَاهُمَا أَنَابَ.
    • دَاوُودُ فَقَطْ هُوَ مَنِ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فِي الْحَالِ (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).
    • دَاوُودُ فَقَطْ هُوَ مَنْ خَرَّ رَاكِعًا عَلَى الْفَوْرِ (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).
    • دَاوُودُ هُوَ مَنْ أَنَابَ عَلَى الْفَوْرِ بِدَلِيلِ حَرْفِ الْعَطْفِ "فَـ" وَحَرْفِ الْعَطْفِ "وَ" (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).
    • تَأَخَّرَتْ إِنَابَةُ سُلَيْمَانَ بِدَلِيلِ حَرْفِ الْعَطْفِ "ثُمَّ" (ثُمَّ أَنَابَ).

    السُّؤَالُ الْجَوْهَرِيُّ: لِمَاذَا تَأَخَّرَتْ إِنَابَةُ سُلَيْمَانَ؟

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا تَأَخَّرَ سُلَيْمَانُ فِي الْإِنَابَةِ إِلَى رَبِّهِ بِالرَّغْمِ مِنْ حُصُولِ الْفِتْنَةِ لَهُ؟

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تَأَخُّرَ إِنَابَةِ سُلَيْمَانَ رُبَّمَا يُرَدُّ إِلَى زَهْوِ سُلَيْمَانَ (الْمَلِكِ الْجَدِيدِ) بِنَفْسِهِ.

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ هُنَا أَنَّ هَذَا الزَّهْوَ بِالنَّفْسِ عَائِدٌ إِلَى طَبِيعَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ دَاوُودَ مِنْ جِهَةٍ وَوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.

    وَنَظُنُّ أَنَّ الْفَرْقَ رُبَّمَا تَعُودُ جُذُورُهُ إِلَى تِلْكَ الْحَادِثَةِ الَّتِي حَصَلَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ عِنْدَمَا كَانَ وَالِدُهُ دَاوُودُ لَازَالَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ: إِنَّهَا حَادِثَةُ الْحَرْثِ الَّذِي نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ:

    وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)

    فَعِنْدَمَا حَصَلَتْ تِلْكَ الْحَادِثَةُ كَانَ سُلَيْمَانُ لَازَالَ شَابًّا صَغِيرًا، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ آتَى سُلَيْمَانَ كَمَا وَالِدَهُ دَاوُودَ عِلْمًا وَحُكْمًا "وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا".

    وَلَكِنْ بِالرَّغْمِ مِنْ صِغَرِ سِنِّهِ إِلَّا أَنَّ هَذَا الشَّابَّ هُوَ فَقَطْ مَنْ فَهَّمَهُ اللَّهُ الْحَادِثَةَ (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، وَلَكِنْ كَيْفَ؟

    الْفَهْمُ مُقَابِلَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ

    جَوَابٌ: عَلَى الرَّغْمِ أَنَّ كِلَاهُمَا (دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ) قَدْ أُوتِيَا عِلْمًا وَحُكْمًا (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، إِلَّا أَنَّ فَهْمَ الْحَادِثَةِ لَمْ يَتَأَتَّ إِلَّا لِسُلَيْمَانَ (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ).

    لِذَا أَخَذَ سُلَيْمَانُ مُنْذُ تِلْكَ الْحَادِثَةِ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- يَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ عَلَى الْفَهْمِ.

    فَمَا أَنْ حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ لَهُ عِنْدَمَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، وَوَجَدَ الْجَسَدَ مُلْقًى عَلَى كُرْسِيِّهِ، حَتَّى أَخَذَ الْمَلِكُ الشَّابُّ يُحَاوِلُ فَهْمَ الْمُشْكِلَةِ لِوَحْدِهِ، تَارِكًا بَعْضَ الشَّيْءِ جَانِبَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ.

    وَكَانَ هَذَا فِي ظَنِّنَا سَبَبَ تَأَخُّرِ سُلَيْمَانَ فِي الْإِنَابَةِ، وَرُبَّمَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي لَمْ يَدْفَعْ بِسُلَيْمَانَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ أَنْ يَخِرَّ رَاكِعًا كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ دَاوُودُ الَّذِي مَا كَانَ لِيَتَأَخَّرَ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي الِاسْتِغْفَارِ وَالرُّكُوعِ وَالْإِنَابَةِ عِنْدَمَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ فُتِنَ:

    ... ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24)

    وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا يَعُودُ إِلَى اعْتِمَادِ دَاوُودَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى عَلَى الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ.

    وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ يَعْتَمِدُ عَلَى الْفَهْمِ (بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ)، أَخَذَ قِسْطًا مِنَ الزَّمَنِ يُقَلِّبُ الْأُمُورَ فِي ذِهْنِهِ ظَانًّا أَنَّهُ سَيَخْرُجُ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ صَحِيحَةٍ حَوْلَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.

    وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ قَلِيلَةٌ حَتَّى يَتَعَلَّمَ سُلَيْمَانُ دَرْسًا (مِنَ الْهُدْهُدِ) الَّذِي أَفْهَمَهُ أَنَّ فَهْمَهُ قَدْ لَا يُسْعِفُهُ عَلَى الدَّوَامِ.

    لِذَا لَمَّا اكْتَشَفَ سُلَيْمَانُ خَطَأَهُ (بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ) عَادَ عَلَى الْفَوْرِ لِيُنِيبَ إِلَى رَبِّهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ قِسْطًا مِنَ الزَّمَنِ بِدَلِيلِ وُجُودِ حَرْفِ الْجَرِّ "ثُمَّ" فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ:

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (ص 34)

    تَفْكِيكُ مَفْهُومِ الْإِنَابَةِ

    السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى الْإِنَابَةِ؟ وَكَيْفَ أَنَابَ سُلَيْمَانُ وَوَالِدُهُ دَاوُودُ مِنْ قَبْلِهِ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِنَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ؟

    جَوَابٌ: لَابُدَّ مِنْ وُجُودِ فَرْقٍ بَيْنَ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ جِهَةٍ وَالْإِنَابَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى بِدَلِيلِ أَنَّ دَاوُودَ قَامَ بِالْفِعْلَيْنِ مَعًا:

    ... وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ

    فَلَوْ كَانَ الِاسْتِغْفَارُ يَشْمَلُ الْإِنَابَةَ، وَلَوْ كَانَتِ الْإِنَابَةُ تَشْمَلُ الِاسْتِغْفَارَ، لَمَا -نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- وَرَدَ اللَّفْظَانِ مَعًا فِي حَادِثَةِ دَاوُودَ.

    وَلَكِنْ لَمَّا قَامَ دَاوُودُ بِفِعْلِ الِاسْتِغْفَارِ، وَقَامَ بِفِعْلِ الْإِنَابَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَاءَ الْخُرُورُ رَاكِعًا لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)، رُبَّمَا حَقَّ لَنَا أَنْ نَتَسَاءَلَ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ.

    فَمَا الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُودُ عِنْدَمَا قَامَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا:

    1. الِاسْتِغْفَارُ (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ)
    2. الْخُرُورُ رَاكِعًا (وَخَرَّ رَاكِعًا)
    3. الْإِنَابَةُ (وَأَنَابَ)

    أَوَّلًا: تَحْلِيلُ مَفْهُومِ الِاسْتِغْفَارِ

    لِنَبْدَأِ النِّقَاشَ بِالِاسْتِغْفَارِ مُحَاوِلِينَ تَقْدِيمَ الِاسْتِنْبَاطَاتِ التَّالِيَةِ:

    1. الِاسْتِغْفَارُ هُوَ قَوْلٌ:

    سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)

    2. الِاسْتِغْفَارُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ:

    فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)
    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
    قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)
    الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)
    تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)

    3. الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِ وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ:

    فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)
    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)
    وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)

    4. الِاسْتِغْفَارُ يَتَطَلَّبُ التَّوْبَةَ:

    أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)
    وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)

    5. ارْتِبَاطُ الِاسْتِغْفَارِ بِوَقْتِ الْأَسْحَارِ:

    الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)
    إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)

    6. الِاسْتِغْفَارُ سَبَبٌ فِي تَجَنُّبِ الْعُقُوبَةِ:

    وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

    7. الِاسْتِغْفَارُ سَبَبٌ فِي جَلْبِ الْخَيْرِ:

    فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)

    ثَانِيًا: تَحْلِيلُ مَفْهُومِ "الْخُرُورِ رَاكِعًا"

    فَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ خَرَّ دَاوُودُ رَاكِعًا، فَهُوَ لَمْ يَكْتَفِ – نَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ- بِفِعْلٍ كَلَامِيٍّ (الِاسْتِغْفَارِ)، وَلَكِنَّهُ أَقْدَمَ عَلَى الْقِيَامِ بِفِعْلٍ عَمَلِيٍّ وَهُوَ الْخُرُورُ رَاكِعًا.

    فَلِمَاذَا خَرَّ دَاوُودُ رَاكِعًا؟ وَمَا مَعْنَى أَنْ يَخِرَّ رَاكِعًا؟ وَلِمَ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ خَرَّ سَاجِدًا كَمَا فَعَلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ مَثَلًا؟

    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ ... (100)

    فَمِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَخِرُّوا لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ (15)

    السُّؤَالُ: لِمَ إِذَنْ خَرَّ دَاوُودُ رَاكِعًا؟ وَلِمَ لَمْ يَخِرَّ سَاجِدًا؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نُقَدِّمُ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةَ:

