مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (13): بَابُ التَّمَاثِيلِ
حَاوَلْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ مَقَالَتِنَا هَذِهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْنَى مُفْرَدَةِ الشَّهْرِ الَّتِي تَرِدُ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، فَأَثَرْنَا حَوْلَهَا حِينَئِذٍ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ:
(1) هَلْ نَحُجُّ أَشْهُرًا؟ وَمَا هِيَ تِلْكَ الْأَشْهُرُ؟
(2) هَلْ فِعْلًا يَنْتَظِرُ الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتْرَةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؟
(3) لِمَ تَحْتَاجُ مَنْ يَئِسَتْ مِنَ الْمَحِيضِ (وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ أَصْلًا) أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؟
(4) لِمَاذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ تَرَبُّصِ الْمُطَلَّقَاتِ بِلَفْظِ الْقُرُوءِ وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ الْأَشْهُرِ؟
(5) وَهَلْ فِعْلًا تَحْتَاجُ مَنْ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَنْتَظِرَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟
لِمَ لَا تَنْتَظِرُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ كَالْمُطَلَّقَةِ مَثَلًا؟ وَلِمَ لَا تَنْتَظِرُ كَمَنْ يَئِسَتْ مِنَ الْمَحِيضِ (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)؟ أَوْ لِمَ لَا تَنْتَظِرُ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ أُولِي الْأَحْمَالِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ؟
(6) وَمَا هِيَ الْمُدَّةُ الزَّمَنِيَّةُ الَّتِي تَحْتَاجُ أَنْ تَتَرَبَّصَ بِهَا الْمَرْأَةُ بِنَفْسِهَا كَمَا تَرِدُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَقَدْ كَانَ الَّذِي أَثَارَ هَذَا النِّقَاشَ عَنْ مُفْرَدَةِ الشَّهْرِ هُوَ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ رِيحِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
وَكَانَ الْهَدَفُ هُوَ حِسَابَ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي بِهَا الرِّيحُ بِأَمْرٍ مِنْ سُلَيْمَانَ فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ. وَخَرَجْنَا مِنْ ذَلِكَ النِّقَاشِ بِالِافْتِرَاءَيْنِ التَّالِيَيْنِ عَنْ مُفْرَدَةِ الشَّهْرِ، أَحَدُهُمَا نُشَارِكُ فِيهِ الْعَامَّةَ فِي فَهْمِهِمُ الدَّارِجِ وَالْآخَرُ هُوَ بِلَا شَكٍّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:
1. مُفْرَدَةُ الشَّهْرِ تَدُلُّ عَلَى الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهَا عِنْدَ النَّاسِ بِمَا يُقَرِّبُ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، لِتُشَكِّلَ أَشْهُرَ السَّنَةِ كَالسَّنَةِ الْمِيلَادِيَّةِ (كَـ كَانُونَ ثَانِي، وَشُبَاطَ، وَآذَارَ، الْخ). أَوْ كَأَشْهُرِ السَّنَةِ الْهِجْرِيَّةِ (كَـ شَوَّالٍ، وَرَمَضَانَ، وَشَعْبَانَ، الْخ).
2. مُفْرَدَةُ الشَّهْرِ تُسْتَخْدَمُ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِتَدُلَّ عَلَى الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي تُكَوِّنُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مَعًا (أَوْ الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ مَعًا)، أَيْ فَتْرَةَ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ سَاعَةً كَامِلَةً.
وَحَاوَلْنَا تَسْوِيقَ زَعْمِنَا أَنَّ رِيحَ سُلَيْمَانَ كَانَتْ تَجْرِي بِهِ مُدَّةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً كَامِلَةً (أَيْ شَهْرًا) فِي الذَّهَابِ (الْغُدُوِّ) وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً (أَيْ شَهْرًا) فِي الْإِيَابِ (الرَّوَاحِ)، فَسُلَيْمَانُ كَإِنْسَانٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَنَامَ وَيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، وَكَانَتْ تِلْكَ الرِّيحُ تَذْهَبُ بِهِ بِنَصِّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ:
فَالْمَسَافَةُ بَيْنَ بِلَادِ سُلَيْمَانَ (الْقُرَى الظَّاهِرَةِ) وَالْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ كَانَتْ تَقْطَعُهَا رِيحُ سُلَيْمَانَ فِي شَهْرٍ (أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً) فِي رِحْلَةِ الذَّهَابِ (الْغُدُوِّ) وَتَعُودُ بِهِ مِنْ هُنَاكَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً فِي رِحْلَةِ الْإِيَابِ (الرَّوَاحِ)[1]:
وَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ بِلَادَ سُلَيْمَانَ لَمْ تَكُنْ هِيَ سَبَأً (فَتِلْكَ كَانَتْ أَرْضَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَ الْهُدْهُدُ إِلَى سُلَيْمَانَ بِخَبَرِهَا):
وَسُلَيْمَانُ وَوَالِدُهُ دَاوُودُ مِنْ قَبْلِهِ لَمْ يَكُونَا يَسْكُنَانِ الْأَرْضَ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، لِأَنَّ تِلْكَ كَانَتْ بِلَادَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي وَرِثُوهَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ:
فَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ مِنْ سُلَالَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مَعَ مُوسَى، فَبَنُو إِسْرَائِيلَ قَدِ احْتَجُّوا أَصْلًا عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ طَالُوتُ الَّذِي مِنْ خِلَالِهِ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى دَاوُودَ (وَالِدِ سُلَيْمَانَ):
(لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْأَجْزَاءَ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ).
وَسَنُحَاوِلُ (إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) تَحْدِيدَ الْمِنْطَقَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُهَا سُلَيْمَانُ وَوَالِدُهُ دَاوُودُ مِنْ قَبْلِهِ؛ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهَا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَسَنُعَلِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَزَاعِمِ الْيَهُودِ حَوْلَ أَحَقِّيَّتِهِمُ التَّارِيخِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ فِي الْأَرْضِ "الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ"، وَبَحْثِهِمُ الدَّءُوبِ عَنْ مَا يُسَمُّونَهُ بِـ "هَيْكَلِ" سُلَيْمَانَ لِإِثْبَاتِ أَحَقِّيَّتِهِمْ تِلْكَ فِيهَا، وَسَنُحَاوِلُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَنْ نَبْحَثَ عَنْ تَفَاصِيلِ الْقِصَّةِ كَمَا نَفْهَمُهَا نَحْنُ مِنَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَسَيَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَهْدِيَنِي صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ وَأَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ الَّذِي أَقُولُهُ فَلَا أَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُرْشِدَنَا إِلَى الْحَقِّ حَيْثُمَا كَانَ، وَأَنْ يَذَرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
وَحَاوَلْنَا اسْتِخْدَامَ افْتِرَائِنَا بِأَنَّ مُفْرَدَةَ الشَّهْرِ تُسْتَخْدَمُ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى "الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" مَعًا لِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى فَتْرَةِ تَرَبُّصِ الْمَرْأَةِ الَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ) وَحَاوَلْنَا تَسْوِيقَ مَنْطِقِنَا هَذَا مِنْ خِلَالِ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ مُفْرَدَةَ "شَهْرٍ" تُجْمَعُ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَشْهُرٍ وَعَلَى شُهُورٍ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ)، وَسَنُحَاوِلُ لَاحِقًا إِنْ أَذِنَ اللَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أَنْ نُفْرِدَ مَقَالَاتٍ مُسْتَقِلَّةً لِكُلِّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ الَّتِي يَرِدُ فِيهَا (أَوْ الَّتِي لَهَا عَلَاقَةٌ) بِمُفْرَدَةِ الشَّهْرِ، فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُؤْتِيَنِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَأَنْ يُعَلِّمَنِي مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ.
ثانياً: [تَسَاؤُلَاتٌ حَوْلَ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ]
أَمَّا فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ فَسَنُتَابِعُ حَدِيثَنَا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ عَنْ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ السَّابِقَةِ، وَلَكِنْ طَارِحِينَ هَذِهِ الْمَرَّةَ تَسَاؤُلًا غَرِيبًا يُثِيرُهُ السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ التَّالِي:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتِ الْجِنُّ مُسَخَّرَةً لِسُلَيْمَانَ لِتَعْمَلَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ تَمَاثِيلَ؟ فَلَرُبَّمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَفَهَّمَ أَنْ تَعْمَلَ الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ الْمَحَارِيبَ وَجُفُونٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ (وَإِنْ كُنَّا لَا نَفْهَمُ الْمَعَانِيَ الدَّقِيقَةَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ)، وَلَكِنَّهُ يَصْعُبُ عَلَيْنَا (وَأَقْصِدُ عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ مِثْلِي) أَنْ نَتَفَهَّمَ أَنْ تَقُومَ الْجِنُّ بِأَمْرٍ مِنْ سُلَيْمَانَ فَتَعْمَلَ لَهُ التَّمَاثِيلَ؟ فَمَا حَاجَةُ سُلَيْمَانَ بِتِلْكَ التَّمَاثِيلِ؟
نَحْنُ نُثِيرُ هَذَا التَّسَاؤُلَ فِي ضَوْءِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي نَعْرِفُهَا فِي دِينِنَا بِأَنَّ بِنَاءَ التَّمَاثِيلِ (كَمَا أَخْبَرَنَا سَادَتُنَا الْعُلَمَاءُ) أَمْرٌ غَيْرُ مُحَبَّبٍ خُصُوصًا إِذَا مَا اسْتَذْكَرْنَا مَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَمَاثِيلِ الْقَوْمِ:
وَفِي ضَوْءِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي وَرِثْنَاهَا وَالْمُتَمَثِّلَةِ بِأَنَّ أَوَّلَ مَا قَامَ بِهِ مُحَمَّدٌ عِنْدَمَا عَادَ فَاتِحًا مَكَّةَ هُوَ تَطْهِيرُ الْبَيْتِ مِنْ تِلْكَ الْكَيْنُونَاتِ الَّتِي أَضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قُرُونًا مِنَ الزَّمَنِ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ:
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ لِي: لِمَاذَا قَامَ مُحَمَّدٌ (لِنَقُلْ تَجَاوُزًا) بِالِاعْتِدَاءِ عَلَى تَمَاثِيلِ الْقَوْمِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ قَبْلِهِ مَا دَامَ أَنَّ سُلَيْمَانَ يَأْمُرُ الْجِنَّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ التَّمَاثِيلَ؟ أَوْ بِالْمُقَابِلِ نَقُولُ: لِمَاذَا يَظْلِمُ سُلَيْمَانُ نَفْسَهُ (إِنْ صَحَّ الْقَوْلُ) عِنْدَمَا يَأْمُرُ الْجِنَّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ تِلْكَ التَّمَاثِيلَ مَا دَامَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ مِنْ قَبْلِهِ وَمُحَمَّدًا مِنْ بَعْدِهِ يَعْمِدُونَ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا؟ أَلَا يَخْشَى سُلَيْمَانُ أَنْ يَحِلَّ بِالْقَوْمِ بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ مَا حَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ (كَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ) أَوْ بِمَا حَلَّ بِمَنْ بَعْدَهُمْ (كَقَوْمِ مُحَمَّدٍ)؟
وَهَا هُمْ أَتْبَاعُ الدِّيَانَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ (عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ) لَا يَجِدُونَ تِمْثَالًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا وَيُنَاصِبُوهُ الْعَدَاءَ، وَيُحَاوِلُونَ تَدْمِيرَهُ وَالتَّخَلُّصَ مِنْهُ إِنْ هُمُ اسْتَطَاعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. فَهَا هُمْ طَالِبَانُ وَالْقَاعِدَةُ مَثَلًا يَعْتَدُونَ عَلَى تَمَاثِيلِ بُوذَا فِي أَفْغَانِسْتَانَ فَيُدَمِّرُونَهَا بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ يُطَبِّقُونَ (حَسَبَ فَهْمِهِمْ) تَعَالِيمَ رَبِّهِمْ كَمَا جَاءَتْ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ.
