مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (3): بَابُ النَّاقَةِ
خَلَصْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عِنْدَ طَرْحِ الِافْتِرَاضِ الظَّنِّيِّ الَّذِي هُوَ - بِلَا شَكٍّ- مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا الَّذِي فَحْوَاهُ أَنَّ الَّذِي أَكَلَ مِنسَأَةَ سُلَيْمَانَ كَانَتْ دَابَّةً وَاحِدَةً، قَامَتْ بِعَمَلِيَّةِ أَكْلٍ حَقِيقِيٍّ.
فَانْتَهَتْ تِلْكَ الْمِنسَأَةُ الَّتِي كَانَتْ تُمَثِّلُ مُلْكَ سُلَيْمَانَ وَسَطْوَتَهُ عَلَىٰ كُلِّ جُنْدِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا رَبَّانِيًّا لِدُعَاءِ سُلَيْمَانَ رَبَّهُ بِأَنْ لَا يَهَبَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مُلْكًا كَمُلْكِهِ.
(سُورَةُ ص: 35)
فَكَانَ ذَهَابُ تِلْكَ الْمِنسَأَةِ – فِي ظَنِّنَا- أَمْرًا لَا مَفَرَّ مِنْهْ، كَمَا كَانَ ظَنُّنَا أَنَّ دَابَّةَ الْأَرْضِ الَّتِي أَكَلَتْ تِلْكَ الْعَصَا رُبَّمَا هِيَ نَفْسُهَا الدَّابَّةُ الَّتِي سَتَخْرُجُ تُكَلِّمُ النَّاسَ (إِذَا مَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) أَنَّهُمْ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يُؤْمِنُونْ.
(سُورَةُ النَّمْلِ: 82)
وَتَوَقَّفْنَا فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ عِنْدَ طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةْ:
- مَا هِيَ تِلْكَ الدَّابَّةْ؟
- مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ تِلْكَ الدَّابَّةْ؟
- وَأَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الدَّابَّةْ؟
لِذَا سَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْخَوْضَ فِي مَاهِيَّةِ تِلْكَ الدَّابَّةِ، سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يَأْذَنَ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَقُولَهُ فَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبْ.
وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَابُدَّ مِنْ إِعَادَةِ جَوْهَرِ مَنْهَجِيَّتِنَا الَّذِي تَرْتَكِزُ عَلَيْهِ فِكْرَتُنَا الْقَدِيمَةُ الْجَدِيدَةُ الْمُتَمَثِّلَةُ بِأَنَّ مَا نُقَدِّمُهُ فِي هَذِهِ السُّطُورِ لَا يَعْدُو أَكْثَرَ مِنْ خَيَالِنَا الْبَشَرِيِّ الزَّائِفِ بِمَا نَظُنُّ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهْ.
فَهُوَ غَيْرُ مُلْزِمٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ مَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ مِنَ الْوَجَاهَةِ مَا يَسْتَدْعِي الْأَخْذَ مِنْهْ، لِذَا فَإِنَّ كُلَّ الْأَفْكَارِ الَّتِي طُرِحَتْ سَابِقًا، وَالَّتِي سَتُطْرَحُ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ تَصَوُّرَاتِنَا الْبَشَرِيَّةِ الْقَابِلَةِ لِلْأَخْذِ وَالرَّدِّ.
فَنَأْخُذُ مِنْهَا مَا يُصَدِّقُهُ كِتَابُ اللَّهِ، وَنَدَعُ (لَا بَلْ) وَلْنُلْقِي بِالْبَاقِي الَّذِي لَا نَجِدُ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ قَطْعِيٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي سَلَّةِ الْمُهْمَلَاتْ.
الافتراض النظري: ناقة ثمود هي دابة سليمان
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: سَنَنْطَلِقُ بِدَايَةً مِنَ الِافْتِرَاضِ النَّظَرِيِّ التَّالِيْ: لَقَدْ كَانَتْ دَابَّةُ الْأَرْضِ الَّتِي أَكَلَتْ مِنسَأَةَ سُلَيْمَانَ هِيَ نَفْسُهَا النَّاقَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللَّهُ إِلَىٰ ثَمُودَ (قَوْمِ صَالِحٍ).
الدليل القرآني على الافتراض
نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْإِشَارَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَدْعَمُ زَعْمَنَا هَذَا رُبَّمَا يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهَا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
(سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 59)
إِنَّ أَبْسَطَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَلِّطَ عَلَيْهِ الضَّوْءَ فِي هَذَا السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ هُوَ الْخَبَرُ الرَّبَّانِيُّ بِأَنَّ النَّاقَةَ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللَّهُ إِلَىٰ ثَمُودَ كَانَتْ نَاقَةً مُبْصِرَةً (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً).
فَمَا الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهُ مِنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الْقُرْآنِيَّةْ؟ أَوْ مَا مَعْنَىٰ أَنْ تَكُونَ النَّاقَةُ مُبْصِرَةً؟ وَهَلْ يُسْعِفُنَا مِثْلُ هَذَا الظَّنِّ فِي فَهْمِ مَاهِيَّةِ تِلْكَ النَّاقَةْ؟
لماذا يستحيل أن تكون الناقة من الأنعام؟
افْتِرَاءٌ مُهِمٌّ جِدًّا وَخَطِيرٌ جِدًّا: مَادَامَ أَنَّ تِلْكَ النَّاقَةَ كَانَتْ مُبْصِرَةً فَيَسْتَحِيلُ إِذًا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْأَنْعَامِ. وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
جَوَابٌ: جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِخُصُوصِ الْأَنْعَامِ الْحَقِيقَةُ الْقُرْآنِيَّةُ الَّتِي تُشِيرُ إِلَيْهَا الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
(سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 179)
(سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 44)
نتيجة أولية: الأنعام كائنات لا تبصر
الْأَنْعَامُ كَائِنَاتٌ لَا تَفْقَهُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ (وَإِنْ كَانَ لَهَا قُلُوبٌ وَأَعْيُنٌ وَآذَانٌ).
