مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (2): بَابُ الدَّابَّةِ
كَانَ الْجُهْدُ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُنْصَبًّا عَلَى قِصَّةِ مِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ، وَانْتَهَيْنَا عِنْدَ طَرْحِ الْأَسْئِلَةِ التَّالِيَةِ:
- كَيْفَ أَكَلَتِ الدَّابَّةُ تِلْكَ الْمِنْسَأَةَ؟
- أَيْنَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الدَّابَّةُ؟
- هَلْ يُمْكِنُ الْعُثُورُ عَلَى مِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ؟
- مَا هِيَ الْحُرُوبُ الَّتِي شَنَّهَا سُلَيْمَانُ؟
- مَا هُوَ الْجَسَدُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ؟
- لِمَاذَا تَفَقَّدَ سُلَيْمَانُ الطَّيْرَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ؟ وَلِمَ لَمْ يَقُمْ بِتَفَقُّدِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟
- كَيْفَ تَمَّ إِحْضَارُ عَرْشِ مَلِكَةِ سَبَأٍ إِلَى سُلَيْمَانَ بِأَسْرَعَ مِنِ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ؟
- مَنِ الَّذِي أَحْضَرَ ذَلِكَ الْعَرْشَ لِسُلَيْمَانَ؟
- لِمَاذَا كَشَفَتْ مَلِكَةُ سَبَأٍ عَنْ سَاقَيْهَا عِنْدَ أُمِرَتْ أَنْ تَدْخُلَ الصَّرْحَ؟
- أَيْنَ هُوَ صَرْحُ سُلَيْمَانَ؟
- إلخ
وَسَنُحَاوِلُ أَنْ نُدْلِيَ بِدَلْوِنَا فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ كَمَا نَفْهَمُهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مُرَكِّزِينَ عَلَى هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي رُبَّمَا تَدْعُو إِلَى إِثَارَةِ التَّفْكِيرِ وَإِعَادَةِ النَّبْشِ بِمَوْرُوثَاتِنَا الْعَقَائِدِيَّةِ الَّتِي غَالِبًا مَا غُلِّفَتْ بِمُسَلَّمَاتٍ قَدْ لَا تُرْضِي طُمُوحَ مَنْ يُرِيدُ الْوُصُولَ إِلَى الْحَقِيقَةِ.
إِنَّ مُحَرِّكَ الْبَحْثِ لِمَنْ أَرَادَ الْخَوْضَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضَايَا الْكَبِيرَةِ يَجِبُ أَنْ يَنْطَلِقَ - فِي نَظَرِنَا- مِنْ إِطَارٍ نَظَرِيٍّ صَحِيحٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلتَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ.
فَأَنْتَ إِنْ وَضَعْتَ نَظَرِيَّةً فِي أَيِّ مَجَالٍ عِلْمِيٍّ، وَبَانَ لَكَ أَنَّ هُنَاكَ عَشَرَاتِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى فَشَلِ الْإِطَارِ النَّظَرِيِّ الَّذِي وَضَعْتَ فِيهِ، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُعِيدَ صِيَاغَةَ ذَلِكَ الْإِطَارِ النَّظَرِيِّ حَتَّى يُصْبِحَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا بَانَ بِهِ مِنْ مَشَاكِلَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَهَا فِي صِيَاغَتِهِ الْأُولَى.
وَلَمَّا كَانَ ظَنُّنَا أَنَّ الْإِطَارَ النَّظَرِيَّ الَّذِي وَضَعَهُ أَسْيَادُنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّرَايَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفَسِّرَ لَنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْثِلَةِ الْمُتَوَافِرَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ (كَعَصَا مُوسَى أَوْ مِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ مَثَلًا)، أَخَذْنَا عَلَى عَاتِقِنَا مُهِمَّةَ صِيَاغَةِ إِطَارٍ نَظَرِيٍّ نَظُنُّ – مُفْتَرِينَ الْقَوْلَ- أَنَّهُ أَكْثَرُ قُدْرَةً عَلَى حَلِّ مِثْلِ هَذِهِ الْقَضَايَا.
وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِ الْمَشَاكِلِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الدَّوَامِ – فِي رَأْيِنَا- سَبَبًا فِي فَشَلِ الْإِطَارِ النَّظَرِيِّ السَّائِدِ مُنْذُ قُرُونٍ جُمْلَةٌ مِنَ الْمُسَلَّمَاتِ الَّتِي صَمَّتِ الْآذَانَ، وَأَغْشَتِ الْأَبْصَارَ، وَأَقْفَلَتِ الْقُلُوبَ، نَذْكُرُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ:
- الظَّنُّ بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ أَحَاطُوا بِهَذِهِ الْقَضَايَا عِلْمًا، وَأَنَّهُمْ قَدْ قَدَّمُوا لِلْعَامَّةِ مَا يَحْتَاجُوا أَنْ يَفْهَمُوهُ مِنْهَا.
- الظَّنُّ بِأَنَّ مِنْ وَاجِبِ النَّاسِ عَدَمَ الْخُرُوجِ عَلَى إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَالْقَوْلُ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الْأَقْدَمُونَ يُخْرِجُكَ – فِي نَظَرِهِمْ- مِنْ نِطَاقِ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ.