وَهَا هُمْ أَهْلُ الْكِنَانَةِ وَبِلَادِ الشَّامِ وَأَرْضِ الرَّافِدَيْنِ (بِلَادِ الْحَضَارَةِ وَالتَّارِيخِ) لَا يَجِدُونَ تِمْثَالًا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى ظَاهِرِهَا إِلَّا وَيَقُومُوا بِوَاحِدَةٍ مِنِ اثْنَتَيْنِ:
1. أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ التِّمْثَالُ بِيَدِ سَمَاسِرَةِ الْآثَارِ فَيَشْرُوهُ إِلَى مَتَاحِفِ الْآثَارِ الْعَالَمِيَّةِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَهُمْ فِيهَا مِنَ الزَّاهِدِينَ، وَتَقُومُ تِلْكَ الْمَتَاحِفُ الْعَالَمِيَّةُ بِجَنْيِ الْمَلَايِينِ مِنْ وَرَاءِ تَمَاثِيلِ الْقَوْمِ الَّتِي اشْتَرَوْهَا مِنْهُمْ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الْبَخْسِ، أَوْ
2. أَنْ تَقَعَ بِأَيْدِي أَصْحَابِ الْعَمَائِمِ الْبَيْضَاءِ أَوِ السَّوْدَاءِ مِنْهُمْ فَيَنْقَضُّوا عَلَيْهَا بِفُؤُوسِهِمْ وَرُبَّمَا بِعِصِيِّهِمْ لِيُدَمِّرُوهَا لِأَنَّهَا تُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ الشِّرْكِ وَالْإِلْحَادِ الَّتِي - لَا شَكَّ- لَا يَرْغَبُونَ أَنْ يَعُودُوا إِلَيْهَا. وَلْيَنْظُرْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُجَادِلَ إِلَى مَا حَلَّ بِالتَّمَاثِيلِ الَّتِي لَا تَزَالُ قَائِمَةً فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَأَجْزَاءٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. فَنَادِرًا مَا تَجِدُ تِمْثَالًا لَيْسَ مَجْدُوعَ الْأَنْفِ أَوْ مَفْقُوعَ الْعَيْنَيْنِ أَوْ حَتَّى مَقْطُوعَ الرَّأْسِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَلَكِنَّ فِعْلَتَهُمْ هَذِهِ لَنْ تُثْنِيَنَا عَنْ طَرْحِ السُّؤَالِ نَفْسِهِ: إِذَا كَانَتِ التَّمَاثِيلُ تُمَثِّلُ كُلَّ هَذَا الشَّرِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ بِهَا، فَلِمَ يَقُومُ سُلَيْمَانُ (الَّذِي لَا شَكَّ يَعْرِفُونَهُ جَمِيعًا) بِإِصْدَارِ أَوَامِرِهِ لِلْجِنِّ فَتَعْمَلَ لَهُ التَّمَاثِيلَ؟ وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَنْ يَسْتَطِيعُوا رَدَّ سُؤَالِنَا هَذَا مَادَامَ أَنَّ صَرِيحَ اللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَحْنُ لَا نَفْتَرِي شَيْئًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لِنُكَذِّبَهُ عَلَى سُلَيْمَانَ (كَعَادَتِنَا)، وَلَكِنَّنَا فَقَطْ نُذَكِّرُهُمْ أَنْ يَقْرَءُوا قَوْلَ الْحَقِّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ:
فَمَا قِصَّةُ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ؟
ثالثاً: [نَقْدُ مَنْهَجِ الْمُفَسِّرِينَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْقَضِيَّةِ]
لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ (كَمَا فَعَلْنَا دَائِمًا) إِلَى أَنَّ أَهْلَ الدِّرَايَةِ مِنْ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ غَالِبًا مَا يَسْتَخْدِمُونَ أُسْلُوبَ الْكِتْمَانِ فِي أَطْرُوحَاتِهِمْ، فَهُمْ يُبْدُونَ لِلنَّاسِ مَا يُرِيدُونَ وَيُخْفُونَ كَثِيرًا مِمَّا لَا يُرِيدُونَ الْعَامَّةَ (مِنْ مِثْلِي) أَنْ يَقَعَ فِي خَاطِرِهِمْ، لِذَا تَخْلُو شُرُوحَاتُهُمْ فِي مُجْمَلِهَا مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَضَايَا، وَحَتَّى لَا نَتَّهِمَ النَّاسَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ فَنَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّنَا نَدْعُو الْقَارِئَ الْكَرِيمَ أَنْ يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ كَيْفَ تَجَنَّبَ ابْنُ كَثِيرٍ الَّذِي يَنْقُلُ عَنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ التَّعَرُّضَ لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا أَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ فَاتَتْهُمْ جَمِيعًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ:
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : " يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ " أَمَّا الْمَحَارِيبُ فَهِيَ الْبِنَاءُ الْحَسَنُ وَهُوَ أَشْرَفُ شَيْءٍ فِي الْمَسْكَنِ وَصَدْرُهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْمَحَارِيبُ بُنْيَانٌ دُونَ الْقُصُورِ وَقَالَ الضَّحَّاكُ هِيَ الْمَسَاجِدُ وَقَالَ قَتَادَةُ هِيَ الْقُصُورُ وَالْمَسَاجِدُ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هِيَ الْمَسَاكِنُ وَأَمَّا التَّمَاثُلُ فَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ التَّمَاثِيلُ الصُّوَرُ قَالَ مُجَاهِدٌ وَكَانَتْ مِنْ نُحَاسٍ وَقَالَ قَتَادَةُ مِنْ طِينٍ وَزُجَاجٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : " وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ " الْجَوَابُ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهِيَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ : تَرُوحُ عَلَى آلِ الْمُحَلِّقِ جَفْنَةٌ كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ الْعِرَاقِيِّ تَفَهَّقُ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَالْجَوَابِ أَيْ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنْهُ كَالْحِيَاضِ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ وَالْقُدُورُ الرَّاسِيَاتُ أَيِ الثَّابِتَاتُ فِي أَمَاكِنِهَا لَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَتَحَوَّلُ عَنْ أَمَاكِنِهَا لِعِظَمِهَا كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَثَافِيهَا مِنْهَا وَقَوْلُهُ تَعَالَى : " اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا " أَيْ وَقُلْنَا لَهُمُ اعْمَلُوا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَشُكْرًا مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الصَّلَاةُ شُكْرٌ وَالصِّيَامُ شُكْرٌ وَكُلُّ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شُكْرٌ وَأَفْضَلُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ الشُّكْرُ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهَذَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِعْلِ . وَقَدْ كَانَ آلُ دَاوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَذَلِكَ قَائِمِينَ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلًا وَعَمَلًا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ كَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ جَزَّأَ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَنِسَائِهِ الصَّلَاةَ فَكَانَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِمْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُدَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَغَمَرَتْهُمْ هَذِهِ الْآيَةُ " اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَأَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى وَقَدْ رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لِسُلَيْمَانَ يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَتْرُكُ الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا مُطَوَّلًا جِدًّا وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ قَبِيصَةُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّقِّيُّ قَالَ : قَالَ فُضَيْلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : " اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا " قَالَ دَاوُدُ يَا رَبِّ كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَالشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنْكَ ؟ قَالَ الْآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ قُلْتَ إِنَّ النِّعْمَةَ مِنِّي وَقَوْلُهُ تَعَالَى : " وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ " إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ
وَانْظُرْ عَزِيزِي الْقَارِئَ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ حَوْلَ الْآيَةِ نَفْسِهَا:
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ" أَبْنِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِدَرَجٍ "وَتَمَاثِيلَ" جَمْعُ تِمْثَالٍ وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أَيْ صُوَرٍ مِنْ نُحَاسٍ وَزُجَاجٍ وَرُخَامٍ وَلَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُ الصُّوَرِ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِ "وَجِفَانٍ" جَمْعُ جَفْنَةٍ "كَالْجَوَابِ" كَالْجَوَابِي جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهُوَ حَوْضٌ كَبِيرٌ يَجْتَمِعُ عَلَى الْجَفْنَةِ أَلْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنْهَا "وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ" ثَابِتَاتٍ لَهَا قَوَائِمُ لَا تَتَحَرَّكُ عَنْ أَمَاكِنِهَا تُتَّخَذُ مِنَ الْجِبَالِ بِالْيَمَنِ يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِالسَّلَالِمِ وَقُلْنَا "اعْمَلُوا" يَا "آلَ دَاوُدَ" بِطَاعَةِ اللَّهِ "شُكْرًا" لَهُ عَلَى مَا آتَاكُمْ "وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" الْعَامِلُ بِطَاعَتِي شُكْرًا لِنِعَمِ.
وَانْظُرْ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ:
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَعْمَلُ الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ , وَهِيَ جَمْعُ مِحْرَابٍ , وَالْمِحْرَابُ : مُقَدَّمُ كُلِّ مَسْجِدٍ وَبَيْتٍ وَمُصَلًّى , وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ : كَدُمَى الْعَاجِ فِي الْمَحَارِيبِ أَوْ كَالْ بَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21952 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ , جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ : { مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } قَالَ : بُنْيَانٌ دُونَ الْقُصُورِ . 21953 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ , قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } وَقُصُورٍ وَمَسَاجِدَ . 21954 - حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } قَالَ : الْمَحَارِيبُ : الْمَسَاكِنُ , وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } 3 39 . 21955 -حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ , قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } قَالَ : الْمَحَارِيبُ : الْمَسَاجِدُ . وَقَوْلُهُ : { وَتَمَاثِيلَ } يَعْنِي أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ لَهُ تَمَاثِيلَ مِنْ نُحَاسٍ وَزُجَاجٍ , كَمَا : 21956 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ , جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ { وَتَمَاثِيلَ } قَالَ : مِنْ نُحَاسٍ . 21957 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ , قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ { وَتَمَاثِيلَ } قَالَ : مِنْ زُجَاجٍ وَشِبْهٍ . 21958 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ , قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِ اللَّهِ { وَتَمَاثِيلَ } قَالَ : الصُّوَرُ . وَقَوْلُهُ : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } يَقُولُ : وَيَنْحِتُونَ لَهُ مَا شَاءَ مِنْ جِفَانٍ كَالْجَوَابِ ; وَهِيَ جَمْعُ جَابِيَةٍ , وَالْجَابِيَةُ : الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ : تَرُوحُ عَلَى نَادِي الْمُحَلِّقِ جَفْنَةٌ كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ الْعِرَاقِيِّ تَفَهَّقُ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : فَصَبَّحْتُ جَابِيَةً صَهَارِجًا كَأَنَّهَا جِلْدُ السَّمَاءِ خَارِجًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21959 - حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } يَقُولُ : كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } يَعْنِي بِالْجَوَابِ : الْحِيَاضَ . 21960 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ : ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنْ أَبِي رَجَاءٍ , عَنِ الْحَسَنِ { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } قَالَ : كَالْحِيَاضِ . 21961 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ , جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } قَالَ : حِيَاضُ الْإِبِلِ . 21962 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ , قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } قَالَ : جِفَانٌ كَجَوْبَةِ الْأَرْضِ مِنَ الْعِظَمِ , وَالْجَوْبَةُ مِنَ الْأَرْضِ : يَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءُ . 21963 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ , قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } كَالْحِيَاضِ. * - حَدَّثَنَا عَمْرٌو , قَالَ : ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ , قَالَ : ثَنَا جُوَيْبِرٌ , عَنِ الضَّحَّاكِ : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } قَالَ : كَحِيَاضِ الْإِبِلِ مِنَ الْعِظَمِ . وَقَوْلُهُ : { وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } يَقُولُ : وَقُدُورٍ ثَابِتَاتٍ لَا يُحَرَّكْنَ عَنْ أَمَاكِنِهِنَّ , وَلَا تُحَوَّلُ لِعِظَمِهِنَّ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21964 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ : ثَنَا الْحَسَنُ , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاءُ , جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ : { وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } قَالَ : عِظَامٌ . 21965 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ , قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ { وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } قَالَ : عِظَامٌ ثَابِتَاتُ الْأَرْضِ لَا يَزُلْنَ عَنْ أَمْكِنَتِهِنَّ . 21966 - حَدَّثَنِي يُونُsُ , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ : { وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } قَالَ : مِثَالُ الْجِبَالِ مِنْ عِظَمِهَا , يُعْمَلُ فِيهَا الطَّعَامُ مِنَ الْكِبَرِ وَالْعِظَمِ , لَا تُحَرَّكُ , وَلَا تُنْقَلُ , كَمَا قَالَ لِلْجِبَالِ : رَاسِيَاتٌ
وَانْظُرْ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ:
جَمْعُ تِمْثَالٍ . وَهُوَ كُلُّ مَا صُوِّرَ عَلَى مِثْلِ صُورَةٍ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِ حَيَوَانٍ . وَقِيلَ : كَانَتْ مِنْ زُجَاجٍ وَنُحَاسٍ وَرُخَامٍ تَمَاثِيلَ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ . وَذُكِرَ أَنَّهَا صُوَرُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ , وَكَانَتْ تُصَوَّرُ فِي الْمَسَاجِدِ لِيَرَاهَا النَّاسُ فَيَزْدَادُوا عِبَادَةً وَاجْتِهَادًا , قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أُولَئِكَ كَانَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ) . أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا عِبَادَتَهُمْ فَيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصْوِيرَ كَانَ مُبَاحًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ , وَنُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي سُورَةِ " نُوحٍ " عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَقِيلَ : التَّمَاثِيلُ طَلَسْمَاتٌ كَانَ يَعْمَلُهَا , وَيُحَرِّمُ عَلَى كُلِّ مُصَوِّرٍ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا فَلَا يَتَجَاوَزُهَا , فَيَعْمَلُ تِمْثَالًا لِلذُّبَابِ أَوْ لِلْبَعُوضِ أَوْ لِلتَّمَاسِيحِ فِي مَكَانٍ , وَيَأْمُرُهُمْ أَلَّا يَتَجَاوَزُوهُ فَلَا يَتَجَاوَزُهُ وَاحِدٌ أَبَدًا مَا دَامَ ذَلِكَ التِّمْثَالُ قَائِمًا . وَوَاحِدُ التَّمَاثِيلِ تِمْثَالٌ بِكَسْرِ التَّاءِ . قَالَ : وَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلَيْلَةٍ بِآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالِ وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ التَّمَاثِيلَ رِجَالٌ اتَّخَذَهُمْ مِنْ نُحَاسٍ وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ لِيُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَحِيكَ فِيهِمُ السِّلَاحُ . وَيُقَالُ : إِنَّ اسْفَنْدِيَارَ كَانَ مِنْهُمْ ; وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرُوِيَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا لَهُ أَسَدَيْنِ فِي أَسْفَلِ كُرْسِيِّهِ وَنَسْرَيْنِ فَوْقَهُ , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الْأَسَدَانِ لَهُ ذِرَاعَيْهِمَا , وَإِذَا قَعَدَ أَطْلَقَ النَّسْرَانِ أَجْنِحَتَهُمَا. حَكَى مَكِّيٌّ فِي الْهِدَايَةِ لَهُ : أَنَّ فِرْقَةً تُجَوِّزُ التَّصْوِيرَ , وَتَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ . قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَذَلِكَ خَطَأٌ , وَمَا أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ مَنْ يُجَوِّزُهُ . قُلْتُ : مَا حَكَاهُ مَكِّيٌّ ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ قَبْلَهُ , قَالَ النَّحَّاسُ : قَالَ قَوْمٌ عَمَلُ الصُّوَرِ جَائِزٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ , وَلِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْمَسِيحِ . وَقَالَ قَوْمٌ : قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا وَالتَّوَعُّدُ لِمَنْ عَمِلَهَا أَوِ اتَّخَذَهَا , فَنَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا مَا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَهُ , وَكَانَتِ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ بُعِثَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالصُّوَرُ تُعْبَدُ , فَكَانَ الْأَصْلَحُ إِزَالَتَهَا . التِّمْثَالُ عَلَى قِسْمَيْنِ : حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ . وَالْمَوَاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ : جَمَادٍ وَنَامٍ ; وَقَدْ كَانَتِ الْجِنُّ تَصْنَعُ لِسُلَيْمَانَ جَمِيعَهُ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ : " وَتَمَاثِيلَ " . وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ : أَنَّ التَّمَاثِيلَ مِنَ الطَّيْرِ كَانَتْ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ . فَإِنْ قِيلَ : لَا عُمُومَ لِقَوْلِهِ : " وَتَمَاثِيلَ " فَإِنَّهُ إِثْبَاتٌ فِي نَكِرَةٍ , وَالْإِثْبَاتُ فِي النَّكِرَةِ لَا عُمُومَ لَهُ , إِنَّمَا الْعُمُومُ فِي النَّفْيِ فِي النَّكِرَةِ . قُلْنَا : كَذَلِكَ هُوَ , بَيْدَ أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِهَذَا الْإِثْبَاتِ فِي النَّكِرَةِ مَا يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى الْعُمُومِ , وَهُوَ قَوْلُهُ : " مَا يَشَاءُ " فَاقْتِرَانُ الْمَشِيئَةِ بِهِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ اسْتَجَازَ الصُّوَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا ؟ قُلْنَا : كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ وَنُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِنَا كَمَا بَيَّنَّا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : لَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُ الصُّوَرِ إِذْ ذَاكَ مُحَرَّمًا . مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ أَنَّ الصُّوَرَ مَمْنُوعَةٌ , ثُمَّ جَاءَ ( إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ ) فَخَصَّ مِنْ جُمْلَةِ الصُّوَرِ , ثُمَّ ثَبَتَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِيهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَائِشَةَ فِي الثَّوْبِ : ( أَخِّرِيهِ عَنِّي فَإِنِّي كُلَّمَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا ) . ثُمَّ بِهَتْكِهِ الثَّوْبَ الْمُصَوَّرَ عَلَى عَائِشَةَ مُنِعَ مِنْهُ , ثُمَّ بِقَطْعِهَا لَهُ وِسَادَتَيْنِ تَغَيَّرَتِ الصُّورَةُ وَخَرَجَتْ عَنْ هَيْئَتِهَا , فَإِنَّ جَوَازَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنِ الصُّورَةُ فِيهِ مُتَّصِلَةَ الْهَيْئَةِ , وَلَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَةَ الْهَيْئَةِ لَمْ يَجُزْ , لِقَوْلِهَا فِي النُّمْرُقَةِ الْمُصَوَّرَةِ : اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا , فَمُنِعَ مِنْهُ وَتُوُعِّدَ عَلَيْهِ . وَتَبَيَّنَ بِحَدِيثِ الصَّلَاةِ إِلَى الصُّوَرِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الرَّقْمِ فِي الثَّوْبِ ثُمَّ نَسَخَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ . فَهَكَذَا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ; قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَوِّلِي هَذَا فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا ) . قَالَتْ : وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ كُنَّا نَقُولُ عَلَمُهَا حَرِيرٌ , فَكُنَّا نَلْبَسُهَا . وَعَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُسْتَتِرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ , فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ , ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ , ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) . وَعَنْهَا : أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ مَمْدُودٌ إِلَى سَهْوَةٍ , فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَيْهِ فَقَالَ : ( أَخِّرِيهِ عَنِّي ) قَالَتْ : فَأَخَّرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ وِسَادَتَيْنِ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَهْتِيكُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الثَّوْبَ وَأَمْرُهُ بِتَأْخِيرِهِ وَرَعًا ; لِأَنَّ مَحَلَّ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ الْكَمَالُ . فَتَأَمَّلْهُ . قَالَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ : إِنْ دُعِيَ رَجُلٌ إِلَى عُرْسٍ فَرَأَى صُورَةً ذَاتَ رُوحٍ أَوْ صُوَرًا ذَاتَ أَرْوَاحٍ , لَمْ يَدْخُلْ إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً . وَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ فَلَا بَأْسَ , وَإِنْ كَانَتْ صُوَرَ الشَّجَرِ . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ التَّصَاوِيرَ فِي السُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ . وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَا كَانَ خَرْطًا أَوْ نَقْشًا فِي الْبِنَاءِ . وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ ( مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ ) , لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ . قُلْتُ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَوِّرِينَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ . وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) وَلَمْ يَسْتَثْنِ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ : إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثٍ : بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ , وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَبِالْمُصَوِّرِينَ ) قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ . وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ ) . يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَصْوِيرِ شَيْءٍ , أَيِّ شَيْءٍ كَانَ . وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا " [ النمل : 60 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَاعْلَمْهُ . وَقَدِ اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لُعَبُ الْبَنَاتِ , لِمَا ثَبَتَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ , وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَلُعَبُهَا مَعَهَا , وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَعَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ : كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي , فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَنْقَمِعْنَ مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي خَرَّجَهُمَا مُسْلِمٌ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ وَحَاجَةِ الْبَنَاتِ حَتَّى يَتَدَرَّبْنَ عَلَى تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِنَّ . ثُمَّ إِنَّهُ لَا بَقَاءَ لِذَلِكَ , وَكَذَلِكَ مَا يُصْنَعُ مِنَ الْحَلَاوَةِ أَوْ مِنَ الْعَجِينِ لَا بَقَاءَ لَهُ , فَرُخِّصَ فِي ذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
السُّؤَالُ: هَلْ تَجِدُ (عَزِيزِي الْقَارِئَ) أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ قَدَّمُوا إِجَابَةً عَلَى هَذَا السُّؤَالِ الَّذِي لَا أَظُنُّ أَنَّ طَالِبَ عِلْمٍ فِي صُفُوفِهِ الدِّرَاسِيَّةِ الْأُولَى يُمْكِنُ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ طَرْحِهِ نَاهِيكَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَدِّثُونَ هُنَا هُمْ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ الْأَفْذَاذِ؟
رَأَيْنَا: إِنَّ الْهَدَفَ مِنْ عَرْضِ مَا جَاءَ فِي أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لَيْسَ التَّعَرُّضَ لِآرَائِهِمْ بِالِانْتِقَادِ أَوِ التَّفْنِيدِ لِأَنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنْ لَيْسَ فِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْآرَاءِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفَنَّدَ أَوْ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ، فَهِيَ (فِي ظَنِّنَا الْكَاذِبِ) لَيْسَتْ أَكْثَرَ مِنْ خُرَافَاتٍ لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَحْسَنُ مَا فِيهَا – كَمَا جَاءَ عِنْدَ أَحَدِهِمْ- حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. فَلَعَلَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بِنَاءَ التَّمَاثِيلِ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ سُلَيْمَانَ وَتَمَّ نَسْخُهُ فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ. وَلَكِنَّنَا نُثِيرُ هُنَا التَّسَاؤُلَ عَنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي سَبَقَ سُلَيْمَانَ، فَهَلْ كَانَ فِي شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ مَنْسُوخًا ثُمَّ تَمَّتْ إِبَاحَتُهُ فِي شَرِيعَةِ سُلَيْمَانَ ثُمَّ تَمَّ نَسْخُهُ مَرَّةً جَدِيدَةً فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّdٍ؟ هَلْ هَذَا هُوَ الدِّينُ يَا أَهْلَ الْعِلْمِ؟ مَنْ يَدْرِي!!!
