home الرئيسية chevron_left الفقه | فقه الزكاة chevron_left

فقه الزكاة - الجزء 2

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available يوليو 06, 2015
محتويات المقال:
    فِقْهُ الزَّكَاةِ – الْجُزْءُ الثَّانِيْ انْتَهَيْنَا فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِتَقْدِيْمِ افْتِرَاءَاتٍ ثَلَاثٍ هِيَ:
    1. أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَالِ كُلِّهِ وَإِنَّمَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَقَطْ.
    2. أَنَّ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ هُوَ الْخُمُسُ مِنْ كُلِّ الْغَنَائِمِ الَّتِيْ يَحْصُلُ عَلَيْهَا الْأَفْرَادُ.
    3. أَنَّ هَذَا الْخُمُسَ يُدْفَعُ "كَضَرِيْبَةٍ" مُسْتَحَقَّةٍ عَلَى الْأَفْرَادِ لِصَالِحِ خَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيْقِ غَايَتَيْنِ رَئِيْسِيَّتَيْنِ هُمَا:
      • السَّيْطَرَةُ عَلَى التَّضَخُّمِ.
      • الْحَدُّ مِنَ الرِّبَا.
    وَسَنُحَاوِلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْجَدِيْدِ مِنَ الْمَقَالَةِ تَبْيَانَ كَيْفِيَّةِ تَحْقِيْقِ هَذَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ. سَائِلِيْنَ اللهَ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا الْحَقَّ الَّذِيْ نَقُوْلُهُ فَلَا نَفْتَرِيْ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ. أَمَّا بَعْدُ،

    بَابُ التَّضَخُّمِ

    رُبَّمَا مِنَ الْعُلُوْمِ عِنْدَ الْجَمِيْعِ أَنَّ أَبْسَطَ تَعْرِيْفٍ لِلتَّضَخُّمِ هُوَ الِارْتِفَاعُ الْمُفْرِطُ فِي الْمُسْتَوَى الْعَامِّ لِلْأَسْعَارِ. وَلَعَلَّ وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ مَضَارِّ التَّضَخُّمِ هُوَ الْكَسَادُ (رُكُوْدُ السُّوْقِ). فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْحَدُّ مِنْ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ مِنْ خِلَالِ دَفْعِ الزَّكَاةِ كَضَرِيْبَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَى الْأَفْرَادِ لِخَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ مِنْ خِلَالِ مَا يَلِيْ:
    1. أَنْ تَكُوْنَ الزَّكَاةُ (الضَّرِيْبَةُ) مُسْتَحَقَّةً فَقَطْ عَلَى الْمَغْنَمِ (أَيِ الرِّبْحِ) وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ.
    2. أَنَّ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ (الضَّرِيْبَةِ) عَلَى هَذَا الْمَغْنَمِ (الرِّبْحِ) هِيَ الْخُمُسُ (20%).
    3. أَنْ تُدْفَعَ الزَّكَاةُ (الضَّرِيْبَةُ) مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْحَصَادِ.
    4. الخ.
    السُّؤَالُ: مَا فَائِدَةُ هَذَا؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ وَاحِدَةً مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِيْ تَجْعَلُ التَّاجِرَ يَزِيْدُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ هِيَ الضَّرِيْبَةُ الْمَفْرُوْضَةُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّوْلَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَخْصِيًّا مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَالِ الَّذِيْ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلِّهِ. فَحَسَبَ الْعُرْفِ التَّقْلِيْدِيِّ الدَّارِجِ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّ التَّاجِرَ مُطَالَبٌ بِدَفْعِ ضَرِيْبَةٍ لِلدَّوْلَةِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ مُطَالَبٌ بِأَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ الْمُتَوَافِرِ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلِّهِ فِي كُلِّ عَامٍ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُؤَدِّيْ ذَلِكَ إِلَى ارْتِفَاعِ مُعَدَّلِ التَّضَخُّمِ وَكَسَادِ السُّوْقِ؟ أَوَّلًا، عِنْدَمَا يَعْلَمُ التَّاجِرُ بِأَنَّ الزَّكَاةَ (كَمَا أَفْهَمَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ) تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَالِ كُلِّهِ، فَهُوَ إِذَنْ سَيُضَاعِفُ فِي سِعْرِ الْبِضَاعَةِ الَّتِيْ يَبِيْعُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ أَضْعَافًا كَثِيْرَةً لِكَيْ يَسُدَّ هَذِهِ الثُّغْرَةَ. فَتَخَيَّلْ أَنَّ تَاجِرًا يَمْلِكُ ثَرْوَةً بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ مَلَايِيْنَ دُوْلَارًا، وَتَخَيَّلْ أَنَّهُ مِنَ الْمُلْتَزِمِيْنَ بِدَفْعِ زَكَاةِ هَذَا الْمَالِ كُلَّ عَامٍ، فَإِنَّهُ سَيُحَاوِلُ بِكُلِّ مَا أُوْتِيَ مِنْ جُهْدٍ أَنْ يَزِيْدَ فِي ثَمَنِ الْبِضَائِعِ الْمَبَاعَةِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ لِتَغْطِيَةِ هَذِهِ التَّكْلِفَةِ اللَّازِمَةِ (بِنَظَرِهِ) عَلَى الْمَالِ الَّذِيْ يَمْلِكُهُ كُلِّهِ (أَيْ زَكَاةِ عَشَرَةِ مَلَايِيْنَ دُوْلَارٍ).