- الظَّنُّ بِأَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ الْعُلَمَاءِ تَكْمُنُ فِي تَوْصِيلِ الْأَفْكَارِ الَّتِي جَادَتْ بِهَا عُقُولُ الْأَقْدَمِينَ.
- وُثُوقُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقُدُرَاتِهِمُ الْعَقْلِيَّةِ وَالذِّهْنِيَّةِ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَطِيعُوا هُمْ إِيجَادَ الْحُلُولِ لِهَذِهِ الْقَضَايَا الْإِشْكَالِيَّةِ ظَنُّوا بِاسْتِحَالَةِ قُدْرَةِ غَيْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
- جَعْلُ الْعِلْمِ خَاصًّا بِأَهْلِ الدِّينِ، فَالطَّبِيبُ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَى عِيَادَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ الْخَوْضَ فِي هَذِهِ الْقَضَايَا لَيْسَتْ مِنْ اخْتِصَاصِهِ.
الْمَطْلُوبُ: رَفْضُ هَذِهِ الْمُسَلَّمَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالْعَمَلُ بِنَقِيضِهَا تَمَامًا:
- لَا يُمْكِنُ لِأَهْلِ الْعَمَلِ الْإِحَاطَةُ الْمُطْلَقَةُ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَازَالَ هُنَاكَ الْكَثِيرُ الَّذِي يَنْتَظِرُ الدِّرَاسَةَ الْعِلْمِيَّةَ الدَّقِيقَةَ.
- لَابُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الْإِجْمَاعِ، لِظَنِّنَا أَنْ لَيْسَ هُنَاكَ إِجْمَاعٌ فِي الْأَصْلِ حَتَّى يَتِمَّ الْخُرُوجُ عَنْهُ.
- مَسْؤُولِيَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَلَيْسَ أَهْلَ الْكَلَامِ) هِيَ النَّبْشُ فِي الْأَفْكَارِ وَتَمْحِيصُهَا، وَلَيْسَ فَقَطْ تَرْدِيدُهَا بِقَوَالِبَ مُزَخْرَفَةٍ وَمُزَيَّنَةٍ بِالْعِبَارَاتِ الرَّنَّانَةِ الَّتِي تَخْلُو مِنَ الْجَوْهَرِ وَالْمَضْمُونِ.
- عَدَمُ وُثُوقِ الْعَالِمِ بِقُدْرَتِهِ الذِّهْنِيَّةِ، لَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ إِيمَانًا يَقِينِيًّا أَنَّ النِّسَاءَ لَا تَعْدَمُ أَنْ تَلِدَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْهُ، أَوْ مِمَّنْ سَبَقُوهُ.
- جَعْلُ الدِّينِ مَسْؤُولِيَّةَ الْجَمِيعِ، فَالْكُلُّ قَدْ يُسْهِمُ بِقَدْرٍ مَا مِنَ الْعِلْمِ بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ.
السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ الْعَمَلِيِّ عَلَى افْتِرَاءَاتِنَا هَذِهِ؟
جَوَابٌ: قِصَّةُ سُلَيْمَانَ: بَابُ الدَّابَّةِ.
سَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ مُتَابَعَةَ حَدِيثِنَا عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ، وَسَنَتْرُكُ لِلْقَارِئِ الْكَرِيمِ الْحَقَّ فِي الْمُقَابَلَةِ وَبِالتَّالِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مَا نُقَدِّمُهُ نَحْنُ مِنْ افْتِرَاءَاتٍ وَأَكَاذِيبَ وَمَا قَدَّمَهُ مَنْ سَبَقَنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّرَايَةِ مِنْ مَعْرِفَةٍ وَأَخْبَارٍ يَقِينٍ.
الدَّابَّةُ
تَعَرَّضْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِمِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ، وَحَاوَلْنَا تَقْدِيمَ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ عَلَى افْتِرَائِنَا بِأَنَّ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ هِيَ نَفْسُهَا عَصَا مُوسَى، وَكَانَ مَنْطِقُنَا الْمُحَرَّفُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- السَّامِرِيُّ يَقْبِضُ مِنْ عَصَا مُوسَى قَبْضَةً وَيَنْبِذُهَا فِي زِينَةِ الْقَوْمِ.
- يُخْرِجُ السَّامِرِيُّ لَهُمْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْقَبْضَةِ مِنْ زِينَتِهِمْ عِجْلًا لَهُ خُوَارٌ.
- يَنْبِذُ السَّامِرِيُّ مَا تَبَقَّى مِنَ الْعَصَا، فَتَسْتَقِرُّ فِي التَّابُوتِ الَّذِي تَنَاقَلَتْهُ أَجْيَالُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
- حَافَظَتْ أَجْيَالٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى ذَلِكَ التَّابُوتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ.
- جَاءَ ذَلِكَ التَّابُوتُ مَحْمُولًا مِنْ قِبَلِ الْمَلَائِكَةِ كَآيَةٍ عَلَى حَقِّ طَالُوتَ بِالْمُلْكِ عَلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
- مَا فَطِنَ أَحَدٌ لِأَهَمِّيَّةِ تِلْكَ الْبَقِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ إِلَّا غُلَامٌ يَافِعٌ اسْمُهُ دَاوُودُ.