أَقُولُ إِنَّ الْهَدَفَ الرَّئِيسَ مِنْ تَقْدِيمِ مَا جَاءَ فِي أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ هُنَا هُوَ تَبْيَانُ أُسْلُوبِ الْكِتْمَانِ الَّذِي يَتَّبِعُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَمَا لَا يَجِدُونَ فِي جُعْبَتِهِمْ مَا يَقُولُونَهُ لِلنَّاسِ، فَهُمْ يُبْدُونَ مَا يُرِيدُونَ وَيُخْفُونَ كَثِيرًا بِحُجَّةِ أَنَّ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي قَدْ لَا يُفِيدُ، وَأَنَا (وَاللَّهِ) أَسْتَغْرِبُ وَأَتَعَجَّبُ كَيْفَ يُنْفِقُونَ وَقْتَهُمُ (الثَّمِينَ طَبْعًا) فِي جِدَالٍ عَنِ الْمَادَّةِ الَّتِي صُنِعَتْ مِنْهَا تِلْكَ التَّمَاثِيلُ، أَهِيَ الطِّينُ أَمِ الزُّجَاجُ (انْظُرِ التَّفَاسِيرَ السَّابِقَةَ)، وَيَغْفُلُونَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَنِ السُّؤَالِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ: لِمَاذَا كَانَ سُلَيْمَانُ أَصْلًا يَأْمُرُ الْجِنَّ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ تَمَاثِيلَ؟ فَهَلْ يَا تُرَى كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْهِوَايَةِ الَّتِي كَانَ سُلَيْمَانُ يَقْضِي فِيهَا وَقْتَ فَرَاغِهِ مَثَلًا؟ مَنْ يَدْرِي!!!
رَأَيْنَا: إِنَّ أَخْشَى مَا أَخْشَاهُ (كَمَا أَقُولُ عَلَى الدَّوَامِ) أَنَّ فِي سُلُوكِ عُلَمَائِنَا هَذَا نُسْخَةً لِصُورَةٍ طِبْقَ الْأَصْلِ عَمَّا كَانَ يَعْمَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِهِمْ:
نَعَمْ لَقَدْ جَعَلَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ كِتَابَ مُوسَى الَّذِي جَاءَ بِهِ نُورًا وَهُدًى جَعَلُوهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَ مِنْهَا مَا يَشَاءُونَ وَيُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْهَا.
رَأَيْنَا: لَقَدْ كَانَ الْأَوْلَى بِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَنْ يُثِيرُوا السُّؤَالَ لِلنَّاسِ حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ الْإِجَابَةُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِكَيْ تَتَفَتَّحَ عُقُولُ النَّاسِ وَتَتَهَيَّأَ لِلتَّفَكُّرِ فِيهِ، فَلَا أَظُنُّ أَنَّ إِنْسَانًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ بِكِتَابِ اللَّهِ عِلْمًا، وَلَكِنْ تَبْقَى الْمُهِمَّةُ عِنْدَ التَّصَدِّي لِأَيِّ جُزْئِيَّةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ تُثِيرَهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، فَلَا تَتَّبِعْ أُسْلُوبَ الِانْتِقَاءِ ثُمَّ الْكِتْمَانِ، فَتُثِيرَ مِنْهَا مَا تُرِيدُ وَتَتْرُكَ مَا لَا تُرِيدُ أَنْ تُثِيرَهُ لَا لِشَيْءٍ وَإِنَّمَا لِظَنِّكَ أَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ غَيْرِ الْمُهِمَّةِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّكَ لَا تَمْلِكُ إِجَابَةً عَلَيْهِ. فَمَنْ - يَا تُرَى- يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ ذَاكَ الشَّيْءَ مُهِمٌّ أَوْ غَيْرُ مُهِمٍّ؟! فَإِنْ وُجِدَ، فَإِنِّي مِنْ هُنَا أُطْلِقُ الدَّعْوَةَ لِعُلَمَائِنَا الْأَجِلَّاءِ أَنْ يُقَدِّمُوا لَنَا قَائِمَةً بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسْمَحُ لَنَا أَنْ نَتَفَكَّرَ بِهَا (كَالْمَادَّةِ الَّتِي صُنِعَتْ مِنْهَا تَمَاثِيلُ سُلَيْمَانَ مَثَلًا) وَقَائِمَةً أُخْرَى بِالْأُمُورِ الَّتِي لَا يُسْمَحُ لَنَا التَّفَكُّرُ بِهَا (كَالسُّؤَالِ عَنْ سَبَبِ أَنْ تَعْمَلَ الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ التَّمَاثِيلَ مَثَلًا). وَسَنَكُونُ لَهُمْ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
رَأَيْنَا: إِنَّنَا نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ الْأَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ أَنْ نُذَكِّرَ أَنْفُسَنَا قَبْلَ أَنْ نُذَكِّرَ غَيْرَنَا بِالْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
(دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ لَا أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْتَ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْ سُوءِ مَا كَسَبَتْ يَدِي إِنْ أَنَا فَعَلْتُ هَذَا)
إِنَّ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ – فِي ظَنِّنَا- يَجِبُ أَنْ تُبْنَى عَلَى الِاعْتِقَادِ الْيَقِينِيِّ بِأَنَّ كُلَّ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُهِمٌّ وَيَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالتَّفْصِيلِ مَا اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَانَ لَابُدَّ لَنَا مِنْ إِثَارَةِ الْمَوْضُوعِ مَرَّةً أُخْرَى سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فَلَا نَقُولَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ وَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَلَا نَكْتُمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ). وَنَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يُثِيرَ مَا يَشَاءُ مِنْ تَسَاؤُلَاتٍ عَنْ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْتَرِيَهُ فِي كِتَابَاتِنَا كُلِّهَا، فَإِنْ كَانَ عِنْدَنَا عِلْمٌ أَفَدْنَاهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَنَا بِعِلْمِهِ نَصَحْنَاهُ صَادِقِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا بَعْدُ: [أَسْئِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ حَوْلَ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ]
* مَا هِيَ التَّمَاثِيلُ الَّتِي كَانَتِ الْجِنُّ تُؤْمَرُ مِنْ قِبَلِ سُلَيْمَانَ نَفْسِهِ أَنْ تَعْمَلَهَا لَهُ؟
* لِمَاذَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَأْمُرُ الْجِنَّ أَنْ تَعْمَلَ لَهُ تِلْكَ التَّمَاثِيلَ؟
* وَمَتَى أَمَرَ سُلَيْمَانُ الْجِنَّ أَنْ تَبْنِيَ لَهُ تِلْكَ التَّمَاثِيلَ؟
* وَأَيْنَ كَانَتِ الْجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ التَّمَاثِيلَ لِسُلَيْمَانَ؟
* وَكَيْفَ كَانَتِ الْجِنُّ تَعْمَلُ تِلْكَ التَّمَاثِيلَ؟
* وَأَيْنَ ذَهَبَتْ تَمَاثِيلُ سُلَيْمَانَ الَّتِي عَمِلَتْهَا الْجِنُّ لَهُ؟
* الْخ.
الْقَضِيَّةُ الْأُولَى: [مَا هِيَ التَّمَاثِيلُ؟]
لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ لَابُدَّ مِنْ تَفَقُّدِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ هَذِهِ الْمُفْرَدَةُ وَنُحَاوِلُ أَنْ نَفْهَمَهَا فِي سِيَاقِهَا الْمُبَاشِرِ (local context)، ثُمَّ نُحَاوِلُ بَعْدَ ذَلِكَ رَبْطَهَا مَعَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْأُخْرَى فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ (global context). فَالسِّيَاقُ الْمُبَاشِرُ يُسْعِفُنَا بِالْخُرُوجِ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ مَحَلِّيَّةٍ تَخُصُّ السِّيَاقَ نَفْسَهُ (local intuitions) بَيْنَمَا نَسْتَطِيعُ مِنْ خِلَالِ السِّيَاقَاتِ الْأُخْرَى أَنْ نَخْرُجَ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ بِاسْتِنْبَاطَاتٍ كُلِّيَّةٍ تَخُصُّ الْعَقِيدَةَ بِرُمَّتِهَا (glocal intuitions)، وَحَتَّى لَا نَدْخُلَ مَعَ أَهْلِ الدِّرَايَةِ بِجِدَالِ مُفْرَدَاتِ النَّظَرِيَّاتِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّنَا سَنَنْتَقِلُ مُبَاشَرَةً إِلَى التَّطْبِيقِ لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي تَحْلِيلِ النَّصِّ.
أَوَّلًا: [تَحْلِيلُ السِّيَاقِ الْمُبَاشِرِ لِلْآيَةِ]
جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِي:
لِنَطْرَحْ عِنْدَهَا السُّؤَالَ التَّالِيَ عَلَى الْفَوْرِ: مَا عَلَاقَةُ التَّمَاثِيلِ بِمَا حَوْلَهَا مِنْ مُفْرَدَاتٍ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَقُولُ: لِمَاذَا جَاءَتِ التَّمَاثِيلُ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَحَارِيبِ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ؟
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فَهْمَنَا لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَيُسْعِفُنَا فِي فَهْمِ مُفْرَدَةِ التَّمَاثِيلِ نَفْسِهَا، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ (أَوْ مَا نُسَمِّيهِ بِـ cohesive tie بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ) يَجِبُ أَنْ تَكُونَ جَلِيَّةً، فَالْمُفْرَدَاتُ لَا تَتَرَاكَمُ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الْوَاحِدِ بِشَكْلٍ اعْتِبَاطِيٍّ. لِذَا لَابُدَّ مِنْ طَرْحِ السُّؤَالِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَرْبِطَ مُفْرَدَةَ التَّمَاثِيلِ بِمَا جَاءَ قَبْلَهَا مُبَاشَرَةً (أَيْ مَحَارِيبَ) وَمَا جَاءَ بَعْدَهَا مُبَاشَرَةً (أَيْ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ).
رَأَيْنَا: لَوْ دَقَّقْنَا فِي النَّصِّ جَيِّدًا لَمَا عَدِمْنَا الْفَهْمَ بِأَنَّ الْأَمْرَ مِنْ سُلَيْمَانَ قَدْ صَدَرَ لِلْجِنِّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ:
1. مَحَارِيبَ
2. وَتَمَاثِيلَ
3. وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ
4. وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ
السُّؤَالُ: مَا هِيَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ؟ وَلِمَاذَا أَمَرَ سُلَيْمَانُ الْجِنَّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: [رَبْطُ مُكَوِّنَاتِ الْآيَةِ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْأَرْبَعَةِ]
هَذِهِ هِيَ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ الْأَرْبَعَةُ، فَالْإِسْلَامُ كَبِنَاءٍ يُبْنَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ فَقَطْ (وَلَيْسَ خَمْسَةً كَمَا يُحِبُّ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَنْ يُرَوِّجُوا لَهُ)، فَالْبِنَاءُ يَقُومُ عَلَى قَوَاعِدَ أَرْبَعَةٍ وَلَيْسَ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:
صورة توضيحية لطاولة بأربعة أرجل، ترمز إلى أن بناء الإسلام يقوم على أربعة أركان (الصلاة، الحج، الزكاة، الصيام) بعد الإقرار بالشهادة.
فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَقُولَةَ الشَّائِعَةَ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ بُنِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَرْكَانٍ هِيَ مَقُولَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِسْلَامٌ أَصْلًا مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِقْرَارٌ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ:
فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْإِسْلَامِ أَوَّلًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَنْ يَنْطِقَ الْإِنْسَانُ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ الْمُتَمَثِّلَةَ بِالْإِقْرَارِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْإِلَهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، عِنْدَهَا يُصْبِحُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقِيمَ بِنَاءَ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا شَكَّ يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ كَإِبْرَاهِيمَ مَثَلًا:
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ:
وَيُوسُفَ:
وَجَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ الْبَشَرِيَّةَ وَحَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا:
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْإِسْلَامُ هُوَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ كَانَ هُنَاكَ شَعَائِرُ لَابُدَّ مِنْ تَطْبِيقِهَا، فَكَانَتِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ. لِذَا فَإِنَّ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ – فِي ظَنِّنَا- هِيَ: الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالصَّدَقَةُ وَالصِّيَامُ، وَهَذِهِ هِيَ – فِي رَأْيِنَا الْمُفْتَرَى- مَا دَعَا سُلَيْمَانَ أَنْ يَأْمُرَ الْجِنَّ أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهِيَ (مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) لِيَتَمَكَّنَ مِنْ خِلَالِهَا أَدَاءَ هَذِهِ الشَّعَائِرِ الْأَرْبَعَةِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُطَبَّقَ فِيهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ، وَلَكِنْ كَيْفَ؟
إِنَّ هَذَا الِافْتِرَاءَ يُجْبِرُنَا عَلَى النَّبْشِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، وَلْنَبْدَأْ بِالْمَحَارِيبِ سَائِلِينَ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا فَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ.