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: يَعْمِدُ التَّاجِرُ إِلَى زِيَادَةِ السِّعْرِ عَلَى الْبِضَاعَةِ الْمَبَاعَةِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ لِيَسُدَّ تَكْلِفَةَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ بِظَنِّهِ عَلَى الْمَالِ كُلِّهِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ. لِذَا كُلَّمَا زَادَتْ ثَرْوَةُ التَّاجِرِ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ، كُلَّمَا زَادَ ثَمَنُ الْبِضَاعَةِ الْمَبَاعَةِ، لِأَنَّهُ سَيُحَاوِلُ كَسْبَ أَكْبَرِ مِقْدَارٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْمَالِ اللَّازِمِ لِإِخْرَاجِ زَكَاةِ ثَرْوَتِهِ كُلِّهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ.
    ثَانِيًا، لَا يَنْسَى التَّاجِرُ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ أَيْضًا الضَّرِيْبَةَ الْمُقَرَّرَةَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّوْلَةِ، لِذَا سَيَزِيْدُ الْأَسْعَارَ لِلْبِضَاعَةِ الْمَبَاعَةِ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ فِي ذَلِكَ الْعَامِ لِيَسُدَّ هَذِهِ الثُّغْرَةَ أَيْضًا. ثَالِثًا، لَنْ يَنْسَى التَّاجِرُ أَنْ يَزِيْدَ فِي الْأَسْعَارِ لِيَسُدَّ مُتَطَلَّبَاتِ الشُّغْلِ مِنَ الْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ كَأُجْرَةِ الْمَاءِ وَالْكَهْرَبَاءِ وَالْإِيْجَارِ وَالْعِمَالَةِ. رَابِعًا، لَنْ يَتَهَاوَنَ التَّاجِرُ فَوْقَ هَذَا كُلِّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَضْمَنَ هَامِشًا جَيِّدًا مِنَ الرِّبْحِ لِيَزِيْدَ مِنْ ثَرْوَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ هُوَ نَفْسُهُ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: عِنْدَ حِسْبَةِ هَذِهِ التَّكَالِيْفِ مُجْتَمِعَةً (الزَّكَاةُ وَالضَّرِيْبَةُ وَتَكْلِفَةُ الْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالرِّبْحِ الشَّخْصِيِّ)، سَيَعْمِدُ التَّاجِرُ لَا مَحَالَةَ إِلَى رَفْعِ أَثْمَانِ الْبِضَاعَةِ الَّتِيْ لَدَيْهِ بِشَكْلٍ كَبِيْرٍ جِدًّا. وَهُوَ مَا يُسَبِّبُ التَّضَخُّمَ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ. وَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ عَلَى الْقُدْرَةِ الشِّرَائِيَّةِ لِلزَّبُوْنِ، وَبِالتَّالِيْ عَلَى التَّاجِرِ نَفْسِهِ فِي الْأَعْوَامِ اللَّاحِقَةِ.