فَالْأَنْعَامُ (وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْمَاعِزُ وَالضَّأْنُ فَقَطْ) كَائِنَاتٌ مُذَلَّلَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَيِّزَ بِقَلْبِهَا وَلَا بِأَعْيُنِهَا وَلَا بِآذَانِهَا، فَحَتَّىٰ وَإِنْ كَانَتْ تَرَىٰ، فَهِيَ تَرَىٰ كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ أَمَامَهَا وَكَأَنَّهُ شَيْئًا وَاحِدًا.
فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تَرَىٰ مِنْ جِهَةٍ وَأَنْ تُبْصِرَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَىٰ، فَالرُّؤْيَةُ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ الْإِبْصَارَ، فَكَمْ مِنَ النَّاسِ رَأَوْا (وَيَرَوْنَ) آيَاتِ اللَّهِ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُبْصِرُوهَا (أَيْ أَنْ يُمَيِّزُوهَا عَنْ غَيْرِهَا).
لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الْبَقَرَ مَثَلًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ شَخْصٍ يُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ وَآخَرَ يَحْمِلُ لَهُ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَهُ بِهَا. وَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِبِلُ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ زَيْدٍ أَوْ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاعِزِ وَلِلضَّأْنِ.
لِذَا مَهْمَا بَلَغَتْ قُدْرَةُ النَّاسِ عَلَىٰ تَرْوِيضِ تِلْكَ الْكَائِنَاتِ بِالتَّعْلِيمِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ فِعْلَ ذَلِكَ مَعَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَاعِزِ وَالضَّأْنِ عَلَىٰ وَجْهِ التَّحْدِيدِ.
وَلَكِنَّهُمْ رُبَّمَا يَسْتَطِيعُونَ (وَقَدْ نَجَحُوا فِعْلًا) أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَعَ الْقِطَطِ وَالْكِلَابِ وَحَتَّىٰ الْأُسُودِ وَالْفِيَلَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَائِنَاتِ لَيْسَتْ مِنْ فَصِيلَةِ الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا مِنْ فَصِيلَةِ الدَّوَابِّ الَّتِي هِيَ أَصْلًا أُمَمٌ أَمْثَالُنَا لِأَنَّهَا تَعْقِلُ وَتَسْمَعُ وَتُبْصِرُ.
(سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 38)
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَتِ النَّاقَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللَّهُ إِلَىٰ ثَمُودَ نَاقَةً مُبْصِرَةً فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ عِنْدَنَا أَمْيَلُ إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّهَا مِنْ فَصِيلَةِ الدَّوَابِّ وَلَيْسَتْ مِنْ فَصِيلَةِ الْأَنْعَامِ.
إِنَّ طَرْحَنَا هَذَا يُثِيرُ سَيْلًا مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي لَابُدَّ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهَا أَوَّلًا قَبْلَ الْمُضِيِّ قُدُمًا فِي النِّقَاشِ الرَّئِيسِ حَوْلَ الدَّابَّةِ الَّتِي أَكَلَتْ مِنسَأَةَ سُلَيْمَانَ:
- مَا هِيَ تِلْكَ النَّاقَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللَّهُ إِلَىٰ ثَمُودَ؟
- مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ؟
- لِمَاذَا أَرْسَلَ اللَّهُ تِلْكَ النَّاقَةَ إِلَىٰ ثَمُودَ؟
- مَاذَا حَلَّ بِتِلْكَ النَّاقَةِ؟
- إلخ...
ماهية "ناقة الله" المبصرة
لماذا نُسبت الناقة إلى الله؟
جَوَابٌ: إِنَّهَا "نَاقَةُ اللَّهِ"، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟
(سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 73)
(سُورَةُ هُودٍ: 64)
(سُورَةُ الشَّمْسِ: 13)
وَهُنَا نَتَوَقَّفُ لِنَطْرَحَ سُؤَالًا جَرِيئًا جِدًّا وَهُوَ: لِمَ هِيَ "نَاقَةُ اللَّهِ"؟ كَيْفَ بِاللَّهِ أَنْ "يَكُونَ لَهُ" نَاقَةٌ؟ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ حَتَّىٰ أَصْبَحَتْ نَاقَةَ اللَّهِ؟ لِمَ لَمْ يَتَّخِذِ اللَّهُ مِمَّ يَخْلُقُ مَا يَشَاءْ؟
أَلَمْ يُنْكِرِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْسِبُوا لَهُ الْوَلَدَ؟
(سُورَةُ الصَّافَّاتِ)
(سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: 111)
السُّؤَالُ الِاسْتِفْزَازِيُّ: كَيْفَ بِاللَّهِ الَّذِي يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْسِبُوا لَهُ الْوَلَدَ يَقْبَلُ أَنْ يَنْسِبَ لِنَفْسِهِ نَاقَةً لِتُصْبِحَ "نَاقَةَ اللَّهِ"؟ فَهَلْ نَسَبَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ تِلْكَ النَّاقَةِ؟
رَأْيُنَا: لَا نَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَسَبَ لِنَفْسِهِ إِلَّا صِفَاتٍ لِخَلْقِهِ (أَيْ صِفَةٌ يَتَّصِفُ بِهَا عِبَادُهُ كَـ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِ اللَّهِ، وَهَكَذَا). وَلَكِنْ هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ مُحَدَّدٌ بِذَاتِهِ (وَلَيْسَ صِفَةً) نَسَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ؟
جَوَابٌ: إِنَّهَا النَّاقَةُ، وَالنَّاقَةُ فَقَطْ.