- مَا أَنْ أَتَى ذَلِكَ التَّابُوتُ مَحْمُولًا مِنْ قِبَلِ الْمَلَائِكَةِ كَدَلِيلٍ عَلَى مُلْكِ طَالُوتَ، حَتَّى اسْتَطَاعَ الْغُلَامُ دَاوُودُ أَنْ يَظْفَرَ بِمَا فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ مِنْ بَقِيَّةِ الْعَصَا.
- اسْتَخْدَمَ دَاوُودُ تِلْكَ الْمِنْسَأَةَ لِلنَّيْلِ مِنْ جَالُوتَ، فَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ الْعَصَا الَّتِي فَجَّرَ فِيهَا مُوسَى الْمَاءَ مِنَ الْحَجَرِ، وَالْعَصَا نَفْسَهَا الَّتِي شَقَّ بِهَا الْبَحْرَ، لَا تَعْجَزُ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً –بِإِذْنِ اللَّهِ- عَنِ الظَّفْرِ بِجَالُوتَ.
وَلَكِنَّ الْفَرْقَ الْوَحِيدَ بَيْنَ عَصَا مُوسَى وَمِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ –فِي نَظَرِنَا- هُوَ أَنَّ الْعَصَا فِي يَدِ مُوسَى كَانَتْ مِنَ الطُّولِ حَتَّى يُنَفِّذَ بِهَا مَا أَرَادَ، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ كَذَلِكَ فِي يَدِ دَاوُودَ وَوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدِهِ.
فَأَصْبَحَتْ مِنْسَأَةً اسْتَخْدَمَهَا دَاوُودُ لِلنَّيْلِ مِنْ جَالُوتَ، وَاسْتَخْدَمَهَا سُلَيْمَانُ لِتَكُونَ صَوْلَجَانًا يُظْهِرُ بَطْشَهُ الْعَسْكَرِيَّ فَيُعَذِّبُ بِهَا مَنْ يَزِغْ مِنَ الْجِنِّ عَنْ أَمْرِهِ.
وَلَكِنَّ الْمُفَاجِئَ بِالْأَمْرِ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَتَوَقَّفْ عِنْدَ ذَلِكَ بَلْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
وَهَذَا يُثِيرُ حَفِيظَتَنَا فِي طَرْحِ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا:
- لِمَ دَعَا سُلَيْمَانُ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (وَلَا حَتَّى لِذُرِّيَّتِهِ)؟
- وَكَيْفَ تَحَقَّقَ لِسُلَيْمَانَ مَا أَرَادَ؟ أَيْ كَيْفَ أَجَابَ اللَّهُ دَعْوَةَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَهَبْ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مُلْكًا كَمُلْكِهِ؟
رَأْيُنَا: إِنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى التَّسَاؤُلَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَمَا يَنْفَرِطُ عَنْهُمَا مِنْ تَسَاؤُلَاتٍ فَرْعِيَّةٍ كَثِيرَةٍ يَكْمُنُ فِي رَأْيِنَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الْمِنْسَأَةُ، وَلَكِنْ كَيْفَ؟
اسْتِرَاحَةٌ قَصِيرَةٌ
قَبْلَ تَقْدِيمِ تَصَوُّرِنَا الْمُفْتَرَى فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الرَّئِيسَةِ فِي بَحْثِنَا هَذَا نَجِدُ مِنَ الضَّرُورِيِّ التَّعْرِيجَ عَلَى قَضِيَّةٍ فَرْعِيَّةٍ رُبَّمَا سَيَكُونُ لَهَا تَدَاعِيَاتُهَا فِي فَهْمِ الصُّورَةِ الْكُلِّيَّةِ لِقِصَّةِ مِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ.
مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَ نَصِيبٍ مِنَ التَّرِكَةِ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: النَّصِيبُ مِنَ التَّرِكَةِ يَكُونُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَكِنَّ الْوِرَاثَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلرِّجَالِ فَقَطْ.
سُؤَالٌ: لِمَاذَا؟
جَوَابٌ: لِأَنَّ النَّصِيبَ مِنَ التَّرِكَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَمَا الْوِرَاثَةُ هِيَ أَخْذٌ عَلَى الْكُلِّيَّةِ.
الدَّلِيلُ
عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الْوِرَاثَةِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
(سُورَةُ النَّمْلِ: 16)
نَجِدُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ الْوَارِثَ الْوَحِيدَ لِدَاوُودَ هُوَ وَلَدُهُ سُلَيْمَانُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَالْآنَ لَوْ حَاوَلْنَا طَرْحَ السُّؤَالِ الِافْتِرَاضِيِّ التَّالِي: مَاذَا لَوْ كَانَ وَرِيثُ دَاوُودَ هُوَ أُنْثَى وَلَيْسَ ذَكَرًا؟ هَلْ كَانَ يَحِقُّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ كُلَّ مَا تَرَكَ وَالِدُهَا دَاوُودُ؟
جَوَابٌ: كَلَّا، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْخُذُ فَقَطْ نَصِيبًا مِمَّا تَرَكَ وَالِدُهَا وَلَا تَأْخُذُهُ كُلَّهُ، فَيَكُونُ الْقَانُونُ الْإِلَهِيُّ الثَّابِتُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا.