    1. رُبَّمَا يَتَحَصَّلُ الْخُرُورُ سَاجِدًا (أَوِ السُّجُودُ) لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ الْمَلَائِكَةُ مَعَ آدَمَ، وَكَمَا فَعَلَ إِخْوَةُ يُوسُفَ.
    2. الْخُرُورُ سَاجِدًا رُبَّمَا يَحْصُلُ فِي أَيِّ مَكَانٍ، فَإِخْوَةُ يُوسُفَ خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا فِي بَلَاطِهِ.
    3. الْخُرُورُ سَاجِدًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ، فَلَا أَظُنُّ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا جَمِيعًا عَلَى طَهَارَةٍ لَحْظَةَ أَنْ خَرُّوا لِيُوسُفَ سُجَّدًا.
    4. الْخُرُورُ سَاجِدًا لَا يَتَحَدَّدُ بِوَقْتٍ مُحَدَّدٍ.
    5. السُّجُودُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَصَّلَ لِغَيْرِ الْبَشَرِ كَمَا فِي حَالَةِ النَّجْمِ وَالشَّجَرِ: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6).
    6. السُّجُودُ لَا يَتَطَلَّبُ بِالضَّرُورَةِ تَوْلِيَةَ الْوَجْهِ شَطْرَ جِهَةٍ مُحَدَّدَةٍ.

    لَكِنْ بِالْمُقَابِلِ:

    1. الْخُرُورُ رَاكِعًا لَا يَتِمُّ إِلَّا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ.
    2. الْخُرُورُ رَاكِعًا فِعْلٌ مَحْصُورٌ عَلَى الْبَشَرِ.
    3. الْخُرُورُ رَاكِعًا مُرْتَبِطٌ بِالطَّهَارَةِ، فَلَقَدْ كَانَ دَاوُودُ مُتَوَاجِدًا فِي الْمِحْرَابِ عِنْدَمَا حَصَلَتْ لَهُ الْفِتْنَةُ، لِذَا لَا بُدَّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ.
    4. الْخُرُورُ رَاكِعًا رُبَّمَا يَتَحَدَّدُ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ، فَوُجُودُ دَاوُودَ فِي الْمِحْرَابِ يَتَطَلَّبُ الرُّكُوعَ.

    فَهَا هِيَ مَرْيَمُ تُؤْمَرُ أَنْ تَقُومَ بِالْأَفْعَالِ التَّالِيَةِ:

    وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

    فَمَرْيَمُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْجُدَ لِوَحْدِهَا مَتَى شَاءَتْ، وَلَكِنَّهَا أُمِرَتْ أَنْ تَرْكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ، فَرُكُوعُ الْإِنْسَانِ مَعَ الرَّاكِعِينَ وَهُوَ فِي حَالَةِ طَهَارَةٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ قَدْ سَجَدَ (رَكَعَ) لِلَّهِ وَحْدَهُ.

    وَهَكَذَا فَعَلَ دَاوُودُ وَهُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي الْمِحْرَابِ:

    ... وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (25)

    ثَالِثًا: تَحْلِيلُ مَفْهُومِ الْإِنَابَةِ

    عِنْدَمَا دَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى دَاوُودَ وَهُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي الْمِحْرَابِ، وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ وَقَعَتْ لَهُ، مَا تَرَدَّدَ لَحْظَةً وَاحِدَةً بِفِعْلِ الِاسْتِغْفَارِ وَالْخُرُورِ رَاكِعًا لِرَبِّهِ وَهُوَ فِي الْمِحْرَابِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ تَوْبَتِهِ إِلَى رَبِّهِ.

    وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ الْإِنَابَةِ.

    وَلَكِنَّ سُلَيْمَانَ – بِالْمُقَابِلِ- لَمْ يَقُمْ بِفِعْلِ الِاسْتِغْفَارِ وَلَمْ يَخِرَّ رَاكِعًا، وَلَكِنَّهُ قَامَ بِفِعْلِ الْإِنَابَةِ فَقَطْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (ص 34)

    فَمَا مَعْنَى أَنْ يُنِيبَ الْإِنْسَانُ إِلَى رَبِّهِ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نُقَدِّمُ الِاسْتِنْبَاطَاتِ الْمُفْتَرَاةَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا التَّالِيَةَ فِيمَا يَخُصُّ فِعْلَ الْإِنَابَةِ:

    • سَيَجِدُ مَنْ يُنِيبُ إِلَى اللَّهِ الْهِدَايَةَ حَاصِلَةً لَهُ مِنَ اللَّهِ.
    • نَحْنُ مَأْمُورُونَ أَنْ نَتَّبِعَ مَنْ يُنِيبُ إِلَى اللَّهِ حَتَّى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ عَدَمِ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ.
    • اقْتَرَنَتِ الْإِنَابَةُ بِاجْتِنَابِ الطَّاغُوتِ وَاتِّبَاعِ أَحْسَنِ الْقَوْلِ.
    • عَدَمُ الْإِنَابَةِ رُبَّمَا تَكُونُ سَبَبًا فِي وُقُوعِ الْعِقَابِ.
    • الْإِنَابَةُ عَادَةً مَا تَحْصُلُ مِنَ الْمُجَادِلِ.
    • اقْتَرَنَتِ الْإِنَابَةُ بِالتَّقْوَى وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ.
    • الْإِنَابَةُ تَحْصُلُ عِنْدَ وُقُوعِ الضُّرِّ، وَتَكُونُ مَتْبُوعَةً بِالْإِخْلَاصِ.
    • تَتِمُّ الْإِنَابَةُ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ الْإِنْسَانُ لِيَتَأَمَّلَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ الْإِنَابَةُ مُقْتَرِنَةً بِالتَّذَكُّرِ.
    • لَمَّا كَانَتِ الْإِنَابَةُ مَحَلُّهَا الْقَلْبَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي مَنْ يُنِيبُ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ مُتَوَقَّعٌ، فَالْمُنِيبُ يُكَافَأُ بِالْمَزِيدِ.

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: رُبَّمَا يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ ضُرٌّ (قَدْ يَكُونُ) بِسَبَبِ النِّسْيَانِ، فَيَتَذَكَّرُ رَبَّهُ، وَيَأْخُذُ بِتَدَبُّرِ آيَاتِهِ، فَلَا يُصِرُّ الْمُؤْمِنُ عَلَى ذَنْبِهِ.

    وَمَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَ أَحْسَنَ الْقَوْلِ، وَيَتْرُكَ الْجَدَلَ، فَيَجْتَنِبَ الطَّاغُوتَ، وَيَرْضَى صَادِقًا بِالْحَقِّ، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَأِ، لِظَنِّهِ أَنَّهُ هُوَ سَبَبُ الضُّرِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ، عِنْدَهَا تَحْصُلُ الْإِنَابَةُ.

    وَهَذَا يَدْعُونَا إِلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءِ التَّالِي: عِنْدَمَا يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ مَا كَانَ سَبَبًا فِي وُقُوعِهِ فِي الضَّلَالَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَتَى مَا تَقَبَّلَ مِنَ الْعَبْدِ إِنَابَتَهُ فَإِنَّهُ سَيُكَافِئُهُ بِالْمَزِيدِ.

    جَزَاءُ الْإِنَابَةِ: عَطَاءٌ وَزِيَادَةٌ

    مَا الَّذِي حَصَلَ مَعَ دَاوُودَ؟

    فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)

    وَمَا الَّذِي حَصَلَ مَعَ سُلَيْمَانَ؟

    قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (40)

    فَفِي كِلَا الْحَالَتَيْنِ كَانَ هُنَاكَ زُلْفَى وَحُسْنُ مَآبٍ (وَهُوَ مَا سَنَتَعَرَّضُ لَهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ)، لَكِنَّنَا سَنُرَكِّزُ هُنَا عَلَى جُزْئِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.

    لَقَدْ حَصَلَتْ فِتْنَةُ دَاوُودَ فِي قَضِيَّةِ الْحُكْمِ فِي الْحَرْثِ الَّذِي نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ، فَكَانَ الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَحْرِمْ دَاوُودَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَنَابَ، فَتَابَعَ دَاوُودُ مُهِمَّتَهُ الْمُوَكَّلَةَ إِلَيْهِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ.

    مَنْطِقُنَا الْمُفْتَرَى: وَلَمَّا كَانَتْ فِتْنَةُ سُلَيْمَانَ قَدْ جَاءَتْ بِسَبَبِ النِّسَاءِ "حُبِّ الْخَيْرِ" مِنَ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ، جَاءَ الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ عَلَى سُلَيْمَانَ أَنَّهُ لَمْ يَحْرِمْهُ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ زَادَ عَطَاءَهُ لَهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى سُلَيْمَانَ (عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ) بِأَنْ يَمْنُنَ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ؟

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى سُلَيْمَانَ أَنْ يَمْنُنَ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَذَلِكَ بِسَبَبِ إِنَابَتِهِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا بِسَبَبِ "حُبِّهِ لِلْخَيْرِ مِنَ الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ".

    وَلَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَطَاءِ قَدْ تَحَصَّلَ لِشَخْصٍ آخَرَ غَيْرِ سُلَيْمَانَ، فَمَا مَعْنَى أَنْ يَمْنُنَ سُلَيْمَانُ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ؟

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الرُّخْصَةَ جَاءَتْ لِسُلَيْمَانَ بَعْدَ إِنَابَتِهِ عَلَى نَحْوِ أَنْ يُعَاشِرَ النِّسَاءَ (فَامْنُنْ) أَوْ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ (أَمْسِكْ) بِنَاءً عَلَى رَغْبَةِ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ وَذَلِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ (بِغَيْرِ حِسَابٍ).

    اسْتِرَاحَةٌ قَصِيرَةٌ: مُقَابَلَةٌ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ

    جَاءَ الْأَمْرُ الرَّبَّانِيُّ لِمُحَمَّدٍ بِأَنْ لَا يُكْثِرَ مِنْ أَنْ يَمْنُنَ بَيْنَمَا كَانَ الْعَطَاءُ الرَّبَّانِيُّ عَلَى سُلَيْمَانَ مُتَمَثِّلًا بِأَنْ يَمْنُنَ بِغَيْرِ حِسَابٍ كَمَا يَظْهَرُ فِي التَّقَابُلِ مِنَ السِّيَاقَيْنِ الْقُرْآنِيَّيْنِ التَّالِيَيْنِ كَمَا نَفْهَمُهُ نَحْنُ:

    مُحَمَّدٌ: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)

    سُلَيْمَانُ: هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

    تَحْلِيلُ مُفْرَدَةِ "تَمْنُنْ"

    تَعَرَّضْنَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَقَالَةٍ سَابِقَةٍ لَنَا عَنْ تَحْلِيلِ مُفْرَدَةِ "تَمْنُنْ" فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي جَاءَ مُوَجَّهًا إِلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ:

    وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (المدثر 6)

    فَحَاوَلْنَا أَنْ نَسْأَلَ عَنْ مَعْنَى مُفْرَدَةِ "تَمْنُنْ" فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، حَيْثُ تَجَرَّأْنَا (رُبَّمَا بِقَلِيلٍ مِنَ الْوَقَاحَةِ) أَنْ نَضْرِبَ بِأَقْوَالِ مَنْ سَبَقُونَا عُرْضَ الْحَائِطِ.

    فَرَفَضْنَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو الْأَحْوَصِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ" وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ" قَالَ لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ قَالَ تَمْنُنْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَضْعُفُ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    وَظَنَنَّا أَنَّ الْغَلَطَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مَنْ سَبَقُونَا إِلَى الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَالْحُجَّةِ قَدْ نَجَمَ عَنْ إِسْقَاطِهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمُ السَّابِقَةِ عَنِ الْمُفْرَدَةِ نَفْسِهَا عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.

    وَبَعْدَ زَعْمِنَا أَنَّنَا تَدَبَّرْنَا آيَاتِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ خَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ الْمُفْتَرَى التَّالِي: إِنَّ مُفْرَدَةَ "تَمْنُنْ" مُرْتَبِطَةٌ بِمَجَالَيْنِ مِنَ الْمَعَانِي، وَهُمَا:

    1. الْمِنَّةُ: وَهِيَ التَّفَضُّلُ بِإِعْطَاءِ الْآخَرِينَ ثُمَّ التَّشْهِيرُ بِالْأُعْطِيَةِ (وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْمُفَسِّرِينَ).
    2. الْمَنِيُّ: وَهُوَ إِنْزَالُ مَاءِ الشَّهْوَةِ عِنْدَ الرَّجُلِ أَوْ صَبُّهُ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ.

    وَقَدَّمْنَا الِافْتِرَاءَ التَّالِي: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ" هُوَ النَّهْيُ لَيْسَ عَنِ الْإِكْثَارِ فِي التَّفَضُّلِ بِالْأُعْطِيَةِ عَلَى الْآخَرِينَ (الْمِنَّةِ).

    وَلَكِنَّهُ النَّهْيُ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنْ صَبِّ الْمَنِيِّ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ (أَيْ إِنْزَالِ الْمَنِيِّ بِالشَّهْوَةِ)، فَاللَّهُ –حَسَبَ فَهْمِنَا- يَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ عَدَمَ الْإِكْثَارِ مِنَ الْجِمَاعِ الَّذِي مِنْ خِلَالِهِ يَتِمُّ صَبُّ الْمَنِيِّ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ.

    أَدِلَّةُ التَّحْلِيلِ اللُّغَوِيِّ

    أَوَّلًا: دَلِيلُ السِّيَاقِ الْمَحَلِّيِّ

    يَتَطَلَّبُ تَحْلِيلُ الْمُفْرَدَةِ عَلَى الْمُسْتَوَى الْمَحَلِّيِّ إِثَارَةَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ.

    وَهُنَا نُثِيرُ التَّسَاؤُلَ الْبَسِيطَ التَّالِي: مَا عَلَاقَةُ "تَمْنُنْ" بِـ "تَسْتَكْثِرُ"؟

    جَوَابٌ: إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْتِجَهُ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنْ "تَمْنُنْ" بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَاهَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

    فَاللَّهُ يَنْهَى النَّبِيَّ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ (تَمْنُنْ)، فَهَلْ يُعْقَلُ إِذًا أَنْ يَنْهَى اللَّهُ النَّبِيَّ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْمِنَّةِ؟

    إِنَّ مُرَادَ قَوْلِنَا هُنَا هُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمِنَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَمِ الْإِكْثَارِ مِنْهَا، بَلْ بِالنَّهْيِ عَنْهَا كُلِّيًّا، فَلَا قَلِيلُهَا جَائِزٌ وَلَا كَثِيرُهَا مُمْكِنٌ.