سُؤَالٌ: فَلِمَ إِذًا يَنْسِبُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ تِلْكَ النَّاقَةَ عَلَىٰ نَحْوِ (نَاقَةُ اللَّهِ)؟
رَأْيُنَا: لَابُدَّ أَنَّ لِهَذِهِ النَّاقَةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ يَتَطَلَّبُ الْبَحْثَ وَالتَّنْقِيبَ، لِذَا نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّذَ قَوْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ لَنَا الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
من أين جاءت الناقة؟ نظرية القبول الإلهي
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَحْمِلُ الْعَقِيدَةَ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، لِذَا يَسْتَطِيعُ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ.
فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ وَلَدًا لَاتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ نَاقَةً لَاتَّخَذَ مِمَّا يَشَاءُ، وَهَكَذَا. وَبِنَاءً عَلَىٰ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ نُقَدِّمَ الِافْتِرَاءَ التَّالِيْ:
يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّ خَلَقَ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ لَا يَتَّخِذُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ.
(سُورَةُ الزُّمَرِ: 4)
فَمِنْ أَيْنَ إِذًا جَاءَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ حَتَّىٰ أَصْبَحَتْ نَاقَةَ اللَّهِ؟
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ خَطِيرٌ خَطِيرٌ: لَابُدَّ أَنَّ تِلْكَ النَّاقَةَ قَدْ قُدِّمَتْ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَتَقَبَّلَهَا اللَّهُ، لِأَنَّ اللَّهَ الَّذِي لَا يَتَّخِذُ يَتَقَبَّلُ.
مَنْطِقُنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يَتَّخِذْ مِمَّا خَلَقَ شَيْئًا بِحَدِّ ذَاتِهِ لِيَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَلَكِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ قَامَ بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ لِلَّهِ فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ، فَأَصْبَحَ ذَلِكَ الشَّيْءُ خَاصًّا بِاللَّهِ.
فَاللَّهُ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا تَقَبَّلَ مَرْيَمَ مِنْ أُمِّهَا الَّتِي نَذَرَتْهَا لَهُ:
(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 35-37)
فَلَقَدْ عَلَا شَأْنُ مَرْيَمَ لِأَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَهَا، فَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا، وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ، فَكَانَتْ صِدِّيقَةً، وَكَانَتْ هِيَ فَقَطُ الْمُؤَهَّلَةَ لِحَمْلِ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ كَآيَةٍ مِنَ اللَّهِ لِلنَّاسِ جَمِيعًا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذِ النَّاقَةَ وَإِنَّمَا تَقَبَّلَ النَّاقَةَ، فَمَا الْفَرْقُ؟
لَمَّا كَانَتِ النَّاقَةُ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فَهُوَ إِذًا لَنْ يَتَّخِذَهَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ دُونِ خَلْقِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتِ النَّاقَةُ قَدْ قُدِّمَتْ لِلَّهِ "كَهَدِيَّةٍ" (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ) مِنْ قِبَلِ شَخْصٍ مُتَّقٍ لِلَّهِ (كَمَا فَعَلَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ مَثَلًا)، فَقَدْ تَقَبَّلَهَا رَبُّهَا مِمَّنْ قَدَّمَهَا لَهُ.
وَعِنْدَمَا يُقَدَّمُ شَيْءٌ كَـ "هَدِيَّةٍ لِلَّهِ" فَإِنَّهَا بِالْمَنْطِقِ الدِّينِيِّ وَبِاللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ تُصْبِحُ – حَسَبَ ظَنِّنَا- "قُرْبَانًا"، وَبِهَذَا رُبَّمَا لَنَصِلَ إِلَىٰ ذِرْوَةِ افْتِرَاءَاتِنَا بِالْقَوْلِ: لَقَدْ كَانَتِ النَّاقَةُ عِبَارَةً عَنْ قُرْبَانٍ قُدِّمَ لِلَّهِ، فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَدَّمَهُ، فَأَصْبَحَتْ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ "نَاقَةَ اللَّهِ".
من الذي قدّم الناقة قرباناً لله؟
لِلْإِجَابَةِ عَلَىٰ هَذَا السُّؤَالِ لَابُدَّ مِنَ التَّأْكِيدِ بِأَنَّ النَّاقَةَ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللَّهُ إِلَىٰ ثَمُودَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إِرْسَالُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَىٰ ذَلِكَ – حَسَبَ ظَنِّنَا- مَوْجُودٌ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
(سُورَةُ الْقَمَرِ: 27)
فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ حَتَّىٰ يَتِمَّ إِرْسَالُ شَيْءٍ مَا إِلَىٰ مَكَانٍ مَا، فَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ تَتِمَّ عَمَلِيَّةُ الْإِرْسَالِ.
ثَانِيًا، عِنْدَمَا نُخْبَرُ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ تِلْكَ النَّاقَةَ كَانَتْ مُبْصِرَةً فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ إِبْصَارَهَا لَمْ يَحْدُثْ عَلَى انْقِطَاعٍ، بَلْ كَانَ إِبْصَارُهَا عَلَى الدَّوَامِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّفْظَ جَاءَ عَلَىٰ صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ "مُبْصِرَةً".
ثَالِثًا، لَمَّا جَاءَ لَفْظُ النَّاقَةِ بِصِيغَةِ الْمُعَرَّفِ بِـ "الْ" التَّعْرِيفِ، رُبَّمَا يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ أَنَّ النَّاقَةَ هِيَ نَاقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْمُخَاطِبِ وَالْمُخَاطَبِ.
نتائج مفتراة حول ماهية الناقة
- لَمْ تَكُنْ تِلْكَ النَّاقَةُ مِنَ الْأَنْعَامِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُبْصِرَةً.