(سُورَةُ النِّسَاءِ: 7)
وَقَدْ حَاوَلْنَا النَّبْشَ فِي آيَاتِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ، فَمَا وَجَدْنَا دَلِيلًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرِثُ وَالِدَهَا أَوْ وَالِدَتَهَا أَوْ حَتَّى أَخَاهَا أَوْ أُخْتَهَا عَلَى الْكُلِّيَّةِ.
فَحَتَّى لَوْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ – بِنَصِّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ- فَلَهُمَا جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنَ التَّرِكَةِ (الثُّلُثَيْنِ) وَلَكِنْ لَيْسَ التَّرِكَةَ كُلَّهَا:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.
(سُورَةُ النِّسَاءِ: 11)
إِنَّ أَكْثَرَ مَا يَهُمُّنَا هُنَا هُوَ هَذَا التَّبَايُنُ بَيْنَ نَصِيبِ الْأُنْثَى مِنْ جِهَةٍ وَ مِيرَاثِ الذَّكَرِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا التَّبَايُنُ وَاضِحٌ تَمَامًا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ.
(سُورَةُ النِّسَاءِ: 176)
فَفِي حِينِ أَنَّ لِلْأُخْتِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ أَخُوهَا (فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) إِلَّا أَنَّهُ يَرِثُهَا تَمَامًا (وَهُوَ يَرِثُهَا). وَرُبَّمَا يُسْعِفُنَا مِثْلُ هَذَا الظَّنِّ فِي فَهْمِ مَاهِيَّةِ طَلَبِ زَكَرِيَّا:
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا.
(سُورَةُ مَرْيَمَ: 6)
فَزَكَرِيَّا يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ وَرِيثًا وَلَيْسَ مَنْ يَأْخُذُ نَصِيبًا مِمَّا سَيَتْرُكُ، فَهُوَ إِذًا يُرِيدُ غُلَامًا ذَكَرًا لِيَتَحَصَّلَ لَهُ كَامِلُ مَا يَتْرُكُ وَرَاءَهُ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا لَا يَكُونُ مِنْ حَقِّكَ كَامِلُ النَّصِيبِ مِمَّا تَرَكَ مَنْ سَبَقَكَ فَأَنْتَ لَا تَكُونُ وَرِيثًا وَإِنَّمَا تَأْخُذُ نَصِيبًا مِمَّا تَرَكَ.
وَلَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ- عِنْدَمَا يَكُونُ لَكَ الْحَقُّ فِي كَامِلِ مَا تَرَكَ مِنْ غَيْرِكَ (حَتَّى وَإِنْ أَخَذَ الْآخَرُونَ شَيْئًا مِنْهُ)، فَأَنْتَ بِلَا شَكٍّ وَرِيثُهُ.
لِذَا لَمَّا كَانَتِ النِّسَاءُ لَا يَحْصُلْنَ عَلَى كَامِلِ التَّرِكَةِ فَلَا يُمْكِنُ –نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِنَّ مِنْ بَابِ "الْوِرَاثَةِ"، وَإِنَّمَا مِنْ بَابِ "نَصِيبٍ مِنَ التَّرِكَةِ" فَقَطْ.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
لِنُحَاوِلْ تَمْحِيصَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي كَانَ جُلُّ الْحَدِيثِ مُنْصَبًّا عَلَيْهَا فِي قِصَّتِنَا الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي نَسَجْنَاهَا حَوْلَ مِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ فِي ضَوْءِ فَهْمِنَا هَذَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْوِرَاثَةِ مِنْ جِهَةٍ وَ نَصِيبٍ مِنَ التَّرِكَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.
(سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 248)
لَمَّا كَانَ مَا فِي التَّابُوتِ بَقِيَّةً مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، فَإِنَّنَا لَا نَتَرَدَّدُ أَنْ نَفْتَرِيَ الظَّنَّ أَنَّ دَاوُودَ (الَّذِي حَصَلَ عَلَى تِلْكَ الْبَقِيَّةِ) لَمْ يَكُنْ وَرِيثًا شَرْعِيًّا لِمُوسَى وَهَارُونَ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ وَرِيثٌ شَرْعِيٌّ مِنَ الذُّكُورِ لِمُوسَى وَلِهَارُونَ لَكَانَ ذَاكَ الْوَرِيثُ صَاحِبَ الْحَقِّ فِي الْوِرَاثَةِ كُلِّهَا، وَلَكَانَتْ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ الْمُتَبَقِّيَةُ فِي التَّابُوتِ مِنْ نَصِيبِهِ.