    ثَانِيًا: دَلِيلُ السِّيَاقِ الْأَوْسَعِ

    حَتَّى يَتَأَكَّدَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبْنَا إِلَيْهِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الرَّوَابِطِ الَّتِي تَدْعَمُهُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهِ.

    وَهُنَا نُورِدُ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي سِيَاقِهَا الْأَوْسَعِ لِنَتَدَبَّرَهَا مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ:

    يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)

    فَهَلْ يَسْتَقِيمُ مَعْنَى "الْمِنَّةِ عَلَى النَّاسِ" مَعَ النُّهُوضِ مِنَ الْفِرَاشِ وَتَكْبِيرِ الرَّبِّ وَتَطْهِيرِ الثِّيَابِ؟ كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا.

    وَالْآنَ لِنَتَصَوَّرِ الْمَعْنَى الْآخَرَ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَهُوَ النَّهْيُ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنْ "إِنْزَالِ مَاءِ الشَّهْوَةِ فِي رَحِمِ النِّسَاءِ" (كَمَا نَظُنُّ نَحْنُ).

    فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الرَّجُلَ النَّائِمَ (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) يَقُومُ مِنْ فِرَاشِهِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)، ثُمَّ تَطْهِيرُ ثِيَابِهِ وَالِاغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) بَعْدَ الْجِمَاعِ (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ).[1]

    وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ لِلنَّبِيِّ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ الْجِمَاعِ – فِي رَأْيِنَا- لِأَنَّ مِنْ أَعْبَاءِ الْقِيَامِ بِالدَّعْوَةِ هُوَ التَّضْحِيَةُ بِبَعْضِ نِعَمِ الْحَيَاةِ، لِهَذَا جَاءَتِ الدَّعْوَةُ لِلصَّبْرِ مُبَاشَرَةً بَعْدَهَا: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7).

    ثَالِثًا: دَلِيلُ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ

    عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ حَوْلَ الْمِنَّةِ وَالْمَنِيِّ مِنَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، خَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطَاتِ التَّالِيَةِ:

    أَوَّلًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمِنَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ فَقَطْ. فَالْمِنَّةُ فِيهَا اسْتِعْلَاءٌ عَلَى الْآخَرِينَ، لِذَا جَاءَتْ جَمِيعُ تِلْكَ السِّيَاقَاتِ مَتْبُوعَةً بِحَرْفِ الْجَرِّ "عَلَى"، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْعُلُوَّ هُوَ صِفَةٌ خَاصَّةٌ بِاللَّهِ وَحْدَهُ.[2]

    ثَانِيًا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ إِنْزَالَ الْمَنِيِّ هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ صِفَاتِ النَّاسِ.

    ثَالِثًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمِنَّةَ وَالْمَنِيَّ مُشْتَقَّتَانِ مِنْ جَذْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُتَشَابِهَيْنِ.

    إِنَّ الْمُدَقِّقَ فِي صِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ يَجِدُ حَقِيقَةً صَارِخَةً: جَاءَتِ "الْمِيمُ" فِي الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِفِعْلِ الْمِنَّةِ مَضْمُومَةً (يَمُنُّونَ، تَمُنُّوا، يَمُنُّ)، وَجَاءَتِ "الْمِيمُ" فِي الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِفِعْلِ "إِنْزَالِ الْمَنِيِّ" سَاكِنَةً (تُمْنَىٰ، يُمْنَىٰ).

    وَبِهَذَا الْفَهْمِ نَعُودُ إِلَى الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي بَدَأْنَا مِنْهَا: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6).

    فَعِنْدَ مُرَاقَبَةِ حَرَكَةِ الْمِيمِ (لِفِعْلِ "تَمْنُنْ") نَجِدُ أَنَّهَا سَاكِنَةٌ، الْأَمْرُ الَّذِي يَدْعَمُ مَا زَعَمْنَا فِي الْبِدَايَةِ أَنَّهُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ.

    عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: تَطْبِيقُ الْفَهْمِ عَلَى قِصَّةِ سُلَيْمَانَ

    لِنُحَاوِلِ الْآنَ رَبْطَ هَذَا الْفَهْمِ بِالْمِنَّةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى سُلَيْمَانَ بَعْدَ أَنْ أَنَابَ:

    هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)

    نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ لَا نَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى سُلَيْمَانَ الرُّخْصَةَ بِأَنْ يَمُنَّ عَلَى الْآخَرِينَ بِالْأُعْطِيَةِ، فَهَذِهِ لَا تَكُونُ إِطْلَاقًا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ.

    وَلَكِنَّ الظَّنَّ أَمْيَلُ إِلَى الِاعْتِقَادِ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى الرُّخْصَةَ لِسُلَيْمَانَ بِإِنْزَالِ مَاءِ الشَّهْوَةِ فِي رَحِمِ النِّسَاءِ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

    كَمَا نَظُنُّ أَنَّ التَّلَازُمَ بَيْنَ مُفْرَدَةِ "تَمْنُنْ" مِنْ جِهَةٍ وَمُفْرَدَةِ "أَمْسِكْ" مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ خَاصًّا بِالنِّسَاءِ.