    وَلَمَّا كَانَتِ الْمُعَادَلَةُ السُّوْقِيَّةُ سَهْلَةً تَتَمَثَّلُ بِأَنَّهُ كُلَّمَا ارْتَفَعَتْ أَثْمَانُ السِّلَعِ، كُلَّمَا قَلَّتِ الْقُدْرَةُ الشِّرَائِيَّةُ لِلنَّاسِ، وَبِالتَّالِيْ انْعَكَسَتْ سَلْبًا عَلَى التَّاجِرِ مَعَ تَوَالِي الْأَيَّامِ. الْأَمْرُ الَّذِيْ سَيُؤَدِّيْ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ إِلَى الرُّكُوْدِ الِاقْتِصَادِيِّ لِلْبَلَدِ بِأَكْمَلِهِ، فَإِنَّ إِلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالْجَمِيْعِ (التَّاجِرِ وَالدَّوْلَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ) يُصْبِحُ أَمْرًا وَاقِعًا لَا فِرَارَ مِنْهُ. السُّؤَالُ: مَا الْبَدِيْلُ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ضَمَانُ الدَّيْمُوْمَةِ وَالِانْتِعَاشِ الِاقْتِصَادِيِّ الدَّائِمِ فِي الْبَلَدِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: سَنُحَاوِلُ فِي السُّطُوْرِ التَّالِيَةِ تَقْدِيْمَ الْبَدِيْلِ الَّذِيْ نَظُنُّ أَنَّهُ سَيَكُوْنُ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً عَلَى الِاقْتِصَادِ الْكُلِّيِّ لِلْبَلَدِ، وَبِالتَّالِيْ دَيْمُوْمَةِ الِانْتِعَاشِ الِاقْتِصَادِيِّ لِلْبَلَدِ، الْأَمْرُ الَّذِيْ سَيَكُوْنُ لَهُ انْعِكَاسَاتٌ إِيْجَابِيَّةٌ عَلَى الْجَمِيْعِ: التَّاجِرِ وَالدَّوْلَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ.
    أَمَّا بَعْدُ،
    بِدَايَةً، نَحْنُ نَفْتَرِيْ الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ عَلَى الْمَالِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. انْتَهَى.
    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (لَا تُصَدِّقُوْهُ إِنْ شِئْتُمْ): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيْمَا غَنِمَ الشَّخْصُ فَقَطْ وَلَا تُدْفَعُ عَلَى الْمَالِ كُلِّهِ.
    مِثَالٌ: لَوْ كُنْتَ أَنْتَ تَاجِرًا تَمْلِكُ ثَرْوَةً بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ مَلَايِيْنَ دُوْلَارٍ، فَإِنَّ مِنَ الْبَدِيْهِيِّ أَنْ تَكُوْنَ هَذِهِ الثَّرْوَةُ قَدْ تَحَصَّلَتْ لَكَ بَعْدَ أَنْ قُمْتَ بِدَفْعِ زَكَاةِ الْمَالِ عَلَى مَا غَنِمْتَ مِنْهَا تَبَاعًا. فَأَنْتَ – لَا شَكَّ- قَدْ دَفَعْتَ زَكَاتَهَا عِنْدَمَا كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ مِئَاتٍ مِنَ الدُّوْلَارَاتِ، وَدَفَعْتَ زَكَاتَهَا عِنْدَمَا أَصْبَحَتِ الْآلَافَ فِي الْعَامِ الَّذِيْ يَلِيْهِ، وَدَفَعْتَ زَكَاتَهَا عِنْدَمَا أَصْبَحَتْ مَلَايِيْنَ فِي الْأَعْوَامِ التَّالِيَةِ، وَهَكَذَا. لِذَا فَإِنَّ كُلَّ مَا تَرَاكَمَ فِي يَدِكَ مِنْ ثَرْوَةٍ عَلَى مَدَارِ الْأَعْوَامِ الْمُتَتَالِيَةِ قَدْ دَفَعْتَ زَكَاتَهَا فِي حِيْنِهَا. فَالْعَشَرَةُ مَلَايِيْنَ مِنَ الدُّوْلَارَاتِ الْمُتَوَافِرَةِ الْآنَ فِي يَدِكَ هِيَ فِي الْحَقِيْقَةِ أَمْوَالٌ قَدْ تَمَّ تَزْكِيَتُهَا فِي حِيْنِهَا. فَلَا دَاعِيَ إِذَنْ أَنْ تُعِيْدَ تَزْكِيَتَهَا كُلَّهَا فِي كُلِّ عَامٍ. وَكُلُّ مَا يَتَوَجَّبُ عَلَيْكَ دَفْعُ زَكَاتِهِ فِي هَذَا الْعَامِ هُوَ – بِرَأْيِنَا- مَا تَحَصَّلَ لَكَ مِنْ غَنِيْمَةٍ فِي الْعَامِ نَفْسِهِ. فَلَوْ تَخَيَّلْنَا أَنَّ رِبْحَ هَذَا التَّاجِرِ الَّذِيْ طُرِحَ فِي السُّوْقِ عَشَرَةَ مَلَايِيْنَ دِيْنَارٍ هُوَ مِلْيُوْنَانِ اثْنَانِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي هَذَا الرِّبْحِ فَقَطْ (مَا غَنِمَ). أَيْ يَتَوَجَّبُ عَلَيْكَ أَنْ تُزَكِّيَ الْمِلْيُوْنَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحَصَّلَا لَكَ فِي هَذَا الْعَامِ فَقَطْ. وَلَا يَتَوَجَّبُ عَلَيْكَ أَنْ تُزَكِّيَ ثَرْوَتَكَ كُلَّهَا الَّتِيْ أَصْبَحَتِ الْآنَ اثْنَا عَشَرَ مِلْيُوْنًا. ثَانِيًا، لَمَّا كَانَتِ الزَّكَاةُ وَاجِبَةً عَلَى مَا غَنِمْتَ فِي عَامِكَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَتَوَجَّبُ عَلَيْكَ أَنْ تَدْفَعَهَا بِمِقْدَارِ الْخُمُسِ (أَيْ 20%):
    وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال: 41]
    فَلَوْ أَنَّ غَنِيْمَتَكَ فِي هَذَا الْعَامِ كَانَتْ مِلْيُوْنَيْنِ مِنَ الدُّوْلَارَاتِ، فَعَلَيْكَ إِذَنْ أَنْ تُخْرِجَ زَكَاةً بِمِقْدَارِ (2000000 X 20/100 = 400000). فَأَنْتَ إِذَنْ مُطَالَبٌ أَنْ تُخْرِجَ الْخُمُسَ مِنَ الرِّبْحِ وَهِيَ أَرْبَعُ مِئَةِ أَلْفٍ فَقَطْ الْوَاجِبَةِ الْآنَ فِي غَنِيْمَتِكَ لِهَذَا الْعَامِ (أَيْ 2 مِلْيُوْنٍ)، لِيَتَبَقَّى فِي جَيْبِكَ مِلْيُوْنًا وَسِتُّ مِئَةِ أَلْفٍ، وَلَا حَاجَةَ أَنْ تُزَكِّيَ الْمَالَ كُلَّهُ الَّذِيْ أَصْبَحَ الْآنَ (12 مِلْيُوْنًا). إِنَّ أَوَّلَ النَّتَائِجِ الْإِيْجَابِيَّةِ لِهَذَا الِافْتِرَاءِ هُوَ أَنَّ التَّاجِرَ لَنْ يَحْتَاجَ أَنْ يَزِيْدَ ثَمَنَ السِّلَعِ الْمَطْرُوْحَةِ فِي السُّوْقِ لِيَسُدَّ حَاجَتَهُ لِتَزْكِيَةِ 12 مِلْيُوْنًا (أَيْ كُلَّ مَالِهِ الْآنَ) وَإِنَّمَا فَقَطْ زَكَاةَ 2 مِلْيُوْنٍ (وَهُوَ مَا غَنِمَهُ فِي هَذَا الْعَامِ). وَبِالتَّالِيْ لَنْ يَحْتَاجَ أَنْ يُضَاعِفَ الرِّبْحَ أَضْعَافًا كَثِيْرَةً. وَالْأَهَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ ظَنُّنَا بِأَنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ هُوَ مَا يَتَوَجَّبُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ إِنْفَاقُهُ زَكَاةً لِأَمْوَالِهِ كُلِّهَا يُقَدِّمُهُ عَلَى شَكْلِ ضَرِيْبَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِيْنَ (أَيْ لِخَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ). فَهَذَا الْمَبْلَغُ الَّذِيْ يَدْفَعُهُ زَكَاةً لِمَا غَنِمَ هُوَ فِي الْحَقِيْقَةِ ضَرِيْبَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ لِخَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ، فَلَا يُوَزِّعُهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ مَعَارِفِهِ. لِذَا، فَإِنَّ مِنْ أَبْسَطِ أَبْجَدِيَّاتِ هَذَا التَّفْكِيْرِ (رُبَّمَا الْخَاطِئِ) هُوَ أَنَّ التَّاجِرَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَدْفَعَ ضَرِيْبَةً لِلدَّوْلَةِ ثُمَّ يَقُوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَزْكِيَةِ مَالِهِ بِنَفْسِهِ. فَالضَّرِيْبَةُ الْمَدْفُوْعَةُ لِلدَّوْلَةِ هِيَ زَكَاةُ الْمَالِ. انْتَهَى. لَكِنَّ التَّطْبِيْقَ الْحَالِيَّ السَّائِدَ (فِيْمَا يُسَمَّى بِبِلَادِ الْمُسْلِمِيْنَ زُوْرًا وَبُهْتَانًا) هُوَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يُقَدِّمُ الزَّكَاةَ عَلَى مَالِهِ كُلِّهِ فِي كُلِّ عَامٍ، وَهُوَ يُقَدِّمُ أَيْضًا ضَرِيْبَةً لِلدَّوْلَةِ عَلَى الْمَالِ الَّذِيْ كَسَبَهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَتُصْبِحُ الْفَاتُوْرَةُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ مُرْتَفِعَةً جِدًّا. وَهَذِهِ الْفَاتُوْرَةُ الْعَالِيَةُ هِيَ مَا يُحَاوِلُ صَاحِبُ الْمَالِ تَحْصِيْلَهَا مِنَ النَّاسِ عَنْ طَرِيْقِ الرَّفْعِ الْمُفْرِطِ لِأَثْمَانِ الْبِضَائِعِ عِنْدَهُ. وَسَنَرَى لَاحِقًا بِحَوْلِ اللهِ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ هُوَ مَا يُوْقِعُهُ فِي فِعْلِ الرِّبَا نَفْسِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبَا (كَمَا حَاوَلْنَا تَسْوِيْقَهُ فِي الْجُزْءِ السَّابِقِ وَكَمَا سَنُحَاوِلُ تَفْصِيْلَهُ فِي الْجُزْءِ اللَّاحِقِ) هُوَ زِيَادَةُ الثَّمَنِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً. فَبَدَلَ أَنْ يَكُوْنَ ثَمَنًا لِلْبِضَاعَةِ يُصْبِحُ سِعْرًا لِلْبِضَاعَةِ. وَشَتَّانَ شَتَّانَ (نَحْنُ نَفْتَرِيْ الظَّنَّ) بَيْنَ الثَّمَنِ مِنْ جِهَةٍ (وَهُوَ حَلَالٌ) وَالسِّعْرِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (وَهُوَ حَرَامٌ) كَمَا سَنَرَى لَاحِقًا إِنْ شَاءَ اللهُ. وَرُبَّمَا لَا يَقِلُّ خُطُوْرَةً عَنْ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ الضَّرِيْبَةَ الَّتِيْ تَفْرِضُهَا الدَّوْلَةُ الْمَدَنِيَّةُ الْحَالِيَّةُ هِيَ ضَرِيْبَةٌ تَصَاعُدِيَّةٌ تَزِيْدُ نِسْبَتُهَا بِمِقْدَارِ زِيَادَةِ كَمِّيَّةِ الْمَالِ الْوَاجِبِ فِيْهِ الضَّرِيْبَةُ، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيْحِيِّ التَّالِيْ:
    كَمِّيَّةُ الرِّبْحِ نِسْبَةُ الضَّرِيْبَةِ الْمِقْدَارُ الْمُتَرَتِّبُ
    1000000 10% 100000
    2000000 20% 400000
    3000000 30% 900000
    4000000 40% 1600000
    5000000 50% 2500000