سُؤَالٌ: مَا فَائِدَةُ هَذَا الِافْتِرَاءِ؟
جَوَابٌ: رُبَّمَا يُرْشِدُنَا هَذَا الْحِوَارُ لِلْحَدِيثِ عَنِ التَّبَايُنِ بَيْنَ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ دَاوُودَ وَشَرْعِيَّةِ حُكْمِ وَلَدِهِ سُلَيْمَانَ لِنَفْتَرِيَ الظَّنَّ التَّالِيَ:
فِي حِينِ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ تَحَصَّلَ عَلَى الْمُلْكِ وِرَاثَةً مِنْ وَالِدِهِ دَاوُودَ لَمْ يَتَحَصَّلْ دَاوُودُ نَفْسُهُ عَلَى الْحُكْمِ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ، فَدَاوُودُ لَمْ يَتَأَتَّ لَهُ الْمُلْكُ وِرَاثَةً. وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
عَوْدَةٌ عَلَى زَمَنِ دَاوُودَ
عِنْدَمَا حَاوَلْنَا أَنْ نَتَفَقَّدَ الزَّمَنَ الَّذِي عَاشَ فِيهِ دَاوُودُ، وَجَدْنَا أَنَّهُ هُوَ الزَّمَنُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ طَالُوتُ مَلِكًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَقَدْ كَانَ دَاوُودُ أَحَدَ جُنْدِ طَالُوتَ، فَكَانَ طَالُوتُ هُوَ الْمَلِكَ آنَذَاكَ، وَكَانَ دَاوُودُ جُنْدِيًّا فِي جَيْشِ طَالُوتَ.
وَهَذَا يَقُودُنَا إِلَى الِافْتِرَاضِ التَّالِي:
- لَوْ كَانَ طَالُوتُ هُوَ وَالِدَ دَاوُودَ، لَكَانَ الْمُلْكُ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى دَاوُودَ بِطَرِيقَةِ الْوِرَاثَةِ.
- لَكِنْ لَمَّا انْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى دَاوُودَ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ طَرِيقَةِ الْوِرَاثَةِ، فَإِنَّنَا لَا نَتَرَدَّدُ أَنْ نَظُنَّ بِأَنَّ دَاوُودَ لَمْ يَكُنْ مِنْ آلِ طَالُوتَ.
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.
(سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 251)
فَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ آتَى دَاوُودَ الْمُلْكَ، لِذَا لَمْ يَتَحَصَّلْ دَاوُودُ عَلَى الْمُلْكِ وِرَاثَةً كَمَا سَيَكُونُ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ لِوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَلَقَدِ انْتَقَلَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (أَيْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ يَعْقُوبَ آنَذَاكَ) إِلَى بَيْتِ نُبُوَّةٍ جَدِيدٍ، وَهُمْ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- آلُ دَاوُودَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِفَضْلٍ مُبَاشِرٍ مِنَ اللَّهِ:
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ.
(سُورَةُ سَبَأٍ: 10)
وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ ظَهَرَ آلٌ جَدِيدٌ لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ سَابِقٌ بِالنُّبُوَّةِ وَهُمْ آلُ دَاوُودَ، فَقَدْ ظَهَرُوا نِدًّا قَوِيًّا لِآلِ يَعْقُوبَ (بَنِي إِسْرَائِيلَ آنَذَاكَ):
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.
(سُورَةُ سَبَأٍ: 13)
إِنَّ مُبْتَغَى الْقَوْلِ هُنَا هُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَحَصَّلْ دَاوُودُ عَلَى النُّبُوَّةِ أَوِ الْمُلْكِ وِرَاثَةً، تَحَصَّلَ عَلَيْهِمَا خِلَافَةً:
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ.
(سُورَةُ ص: 26)
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَا يَكُونُ الشَّخْصُ وَارِثًا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّرِكَةِ بِأَكْمَلِهَا.
وَلَوْ عُدْنَا إِلَى قِصَّةِ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ لَرُبَّمَا افْتَرَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ نَفَخَ فِي آدَمَ رُوحًا مِنْهُ، إِلَّا أَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ وَرِيثًا لِلْإِلَهِ وَإِنَّمَا خَلِيفَةً لَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَكَفَى.
نَتِيجَةٌ: اللَّهُ لَمْ يَرِثْ مُلْكَهُ مِنْ أَحَدٍ، وَهُوَ لَنْ يُوَرِّثَ مُلْكَهُ لِأَحَدٍ. وَلَكِنَّ اللَّهَ يَتَّخِذُ مَنْ يَشَاءُ خَلِيفَةً.
مَنْ هُوَ ذَلِكَ النَّبِيُّ؟
سُؤَالٌ: مَنْ هُوَ ذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كَانَ مُتَوَاجِدًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ حِينَئِذٍ وَلَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا اسْمَهُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ؟
جَوَابٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ الْيَسَعُ.
الدَّلِيلُ
جَاءَ ذِكْرُ نَبِيِّ اللَّهِ الْيَسَعَ فِي مَوْقِعَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْكَرِيمِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُsَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ.
(سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 86)
وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ.
(سُورَةُ ص: 48)
إِنَّ وُجُودَ ذِكْرٍ لِنَبِيِّ اللَّهِ الْيَسَعَ مَعَ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ مِنَ الرُّسُلِ وَنَعْتَهُمْ بِصِفَاتٍ مُحَدَّدَةٍ يَدْعُونَا إِلَى إِثَارَةِ سُؤَالَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُمَا؟
- كَيْفَ فَضَّلَ اللَّهُ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا عَلَى الْعَالَمِينَ؟
- لِمَاذَا إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ مِنَ الْأَخْيَارِ؟
التَّفْضِيلُ عَلَى الْعَالَمِينَ
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ دَقَّقْنَا فِي التَّبَايُنِ الَّذِي يَرِدُ فِي السِّيَاقَيْنِ الْقُرْآنِيَّيْنِ لَرُبَّمَا خَلَصْنَا إِلَى نَتِيجَةٍ مُفْتَرَاةٍ مَفَادُهَا أَنَّ مَنْ فُضِّلَ عَلَى الْعَالَمِينَ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ:
وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.