أَوَّلًا: [بَابُ الْمَحَارِيبِ وَدَلَالَتُهَا عَلَى الصَّلَاةِ]
مَا هِيَ الْمَحَارِيبُ؟
رَأَيْنَا: لَمْ تَرِدْ مُفْرَدَةُ الْمَحَارِيبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ مَحَارِيبِ سُلَيْمَانَ الَّتِي كَانَتِ الْجِنُّ تُؤْمَرُ مِنْ قِبَلِ سُلَيْمَانَ بِبِنَائِهَا لَهُ:
لِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا أَنْ نَظُنَّ بِأَنَّ الْمَحَارِيبَ هِيَ جَمْعُ مُفْرَدَةِ "مِحْرَابٍ" الَّتِي وَرَدَتْ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ التَّالِيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ جَمِيعًا لَرُبَّمَا خَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ بِأَنَّ الْمِحْرَابَ هُوَ – فِي زَعْمِنَا- مَكَانٌ خَاصٌّ (كَالْخَلْوَةِ) يُقِيمُ فِيهِ الْإِنْسَانُ صَلَاتَهُ وَدُعَاءَهُ مُنْفَرِدًا، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ – فِي ظَنِّنَا- مِمَّا كَانَتْ تَفْعَلُ مَرْيَمُ فِي مِحْرَابِهَا:
فَالْمِحْرَابُ هُوَ مَكَانُ خَلْوَةِ مَرْيَمَ حَيْثُ كَانَتْ تُقِيمُ صَلَاتَهَا، فَمَرْيَمُ كَانَتْ مَأْمُورَةً أَنْ تَقْنُتَ لِرَبِّهَا وَتَسْجُدَ وَتَرْكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ:
فَأَيْنَ - يَا تُرَى- كَانَتْ مَرْيَمُ تَقُومُ بِكُلِّ ذَلِكَ؟ هَلْ كَانَتْ تَخْرُجُ لِلصَّلَاةِ مَعَ الرِّجَالِ، فَتَسْجُدُ وَتَرْكَعُ مَعَهُمْ؟
رَأَيْنَا: كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا، لَقَدْ كَانَتْ تُقِيمُ صَلَاتَهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلَكِنْ فِي مَكَانٍ خَاصٍّ بِهَا مُنْفَصِلٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَا نَفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ الْمِحْرَابُ، وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ يَأْتِي مِنْ نَصِّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا، حَيْثُ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَانَ زَكَرِيَّا فَقَطْ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْمِحْرَابِ:
وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِيمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا نَفْسُهُ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَرُبَّمَا تَأَكَّدَتْ لَدَيْنَا الْفِكْرَةُ بِأَنَّ الْمِحْرَابَ هُوَ مَكَانُ خَلْوَةٍ خَاصَّةٍ حَيْثُ يَنْفَرِدُ الشَّخْصُ فِيهِ لِيُصَلِّيَ وَيَدْعُوَ رَبَّهُ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ – فِي ظَنِّنَا- مِمَّا فَعَلَ زَكَرِيَّا نَفْسُهُ:
فَلَقَدْ كَانَ زَكَرِيَّا قَائِمًا يُصَلِّي لِوَحْدِهِ فِي الْمِحْرَابِ لَحْظَةَ أَنْ نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَبَشَّرُوهُ بِيَحْيَى نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى مَعْنَى الْخَلْوَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهَا مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِمَّا فَعَلَ زَكَرِيَّا نَفْسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْقَوْمِ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ (بِالرَّمْزِ) بِأَنْ يُقِيمُوا صَلَاتَهُمْ مِنْ دُونِهِ:
فَالرَّجُلُ قَدْ دَعَا رَبَّهُ هُنَاكَ (عِنْدَمَا رَأَى مَا رَأَى مِنْ أَمْرِ مَرْيَمَ)[2] وَصَلَّى مُنْفَرِدًا فِي الْمِحْرَابِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ هُنَاكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُهُ بِيَحْيَى، وَهُنَاكَ أَيْضًا جَاءَهُ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِأَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ (إِلَّا رَمْزًا) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا[3]:
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ دَاوُودَ (وَالِدَ سُلَيْمَانَ) كَانَ أَيْضًا يَتَّخِذُ لِنَفْسِهِ مِحْرَابًا، فَعِنْدَمَا حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ لِدَاوُودَ تَسَوَّرَ الْقَوْمُ مِحْرَابَهُ:
السُّؤَالُ: فَلِمَاذَا فَزِعَ دَاوُودُ مِنَ الْقَوْمِ عِنْدَمَا دَخَلُوا عَلَيْهِ فِي الْمِحْرَابِ؟
رَأَيْنَا: لَمَّا كَانَ الْمِحْرَابُ هُوَ – فِي ظَنِّنَا- مَكَانَ خَلْوَةٍ خَاصَّةٍ لِلْعِبَادَةِ الْفَرْدِيَّةِ (وَلَيْسَ كَالْمَسْجِدِ حَيْثُ تُقَامُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ[4]) جَاءَ فَزَعُ دَاوُودَ مِنْ ظَنِّهِ بِأَنَّ أَمْرًا جَلَلًا قَدْ حَصَلَ، وَإِلَّا لَمَا اضْطُرَّ الْقَوْمُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ. فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا مَكَانٌ خَاصٌّ بِعِبَادَةِ دَاوُودَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِيهِ، فَذَاكَ مَكَانٌ يَتَّخِذُهُ الشَّخْصُ لِصَلَاتِهِ الْفَرْدِيَّةِ وَرُبَّمَا لِدُعَاءِ رَبِّهِ كَمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا مَثَلًا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمْ يَكُنِ الْمِحْرَابُ (كَمَكَانِ خَلْوَةٍ لِلْعِبَادَةِ الْفَرْدِيَّةِ) غَرِيبًا عَلَى سُلَيْمَانَ (مَوْضُوعِ حَدِيثِنَا) لِأَنَّ وَالِدَهُ دَاوُودَ كَانَ مِنْ ذِي قَبْلُ يُقْفِلُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْمِحْرَابِ لِيُؤَدِّيَ طُقُوسَ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ بِهِ كَالصَّلَاةِ (كَمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا وَكَمَا فَعَلَتْ مَرْيَمُ). فَكَانَ لِدَاوُودَ – بِنَصِّ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ- مِحْرَابٌ وَاحِدٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، فَلِمَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ الْجِنَّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ مَحَارِيبَ (أَيْ أَكْثَرَ مِنْ مِحْرَابٍ)؟ أَلَا يَحْتَاجُ الشَّخْصُ لِمِحْرَابٍ وَاحِدٍ وَكَفَى؟
جَوَابٌ: لَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الَّتِي جَاءَتْ فِي مُفْرَدَةِ الْمِحْرَابِ لَوَجَدْنَاهَا خَاصَّةً بِدَاوُودَ (وَالِدِ سُلَيْمَانَ) وَبِزَكَرِيَّا وَبِمَرْيَمَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نُمْعِنَ التَّفَكُّرَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ جِهَةٍ وَسُلَيْمَانَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَوَجَدْنَا أَنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ مَنْ كَانَ دَائِمَ التَّرْحَالِ وَالتَّنَقُّلِ. فَمَرْيَمُ اتَّخَذَتْ مِحْرَابًا وَاحِدًا طَوَالَ حَيَاتِهَا وَلَمْ تُغَادِرْهُ إِلَّا يَوْمَ أَنْ ذَهَبَتْ لِتَضَعَ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ وَضَعَتْهُ. فَهِيَ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً فِي مِنْطَقَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ بِذَاتِهَا، وَكَذَلِكَ كَانَ زَكَرِيَّا الَّذِي كَفَّلَهُ اللَّهُ مَرْيَمَ، وَكَذَلِكَ كَانَ دَاوُودُ وَالِدُ سُلَيْمَانَ، فَلَا نَجِدُ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ دَاوُودَ قَدِ اتَّخَذَ مِنَ الْأَرْضِ مَوَاطِنَ كَثِيرَةً لَهُ فِيهَا، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ مَوْطِنًا وَاحِدًا وَاسْتَقَرَّ فِيهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ:
فَبَنَى مِحْرَابَهُ هُنَاكَ، وَقَضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ. وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بِالنِّسْبَةِ لِسُلَيْمَانَ فَهُوَ مُخْتَلِفٌ قَلِيلًا، فَمَا أَنْ وَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ حَتَّى حُشِرَ لَهُ جُنُودُهُ:
وَسَارَ بِهِمْ فِي الْأَرْضِ فَاتِحًا، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُودِهِ فِي وَادِ النَّمْلِ:
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ دَائِمَ التَّرْحَالِ، فَكَانَ بِحَاجَةٍ عَلَى الدَّوَامِ إِلَى مَكَانٍ يُخَصِّصُهُ لِعِبَادَتِهِ الْفَرْدِيَّةِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ، لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْأَمْرَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: لَقَدْ كَانَ سُلَيْمَانُ يَأْمُرُ الْجِنَّ أَنْ تَعْمَلَ لَهُ مِحْرَابًا فِي كُلِّ أَرْضٍ تَطَأُهَا قَدَمَاهُ، وَمَا دَامَ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَأَنَّ سُلَيْمَانَ مُقِرٌّ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، فَلَا أَخَالُ أَنَّ الدُّنْيَا سَتَحْجِزُهُ عَنْ إِقَامَةِ رُكْنِ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّلَاةُ: فَكَانَتِ الْمَحَارِيبُ هِيَ مَكَانَهُ الْخَاصَّ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ صَلَاتَهُ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْمِحْرَابُ هُوَ مَكَانٌ مُخَصَّصٌ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ الْفَرْدِيَّةِ حَيْثُ يَدْعُو الْإِنْسَانُ رَبَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ.[5]
وَالْآنَ لِنَرْجِعْ إِلَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ التَّعَرُّضِ لَهَا وَفِي جُعْبَتِنَا هَذَا الْفَهْمُ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ رَشِيدِ الْجَرَّاحِ:
فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهَا؟
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَعْتَقِدُ جَازِمِينَ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يُصْدِرُ أَوَامِرَهُ لِلْجِنِّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ تِلْكَ الْمَحَارِيبَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي خَلْوَةٍ لِيُقِيمَ فِيهَا صَلَاتَهُ فَيَدْعُوَ رَبَّهُ بِالضَّبْطِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ وَالِدُهُ دَاوُودُ مِنْ قَبْلِهِ وَكَمَا فَعَلَ زَكَرِيَّا وَفَعَلَتْ مَرْيَمُ مِنْ بَعْدِهِ[6].
سُؤَالٌ: إِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ الْمِحْرَابِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي النَّصِّ نَفْسِهِ مُفْرَدَةَ التَّمَاثِيلِ (مَوْضُوعَ حَدِيثِنَا)، فَمَاذَا عَنْ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اللَّتَانِ وَرَدَتَا بَعْدَ مُفْرَدَةِ التَّمَاثِيلِ فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا:
ثَانِيًا: [بَابُ الْجِفَانِ وَدَلَالَتُهَا عَلَى الزَّكَاةِ]
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْجِفَانُ؟
الْجَوَابُ: كَالْجَوَابِ؟
نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُفْرَدَةَ جِفَانٍ هِيَ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ. فَبَحَثْنَا فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ فَلَمْ نَجِدْ أَنَّ مُفْرَدَةَ "جِفَانٍ" (كَمُفْرَدَةِ مَحَارِيبَ) قَدْ وَرَدَتْ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ إِلَّا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ مَا كَانَتْ تَعْمَلُ الشَّيَاطِينُ لِسُلَيْمَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ:
فَحَاوَلْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنِ الْكَلِمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمُفْرَدِ مِنْهَا (كَمُفْرَدَةِ جَفْنٍ مَثَلًا) فَلَمْ نَجِدْ أَنَّهَا قَدْ وُجِدَتْ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ. لِنَصِلَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ إِلَى الِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ التَّالِي: مُفْرَدَةُ جِفَانٍ لَمْ تُفَصَّلْ بِنَفْسِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.
السُّؤَالُ: فَمَا الْعَمَلُ إِذَنْ؟
جَوَابٌ: لِنَرْجِعْ إِلَى الْآيَةِ نَفْسِهَا لِنَجِدَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَقَدَ تَشْبِيهًا بَيْنَ الْجِفَانِ وَالْجَوَابِ فَقَالَ:
إِذَنْ، صَحِيحٌ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْهَمَ مُفْرَدَةَ جِفَانٍ مِنْ خِلَالِ الْمُفْرَدَةِ نَفْسِهَا (أَوْ مِنْ خِلَالِ مُشْتَقَّاتِهَا) كَمَا فَعَلْنَا فِي حَالَةِ الْمَحَارِيبِ مَثَلًا، لَكِنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْهَمَهَا مِنْ خِلَالِ مَا شُبِّهَتِ الْجِفَانُ بِهِ، إِنَّهُ الْجَوَابُ بِنَاءً عَلَى الْمُعَادَلَةِ التَّشْبِيهِيَّةِ التَّالِيَةِ:
وَجِفَانٍ كَـ الْجَوَابِ
فَلَوِ اسْتَطَعْنَا أَنْ نَفْهَمَ مَاهِيَّةَ الْجَوَابِ لَأَسْعَفَنَا ذَلِكَ بِكُلِّ تَأْكِيدٍ أَنْ نَخْرُجَ بِتَصَوُّرَاتٍ عَنْ مَاهِيَّةِ تِلْكَ الْجُفُونِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُهَا الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ، فَالْجِفَانُ هِيَ مَا يُشْبِهُ الْجَوَابَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: مَا هِيَ الْجَوَابِ؟
بَحَثْنَا عَنْ مُفْرَدَةِ الْجَوَابِ فَلَمْ نَجِدْ أَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْجُفُونِ:
لِذَا كَانَ لِزَامًا أَنْ نَعْمَدَ لِلْبَحْثِ عَنْ مُشْتَقَّاتِهَا، فَظَنَنَّا أَنَّ جَوَابَ تُفْرَدُ عَلَى "جُبٍّ" كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ:
لَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي مُفْرَدَةِ الْجُبِّ الَّتِي تَرِدُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَرُبَّمَا خَرَجْنَا بِاسْتِنْبَاطَاتٍ نَظُنُّ أَنَّهَا ذَاتُ عَلَاقَةٍ وَطِيدَةٍ بِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ، وَلَكِنْ شَرِيطَةَ أَنْ نَفْهَمَ الْآيَةَ بِحَرْفِيَّتِهَا وَلَيْسَ كَمَا تَدُورُ فِي مُخَيِّلَتِنَا بِسَبَبِ مَا نَخَرَ فِي عُقُولِنَا مِنْ تَفْسِيرَاتٍ سَابِقَةٍ، لِذَا كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا أَنْ نَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ الْمُثِيرَ التَّالِيَ: أَيْنَ أَلْقَى إِخْوَةُ يُوسُفَ أَخَاهُمْ يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبُوا بِهِ؟
جَوَابٌ: فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ.