    فَمَا مَعْنَى أَمْسِكْ؟ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْحَدِيثُ عَنِ الْإِمْسَاكِ مُصَاحِبًا لِلنِّسَاءِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، مِثْلَ: ... فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ... (البقرة 229).

    افْتِرَاءَاتٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا جِدًّا

    نَسْأَلُ الْقَارِئَ الْكَرِيمَ الَّذِي لَا يُرِيدُ أَنْ تَتَزَعْزَعَ عَقِيدَتُهُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي وَرِثَهَا عَنْ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ أَنْ لَا يُتَابِعَ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ هَذِهِ السُّطُورِ.

    فَنَحْنُ غَيْرُ مَسْئُولِينَ عَنْ مَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الْقَنَاعَاتُ بَعْدَ هَذِهِ الْفِقْرَةِ مِنَ الْكِتَابَةِ، لِأَنَّنَا نُؤَكِّدُ (كَمَا فَعَلْنَا عَلَى الدَّوَامِ) أَنَّ مَا نَقُولُهُ لَا يَعْدُو أَكْثَرَ مِنِ افْتِرَاءَاتٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا.

    وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ عَلَى الدَّوَامِ أَنَّ أُمَّتَنَا الْإِسْلَامِيَّةَ هِيَ أُمَّةٌ اتَّبَعَتِ الْأَمَانِيَّ أَكْثَرَ مِنِ اتِّبَاعِهِمُ الْعِلْمَ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ، فَلَقَدْ وَصَفَنَا اللَّهُ بِأَنَّنَا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ:

    هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)

    وَصِفَاتُ الْأُمِّيِّينَ كَمَا تُصَوِّرُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّهُمْ: 1. لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ. 2. وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.

    لِذَا لَا بُدَّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَ الْحَقَّ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ نَفْسِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُتَّبِعًا لِظَنِّهِ رَاغِبًا بِأَمَانِيِّ نَفْسِهِ.

    أَمَّا بَعْدُ: قِصَّةُ زَيْنَبَ وَالْحُكْمُ الْإِلَهِيُّ

    السُّؤَالُ: لَمَّا كَانَ اللَّهُ قَدْ مَنَّ عَلَى سُلَيْمَانَ بِعَطَائِهِ الْعَظِيمِ بِأَنْ يَمْنُنَ أَوْ يُمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَلِمَ -نَحْنُ نَسْأَلُ- مَنَعَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنِ الِاسْتِزَادَةِ مِنَ النِّسَاءِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى؟

    لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (الأحزاب 52)

    فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ – بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ- أَنَّ الْأَمْرَ الْإِلَهِيَّ قَدْ صَدَرَ بِحَقِّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ بِأَنْ لَا يَتَزَوَّجَ النِّسَاءَ وَلَا أَنْ يَتَبَدَّلَ بِهِنَّ وَلَوْ أَعْجَبَهُ حُسْنُهُنَّ.

    السُّؤَالُ: لِمَ صَدَرَ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ؟

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّسَاؤُلِ يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهَا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

    وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (الأحزاب 37)

    فَتَسُوقُنَا هَذِهِ الْقَضَايَا مُجْتَمِعَةً إِلَى طَرْحِ السُّؤَالِ التَّالِي: مَا الَّذِي أَخْفَاهُ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي نَفْسِهِ حَتَّى تَدَخَّلَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ لِيُبْدِيَهُ؟

    افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَخْفَى فِي نَفْسِهِ كَلِمَةً وَاحِدَةً مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْفِيَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُرْآنًا يُتْلَى لِيُبْدِيَ مَا أَخْفَى نَبِيُّهُ فِي نَفْسِهِ.[3]

    نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي أَخْفَاهَا مُحَمَّدٌ فِي نَفْسِهِ هِيَ كَلِمَةُ "بِمَعْرُوفٍ".

    الدَّلِيلُ: قَاعِدَةُ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ

    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْإِلَهِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِإِمْسَاكِ النِّسَاءِ هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: ... فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ...

    لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّهُ عِنْدَمَا طَلَبَ مُحَمَّدٌ مِنْ زَيْدٍ أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَيْنَبَ جَاءَ كَلَامُهُ كَمَا يُصَوِّرُهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: ... أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ...

    وَكَانَ الْأَوْلَى بِمُحَمَّدٍ الَّذِي لَا شَكَّ يَعْرِفُ أَنَّ السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ تَتَمَثَّلُ بِأَنَّ الْإِمْسَاكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْرُوفِ، كَانَ الْأَوْلَى بِهِ – نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ- أَنْ يَقُولَ لِزَيْدٍ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ بِالْمَعْرُوفِ".

    فَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ يَتَطَلَّبُ حُصُولَ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْجِمَاعِ، أَمَّا الْإِمْسَاكُ لِوَحْدِهِ فَلَا يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ.

    فَمَنْ أَمْسَكَ بِالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ، فَقَدْ أَمْسَكَهَا إِذًا ضِرَارًا وَقَدِ اعْتَدَى عَلَى حُقُوقِهَا، وَهُوَ بِذَلِكَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ.

    الْخُلَاصَةُ: مُقَارَنَةُ الرَّدِّ الْإِلَهِيِّ

    عِنْدَ مُقَارَنَةِ مَا بَدَرَ مِنْ نَفْسِ مُحَمَّدٍ فِي حَادِثَةِ النِّسَاءِ هَذِهِ (قِصَّةِ زَيْنَبَ) مَعَ مَا بَدَرَ مِنْ سُلَيْمَانَ فِي حَادِثَةِ النِّسَاءِ تِلْكَ (الصَّافِنَاتِ الْجِيَادِ)، نَجِدُ أَنَّ الرَّدَّ الْإِلَهِيَّ جَاءَ مُتَعَاكِسًا تَمَامًا.

    فَفِي حِينِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَّ عَلَى سُلَيْمَانَ بِأَنْ يَمْنُنَ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ كَمَا يَشَاءُ وَبِغَيْرِ حِسَابٍ، جَاءَ الْعِقَابُ الرَّبَّانِيُّ لِمُحَمَّدٍ عَلَى نَحْوِ الْمَنْعِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِالنِّسَاءِ أَوْ تَبْدِيلِهِنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ (أَيْ الزَّوَاجِ بِزَيْنَبَ).

    رَأْيُنَا: فِي ضَوْءِ تَخْرِيصَاتِنَا السَّابِقَةِ، فَإِنَّنَا نَزْعُمُ أَنَّ السَّبَبَ كَانَ انْتِظَارًا إِلَهِيًّا لِمُحَمَّدٍ بِأَنْ يُنِيبَ كَمَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ.

    فَلَوْ قَامَ مُحَمَّدٌ بِالْإِنَابَةِ، أَيْ رُبَّمَا بِالْكَفِّ عَنِ النِّسَاءِ تَمَامًا، وَالْعَوْدَةِ إِلَى السُّنَّةِ الْإِلَهِيَّةِ بِأَنْ يَتَرَاجَعَ عَنْ كَلَامِهِ وَيَعُودَ لِيَقُولَ لِزَيْدٍ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ بِالْمَعْرُوفِ.

    فَلَوْ حَصَلَ كُلُّ ذَلِكَ، لَرُبَّمَا – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- جَاءَ الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ لِمُحَمَّدٍ مُطَابِقًا لِلرَّدِّ الْإِلَهِيِّ الَّذِي جَاءَ لِسُلَيْمَانَ بِأَنْ يَمْنُنَ أَوْ أَنْ يُمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

    وَلِلْحَدِيثِ بَقِيَّةٌ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ.


    الْمُدَّكِّرُونَ: رَشِيدْ سَلِيمْ الْجَرَّاحْ
    عَلِيّ مَحْمُودْ سَالِمْ الشَّرْمَانْ (مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَحَفُّظِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَفْكَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَقَالَةِ)

    بِقَلَمِ: د. رَشِيدْ الْجَرَّاحْ
    5 تِشْرِينْ ثَانِي 2012


    الْحَوَاشِي وَالْمَصَادِرُ

    1. لَاحِظْ عَزِيزِي الْقَارِئَ أَنَّ مِنْ أَبْجَدِيَّاتِ عَقِيدَتِنَا هُوَ الِاغْتِسَالُ لِإِسْقَاطِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.
    2. فِي حِينِ أَنَّهُ لَا يَحِقُّ لِلْبَشَرِ أَنْ يَعْلُوا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَحِقُّ لَهُمْ أَنْ يَعْلُوا عَلَى مَا دُونَهُمْ مِنَ الْخَلَائِقِ، كَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا.
    3. سَنُحَاوِلُ فِي مَقَالَةٍ قَادِمَةٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا وَأَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَتَبِعَاتِ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْمَوْقِفَيْنِ عَلَى الْعَقِيدَةِ.
    4. وَهُنَا لَابُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ النِّكَاحِ مِنْ جِهَةٍ وَالزَّوَاجِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لِأَنَّ النِّكَاحَ – فِي ظَنِّنَا- هُوَ عَمَلٌ يُنَفِّذُهُ الْبَشَرُ، بَيْنَمَا الزَّوَاجُ فَهُوَ فِعْلٌ يُحْدِثُهُ اللَّهُ نَفْسُهُ. لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ ثُلَاثِيَّةُ الْمَرْأَةِ.
    أنت تقرأ في قسم: القصص | قصة سليمان