- تِلْكَ النَّاقَةُ كَانَتْ مَوْجُودَةً مِنْ ذِي قَبْلُ حَتَّىٰ تَمَّ إِرْسَالُهَا.
- تِلْكَ النَّاقَةُ لَمْ يَتَّخِذْهَا اللَّهُ مِمَّا خَلَقَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَّخِذَ مَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ.
- تِلْكَ النَّاقَةُ تَقَبَّلَهَا اللَّهُ تَقَبُّلًا مِمَّنْ قَدَّمَهَا لَهُ فَصَارَتْ نَاقَةَ اللَّهِ.
- تِلْكَ النَّاقَةُ لَا مَثِيلَ لَهَا لِأَنَّهَا نَاقَةٌ مُحَدَّدَةٌ بِذَاتِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهَا "النَّاقَةُ".
أصل الناقة: قربان ابني آدم
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ "الضَّالَّ الْمُضِلَّ بِحَدِّ ذَاتِهِ" يُعِيدُنَا عَلَى الْفَوْرِ إِلَىٰ قِصَّةِ بِدَايَةِ الْخَلْقِ، لِنَسْتَذْكِرَهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَىٰ آخِرِهَا بَاحِثِينَ عَمَّنْ قَدَّمَ قُرْبَانًا لِلَّهِ فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ.
جَوَابٌ: رُبَّمَا لَنْ نَجِدَ عَنَاءً كَبِيرًا فِي أَنْ نَتَذَكَّرَ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ (إِسْرَائِيلَ وَإِدْرِيسَ) اللَّذَانِ لَجَآءَا إِلَىٰ فَضِّ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا بِتَقْدِيمِ الْقُرْبَانِ.
(سُورَةُ الْمَائِدَةِ)
لَعَلَّ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ عِنْدَمَا تَصَدَّىٰ لِشَرْحِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ بِالتَّفْصِيلِ إِلَى السُّؤَالِ الَّذِي لَابُدَّ مِنْ إِثَارَتِهِ حَوْلَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهُوَ: مَاذَا كَانَتْ مَاهِيَّةُ ذَلِكَ الْقُرْبَانِ الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنَا آدَمَ بِالْحَقِّ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ كَانَ عِبَارَةً عَنْ نَاقَةٍ.
لَابُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ أَوَّلًا إِلَىٰ أَنَّ الْقُرْبَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مَادِّيًّا مَلْمُوسًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ يَكُونُ شَيْئًا مَادِّيًّا مَلْمُوسًا، فَيُمْكِنُ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّارُ:
(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ)
وَلَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ الْأَخِيرَةَ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُؤَكِّدُ أَنَّ الْقَوْمَ يَطْلُبُونَ رَسُولًا يُقَدِّمُ لَهُمْ قُرْبَانًا تَأْكُلُهُ النَّارُ، وَهُنَا يَأْتِي الرَّدُّ الْإِلَهِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ فِعْلًا.
فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُؤَكِّدُ بِأَنَّ تَقْدِيمَ الْقُرْبَانِ لِلنَّارِ الَّتِي تَأْكُلُهُ قَدْ جَاءَ فِعْلًا، فَمَتَىٰ - يَا تُرَىٰ- حَصَلَ ذَلِكْ؟
إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ يُعِيدُنَا مَرَّةً أُخْرَىٰ إِلَىٰ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ، اللَّذَيْنِ قَرَّبَا قُرْبَانًا وَاحِدًا، فَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْ أَحَدِهِمْ وَلَمْ يَتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ.
وَهُنَا يَجِبُ التَّأْكِيدُ عَلَىٰ أَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا وَاحِدًا، فَتَكُونُ الصُّورَةُ –فِي مُخَيِّلَتِنَا- عَلَىٰ نَحْوِ أَحَدِ السِّينَارْيُوهَيْنِ التَّالِيَيْنِ:
- يُقَدِّمُ أَحَدُ ابْنَيْ آدَمَ الْقُرْبَانَ فَيَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ وَيَقُومُ الْآخَرُ بِتَقْدِيمِ نَفْسِ الْقُرْبَانِ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَلَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ.
- يُقَدِّمُ أَحَدُ ابْنَيْ آدَمَ قُرْبَانًا فَيَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ وَيَقُومُ الْآخَرُ بِتَقْدِيمِ قُرْبَانًا مِنْ نَفْسِ الصِّنْفِ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ فَلَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ.
وَلَعَلَّ هَذَا التَّصَوُّرَ يُثِيرُ عَلَى الْفَوْرِ التَّسَاؤُلَ التَّالِيْ: كَيْفَ كَانَتْ مَاهِيَّةُ التَّقَبُّلِ؟ أَيْ مَاذَا حَصَلَ عِنْدَمَا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْ أَحَدِهِمْ؟ وَمَا الَّذِي حَصَلَ عِنْدَمَا لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنَ الْآخَرِ؟
رَأْيُنَا: لَابُدَّ لِلْقُرْبَانِ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّارُ.
نَعَمْ، ذَلِكَ هُوَ فِي ظَنِّنَا مَا حَصَلَ لِلْقُرْبَانِ الَّذِي تَقَبَّلَهُ اللَّهُ، فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّهُ حَتَّىٰ يَتِمَّ قَبُولُ الْقُرْبَانِ فَلَابُدَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ مَنْ كَانَ الْقُرْبَانُ قَدْ قُدِّمَ لَهُ.
وَلَمَّا كَانَ الْقُرْبَانُ قَدْ قُدِّمَ لِلَّهِ، فَلَابُدَّ أَنَّ اللَّهَ –نَحْنُ نَزْعُمُ الظَّنَّ- قَدْ أَخَذَ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ فَكَانَتْ تِلْكَ الْعَلَامَةُ الدَّالَّةُ الَّتِي لَا جِدَالَ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ.