سُؤَالٌ: وَمَا هِيَ غَيَابَتُ الْجُبِّ؟
رَأَيْنَا: لَابُدَّ مِنَ الِاسْتِدْرَاكِ بِأَنَّ أَخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يُلْقُوا أَخَاهُمْ فِي الْجُبِّ وَإِنَّمَا أَلْقَوْهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ، وَفِي هَذَا – فِي ظَنِّنَا- فَرْقٌ عَظِيمٌ، وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
تَصَوُّرَاتٌ شَعْبِيَّةٌ سَائِدَةٌ: غَالِبًا مَا تَبَادَرَ لِأَذْهَانِ الْعَامَّةِ (رُبَّمَا بِسَبَبِ مُسْتَوْرَدَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ تَحْرِيفَاتِ أَهْلِ الْكِتَابِ) بِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ هُوَ مَا يُشْبِهُ بِئْرَ الْمَاءِ، وَهَذَا فِي ظَنِّنَا غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
رَأَيْنَا: أَوَّلًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةِ لَرُبَّمَا صُوِّرَتِ الْقِصَّةُ لَنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ بِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ (أَوْ مَا يُشْبِهُهَا) كَمَا حَصَلَ مَعَ مُوسَى يَوْمَ أَنْ سَقَى لِلِامْرَأَتَيْنِ عِنْدَمَا وَصَلَ إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ:
فَلَوْ تَمَّ إِلْقَاءُ يُوسُفَ فِي شَيْءٍ يُشْبِهُ "بِئْرَ الْمَاءِ" (أَوْ رُبَّمَا بِرْكَةَ مَاءٍ) لَرُبَّمَا جَاءَ تَصْوِيرُ "وَارِدِ الْقَوْمِ" الَّذِي أَرْسَلُوهُ وَهُوَ يَقُومُ بِفِعْلِ السِّقَايَةِ كَمَا كَانَ فِي حَالَةِ مُوسَى مَثَلًا.
ثَانِيًا، وَالْأَهَمُّ مِمَّا سَبَقَ - فِي نَظَرِنَا- هُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي تَدُورُ فِي أَذْهَانِ الْعَامَّةِ لَرُبَّمَا مَا كَانَ الْقَوْمُ (أَيِ السَّيَّارَةُ) مُضْطَرِّينَ أَصْلًا أَنْ يُرْسِلُوا وَارِدَهُمْ إِلَى غَيَابَتِ الْجُبِّ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَوْ كَانَ مَا أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ يُشْبِهُ بِئْرَ الْمَاءِ فِي طَبِيعَتِهِ لَكَانَ ذَلِكَ وَاقِعٌ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ، وَلَرُبَّمَا لَمْ يَضْطَرُّوا أَنْ يُرْسِلُوا إِلَيْهِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ لِيُحْضِرَ لَهُمْ مِنْهُ الْمَاءَ، وَلَرُبَّمَا تَوَقَّفَتِ الْقَافِلَةُ (أَيِ السَّيَّارَةُ) بِأَكْمَلِهَا عِنْدَ ذَلِكَ الْبِئْرِ أَوْ حَوْضِ الْمَاءِ الْمَزْعُومِ وَشَرِبُوا مِنْهُ جَمِيعًا.
ثَالِثًا، نَحْنُ نَقْرَأُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ أَنَّ السَّيَّارَةَ قَدْ أَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ إِنَّ هَذَا يَدْعُونَا عَلَى الْفَوْرِ إِلَى طَرْحِ السُّؤَالِ التَّالِي: كَمْ هِيَ كَمِّيَّةُ الْمَاءِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ الْوَارِدُ أَنْ يَأْتِيَ الْقَوْمَ بِهَا بِنَفْسِهِ؟ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْضِرَ الْمَاءَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَسْقِيَ دَوَابَّهُمْ مَثَلًا؟ وَلِمَاذَا لَمْ تَذْهَبِ الدَّوَابُّ بِنَفْسِهَا لِتَرِدَ حَوْضَ الْمَاءِ ذَلِكَ؟ هَلِ السَّيَّارَةُ مُضْطَرِّينَ أَنْ يَنْقُلُوا لَهَا الْمَاءَ مِنْ خِلَالِ الْوَارِدِ؟ أَمْ هَلْ كَانَتْ مُهِمَّةُ الْوَارِدِ فَقَطْ أَنْ يَسْتَكْشِفَ وُجُودَ الْمَاءِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَكَفَى؟ مَنْ يَدْرِي!!!
السُّؤَالُ: مَا هُوَ إِذَنْ غَيَابَتُ الْجُبِّ؟
رَأَيْنَا: مَهْمَا تَكُنِ الْإِجَابَةُ عَلَى التَّسَاؤُلَاتِ السَّابِقَةِ فَإِنَّنَا نَزْعُمُ الظَّنَّ بِأَنَّ غَيَابَتَ الْجُبِّ هُوَ عِبَارَةُ مَكَانٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُشَقَّ فِيهِ طَرِيقٌ، وَهُوَ –لَا شَكَّ- يَقَعُ بَعِيدًا بَعْضَ الشَّيْءِ عَنْ طَرِيقِ السَّيَّارَةِ، لِذَا فَهُوَ مَكَانٌ يَصْعُبُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاجِدًا عَلَى حَافَّةِ طَرِيقٍ، وَهُوَ مَكَانٌ بِحَاجَةٍ أَنْ يَبْذُلَ الشَّخْصُ جُهْدًا وَوَقْتًا لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ بِالضَّبْطِ كَمَا فَعَلَ وَارِدُ الْقَوْمِ الَّذِي جَاءَ بِخَبَرِ يُوسُفَ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَهُ؟
جَوَابٌ: لَوْ رَاقَبْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ صَوَّرَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِلَفْظَتَيْنِ، فَلَقَدْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِلْقَاءِ فِي بِدَايَةِ الْقِصَّةِ عِنْدَمَا خَطَّطَ الْأَخْوَةُ مَكِيدَتَهُمْ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ أَخِيهِمْ:
وَجَاءَ بِلَفْظِ "الْجَعْلِ" عِنْدَمَا عَمَدُوا إِلَى تَنْفِيذِهَا:
السُّؤَالُ: كَيْفَ سَيَتِمُّ الْإِلْقَاءُ وَالْجَعْلُ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟ أَيْ كَيْفَ سَيَقُومُ الْأَخْوَةُ بِجَعْلِ أَخَاهُمْ وَإِلْقَائِهِ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ؟
رَأَيْنَا: انْظُرْ مَعْنَى الْجَعْلِ فِي الشَّيْءِ كَمَا يَرِدُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ نَفْسِهَا:
أَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ - عَزِيزِي الْقَارِئَ- أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ إِلَى دَاخِلِهِ أَوَّلًا، فَالسِّقَايَةُ عِنْدَمَا جُعِلَتْ فِي رَحْلِ أَحَدِهِمْ، قَامَ أَحَدُ رِجَالِ الْعَزِيزِ بِإِدْخَالِهَا فِي رَحْلِ ذَلِكَ الرَّحْلِ، وَبِالْمَنْطِقِ نَفْسِهِ فَإِنَّنَا نَفْتَرِي الْقَوْلَ بِأَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ قَدْ قَامُوا بِإِدْخَالِ يُوسُفَ إِلَى غَيَابَتِ الْجُبِّ أَوَّلًا، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ – فِي ظَنِّنَا – جُزْءٌ مِنْ مَعْنَى الْجُبِّ
وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَعَزَّزَ تِلْكَ الصُّورَةُ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يُرْسَمَ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ كَيْفِيَّةِ جَعْلِ الْأَصَابِعِ فِي الْآذَانِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:
نَتِيجَةٌ: الْجَعْلُ فِي الشَّيْءِ يَنْطَوِي عَلَى عَمَلِيَّةٍ يَتِمُّ فِيهَا إِدْخَالُ شَيْءٍ صَغِيرٍ فِي شَيْءٍ أَكْبَرَ مِنْهُ.
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: يَقُومُ إِخْوَةُ يُوسُفَ بِإِدْخَالِ أَخِيهِمْ فِي مَكَانٍ وَذَلِكَ بِدَلَالَةِ فِعْلِ الْجَعْلِ:
وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ - فِي ظَنِّنَا - مَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَهُ عَلَى أَنَّهُ الْجُبُّ.
وَمَا أَنْ دَخَلَ يُوسُفُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (الْجُبِّ) حَتَّى قَامُوا بِفِعْلٍ آخَرَ وَهُوَ إِلْقَاؤُهُ مِنْ هُنَاكَ فِي مَكَانٍ عَمِيقٍ، وَتَمَّ ذَلِكَ بِإِنْزَالِهِ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ بِدَلَالَةِ فِعْلِ الْإِلْقَاءِ،
وَكَانَ ذَلِكَ - فِي ظَنِّنَا - هُوَ مَعْنَى غَيَابَتِ
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُsِنَا: بَعْدَ أَنْ قَامَ إِخْوَةُ يُوسُفَ بِإِدْخَالِ أَخِيهِمْ فِي الْجُبِّ وَقَامُوا بِإِلْقَائِهِ فِي غَيَابَتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ هُوَ – فِي زَعْمِنَا- غَيَابَتِ الْجُبِّ.
فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَ غَيَابَتَ الْجُبِّ إِذَنْ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ الْمَكَانَ عَلَى أَنَّهُ مَا يُشْبِهُ الْمَغَارَةَ الْوَاسِعَةَ ذَاتَ الْمَنَافِذِ الْعَدِيدَةِ وَذَاتِ الِارْتِفَاعَاتِ وَالِانْخِفَاضَاتِ الَّتِي عَادَةً مَا تَكُونُ وَاقِعَةً وَمُتَّصِلَةً بِالْجِبَالِ الْمُحَاذِيَةِ لِطَرِيقِ الْقَوَافِلِ التِّجَارِيَّةِ (السَّيَّارَةِ). وَيَجْرِي بِهَا الْمَاءُ فِي مَنَاطِقِهَا الْمُنْخَفِضَةِ، وَيَحْتَاجُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَاءِ الْمَوْجُودِ فِي دَاخِلِهَا أَنْ يُدْلِيَ دَلْوَهُ، فَيَدْخُلُ الشَّخْصُ إِلَى دَاخِلِهَا أَوَّلًا (فَيَجْعَلُ فِيهَا) ثُمَّ يَقُومُ بِوُرُودِ مَائِهَا بِأَنْ يُدْلِيَ دَلْوَهُ فِي غَيَابَتِهَا.
لِذَا نَحْنُ نَتَصَوَّرُ أَنَّ غَيَابَتَ الْجُبِّ هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، وَهُوَ لَا شَكَّ مَكَانٌ يَكْتَنِفُهُ الْغُمُوضُ وَالسِّرِّيَّةُ، فَيُخَطِّطُوا لِلْأَمْرِ لَيْسَ فَقَطْ بِأَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهَا وَلَكِنْ بِأَنْ يُلْقُوهُ فِيهَا:
وَمَا أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْمَكَانِ وَيَهُمُّوا بِأَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ لِيُوسُفَ بِمَا سَيَكُونُ عَلَيْهِ تَدْبِيرُ أَخْوَتِهِ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ:
فَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ الْوَحْيَ جَاءَ لِيُوسُفَ بِحُضُورِ إِخْوَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ جَعْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ إِلْقَاؤُهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ بِدَلِيلِ (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
لِذَا نَحْنُ نَتَخَيَّلُ أَنَّ الْوَحْيَ جَاءَ لِيُوسُفَ عَلَى بَابِ تِلْكَ الْمَغَارَةِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إِدْخَالُ يُوسُفَ إِلَى دَاخِلِهَا لِيَتِمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِلْقَاؤُهُ فِي غَيَابَتِهَا.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْجُبُّ هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ فِيهِ جَعْلًا (كَالْمَغَارَةِ مَثَلًا) وَغَيَابَتٌ هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ إِلْقَاءُ الشَّيْءِ فِيهِ إِلْقَاءً دَاخِلَ ذَلِكَ الْجُبِّ.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ؟
نَحْنُ نَزْعُمُ الْفَهْمَ أَنَّ جِفَانَ سُلَيْمَانَ الَّتِي كَانَتْ كَالْجَوَابِ كَمَا فِي الْمُعَادَلَةِ التَّشْبِيهِيَّةِ السَّابِقَةِ:
وَجِفَانٍ كَـ الْجَوَابِ
تُبَيِّنُ أَنَّ "جِفَانَ" سُلَيْمَانَ كَانَتْ فَقَطْ كَالْجَوَابِ (جَمْعُ جُبٍّ: وَهِيَ الْمَغَارَةُ) وَلَمْ تَكُنْ كَالْغَيَابَتِ. فَالْجِنُّ كَانَتْ مَأْمُورَةً مِنْ قِبَلِ سُلَيْمَانَ أَنْ تَعْمَلَ لَهُ جِفَانًا (أَكْثَرَ مِنْ جَفْنٍ) وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ مَأْمُورَةً أَنْ تَجْعَلَ فِيهَا غَيَابَتًا كَمَا فِي حَالَةِ يُوسُفَ.
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي مُفْرَدَةِ الْجِفَانِ لَرُبَّمَا أَسْعَفَنَا التَّفْكِيرُ السَّطْحِيُّ (مِنْ مِثْلِ تَفْكِيرِي هَذَا) أَنْ نَفْتَرِيَ الظَّنَّ (كَاذِبِينَ بِالطَّبْعِ) بِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِمُفْرَدَةِ الْجِفَانِ عَلَاقَةٌ بِمُفْرَدَةِ "جُفَاءٍ" الَّتِي تَرِدُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي الْجُفَاءِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ مَا يَحْصُلُ لِلزَّبَدِ (وَهُوَ مَا يَتَرَاكَمُ مِنْ رَغْوَةٍ وَفُقَاعَاتٍ – بِالْكَلَامِ الْأُرْدُنِّيِّ أَوْ foam بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ) فَوْقَ سَطْحِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ تَحْتِهَا. فَمَا عَلَى سَطْحِ الْمَاءِ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، أَيْ لَرُبَّمَا لَا أَحَدَ يَعْلَمُ أَنْ يَذْهَبَ أَوْ لَا تَسْتَطِيعُ تَعَقُّبَهُ أَوْ حَتَّى جَمْعَهُ، فَفِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ هُوَ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ غِطَاءٍ لِمَا تَحْتَهُ. فَالْجُفَاءُ (وَهُوَ بِلَا شَكٍّ عَدِيمُ الْأَهَمِّيَّةِ) يُغَطِّي تَحْتَهُ الْمَاءَ الَّذِي هُوَ بِلَا شَكٍّ شَيْءٌ ثَمِينٌ جِدًّا لِلنَّاسِ (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ).
لِذَا تَتَرَاءَى لَنَا الصُّورَةُ عَلَى نَحْوِ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا رُبَّمَا لَا قِيمَةَ لَهُ يُسْتَخْدَمُ كَغِطَاءٍ لِشَيْءٍ بَالِغِ الْأَهَمِّيَّةِ وَالْفَائِدَةِ.
كَمَا أَنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ عُنْصُرَ الْخَفَاءِ مَوْجُودٌ فِي مُفْرَدَةِ الْجِفَانِ لِظَنِّنَا (كَاذِبِينَ بِالطَّبْعِ) أَنَّ لَهَا عَلَاقَةً بِمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
فَهُنَاكَ فِي الْمَدِينَةِ:
1. الْمُنَافِقُونَ (الْمُنَافِقُونَ)
2. الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)
3. الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ)
السُّؤَالُ: مَنْ هُمُ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ؟
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُرْجِفِينَ فِي الْمَدِينَةِ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي السِّرِّ لِلْحُصُولِ عَلَى مَعْلُومَاتٍ عَنْهَا (أَوْ secret agents بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ)، فَهُمْ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ أَشْخَاصٌ عَدِيمُو الْأَهَمِّيَّةِ بِأَجْسَادِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ مَعْلُومَاتٍ ثَمِينَةً وَقَيِّمَةً.