(سُورَةُ الْجَاثِيَةِ: 16)
وَعِنْدَ مُقَارَنَةِ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنْ دَاوُودَ وَوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ رُبَّمَا نَصِلُ إِلَى حَقِيقَةٍ تَطِيرُ لَهَا الْأَلْبَابُ وَيَصْعُبُ الْمُجَادَلَةُ فِيهَا وَهِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ وَدَاوُودَ لَمْ يُفَضَّلَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَإِنَّمَا فُضِّلَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ.
لِذَا جَاءَ قَوْلُ الْحَقِّ عَنْ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
(سُورَةُ النَّمْلِ: 15)
نَتِيجَةٌ: فِي حِينِ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ فُضِّلَ عَلَى الْعَالَمِينَ، كَانَ دَاوُودُ وَسُلَيْمَانُ قَدْ فُضِّلَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَقَدِ انْتَقَلَتِ النُّبُوَّةُ زَمَنَ دَاوُودَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَيْتٍ مِنْ غَيْرِ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ (آلِ يَعْقُوبَ) وَهُوَ بَيْتُ دَاوُودَ (آلُ دَاوُودَ).
وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ
لَقَدْ خَلَصْنَا مِنَ النِّقَاشِ السَّابِقِ أَنَّ الْيَسَعَ هُوَ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ فُضِّلُوا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَافْتَرَيْنَا الْقَوْلَ نَتِيجَةً لِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَادَامَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ.
وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ انْقَسَمُوا إِلَى مَنْ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ (آلُ يَعْقُوبَ) وَمَنْ هُمْ مِنْ لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ دَاوُودُ مِنْ سُلَالَةٍ غَيْرِ تِلْكَ السُّلَالَةِ.
وَلَكِنَّ الْيَسَعَ (مَدَارَ بَحْثِنَا هُنَا) كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ فَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْعَالَمِينَ.
السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ (إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ) مِنَ الْأَخْيَارِ؟
لَا شَكَّ أَنَّ التَّخْيِيرَ أَوِ الْخَيْرِيَّةَ تَكُونُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ طَرَفٍ، فَعِنْدَمَا تَحْصُلُ عَمَلِيَّةُ التَّخْيِيرِ تَسْتَدْعِي الْمُقَارَنَةَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ.
وَإِنْ صَحَّ هَذَا الِافْتِرَاضُ، فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ مِنَ الْأَخْيَارِ إِلَّا إِذَا مَا ابْتَعَدَ عَنْ دَاءِ الِاسْتِكْبَارِ وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهَاهُوَ الْيَسَعُ يُشَارِكُهُمْ هَذِهِ الْخَيْرِيَّةَ، فَهُوَ يُؤْثِرُ أَنْ تَنْتَقِلَ النُّبُوَّةُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ آخَرَ، فَنَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي قَالَ لَهُمْ أَنَّ طَالُوتَ هُوَ مَلِكٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسْتَحْوِذْ عَلَى النُّبُوَّةِ فِي بَيْتِهِ.
فَلَقَدْ غَابَ ذِكْرُ هَذَا النَّبِيِّ بَعْدَ تِلْكَ الْحَادِثَةِ، وَانْتَقَلَ الْأَمْرُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى بَيْتِ دَاوُودَ لِيَرِثَهُ وَلَدُهُ سُلَيْمَانُ مِنْ بَعْدِهِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْيَسَعُ كَانَ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَيْنَمَا لَمْ يَكُنْ دَاوُودُ وَسُلَيْمَانُ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
الذُّرِّيَّةُ الْمُصْطَفَاةُ
لَوْ تَعَرَّضْنَا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدِ اصْطَفَى: آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.
(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 33)
السُّؤَالُ: فَأَيْنَ آلُ دَاوُودَ؟ وَأَيْنَ آلُ يَعْقُوبَ مَثَلًا؟
جَوَابٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ آلَ إِسْرَائِيلَ امْتَدَّتْ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحٍ فَإِبْرَاهِيمَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى زَكَرِيَّا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ وُجُودُ عِبَارَةِ :عَلَى الْعَالَمِينَ فِي نِهَايَةِ الْآيَةِ نَفْسِهَا.
أَمَّا عِنْدَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ آلِ دَاوُودَ انْتَهَتِ الْآيَةُ بِالْحَدِيثِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ الشَّاكِرِينَ:
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ.
(سُورَةُ سَبَأٍ: 13)
نَخْلُصُ مِنْ نِقَاشِنَا هَذَا إِلَى الزَّعْمِ بِأَنَّ تِلْكَ الْبَقِيَّةَ الَّتِي أَخَذَهَا دَاوُودُ مِمَّا تَبَقَّى فِي التَّابُوتِ لَمْ يَكُنْ وِرَاثَةً وَإِنَّمَا نَصِيبُهُ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ: إِنَّهَا مَا تَبَقَّى مِنَ الْعَصَا: الْمِنْسَأَةُ.