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ اللَّهَ عِنْدَمَا تَقَبَّلَ الْقُرْبَانَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ الَّذِي قُتِلَ فِيمَا بَعْدُ أَخَذَ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ لِنَفْسِهِ، وَكَانَتْ مَاهِيَّةُ ذَلِكَ الْأَخْذِ بِالنَّارِ.
وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَصْبَحَ ذَلِكَ الْقُرْبَانُ الَّذِي قُدِّمَ لِلَّهِ خَالِصًا لَهُ (أَيْ مِلْكًا خَاصًّا لِلَّهِ) لَا يَسْتَطِيعُ الْآخَرُونَ النَّيْلَ مِنْهُ.
قدسية النار وعلاقتها بالوحي
لَاشَكَّ لَدَيْنَا أَنَّ لِلنَّارِ قُدْسِيَّةً خَاصَّةً، فَإِبْلِيسُ يَتَكَبَّرُ عَلَىٰ آدَمَ لِأَنَّ مَادَّةَ خَلْقِهِ مِنْ نَارٍ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ أُمَمًا كَثِيرَةً قَدَّسَتِ النَّارَ لِدَرَجَةِ الْإِشْرَاكِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَهَا. فَمِنْ أَيْنَ - يَا تُرَىٰ- جَاءَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْقُدْسِيَّةِ لِلنَّارِ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ التَّالِيَ رُبَّمَا يُسْعِفُنَا فِي فَهْمِ مَصْدَرِ الْقُدْسِيَّةِ الَّتِي أَفْضَاهَا الْكَثِيرُونَ عَلَى النَّارِ:
(سُورَةُ النَّمْلِ)
فَهَا هُوَ مُوسَىٰ يَأْنَسُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا، فَيَذْهَبُ إِلَيْهَا تَارِكًا أَهْلَهُ وَحْدَهُمْ، وَمَا أَنْ يَصِلَ إِلَى النَّارِ حَتَّىٰ يَجِدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يُكَلِّمُهُ تَكْلِيمًا.
فَيُطْلَبُ مِنْ مُوسَىٰ أَنْ يُلْقِيَ مَا فِي يَمِينِهِ، فَأَيْنَ يَا تُرَىٰ أَلْقَىٰ مُوسَىٰ مَا فِي يَمِينِهِ (أَيِ الْعَصَا)؟
رَأْيُنَا: لَعَلَّ جُلَّ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ السَّائِدِ يَظُنُّ أَنَّ مُوسَىٰ قَدْ أَلْقَىٰ مَا فِي يَمِينِهِ (الْعَصَا) عَلَى الْأَرْضِ، وَنَحْنُ نَسْتَمِيحُ السَّادَةَ الْعُلَمَاءَ الْعُذْرَ لِنُخَالِفَهُمُ الرَّأْيَ ظَانِّينَ أَنَّ مُوسَىٰ قَدْ أَلْقَىٰ عَصَاهُ فِي النَّارِ وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ.
فَمَا يَكُونُ مِنْ مُوسَىٰ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَ بِتِلْكَ الْعَصَا – حَسَبَ زَعْمِنَا- فِي النَّارِ، فَتَدِبُّ الْحَيَاةُ فِي تِلْكَ الْعَصَا.
وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَىٰ إِلْقَاءِ الْعَصَا فِي النَّارِ رُبَّمَا يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهُ مِنَ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِيْ:
(سُورَةُ النَّمْلِ: 10)
فَلِمَاذَا يَا تُرَىٰ – نَحْنُ نَسْأَلُ- وَلَّىٰ مُوسَىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ وَهُوَ فِي حَضْرَةِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ؟ وَلِمَ تَحَوَّلَتِ الْعَصَا كَأَنَّهَا جَانٌّ؟
رَأْيُنَا: لَقَدْ تَشَكَّلَتْ عَصَا مُوسَىٰ عَلَىٰ شَكْلِ جَانٍّ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنَ النَّارِ الَّتِي أُلْقِيَتْ فِيهَا، فَعِنْدَمَا أَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ بِأَمْرٍ مِنْ رَبِّهِ فِي تِلْكَ النَّارِ، أَخَذَتْ تَهْتَزُّ وَكَأَنَّهَا جَانٌّ، فَكَانَتْ عَلَىٰ شَكْلِ الْجَانِّ النَّارِيِّ الْأَمْرُ الَّذِي – بِرَأْيِنَا- أَخَافَ مُوسَىٰ فِعْلًا حِينَئِذٍ.
ثَانِيًا، دَعْنَا نَسْتَذْكِرُ أَنَّ اللَّهَ طَلَبَ مِنْ مُوسَىٰ أَنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الْعَصَا وَهِيَ تَهْتَزُّ وَكَأَنَّهَا جَانٌّ، فَمِنْ أَيْنَ أُمِرَ مُوسَىٰ أَنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الْعَصَا؟
رَأْيُنَا: لَقَدْ أَقْدَمَ مُوسَىٰ عَلَىٰ أَخْذِ تِلْكَ الْعَصَا مِنْ تِلْكَ النَّارِ (أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ وَهِيَ مُلْتَهِبَةٌ)، وَرُبَّمَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَصْبَحَتْ يَدُ مُوسَىٰ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- بَيْضَاءَ لِلنَّاظِرِينَ، فَلَقَدِ اكْتَسَبَتْ يَدُ مُوسَىٰ النُّورَانِيَّةَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ مُصَاحِبَةً لِلْوُجُودِ الْإِلَهِيِّ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ النَّارَ كَانَتْ عَلَى الدَّوَامِ مُصَاحِبَةً لِلْوُجُودِ الْإِلَهِيِّ، وَالنَّارُ الْمُصَاحِبَةُ لِلذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ لَيْسَتْ هِيَ النَّارَ الَّتِي تُوقَدُ بِالنَّارِ، وَلَكِنَّهَا النُّورُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَىٰ نَارٍ لِتُوقِدَهُ.