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَشْعُرُ أَنَّ مُفْرَدَةَ "جِفَانٍ" تَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهَا مَعْنَى الْغِطَاءِ الَّذِي لَا قِيمَةَ لَهُ بِحَدِّ ذَاتِهِ وَلَكِنَّهُ يُخْفِي تَحْتَهُ الشَّيْءَ الثَّمِينَ جِدًّا كَمَا الزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جُفَاءً وَكَمَا الْمُرْجِفِينَ فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا نَنْسَى أَنْ نَتَخَيَّلَ طَبِيعَةَ حَرَكَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَزَبَدُ الْمَاءِ الَّذِي يَذْهَبُ جُفَاءً يَبْقَى يَرُوحُ وَيَجِيءُ فِي حَرَكَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، وَكَذَلِكَ هُمُ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ، فَهُمْ يَنْقُلُونَ الْأَخْبَارَ وَمِنْ وَإِلَى بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ.
وَلَعَلِّي أَظُنُّ (وَإِنْ كُنْتُ لَا أَجْزِمُ الْقَوْلَ) بِأَنَّ مَا نُسَمِّيهِ بِـ "جَفْنِ الْعَيْنِ" (وَتُجْمَعُ عَلَى جُفُونٍ) رُبَّمَا جَاءَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ: فَجَفْنُ الْعَيْنِ بِحَدِّ ذَاتِهِ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ غِطَاءٍ لِمَا هُوَ فِعْلًا ثَمِينٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ الْعَيْنُ (أَيِ الْبَصَرُ).
وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ جَيِّدًا فِي هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ مُجْتَمِعَةً لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَتَحَرَّكُ بِشَكْلٍ دَائِمٍ، فَالزَّبَدُ يَذْهَبُ جُفَاءً لِأَنَّهُ يَرُوحُ تَارَةً وَيَجِيءُ تَارَةً أُخْرَى (رَاقِبْ حَرَكَةَ زَبَدِ الْمَاءِ)، وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يَتَحَرَّكُونَ عَلَى الدَّوَامِ، وَكَذَلِكَ هُوَ جَفْنُ الْعَيْنِ، فَهُوَ يَفْتَحُ وَيُغْلِقُ فِي حَرَكَةٍ دَائِمَةٍ. فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْتَحَ وَيَبْقَى مَفْتُوحًا عَلَى الدَّوَامِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُغْلِقَ وَيَبْقَى مُغْلَقًا عَلَى الدَّوَامِ، لِأَنَّ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ يَكُونُ الْمَوْتُ قَدْ قَضَى عَلَيْهِ.[7]
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ جِفَانَ سُلَيْمَانَ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُهَا الْجِنُّ لَهُ بِأَمْرٍ مِنْهُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَا يُشْبِهُ الْمَغَارَاتِ الْجَبَلِيَّةَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَبْوَابٌ تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ، وَهِيَ تُشْبِهُ فِي شَكْلِهَا وَفِي حَرَكَتِهَا عَيْنَ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُغَطِّيهَا الْجُفُونُ (مِنَ الْأَسْفَلِ وَمِنَ الْأَعْلَى) لِتَحْفَظَ مَا تَحْتَهَا (الْبَصَرَ) مِنْ أَيِّ خَطَرٍ خَارِجِيٍّ. فَتِلْكَ الْجُفُونُ (أَوْ مَا يُشْبِهُ الْجِفَانَ) هِيَ بِحَدِّ ذَاتِهِ لَيْسَتْ ذَاتَ قِيمَةٍ وَلَكِنَّهَا لَا شَكَّ كَانَتْ تُخْفِي شَيْئًا ثَمِينًا دَاخِلَهَا، فَمَا هُوَ؟
رَأَيْنَا: إِنَّهَا كُنُوزُ سُلَيْمَانَ
وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي قِصَّةِ سُلَيْمَانَ لَوَجَدْنَا أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ آتَاهُ اللَّهُ مُلْكًا عَظِيمًا:
وَهُوَ بِذَلِكَ صَاحِبُ ثَرَاءٍ كَبِيرٍ، فَعِنْدَمَا حَاوَلَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَهُ الْهُدْهُدُ بِخَبَرِهَا مِنْ سَبَأٍ أَنْ تُقَدِّمَ "الرِّشْوَةَ" لِسُلَيْمَانَ بِالْمَالِ لِيَدَعَهَا وَقَوْمَهَا وَشَأْنَهُمْ، رَدَّ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ بِأَنَّهُ لَا يَرْغَبُ فِي الْمَالِ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ مِنْهُ الْكَثِيرَ:
وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَقَدْ جَاءَتْهُ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَلَا شَكَّ عِنْدَنَا إِذَنْ أَنَّهَا أَضَافَتْ مَالَهَا كُلَّهُ إِلَى مَا عِنْدَ سُلَيْمَانَ أَصْلًا مِنَ الْمَالِ الْكَثِيرِ، فَأَيْنَ كَانَ يُخَزِّنُ سُلَيْمَانُ مَالَهُ كُلَّهُ؟
جَوَابٌ: فِي الْجِفَانِ الَّتِي كَالْجَوَابِ (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ)
سُؤَالٌ: وَمَاذَا يَتَوَجَّبُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ؟
رَأَيْنَا: أَنْ يُؤْتِيَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وَذَلِكَ هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ كَانَ يَعْمِدُ سُلَيْمَانُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ الصَّدَقَاتِ مِنْ مَالِهِ الْكَثِيرِ الْمُخَزَّنِ فِي تِلْكَ الْجِفَانِ الَّتِي تُشْبِهُ الْجَوَابَ.
ثَالِثًا: [بَابُ الْقُدُورِ الرَّاسِيَاتِ وَدَلَالَتُهَا عَلَى الشُّكْرِ الْعَمَلِيِّ]
نَعُودُ إِلَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ لِنُثِيرَ تَسَاؤُلَاتِنَا هَذِهِ الْمَرَّةَ حَوْلَ عِبَارَةِ "وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ" الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُهَا الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ:
التَّسَاؤُلَاتُ
* مَا هِيَ الْقُدُورُ الرَّاسِيَاتُ الَّتِي كَانَتِ الْجِنُّ تَعْمَلُهَا لِسُلَيْمَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ؟
* وَلِمَاذَا كَانَتِ الْجِنُّ مَأْمُورَةً أَنْ تَعْمَلَهَا؟
* فَمَاذَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَعْمَلُ بِتِلْكَ الْقُدُورِ؟
* وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِقِصَّةِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي هِيَ مِحْوَرُ النِّقَاشِ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ؟
مَا هِيَ الْقُدُورُ؟
بَحَثْنَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَنْ مُفْرَدَةِ "قُدُورٍ" فَلَمْ نَجِدْهَا قَدْ وَرَدَتْ بِلَفْظَتِهَا إِلَّا فِي الْآيَةِ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ:
وَلَمَّا ظَنَنَّا أَنَّ مُفْرَدَةَ "قُدُورٍ" هِيَ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ حَاوَلْنَا الْبَحْثَ عَنِ الْمُفْرَدِ مِنْهَا وَهُوَ مَا نَظُنُّ أَنَّهُ مِثْلُ "قِدْرٍ" مَثَلًا، فَلَمْ نَجِدْ لَهَا ذِكْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَاجْتَهَدْنَا الْقَوْلَ أَنَّ مُفْرَدَاتٍ مِثْلَ "قُدُورٍ وَقِدْرٍ" تَدُلُّ عَلَى الِاسْمِ (أَيِ الشَّيْءِ) وَظَنَنَّا أَنَّ بِالْإِمْكَانِ اشْتِقَاقَ الْفِعْلِ مِنْهَا، فَزَعَمْنَا أَنَّ الْفِعْلَ مِنَ "الْقِدْرِ وَالْقُدُورِ" هُوَ – بِرَأْيِنَا– مَا يَرِدُ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَصِيغَةُ الْفِعْلِ الْمَاضِي (كَمَا يَجِبُ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنْ يُسَمُّونَهُ) تَرِدُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
وَصِيغَةُ فِعْلِ الطَّلَبِ (أَوِ الْأَمْرِ بِكَلِمَاتِ النَّحْوِيِّينَ) وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ الْمُفْرَدَةَ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ مُتَوَافِرٌ حَتَّى السَّاعَةِ عِنْدَنَا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ نَفْسِهِ؟
رَأَيْنَا: لَوْ دَقَّقْنَا بِجَمِيعِ صِيَغِ هَذَا الْفِعْلِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ مُلَازِمٌ عَلَى الدَّوَامِ لِلرِّزْقِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: إِنَّ مُفْرَدَةَ "قَدَرَ" وَمُشْتَقَّاتِهَا لَهَا عَلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِالرِّزْقِ.
وَلَوْ رَاقَبْنَا الْمُفْرَدَةَ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ لَوَجَدْنَا أَنَّ مَنْ بَسَطَ اللَّهُ لَهُ فِي الرِّزْقِ فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ يَدَهُ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِهِ وَعَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ:
وَمَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فَعَلَيْهِ – حَسَبَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ- أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ فِي سِرِّهِ وَفِي جَهْرِهِ:
وَالْقَاعِدَةُ فِي الْإِنْفَاقِ – حَسَبَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ- تَكُونُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
فَاللَّهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَّا "قَدَرَهُ" فِي الْإِنْفَاقِ، فَمَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَلَهُ قَدَرُهُ، وَمَنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَلَهُ قَدَرُهُ كَذَلِكَ.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقِصَّةِ قُدُورِ سُلَيْمَانَ الرَّاسِيَاتِ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ يَدَهُ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِهِ وَقَدْ كَانَ يَبْسُطُهَا (وَلَكِنْ لَيْسَ كُلَّ الْبَسْطِ حَتَّى لَا يَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا). فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي الْإِنْسَانَ لِيَعْلَمَ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ:
وَقَدْ حَصَلَ مِثْلُ هَذَا الِابْتِلَاءِ لِسُلَيْمَانَ:
فَلَا شَكَّ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدِ اخْتَارَ طَرِيقَ الشُّكْرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى آيَةِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ الْقُدُورِ الرَّاسِيَاتِ لَوَجَدْنَا أَنَّ آلَ دَاوُودَ قَدْ كَانُوا يَعْمَلُونَ شُكْرًا:
وَ لَوْ رَبَطْنَا ذَلِكَ بِمَا كَانَ عِنْدَ وَالِدِهِ دَاوُودَ مِنْ قَبْلُ لَوَجَدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ:
فَكَيْفَ كَانَ آلُ دَاوُودَ يَعْمَلُونَ شُكْرًا؟
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ يَدَهُ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِهِ بَلْ كَانَ يَبْسُطُهَا لِيُنْفِقَ – حَسَبَ قَدَرِهِ- مِمَّا رَزَقَهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ كَيْفَ كَانَ يَفْعَلُ سُلَيْمَانُ ذَلِكَ؟
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ حَاجَةً أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ الشُّكْرِ (كَمَا كَانَ يَفْعَلُ نُوحٌ مَثَلًا) مِنْ جِهَةٍ:
وَمَنْ يَعْمَلُ شُكْرًا (كَمَا كَانَ يَعْمَلُ آلُ دَاوُودَ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
وَلَكِنْ كَيْفَ يَكُونُ عَمَلُ الشُّكْرِ؟
جَوَابٌ: لِنَنْظُرْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
السُّؤَالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُكْرُ اللَّهِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ شُكْرُ الْوَالِدَيْنِ؟
فَهَلْ يَكْتَفِي الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْكُرَ لِوَالِدَيْهِ بِالْقَوْلِ فَقَطْ؟ أَيْ هَلْ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنَ الْإِنْسَانِ لِكَيْ يَشْكُرَ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يُعَبِّرَ لَهُمْ عَنِ امْتِنَانِهِ وَتَقْدِيرِهِ لَهُمْ بِالْكَلَامِ فَقَطْ كَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ "شُكْرًا" مَثَلًا؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَ الْوَالِدَانِ بِحَاجَةٍ إِلَى مُسَاعَدَةٍ؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَ الْوَالِدَانِ فَقِيرَانِ مَثَلًا؟ هَلْ يُطْلَبُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يُعَبِّرَ لَهُمْ بِالْكَلَامِ عَنْ خَالِصِ تَقْدِيرِهِ لَهُمْ وَامْتِنَانِهِ؟
رَأَيْنَا: كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا، فَلَابُدَّ أَنْ يَقُومَ الْإِنْسَانُ بِعَمَلِ شَيْءٍ مَا لِيُعَبِّرَ لِوَالِدَيْهِ عَنْ شُكْرِهِ لَهُمْ.
وَمَاذَا عَنْ شُكْرِ اللَّهِ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ أَصْلًا؟
رَأَيْنَا: لَا شَكَّ كَذَلِكَ أَنَّ الشُّكْرَ بِالْكَلَامِ يَكُونُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَى الْإِنْسَانِ:
فَعِنْدَمَا تَأْكُلُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ) وَتُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ اعْتِرَافَكَ بِأَنَّ هَذَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ بِالْكَلَامِ فَأَنْتَ تَشْكُرُ اللَّهَ إِذَنْ (وَاشْكُرُوا لَهُ)، وَلَكِنْ هَلْ يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ؟
رَأَيْنَا: كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا، فَلَابُدَّ أَنْ تَقُومَ بِفِعْلٍ تُعَبِّرُ فِيهِ كَذَلِكَ عَنْ شُكْرِكَ لِلَّهِ لِتَكُونَ لَيْسَ فَقَطْ مِمَّنْ يَشْكُرُ اللَّهَ وَلَكِنْ لِتَكُونَ مِمَّنْ يَعْمَلُ شُكْرًا لِلَّهِ، كَأَنْ تَتَصَدَّقَ عَلَى النَّاسِ بِبَعْضِ مَا بَسَطَ اللَّهُ لَكَ مِنَ الرِّزْقِ خَاصَّةً عَلَى مَنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ:
وَعِنْدَمَا تَقُومُ بِذَلِكَ وَيَكُونُ غَرَضُكَ فَقَطْ طَاعَةَ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْحُصُولَ مِنْهُمْ عَلَى جَزَاءٍ أَوْ شُكُورًا، فَإِنَّكَ تَكُونُ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ شُكْرًا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ مِمَّنْ بَسَطَ اللَّهُ لَهُ فِي الرِّزْقِ، وَاخْتَارَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا، كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَعْمَلَ شُكْرًا، فَيُنْفِقَ مِمَّا بَسَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى مَنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ سُلَيْمَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا يُنْفِقُ مِنْ شَيْءٍ فَاللَّهُ يُخْلِفُهُ:
وَسُلَيْمَانُ يَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الْأَمْوَالَ بِحَدِّ ذَاتِهَا (مَا لَمْ يُؤْتَ حَقُّ اللَّهِ فِيهَا) وَأَنَّ الْأَوْلَادَ أَنْفُسَهُمْ (مَا لَمْ يَكُونُوا صَالِحِينَ) لَا تُقَرِّبُ النَّاسَ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى:
وَلَكِنْ لَوْ بَحَثْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنْ آلِ دَاوُودَ لَوَجَدْنَا أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَى، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ نَصِيبِ دَاوُودَ:
وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهِ سُلَيْمَانَ:
نَتِيجَةٌ: لَا يَذْكُرُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ زُلْفَى إِلَّا آلَ دَاوُودَ (دَاوُودَ وَوَلَدَهُ سُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدِهِ). وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
رَأَيْنَا: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ فَلَابُدَّ أَنْ نَنْتَقِلَ مُبَاشَرَةً إِلَى الْحَدِيثِ عَنِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُهَا الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ، وَهُوَ مِحْوَرُ النِّقَاشِ فِي هَذِهِ الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ مُنْذُ بِدَايَتِهَا، فَنَحْنُ تَعَرَّضْنَا لِلْحَدِيثِ عَنْ جَانِبٍ مِنَ الْمُفْرَدَاتِ الْأُخْرَى وَهِيَ الْمَحَارِيبُ وَجُفُونٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ لِأَنَّهَا فَقَطْ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَنِ التَّمَاثِيلِ.