فَأَيْنَ – يَا تُرَى- ذَهَبَتْ تِلْكَ الْمِنْسَأَةُ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدْ كَانَ حُكْمُ دَاوُودَ وَلِوَلَدِهِ سُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدِهِ مُتَرَكِّزًا – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- فِي الْمِنْسَأَةِ، فَمَا أَنْ قَضَى اللَّهُ بِالْمَوْتِ عَلَى سُلَيْمَانَ حَتَّى كَانَ اخْتِفَاءُ الْمِنْسَأَةِ أَمْرًا لَا مَفَرَّ مِنْهُ.
الْجَوَابُ: أَكَلَتْهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ.
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ.
(سُورَةُ سَبَأٍ: 14)
السُّؤَالُ: لِمَ أَكَلَتْ دَابَّةُ الْأَرْضِ الْمِنْسَأَةَ؟
الْجَوَابُ: حَتَّى لَا يَتَحَصَّلَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِ سُلَيْمَانَ مُلْكًا كَمُلْكِهِ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا: لَوْ بَقِيَتْ تِلْكَ الْمِنْسَأَةُ مَوْجُودَةً بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ لَتَحَصَّلَ لِمَنْ يَقْبِضُ بِتِلْكَ الْمِنْسَأَةِ مِنَ الْمُلْكِ مَا تَحَصَّلَ لِنَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ.
فَسُلَيْمَانُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ مُلْكِ مَنْ سَبَقَهُ لِأَنَّ الْعَصَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَهُ وَلَكِنَّهُ يَطْلُبُ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُلْكًا لِمَنْ بَعْدَهُ، فَكَانَ ذَهَابُ الْعَصَا أَمْرًا لَا مَفَرَّ مِنْهُ.
سُؤَالٌ: مَا هِيَ دَابَّةُ الْأَرْضِ الَّتِي أَكَلَتْ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ؟
رَأْيُنَا: إِنَّ مُرَاجَعَةً سَرِيعَةً لِمَا قَالَهُ الْأَقْدَمُونَ عَنْ دَابَّةِ الْأَرْضِ تِلْكَ تُظْهِرُ الطَّابَعَ الشَّعْبِيَّ الَّذِي أُسْقِطَ عَلَى فَهْمِ الْقِصَصِ الدِّينِيَّةِ.
فَهُمْ يَظُنُّونَ كَيْفَ تَنْخَرُ بَعْضُ قَوَارِضِ الْأَرْضِ مِنَ الدِّيدَانِ وَالْحَشَرَاتِ وَالْبَكْتِيرْيَا الْخَشَبَ فَتُحِيلُهُ إِلَى تُرَابٍ، وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الْفَهْمِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدَّابَّةَ قَدْ أَكَلَتِ الْمِنْسَأَةَ بِالتَّدْرِيجِ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ.
وَلَكِنْ هَلْ فِعْلًا حَصَلَ ذَلِكَ عَلَى فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ طَوِيلَةٍ؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا فِعْلًا مَا حَصَلَ، فَمَاذَا حَصَلَ أَيْضًا لِجُثَّةِ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ؟ أَلَمْ تَتَحَلَّلْ هِيَ أَيْضًا بِالطَّرِيقَةِ التَّدْرِيجِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ؟
تَسَاؤُلَاتٌ
- إِذَا كَانَتِ الْجِنُّ قَدْ عَرَفَتْ بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ بِسَبَبِ أَنَّ دَابَّةَ الْأَرْضِ قَدْ أَكَلَتْ مِنْسَأَتَهُ، أَلَمْ يَعْلَمِ الْأِنْسُ وَالطَّيْرُ بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ كَذَلِكَ؟
- أَمْ هَلْ بَقِيَ خَبَرُ مَوْتِ سُلَيْمَانَ خَفِيًّا عَلَى الْجَمِيعِ كُلَّ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ؟
- مَاذَا حَصَلَ لِمُلْكِ سُلَيْمَانَ طِيلَةَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ؟
- كَيْفَ كَانَتْ مَمْلَكَةُ سُلَيْمَانَ تُدَارُ خِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ؟
رَأْيُنَا: كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا، إِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ التَّدْقِيقَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا جَيِّدًا رُبَّمَا يُبْطِلُ كُلَّ مَا قَالَهُ الْأَقْدَمُونَ.
وَنَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ اللَّفْظَةَ الَّتِي وَرَدَتْ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ مِنْسَأَةِ سُلَيْمَانَ هِيَ دَابَّةٌ وَاحِدَةٌ (فَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْمُفْرَدِ)، بَيْنَمَا تَدُلُّ لَفْظَةُ الدَّوَابِّ مَثَلًا عَلَى الْجَمْعِ.
فَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْأَقْدَمُونَ صَحِيحًا، لَكَانَ الَّذِي أَكَلَ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ هِيَ الدَّوَابُّ وَلَيْسَ فَقَطْ دَابَّةٌ وَاحِدَةٌ.