لَقَدْ صَارَ الْقُرْبَانُ الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ آدَمَ وَتَقَبَّلَهُ رَبُّهُ مِنْهُ مُبْصِرًا – فِي رَأْيِنَا- بِسَبَبِ اكْتِسَابِهِ تِلْكَ الْخَاصِّيَّةَ مِنَ النَّارِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي الْتَهَمَتْهُ.
لِذَا عِنْدَمَا أَرْسَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً أُخْرَىٰ، جَاءَ ذَلِكَ الْقُرْبَانُ (الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ نَاقَةٌ) عَلَىٰ شَكْلِ نَاقَةٍ مُبْصِرَةٍ بِسَبَبِ مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ خَاصِّيَّةِ النُّورِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ الْمُصَاحِبَةِ لِلتَّوَاجُدِ الْإِلَهِيِّ.
رسول الله وناقة الله: علاقة خاصة
عِنْدَ اسْتِعْرَاضِنَا لِلْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ النَّاقَةِ اسْتَوْقَفَنَا اللَّفْظُ بِأَنَّ رَسُولَ ثَمُودَ جَاءَ عَلَىٰ صِيغَةِ "رَسُولِ اللَّهِ".
وَلَمَّا كَانَتْ عَقِيدَتُنَا الرَّاسِخَةُ تَتَمَثَّلُ بِأَنْ لَاشَيْءَ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مُصَادَفَةً، انْطَلَقَ صَاحِبِي فِي صِنَاعَةِ الِادِّكَارِ عَلَيَّ يَبْحَثُ عَنْ عِبَارَةِ "رَسُولِ اللَّهِ" عَلَىٰ وَجْهِ التَّحْدِيدِ فِي كِتَابِ اللَّهِ كُلِّهِ.
فَأَجَائَنِي بِالْخَبَرِ التَّالِيْ: لَمْ يَرِدِ اللَّفْظُ "رَسُولُ اللَّهِ" إِلَّا عَنْ صَالِحٍ "رَسُولِ اللَّهِ إِلَىٰ ثَمُودَ"، وَعَنْ مُوسَىٰ، وَعَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ.
وَعِنْدَهَا حَاوَلْنَا طَرْحَ التَّسَاؤُلِ التَّالِيْ: لِمَ جَاءَ اللَّفْظُ خَاصًّا بِهَؤُلَاءِ الرُّسُلِ (صَالِحٍ، مُوسَىٰ، عِيسَىٰ وَمُحَمَّدٍ) فَقَطْ عَلَىٰ نَحْوِ "رَسُولِ اللَّهِ"؟
وَبَعْدَ جِدَالٍ طَوِيلٍ خَرَجْنَا بِافْتِرَاءَيْنِ خَطِيرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا، أَنَّ هَؤُلَاءِ الرُّسُلَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ مِنَ الذُّكُورِ تَرِثُهُمْ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ مَا تَرَكَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ وِرْثَةِ النُّبُوَّةِ بَقِيَتْ عَلَامَةً بَارِزَةً لَا تَنْقَضِي عَلَىٰ مَرِّ الزَّمَانِ.
السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَنْطِقُنَا هَذَا، فَمَا الَّذِي يَكُونُ قَدْ تَرَكَهُ صَالِحٌ وَرَاءَهُ مِنْ إِرْثِ النُّبُوَّةِ فَلَمْ يَنْقَضِ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ حَتَّىٰ اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ مُصَاحِبًا لِمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمُحَمَّدٍ؟
رَأْيُنَا: إِنَّهَا النَّاقَةُ. نَعَمْ، ذَلِكَ هُوَ ظَنُّنَا، إِنَّ "نَاقَةَ اللَّهِ" الَّتِي كَانَتْ عَلَامَةً فَارِقَةً وَمُمَيِّزَةً لِرِسَالَةِ صَالِحٍ لَازَالَتْ مَوْجُودَةً بَيْنَنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَزُولَ عَلَىٰ مَرِّ الزَّمَانِ، فَهِيَ "نَاقَةُ اللَّهِ"، فَأَيْنَ هِيَ تِلْكَ النَّاقَةُ؟
تحليل قصة ثمود: سياق إرسال الناقة
لِلْإِجَابَةِ عَلَىٰ مِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ لَابُدَّ مِنَ التَّعْرِيجِ أَوَّلًا عَلَىٰ قِصَّةِ ثَمُودَ، فَلَرُبَّمَا نَفْهَمُ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي سَتُسْعِفُنَا إِنْ صَحَّتْ فِي فَهْمِ السِّيَاقِ الْعَامِّ لِلْأَحْدَاثِ.
انقسام القوم ومكر المفسدين
أَوَّلًا، يُصَوِّرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ رِسَالَةَ صَالِحٍ إِلَى الْقَوْمِ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ سَبَبًا فِي انْقِسَامِ الْقَوْمِ إِلَىٰ فَرِيقَيْنِ مُتَخَاصِمَيْنِ:
(سُورَةُ النَّمْلِ: 45)
وَهُنَا تَبْدَأُ الْمُحَاوَلَةُ الْأُولَىٰ لِإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ فِي الْقَوْمِ وَيَكُونُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْمَدِينَةِ (أَيِ الْبَلْطَجِيَّةِ بِلُغَةِ الْمِصْرِيِّينَ أَوِ الشَّبِّيحَةِ بِلُغَةِ السُّورِيِّينَ أَوِ الزُّعْرَانِ بِلُغَةِ الْأُرْدُنِّيِّينَ وَالْفِلَسْطِينِيِّينَ):
(سُورَةُ النَّمْلِ)
وَهُنَا نَتَوَقَّفُ لِنُحَاوِلَ أَنْ نَفْهَمَ هَذِهِ الْجُزْئِيَّةَ لِمَا سَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ فَائِدَةٍ فِي فَهْمِ الْقِصَّةِ الْكُلِّيَّةِ لِلْحَدَثِ.