بَابُ التَّمَاثِيلِ: [الْفَرْقُ بَيْنَ التِّمْثَالِ وَالصَّنَمِ]
سَنَنْطَلِقُ مِنْ هُنَا فِي نِقَاشِنَا عَنْ مُفْرَدَةِ التَّمَاثِيلِ مُتَعَرِّضِينَ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
إِنَّ الْهَدَفَ الَّذِي يَرْجُوهُ مَنْ يَعْبُدُونَ شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ (كَعِبَادَةِ الشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَامِ وَحَتَّى النَّاسِ الْعَادِيِّينَ) هُوَ أَنْ يُقَرِّبُوهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ. (لِلتَّفْصِيلِ بِمَعْنَى مُفْرَدَةِ زُلْفَى انْظُرْ مَقَالَتَنَا تَحْتَ عُنْوَانِ: لِمَاذَا نُصَلِّي خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟)
فَالْوِلَايَةُ الْمُطْلَقَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ:
وَلَكِنَّ الطَّاغُوتَ هُوَ وَلِيُّ الَّذِينَ كَفَرُوا:
وَهُنَاكَ أَوْلِيَاءُ لِلْكَافِرِينَ مِنَ الْإِنْسِ:
فَالظَّالِمِينَ هُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا:
وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ:
وَالْوَلِيُّ هُوَ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ بِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ:
فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَتَّخِذُ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا
فَإِنَّكَ تَمْنَحُهُ حَقَّ التَّصَرُّfِ فِيكَ.
وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي نَجِدُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ، فَإِنَّ الْمُتَّقِينَ أَنْفُسَهُمْ هُمْ أَوْلِيَاءُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ:
وَهُوَ مَنِ اسْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا سُنَّتَهُ بِأَنْ نَحُجَّ إِلَيْهِ:
وَلَكِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ فَإِنَّ بُيُوتَهُمْ لَا تَتَعَدَّى أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ مِنْ شِدَّةِ وَهْنِهَا:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي بِبَكَّةَ هُوَ مَكَانُ شَعِيرَةِ الْحَجِّ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِأَدَائِهَا. فَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي رَفَعَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَوَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ:
وَهُنَاكَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ:
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ لَنَا: لِمَاذَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِحَجِّ الْبَيْتِ بِالرَّغْمِ أَنَّهُ نَهَانَا عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ؟ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَذْهَبَ الْإِنْسَانُ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ لِيَطُوفَ بِهِ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلْأَصْنَامِ؟ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ نَفْسِهِ وَالْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِيهِ وَمِنْ حَوْلِهِ؟ أَلَيْسَتْ هِيَ جَمِيعُهَا حِجَارَةً فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ؟
مَا الْفَرْقُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَالْأَصْنَامَ؟: [وَظِيفَةُ التِّمْثَالِ فِي الْعِبَادَةِ]
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ هُوَ تِمْثَالٌ يَعْكُفُ النَّاسُ لَهُ (وَهَذَا مِنَ الدِّينِ) بَيْنَمَا الْأَصْنَامُ هِيَ مَا يَعْكُفُ النَّاسُ عَلَيْهَا (وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ). وَلَكِنْ كَيْفَ؟
جَوَابٌ: لَوْ رَاقَبْنَا قِصَّةَ الْعِبَادَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لَوَجَدْنَا أَنَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ كَانَتْ مِنَ الرَّكَائِزِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي دِيَانَاتِ أَقْوَامٍ كَثِيرِينَ بِمَنْ فِيهِمْ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ مَثَلًا:
وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ أَصْنَامِ إِبْرَاهِيمَ لَوَجَدْنَا فِيهَا شَيْئًا – نَظُنُّ أَنَّهُ- غَايَةٌ فِي الْغَرَابَةِ:
وَلَوَجَدْنَا الْقَوْمَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ:
فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ قَائِلًا:
وَهُنَا يَحْدُثُ حِوَارٌ جِدِّيٌّ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ عِنْدَمَا يُحَاوِلُ الْقَوْمُ أَنْ يَسْتَفْسِرُوا مِنْهُ عَنْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ:
فَمَا يَكُونُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى رَبِّهِمُ الْحَقِيقِيِّ:
وَلَا يَتَوَقَّفُ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ بَلْ يَتَوَعَّدُ أَصْنَامَهُمْ بِالْمَكِيدَةِ:
وَهُنَا نَتَوَقَّفُ مَعَ أَوَّلِ سُؤَالٍ نَوَدُّ أَنْ نَلْفِتَ انْتِبَاهَ الْقَارِئِ لَهُ لِيُشَكِّلَ حَيِّزًا كَبِيرًا فِي نِقَاشِنَا عَنْ مُفْرَدَةِ التَّمَاثِيلِ، وَالسُّؤَالُ هُنَا هُوَ: لِمَاذَا تَغَيَّرَ اللَّفْظُ هُنَا إِلَى مُفْرَدَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْكَلَامُ قَدِ ابْتَدَأَ بِالْحَدِيثِ عَنِ التَّمَاثِيلِ؟ فَالْمُرَاقِبُ لِلَّفْظِ يَجِدُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي الْبِدَايَةِ يَسْتَفْسِرُ عَنْ عُكُوفِ الْقَوْمِ لِلتَّمَاثِيلِ:
وَلَكِنَّهُ فِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ يَتَوَعَّدُ الْأَصْنَامَ بِالْمَكِيدَةِ:
فَيَقُومُ بِتَجْذِيذِ الْأَصْنَامِ:
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّمَاثِيلِ وَالْأَصْنَامِ؟ وَلِمَاذَا بَدَأَ إِبْرَاهِيمُ حَدِيثَهُ عَنِ التَّمَاثِيلِ؟ وَلِمَاذَا انْتَهَى إِلَى الْحَدِيثِ عَنِ الْأَصْنَامِ؟
رَأَيْنَا: لِلْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ لَابُدَّ مِنْ مُرَاقَبَةِ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلًا كَمَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الصَّحِيحَةَ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَسْتَفْسِرُ فَقَطْ عَنْ مَا يَعْمَلُ الْقَوْمُ بِالتَّمَاثِيلِ، وَنَظُنُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَجِدُ ضَيْرًا فِي أَنْ يَعْكُفَ الْقَوْمُ لِلتَّمَاثِيلِ. وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى فَإِنَّنَا نَقُولُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ يَجِدُ مُشْكِلَةً مَازَالَ الْقَوْمُ مُتَّخِذِينَ التَّمَاثِيلَ لِلِاعْتِكَافِ. وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَاءَ رَدُّ الْقَوْمِ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُمْ فِعْلًا يَعْكُفُونَ لِتِلْكَ التَّمَاثِيلِ لَمَّا كَانَ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ فِي فِعْلِ الْقَوْمِ، فَإِبْرَاهِيمُ – نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ- رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ يَرَى ضَيْرًا فِي الِاعْتِكَافِ لِلتَّمَاثِيلِ، وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ رَدُّ الْقَوْمِ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُمْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ اعْتِكَافٍ لِلتَّمَاثِيلِ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَيْضًا عِبَادَةً:
عِنْدَهَا فَقَطْ ثَارَتْ ثَائِرَةُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ فِعْلَتَهُمْ تِلْكَ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَرَى الْمُشْكِلَةَ فِي عِبَادَةِ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى مُشْكِلَةً فِي اعْتِكَافِ الْقَوْمِ لَهَا. وَلَكِنْ لِمَاذَا؟
افْتِرَاءٌ خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَرَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَرَى مُشْكِلَةً فِي الِاعْتِكَافِ لِلتَّمَاثِيلِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شِرْعَةِ كُلِّ الدِّيَانَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، فَالْيَهُودُ يَعْكُفُونَ لِلتَّمَاثِيلِ وَالنَّصَارَى يَعْكُفُونَ لِلتَّمَاثِيلِ وَنَحْنُ الْمُسْلِمِينَ لَا شَكَّ نَعْكُفُ لِلتَّمَاثِيلِ. كَلَامٌ خَطِيرٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
حَاوَلْنَا الْبَحْثَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنْ مُفْرَدَةِ تَمَاثِيلَ فَمَا وَجَدْنَا أَنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا فِي مَوْقِعَيْنِ وَهُمَا:
1. التَّمَاثِيلُ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُهَا الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ:
2. التَّمَاثِيلُ الَّتِي كَانَ يَظُنُّ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ الْقَوْمَ يَعْكُفُونَ لَهَا:
وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَرْبِطَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْهَدَفَ مِنْ وُجُودِ التَّمَاثِيلِ هُوَ الِاعْتِكَافُ، فَإِبْرَاهِيمُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَقُومُونَ بِفِعْلِ الِاعْتِكَافِ لِلتَّمَاثِيلِ، وَلَكِنْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّفُونَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا يَقُومُ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ عِبَادَتُهَا، انْقَلَبَتْ لِتُصْبِحَ تِلْكَ التَّمَاثِيلُ أَصْنَامًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الْقَوْمِ:
عِنْدَهَا لَمْ يَتَرَدَّدْ إِبْرَاهِيمُ فِي إِظْهَارِ عَدَاوَتِهِ لَهَا، فَيَتَوَعَّدُهَا بِالْمَكِيدَةِ:
فَيَقُومُ بِتَجْذِيذِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ:
لِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ تُضِلُّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: مَادَامَتْ تِلْكَ الْكَيْنُونَاتُ مُتَّخَذَةً لِلِاعْتِكَافِ فَهِيَ تُسَمَّى تَمَاثِيلَ، وَلَكِنْ عِنْدَمَا تُصْبِحُ تِلْكَ الْكَيْنُونَاتُ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَنْقَلِبُ إِلَى أَصْنَامٍ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّمَاثِيلِ وَالْأَصْنَامِ هُوَ – هُوَ فِي ظَنِّنَا- فَرْقٌ فِي الْوَظِيفَةِ وَلَيْسَ فِي الشَّكْلِ. وَلَكِنْ كَيْفَ؟
الِاعْتِكَافُ: [الْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ "لِـ" وَالِاعْتِكَافِ "عَلَى"]
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ لِلتَّمَاثِيلِ وَ الِاعْتِكَافِ عَلَى الْأَصْنَامِ، وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنْ لَا ضَيْرَ فِي الِاعْتِكَافِ لِلتَّمَاثِيلِ وَلَكِنْ تَكْمُنُ الْمُشْكِلَةُ فِي الِاعْتِكَافِ عَلَى الْأَصْنَامِ.
الدَّلِيلُ: [الِاعْتِكَافُ فِي سِيَاقِ قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ]
رُبَّمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَذَكَّرَ مَا حَصَلَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَمَا جَاوَزَ اللَّهُ بِهِمُ الْبَحْرَ وَنَجَّاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَمَا أَنْ يَأْتُوا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يَجِدُوهُمْ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَيَطْلُبُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ آلِهَةٌ، فَمَا يَكُونُ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ هَذَا الطَّلَبِ:
وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ حَسَبَ مَا يَقُولُ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ أَنَّ مَا يَقُومُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هُوَ عَمَلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ:
نَتِيجَةٌ: عِنْدَمَا يَعْكُفُ النَّاسُ عَلَى الْأَصْنَامِ فَإِنَّهُمْ يَتَّخِذُوهَا آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَذَا بِلَا شَكٍّ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ.
وَلَكِنْ لَوْ رَاقَبْنَا مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّ اللَّهَ يَطْلُبُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ أَنْ يُطَهِّرَا بَيْتَهُ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ:
وَلَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَا يَغْفُلُ عَنْ دُعَاءِ رَبِّهِ أَنْ يُجَنِّبَهُ وَبَنِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ
فَعِبَادُ اللَّهِ مَأْمُورُونَ أَنْ يَعْكُفُوا إِلَى الْبَيْتِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنْ يَطُوفُوا بِهِ وَأَنْ يَرْكَعُوا وَيَسْجُدُوا فِيهِ. وَهَذَا بِرَأْيِنَا مَا جَعَلَ مُحَمَّدًا يَعْمِدُ إِلَى تَكْسِيرِ تِلْكَ الْأَصْنَامِ الَّتِي عَكَفَ عَلَيْهَا الْقَوْمُ، فَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ عِنْدَمَا عَادَ فَاتِحًا مَكَّةَ، فَدَمَّرَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، وَلَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَمْ يُدَمِّرِ الْبَيْتَ الْحَرَامَ نَفْسَهُ الَّذِي كَانَتْ تَرْقُدُ تِلْكَ التَّمَاثِيلُ فِيهِ وَحَوْلَهُ، فَلِمَاذَا؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَقُمْ مُحَمَّدٌ بِتَدْمِيرِ الْبَيْتِ وَاكْتَفَى بِتَدْمِيرِ الْأَصْنَامِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَهُ؟
رَأَيْنَا: لِأَنَّ الْبَيْتَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تِمْثَالٍ يَتِمُّ الِاعْتِكَافُ لَهُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ صَنَمًا يُعْكَفُ عَلَيْهِ لِيُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
السُّؤَالُ: مَا هُوَ الِاعْتِكَافُ؟
نَحْنُ نَفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ السَّابِقَةِ نَفْسِهَا أَنَّ هُنَاكَ طَوَافًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الِاعْتِكَافِ:
فَالطَّوَافُ هُوَ مِمَّا يَقُومُ بِهِ مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ:
وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ بِالْحَرَكَةِ ذَهَابًا وَإِيَابًا:
وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ الْإِحَاطَةِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا وَاتِّجَاهَاتِهَا كَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ الْجَنَّةِ الَّتِي طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ:
أَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَهُمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَقُومُ بِهِ مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ مَرْيَمُ فِي مِحْرَابِهَا:
وَأَظُنُّ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَكْمُنُ – كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا- فِي الْمَكَانِ وَالْهَيْئَةِ، فَفِي حِينِ أَنَّ السُّجُودَ لَا يَتَطَلَّبُ الِاغْتِسَالَ (الْوُضُوءَ) كَسُجُودِ الشُّكْرِ مَثَلًا، فَإِنَّ الرُّكُوعَ يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي مَكَانِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ سِلْسِلَةَ مَقَالَاتِنَا: كَيْفَ تَمَّ خَلْقُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ؟)
وَيَبْقَى السُّؤَالُ الرَّئِيسُ وَهُوَ: مَا هُوَ الِاعْتِكَافُ؟
افْتِرَاءٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَزْعُمُ الْفَهْمَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ هُوَ الْمُكُوثُ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ بِعَيْنِهِ كَالْمَسَاجِدِ مَثَلًا بُغْيَةَ أَدَاءِ شَعَائِرِ الْعِبَادَةِ:
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَادَامَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَحِقُّ لَهُ مُعَاشَرَةُ النِّسَاءِ (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، وَالِاعْتِكَافُ الْأَكْبَرُ يَكُونُ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ:
لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ النَّاسَ مَمْنُوعُونَ مِنْ مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ فِي الْحَجِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْطَقَةَ الْحَجِّ بِأَكْمَلِهَا تُصْبِحُ كَالْمَسْجِدِ، وَأَظُنُّ أَنَّهَا الْمِنْطَقَةُ الَّتِي يُسَمِّيهَا الْقُرْآنُ بَكَّةَ (بِالْبَاءِ) :
وَهِيَ تَخْتَلِفُ عَنْ مَكَّةَ (بِالْمِيمِ) الَّتِي هِيَ فِي ظَنِّنَا الْمَدِينَةُ بِأَكْمَلِهَا:
فَمُعَاشَرَةُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يُعْتَبَرُ كَأَنَّهُ مُعَاشَرَةٌ لِلنِّسَاءِ أَثْنَاءَ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ:
فَكَيْفَ يَكُونُ الِاعْتِكَافُ؟
جَوَابٌ: لَا شَكَّ أَنَّ الِاعْتِكَافَ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ يَحْصُلُ عِنْدَمَا يَلْبَسُ الْحَاجُّ مَلَابِسَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَنْتَهِي إِلَّا عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْفَتْرَةُ الَّتِي لَا يَحِقُّ لِلْحَاجِّ مُبَاشَرَةُ النِّسَاءِ فِيهَا. فَالْإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ دُونَ مَلَابِسِ الْإِحْرَامِ، وَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْكَعَ وَأَنْ يَسْجُدَ دُونَ مَلَابِسِ الْإِحْرَامِ، فَقَبْلَ أَنْ يَلْبَسَ الْحَاجُّ مَلَابِسَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهَا يَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ كَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْجُدَ وَأَنْ يَرْكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ، وَلَكِنَّ الِاعْتِكَافَ (الْمُكُوثَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بِقَصْدِ أَدَاءِ فَرِيضَةٍ كَفَرِيضَةِ الْحَجِّ) لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَلَابِسِ الْإِحْرَامِ. وَفِيهِ يُمْنَعُ عَلَى الْحَاجِّ مِنْ فِعْلِ صَيْدِ الْبَرِّ مَا دَامَ مُحْرِمًا:
فَالثَّمَرَاتُ تُجْبَى إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ لَا شَكَّ حَرَمٌ آمِنٌ:
وَيُمْنَعُ عَلَى الْحَاجِّ الْمُعْتَكِفِ مُبَاشَرَةُ النِّسَاءِ:
فَالِاعْتِكَافُ يَحْصُلُ بِأَنْ يَقْضِيَ الْإِنْسَانُ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ بِعَيْنِهِ بُغْيَةَ أَدَاءِ فَرِيضَةٍ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَيَكُونُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ (أَيِّ مَسْجِدٍ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الصَّلَاةِ) أَمَّا الِاعْتِكَافُ فِي الْحَجِّ فَيَكُونُ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ بُغْيَةَ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَمَا يَذْهَبُ الْمُؤْمِنُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ بُغْيَةَ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ فَهُوَ يَبْقَى فِي حَالَةِ اعْتِكَافٍ مَتَى لَبِسَ مَلَابِسَ الْإِحْرَامِ وَيُمْنَعُ عَلَيْهِ صَيْدُ الْبَرِّ وَالرَّفَثُ إِلَى النِّسَاءِ مَادَامَ مُعْتَكِفًا (أَيْ لَابِسًا مَلَابِسَ الْإِحْرَامِ) بُغْيَةَ أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَمَا أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يُنْهِيَ حَالَةَ الِاعْتِكَافِ تِلْكَ فَيُصْبِحَ قَادِرًا عَلَى مُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ.