الْأَكْلُ
عِنْدَمَا حَاوَلْنَا تَفَقُّدَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ تَحْتَ إِطَارِ "الْأَكْلِ"، وَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ عَلَى الْأَقَلِّ ثَلَاثَ عَمَلِيَّاتٍ لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ، وَهِيَ: الْأَكْلُ وَالِالْتِقَامُ وَالِالْتِقَافُ:
- فَالْحُوتُ قَدِ الْتَقَمَ نَبِيَّ اللَّهِ ذَا النُّونِ.
- أَمَّا عَصَا مُوسَى فَلَقَدْ كَانَتْ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ مِنْ عِصِيِّ السَّحَرَةِ وَحِبَالِهِمْ.
- عِنْدَ اسْتِعْرَاضِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْخَاصَّةِ بِالْأَكْلِ، وَجَدْنَا أَنَّ هُنَاكَ كَائِنَاتٍ كَثِيرَةً تَأْكُلُ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمْ يَكُنْ مَنْ أَكَلَ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ حُوتًا لِأَنَّ الْحُوتَ يَلْتَقِمُ، وَلَمْ يَكُنْ ثُعْبَانًا لِأَنَّ الثُّعْبَانَ تَلْقَفُ وَلَا تَأْكُلُ. لِذَا لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مَنْ أَكَلَ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَأْكُلُ.
رَأْيُنَا: لَا نَظُنُّ أَنَّ الَّذِي أَكَلَ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَوِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّ الَّذِي أَكَلَ الْمِنْسَأَةَ هِيَ دَابَّةُ الْأَرْضِ.
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ الْبَقَرَ هُوَ مَنْ أَكَلَ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ، فَالْبَقَرُ مِنَ الْأَنْعَامِ، بَيْنَمَا كَانَ الَّذِي أَكَلَ الْمِنْسَأَةَ هُوَ دَابَّةٌ (أَيْ مِنَ الدَّوَابِّ).
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ الَّذِي أَكَلَ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ كَانَ مِنَ الطَّيْرِ لِأَنَّ الَّذِي أَكَلَهَا كَانَتْ دَابَّةَ الْأَرْضِ، وَالْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الطَّيْرِ وَالدَّابَّةِ وَاضِحٌ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
(سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 38)
نَتِيجَةٌ بَدِيهِيَّةٌ: إِنَّ الَّذِي أَكَلَ الْمِنْسَأَةَ كَانَ دَابَّةَ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ بِلَا شَكٍّ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ أُمَمٌ أَمْثَالُنَا.
الدَّوَابُّ
الدَّوَابُّ تُؤْمِنُ وَتَكْفُرُ، وَهِيَ مَخْلُوقَاتٌ مِنْ مَاءٍ، مَبْثُوثَاتٌ فِي الْأَرْضِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا كَمَا يَرْزُقُنَا نَحْنُ الْبَشَرَ.
وَلِلدَّوَابِّ نَوَاصِي (كَمَا لَنَا نَحْنُ الْبَشَرِ نَوَاصِي)، وَلَهَا مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، وَوُجُودُهَا مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ الْبَشَرِ.
نَتِيجَةٌ: الدَّوَابُّ خَلْقٌ مُكَلَّفٌ مِثْلُنَا: مِنْهُ الْمُؤْمِنُ وَمِنْهُ الْكَافِرُ، لَهُ مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ وَنَوَاصِي، وَمُرْتَبِطٌ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الْإِنْسَانِ.
وَلَوْ جَلَبْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا أَنَّ نِهَايَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ مُرْتَبِطٌ بِتِلْكَ الدَّابَّةِ:
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ.
(سُورَةُ النَّمْلِ: 82)
فَكَيْفَ سَتُكَلِّمُ تِلْكَ الدَّابَّةُ النَّاسَ؟ وَمَنْ أَعْطَاهَا الْقُدْرَةَ عَلَى أَنْ تُكَلِّمَ النَّاسَ؟ وَلِمَ سَتَكُونُ تِلْكَ الدَّابَّةُ عَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ إِذَا مَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ؟
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّهَا الْمِنْسَأَةُ الَّتِي أَكَلَتْهَا تِلْكَ الدَّابَّةُ، إِنَّهَا الدَّابَّةُ نَفْسُهَا الَّتِي أَكَلَتْ مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ.
إِنَّ الدَّابَّةَ تِلْكَ هِيَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَمَا هِيَ يَا تُرَى؟
رَأْيُنَا: إِنَّهَا دَابَّةٌ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ دَابَّةٌ تَأْكُلُ، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَأَيْنَ سَنَجِدُهَا؟ رُبَّمَا هِيَ مَا نَجِدُهُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ.
(سُورَةُ هُودٍ: 64)
إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، فَإِنَّ لِلْحَدِيثِ بَقِيَّةً.
الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدْ سَلِيمْ الْجَرَّاحْ، عَلِيْ مَحْمُودْ سَالِمْ الشَّرْمَانْ.
بِقَلَمِ: د. رَشِيدْ الْجَرَّاحْ.
14 تِشْرِينَ أَوَّلْ 2012.
[1] فَعَمَلِيَّةُ التَّحَلُّلِ الطَّبِيعِيِّ تِلْكَ هِيَ – نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ- عَمَلِيَّةُ جَعْلٍ وَلَيْسَ عَمَلِيَّةَ أَكْلٍ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
(سُورَةُ الزُّمَرِ: 21)
تعليقات