فَنَحْنُ نَتَصَوَّرُ الْمَوْقِفَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: مَا أَنْ يَنْقَسِمَ الْقَوْمُ إِلَىٰ فَرِيقَيْنِ مُتَخَاصِمَيْنِ (وَلَيْسَ إِلَىٰ فَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا مُؤْمِنٌ وَالْآخَرُ كَافِرٌ) كَانَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ يَدْعَمُ فِكْرَةَ التَّخَلُّصِ مِنْ صَالِحٍ وَمَنْ مَعَهُ.
بَيْنَمَا كَانَ الْفَرِيقُ الْآخَرُ (رُبَّمَا مَدْفُوعًا بِالْحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ أَوْ لِأَيِّ سَبَبٍ آخَرَ) لَا يُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ، وَيُصِرُّ عَلَىٰ أَنَّ صَالِحًا مِنَ الْمَرْجُوِّينَ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دَعْوَتِهِ.
وَهُنَا يَنْتَهِزُ التِّسْعَةُ رَهْطٍ (الْبَلْطَجِيَّةُ الشَّبِّيحَةُ الزُّعْرَانُ) الْمُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ آنَذَاكَ تِلْكَ الْحَادِثَةَ لِإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ فِي الْبَلَدِ بِأَكْمَلِهَا، فَيُدَبِّرُوا الْأَمْرَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ.
فَالتَّبْيِيتُ – فِي رَأْيِنَا- هُوَ تَدْبِيرُ الْأَمْرِ لَيْلًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْمَكِيدَةِ عَلَىٰ غَيْرِ الظَّاهِرِ فِي أَحَدِ الْبُيُوتِ سِرًّا.
فَهُمْ يُرِيدُونَ إِيقَاعَ الْمَكْرِ بِصَالِحٍ وَأَهْلِهِ وَلَكِنْ دُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ شَاهِدِينَ عَلَى الْحَدَثِ بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ حَتَّىٰ تَكُونَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ تُهْمَةِ الْإِيقَاعِ بِصَالِحٍ وَأَهْلِهِ.
كيف تم تنفيذ المكر؟
نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّهُ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ الصُّورَةَ مِنَ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِيْ:
(سُورَةُ الْقَمَرِ: 29)
فَلَقَدْ قَامُوا بِالْمُنَادَاةِ عَلَىٰ صَاحِبِهِمْ، فَمَنْ هُوَ صَاحِبُهُمْ ذَاكَ الَّذِي نَادَوْهُ؟
رَأْيُنَا: إِنَّهُ صَالِحٌ لِأَنَّ صَاحِبَ الْقَوْمِ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ هُوَ رَسُولُهُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
رُبَّمَا نَسْتَطِعُ أَنْ نَسْتَنْبِطَ مِنْ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ الْقَوْمِ هُوَ رَسُولُهُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، لِذَا، نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ أُولَئِكَ الرَّهْطَ قَامُوا بِمُنَادَاةِ صَالِحٍ إِلَىٰ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ حَتَّىٰ سَيَتِمَّ تَنْفِيذُ الْمَكْرِ بِهِ.
وَلَكِنْ لَوْ تَقَدَّمْنَا فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ نَفْسِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ صَالِحًا هُوَ مَنْ قَامَ بِفِعْلِ التَّعَاطِي وَهُوَ مَنْ عَقَرَ (انْظُرْ لِحَرَكَةِ الضَّمَائِرِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ).
فَكَيْفَ تَعَاطَىٰ صَالِحٌ؟ وَكَيْفَ عَقَرَ؟
لَاشَكَّ أَنَّ صَالِحًا بِتَأْيِيدٍ مِنْ رَبِّهِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفُذَ مِنْ تِلْكَ الْمَكِيدَةِ، فَمَا مَعْنَىٰ أَنْ يَتَعَاطَىٰ؟
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِعْلَ التَّعَاطِي يَدُلُّ عَلَى الْمُشَارَكَةِ وَالتَّفَاعُلِ، لِذَا لَابُدَّ أَنَّ صَالِحًا قَدْ قَامَ بِفِعْلٍ فِيهِ مُشَارَكَةٌ وَتَفَاعُلٌ مَعَ مَنْ أَرَادَ تَنْفِيذَ الْمَكْرِ فِيهِ.
وَرُبَّمَا يُمْكِنُ تَخَيُّلُ الْمَشْهَدِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ: يَسْتَأْجِرُ الرَّهْطُ مَنْ يَقُومُ بِتَنْفِيذِ الْفِعْلِ نِيَابَةً عَنْهُمْ، فَمَا يَكُونُ مِنْ صَالِحٍ إِلَّا أَنْ يَتَعَاطَىٰ (أَيْ "يَعْقِدُ صَفْقَةً") مَعَ مَنْ جَاءَ لِيُنَفِّذَ الْمَكْرَ بِهِ، وَذَلِكَ بِإِعْطَائِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّهُ عَنْ قَتْلِهِ.
وَهُنَا يَقُومُ صَالِحٌ بِفِعْلِ "الْعَقْرِ".
إعادة تعريف "العقر": الخروج من الديار
لَقَدْ تَعَرَّضْنَا إِلَىٰ قَضِيَّةِ الْعَقْرِ وَمُشْتَقَّاتِهَا (الْعُقُورِ وَالْعَاقِرِ) فِي أَكْثَرَ مِنْ مَقَالَةٍ سَابِقَةٍ خَاصَّةً عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ امْرَأَةِ زَكَرِيَّا، وَلَا نَجِدُ ضَيْرًا أَنْ نُعِيدَ جُزْءًا مِنَ النِّقَاشِ هُنَا.