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَتِ الْجِنُّ تَعْمَلُ لِسُلَيْمَانَ التَّمَاثِيلَ إِذَنْ؟
رَأَيْنَا: أَوَّلًا، لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ مُسْلِمًا (مَادَامَ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّوَامِ مُوَاظِبًا عَلَى أَدَاءِ شَعَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ. فَكَانَتِ التَّمَاثِيلُ هِيَ الْمَكَانَ الَّذِي يُؤَدِّي فِيهِ سُلَيْمَانُ شَعِيرَةَ الْحَجِّ بِالِاعْتِكَافِ. وَلَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ دَائِمَ التَّنَقُّلِ بِجُنْدِهِ كَانَ يَأْمُرُ الْجِنَّ بِأَنْ تَبْنِيَ لَهُ مِنْ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ (كَمَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ مَثَلًا) لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ شَعِيرَةِ الْحَجِّ.
ثَانِيًا، لَمَّا كَانَ سُلَيْمَانُ مِنْ آلِ دَاوُودَ لَمْ يَكُنْ يَتَّخِذُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مَسْكَنًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ يَتَّخِذُ مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مَسْكَنًا لَهُ، لِذَا كَانَ عَلَى الدَّوَامِ بِحَاجَةٍ إِلَى تِمْثَالٍ يَجْعَلُهُ قِبْلَةً لَهُ لِيُوَجِّهَ وَجْهَهُ إِلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَلِيَحُجَّ إِلَيْهِ، فَلَا نَنْسَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ دَائِمًا يَتَّخِذُونَ مِنْ مَكَانٍ مُحَدَّدٍ بِعَيْنِهِ قِبْلَةً لَهُمْ. فَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْمَ إِبْرَاهِيمَ قَدِ اتَّخَذُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قِبْلَةً لَهُمْ فَوَجَّهُوا وُجُوهَهُمْ إِلَيْهِ فِي صَلَاتِهِمْ، وَذَهَبُوا إِلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ حَجِّهِمْ هُنَاكَ، وَقَدْ وَجَّهَ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قِسْطًا مِنَ الزَّمَنِ فِي بِدَايَةِ دَعْوَتِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِيُرْضِيَهُ فَقَلَّبَ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ بَاحِثًا عَنْ قِبْلَةٍ جَدِيدَةٍ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِتَغْيِيرِ الْقِبْلَةِ الْأُولَى (الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) إِلَى الْقِبْلَةِ الْجَدِيدَةِ (الْبَيْتِ الْحَرَامِ):
فَأَخَذَ يُوَجِّهُ وَجْهَهُ إِلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَيَذْهَبُ إِلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ هُنَاكَ. وَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى آيَةِ تَمَاثِيلِ سُلَيْمَانَ لَوَجَدْنَا أَنَّ التَّرَابُطَ وَثِيقٌ بَيْنَ الْمَحَارِيبِ مِنْ جِهَةٍ وَالتَّمَاثِيلِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
فَلِمَاذَا – يَا تُرَى- جَاءَتْ مُفْرَدَةُ التَّمَاثِيلِ مُبَاشَرَةً بَعْدَ مُفْرَدَةِ الْمَحَارِيبِ؟
رَأَيْنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ هُوَ التَّرَابُطُ بَيْنَ الْمِحْرَابِ (مَكَانِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ) وَالتَّمَاثِيلِ (الْمَكَانِ الَّذِي يُوَلِّي الْمُصَلِّي وَجْهَهُ إِلَيْهِ). فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ (فِي أَيِّ مِحْرَابٍ) فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ جِهَةَ تِمْثَالٍ (كَالْبَيْتِ الْحَرَامِ مَثَلًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ) وَكَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عِنْدَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ.
الدَّلِيلُ: [الْقِبْلَةُ فِي قِصَّةِ مُوسَى]
لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ مُوسَى يَوْمَ أَنْ كَانُوا مُسْتَعْبَدِينَ فِي أَرْضِ مِصْرَ لَوَجَدْنَا أَنَّ مُوسَى يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا بُيُوتَهُمْ قِبْلَةً:
فَالْبُيُوتُ الَّتِي تَبَوَّأَهَا مُوسَى وَأَخُوهُ هَارُونُ كَانَتْ هِيَ قِبْلَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ هُنَاكَ وَعَادُوا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ.
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ دَائِمَ التَّرْحَالِ وَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ صَلَاتَهُ كَانَ لَابُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُوَجِّهَ وَجْهَهُ شَطْرَ بَيْتٍ (تِمْثَالٍ) لِيَكُونَ لَهُ قِبْلَةً فِي صَلَاتِهِ (فِي مِحْرَابِهِ)، وَلِيَكُونَ الْمَكَانَ الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ لِيَعْتَكِفَ لَهُ، لِذَا كَانَ يَأْمُرُ الْجِنَّ بِأَنْ تَعْمَلَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ تِلْكَ الْمَحَارِيبِ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا كَمَا يَأْمُرُهَا أَنْ تَعْمَلَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ تِلْكَ التَّمَاثِيلِ الَّتِي يُوَلِّي وَجْهَهُ شَطْرَهَا فِي صَلَاتِهِ، وَيُقِيمُ فِيهَا شَعِيرَةَ الِاعْتِكَافِ إِذَا مَا أَرَادَ أَدَاءَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ.
وَلَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ: أَيْنَ هِيَ تِلْكَ التَّمَاثِيلُ الَّتِي عَمِلَتْهَا الْجِنُّ لِسُلَيْمَانَ؟
هَذَا مَا سَنُنَاقِشُهُ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ تَحْتَ عُنْوَانِ:
فَاللَّهَ اسْأَلُ أَنْ يَهْدِيَنَا سَوَاءَ السَّبِيلِ لِنَقُولَ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَاللَّهَ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُؤْتِيَنِي وَعَلِيًّا رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمُ الْجَرَّاحِ & عَلِيُّ مَحْمُودِ سَالِمِ الشَّرْمَانِ
بِقَلَمِ: د. رَشِيدِ الْجَرَّاحِ
د. رَشِيدُ الْجَرَّاحِ، مَرْكَزُ اللُّغَاتِ
rsaljarrah@yahoo.com
جَامِعَةُ الْيَرْمُوكِ
http://faculty.yu.edu.jo/raljjara/default.aspx?pg=bf322587-7a53-4485-b9ca-6c0583bf5748
[1] سَنُحَاوِلُ لَاحِقًا أَنْ نُحَاوِلَ الْإِجَابَةَ عَلَى التَّسَاؤُلِ التَّالِي: لِمَاذَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَذْهَبُ أَصْلًا إِلَى هُنَاكَ؟
[2] وَسَنَتَعَرَّضُ لَاحِقًا بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ إِلَى السُّؤَالِ التَّالِي: لِمَاذَا دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ هُنَاكَ عِنْدَمَا رَأَى مَا كَانَ يَحْصُلُ لِمَرْيَمَ؟
[3] فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ مَأْمُورًا أَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالْيَوْمِ (أَيْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ). انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالنَّهَارِ وَاللَّيْلِ.
[4] انْظُرِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لِتَرَى أَنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ مَكَانُ إِقَامَةِ صَلَاةٍ جَمَاعِيَّةٍ:
[5] انْظُرْ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفِ دَاوُودَ وَتَصَرُّفِ سُلَيْمَانَ بَعْدَ الْفِتْنَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا لَمْ يَخِرَّ سُلَيْمَانُ رَاكِعًا مُبَاشَرَةً بَعْدَ أَنْ حَصَلَتْ لَهُ الْفِتْنَةُ كَمَا فَعَلَ وَالِدُهُ دَاوُودُ؟
رَأَيْنَا: لَمَّا حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ لِدَاوُودَ وَهُوَ فِي دَاخِلِ الْمِحْرَابِ لَمْ يَتَرَدَّدْ دَاوُودُ أَنْ يَخِرَّ رَاكِعًا عَلَى الْفَوْرِ فَهُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي الْمَكَانِ الْمُخَصَّصِ أَصْلًا لِلرُّكُوعِ. وَلَكِنْ بِالْمُقَابِلِ لَمَّا حَصَلَتِ الْفِتْنَةُ لِسُلَيْمَانَ وَهُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي مَكَانٍ غَيْرِ الْمِحْرَابِ لَمْ يَخِرَّ رَاكِعًا عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَاجَدُ فِي مَكَانٍ خَاصٍّ بِالرُّكُوعِ أَصْلًا. وَسَنَتَعَرَّضُ لَاحِقًا لِلْحَدِيثِ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مَا كَانَتْ تَفْعَلُ مَرْيَمُ فِي الْمِحْرَابِ كَمَا تُصَوِّرُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ:
لِنَطْرَحَ عِنْدَهَا السُّؤَالَ التَّالِي: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى بِأَنْ تُؤْمَرَ مَرْيَمُ بِالسُّجُودِ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَأْذَنَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
[6] وَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِكْرَةَ الْخَلْوَةِ فِي الدِّينِ الْمَسِيحِيِّ أَوِ الْيَهُودِيِّ قَدْ جَاءَتْ عَبَثًا أَوْ مِنْ فَرَاغٍ، إِنَّهَا بِرَأْيِنَا تَقْلِيدًا لِفِكْرَةِ الْمِحْرَابِ. فَهُنَاكَ مَكَانٌ خَاصٌّ بِخَلْوَةِ النِّسَاءِ (nuns) وَيُسَمَّى فِي اللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ convent وَتُسَمَّى الْقَائِمَةُ عَلَيْهِ abbess بَيْنَمَا يُسَمَّى مَكَانُ خَلْوَةِ الرِّجَالِ (monks) بِـ monastery وَيُسَمَّى الْقَائِمُ عَلَيْهِ abbot، بَيْنَمَا يُسَمَّى الْمَكَانُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مَعًا بِـ .abbey
[7] نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ فِكْرَةَ تِلْكَ الْمَغَارَةِ الَّتِي تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ بِالْكَلِمَةِ (الَّتِي تَرِدُ فِي قِصَصِ الْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ وَكُتُبِ الْأَسَاطِيرِ كَمَغَارَةِ افْتَحْ يَا سِمْسِمْ مَثَلًا) هِيَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ فِكْرَةٌ مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ جِفَانِ سُلَيْمَانَ هَذِهِ. فَالْمَغَارَةُ تُفْتَحُ بِأَمْرِ مَنْ يَمْلِكُ سِرَّ الْكَلِمَةِ الَّتِي تَفْتَحُهَا، وَمَا أَنْ تُفْتَحَ حَتَّى يَظْهَرَ مَا تُخْفِي تِلْكَ الْمَغَارَةُ مِنَ الْكُنُوزِ الْعَظِيمَةِ.
[8] سَنُحَاوِلُ فِي مَقَالَةٍ لَاحِقَةٍ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ الْحَدِيثَ عَنْ طَبِيعَةِ الْمَكِيدَةِ الَّتِي دَبَّرَهَا إِبْرَاهِيمُ بِالْأَصْنَامِ حَتَّى قَالَ فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَةَ هُوَ كَبِيرُهُمْ هَذَا:
وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا الْأَجِلَّاءِ تَسْوِيقَ الْأَمْرِ مِنْ خِلَالِ حَدِيثٍ – لَا أَدْرِي دَرَجَةَ صِحَّتِهِ- بِأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ "كَذْبَةً" مِنْ إِبْرَاهِيمَ، فَهُمْ قَدْ رَوَّجُوا لِلْمَقُولَةِ بِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ قَدْ وَقَعَ فِي فِعْلِ الْكَذِبِ فِي حَيَاتِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (انْظُرْ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ) وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ كَيْفَ يُطْلَبُ مِنَّا أَنْ نَتَّبِعَ سُنَّةَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ يَكْذِبُ، فَمَا الَّذِي يُدْرِينِي أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ كُلُّهُ يَقَعُ فِي بَابِ الْكَذِبِ أَصْلًا مَا دَامَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ فَعَلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَسَبَ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا الْأَجِلَّاءُ. وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْقُلُونَ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يُصَوِّرُ نَبِيَّ اللَّهِ وَخَلِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَقَعُ فِي فِعْلِ الْكَذِبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يَنْفَكُّوا أَنْ يَقْرَءُوا عَلَى النَّاسِ حَدِيثًا آخَرَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَزْنِي وَقَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ ... وَقَدْ... وَلَكِنْ عِنْدَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ "هَلْ يَكْذِبُ الْمُؤْمِنُ" جَاءَ رَدُّهُ بِالنَّفْيِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ حَسَبَ حَدِيثِهِمُ الثَّانِي لَا يَكْذِبُ، وَهُنَا نَطْرَحُ سُؤَالَنَا نَحْنُ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي: هَلْ فِعْلًا كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُؤْمِنًا عِنْدَمَا وَقَعَ فِي فِعْلِ الْكَذِبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا سَادَتَنَا مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ؟ مَنْ يَدْرِي!!!

تعليقات