تَرِدُ لَفْظَةُ عَاقِرٍ عَلَىٰ لِسَانِ نَبِيِّ اللَّهِ زَكَرِيَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَغَالِبًا مَا دَرَجَ الْفِكْرُ الدِّينِيُّ السَّائِدُ عَلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّهَا تَعْنِي الْمَرْأَةَ الَّتِي لَا تُنْجِبُ.
وَزَعَمْنَا الْقَوْلَ أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ أَنْ تَكُونَ لَفْظَةُ "عَاقِرًا" تَحْمِلُ مَعْنَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تُنْجِبُ الْوَلَدَ، وَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّ عَدَمَ الْإِنْجَابِ وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِصِيغَةِ "عَقِيمٍ"، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَىٰ لِسَانِ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ.
(سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: 29)
فَالْقَوْمُ هُمْ مَنْ قَامُوا بِعَقْرِ النَّاقَةِ حَتَّىٰ كَانَتِ النَّاقَةُ قَدْ "عُقِرَتْ"، لِذَا فَهِيَ "عَاقِرٌ"، فَكَيْفَ عَقَرَ الْقَوْمُ النَّاقَةَ؟
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ الْقَوْمَ بِأَنْ لَا يَمَسُّوا النَّاقَةَ بِسُوءٍ، فَمَا يَكُونُ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَعْقُرُوهَا، لِذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ أَنَّ الْعُقُورَ هُوَ الْمَسُّ بِالسُّوءِ.
وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ قَدْ ذَبَحُوا النَّاقَةَ لِأَنَّ مُفْرَدَةَ الذَّبْحِ وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ، وَلَا نَظُنُّ أَيْضًا بِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ قَتَلُوا النَّاقَةَ لِأَنَّ مُفْرَدَةَ الْقَتْلِ قَدْ وَرَدَتْ كَثِيرًا.
فَكَيْفَ إِذًا عَقَرَ الْقَوْمُ النَّاقَةَ؟
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا أَكْثَرَ مِنْ إِبْعَادِهَا مِنَ الدِّيَارِ، فَالْقَوْمُ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِقِسْمَةِ الْمَاءِ، أَلَيْسَ كَذَلِكْ؟
(سُورَةُ الْقَمَرِ: 28)
فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْغَالِبِيَّةُ الْعُظْمَىٰ مِنَ الْقَوْمِ تَحَمُّلَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ، فَمَا صَبَرُوا عَلَىٰ وُجُودِ النَّاقَةِ وَالتَّعَايُشِ مَعَهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ مُبْصِرَةً، وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ النَّاقَةُ هِيَ "نَاقَةَ اللَّهِ"، لَمْ يَسْتَطِعِ الْقَوْمُ أَنْ يَذْبَحُوهَا أَوْ أَنْ يَقْتُلُوهَا، وَجُلُّ مَا فَعَلُوا هُوَ أَنَّهُمْ مَنَعُوهَا عَنِ الْمُكُوثِ فِي الدِّيَارِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْعَاقِرُ هِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ دِيَارِهَا.
عودة على بدء: عقر صالح وعودة الناقة
لَمَّا كَانَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا عَاقِرًا، فَهِيَ إِذًا كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً خَارِجَ بَيْتِهَا، أَيْ لَقَدْ كَانَتْ شَارِدَةً مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. وَلِهَذَا جَاءَ الْخِطَابُ الرَّبَّانِيُّ لِيُؤَكِّدَ حُدُوثَ الصُّلْحِ بَيْنَ زَكَرِيَّا وَزَوْجَتِهِ.
(سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 90)
وَبَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ صَالِحٌ مُؤَامَرَةَ التِّسْعَةِ رَهْطٍ، وَرُبَّمَا بَعْدَ أَنْ أَبْرَمَ صَفْقَةً مَعَ مَنِ اسْتَأْجَرُوهُ لِلنَّيْلِ مِنْهُ، مَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ عَقَرَ.
فَيَكُونُ صَالِحٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ بَعْدَ أَنْ أَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: بَعْدَ أَنْ عَقَرَ الْقَوْمُ النَّاقَةَ (أَيْ أَجْبَرُوهَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْمَكَانِ)، دَبَّرَ تِسْعَةُ رَهْطٍ فِي الْمَدِينَةِ الْمَكِيدَةَ لِصَالِحٍ، مَا كَانَ مِنْ صَالِحٍ إِلَّا أَنْ يَتَعَاطَىٰ بِأَنْ عَقَرَ مِنَ الْمِنْطَقَةِ حَتَّىٰ جَاءَ وَعْدُ اللَّهِ.
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَنْ عَقَرَ لَا يَغِيبُ طَوِيلًا، فَامْرَأَةُ زَكَرِيَّا كَانَتْ عَاقِرًا لِأَنَّهَا بَعْدَ أَنْ خَرَجَتْ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ عَادَتْ إِلَىٰ بَيْتِ زَوْجِهَا مَرَّةً أُخْرَىٰ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَقَرَ صَالِحٌ لَابُدَّ أَنَّهُ عَادَ إِلَى الْمَكَانِ لِيَطَّلِعَ عَلَىٰ مَا حَلَّ بِهِ.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ الْأَكْثَرُ إِثَارَةً هُوَ: بَعْدَ أَنْ عُقِرَتْ نَاقَةُ اللَّهِ، مَتَىٰ سَتَعُودُ؟
إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، فَإِنَّ لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةً.
الْمُدَّكِّرُونَ: رَشِيدْ سَلِيمْ الْجَرَّاحْ، عَلِيْ مَحْمُودْ سَالِمْ الشَّرْمَانْ.
بِقَلَمِ: د. رَشِيدْ الْجَرَّاحْ.
22 تِشْرِينَ أَوَّلْ 2012.
تعليقات