    إِنَّ مَا يَهُمُّنَا طَرْحُهُ هُوَ أَنَّهُ (حَسَبَ الْعُرْفِ السَّائِدِ) كُلَّمَا زَادَ الرِّبْحُ، زَادَتِ الضَّرِيْبَةُ الْمَفْرُوْضَةُ مِنْ قِبَلِ الدَّوْلَةِ عَلَى التَّاجِرِ، فَالْتَّاجِرُ الَّذِيْ يَرْبَحُ مِلْيُوْنَ دُوْلَارٍ، يُطْلَبُ مِنْهُ دَفْعُ 100000 كَضَرِيْبَةٍ لِلدَّوْلَةِ لِيَتَبَقَّى فِي جَيْبِهِ 900000، أَيْ حِصَّةٌ لِلدَّوْلَةِ وَتِسْعَةُ حِصَصٍ لَهُ. لَكِنَّ التَّاجِرَ الَّذِيْ يَرْبَحُ خَمْسَةَ مَلَايِيْنَ سَيَدْفَعُ نِصْفَهَا لِلدَّوْلَةِ، فَهُوَ سَيَبْذُلُ جُهْدًا كَبِيْرًا جِدًّا لِتَحْصِيْلِ هَذِهِ الثَّرْوَةِ الْكَبِيْرَةِ الَّتِيْ سَيَنْتَهِيْ مُعْظَمُهَا فِي خَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا السُّلُوْكِ مِنْ قِبَلِ الْحُكُوْمَاتِ هُوَ سُلُوْكٌ جَشِعٌ، لَا يَرْضَى بِهِ (نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ) الشَّرْعُ الَّذِيْ نَفْهَمُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ هُوَ حَقٌّ مَعْلُوْمٌ، أَيْ مُحَدَّدٌ ثَابِتٌ لَا يُمْكِنُ التَّلَاعُبُ فِيْهِ:
    وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ [المعارج: 24]
    وَهَذَا الْحَقُّ (كَمَا نَفْهَمُهُ) قَدْ تَقَرَّرَ مِقْدَارُهُ بِالْخُمُسِ مِنَ الْمَغَانِمِ (أَيْ 20%)، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
    وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال: 41]
    فَمَهْمَا تَضَاعَفَتِ الثَّرْوَةُ بِيَدِ أَصْحَابِهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلدَّوْلَةِ حَقٌّ إِلَّا مَا نِسْبَتُهُ الْخُمُسُ (أَيْ 20%). وَرُبَّمَا تَكُوْنُ وَاحِدَةً مِنَ الِانْعِكَاسَاتِ الْإِيْجَابِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ لِهَذَا الْفَهْمِ هُوَ لَجْمُ سَطْوَةِ الدَّوْلَةِ وَضَمَانُ عَدَمِ تَغَوُّلِهَا عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. فَلَيْسَ لِلدَّوْلَةِ أَنْ تَسُنَّ التَّشْرِيْعَاتِ وَالْقَوَانِيْنَ الَّتِيْ تُثْقِلُ كَاهِلَ النَّاسِ بِالضَّرَائِبِ تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلَّمَا رَغِبَتْ فِي ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِيْ لَهَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ هُوَ الْخُمُسُ مِنَ الْمَغَانِمِ وَلَا شَيْءَ غَيْرَ ذَلِكَ. انْتَهَى.
    وَلَعَلَّ وَاحِدَةً مِنَ الِانْعِكَاسَاتِ الْإِيْجَابِيَّةِ الْأُخْرَى هُوَ ضَمَانُ مُشَارَكَةِ الْجَمِيْعِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ (الضَّرَائِبِ)، فَالضَّرِيْبَةُ تُؤْخَذُ مِنَ الْجَمِيْعِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حَجْمِ الثَّرْوَةِ الْمُتَوَافِرَةِ بَيْنَ يَدَيِ الشَّخْصِ، فَالْكُلُّ يُسَاهِمُ بِالضَّرِيْبَةِ لِخَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ بِمِقْدَارِ مَا لَدَيْهِ مِنْ مَالٍ. فَمَنْ غَنِمَ مِئَةَ دُوْلَارٍ فَهُوَ يَدْفَعُ مِنْهَا عِشْرِيْنَ دُوْلَارًا، وَمَنْ غَنِمَ أَلْفًا يَدْفَعُ مِئَتَيْنِ، وَمَنْ غَنِمَ مِلْيُوْنًا يَدْفَعُ مِئَتَيْ أَلْفٍ، وَهَكَذَا. وَلَمَّا كَانَ هَذَا حَقًّا مَفْرُوْضًا، فَإِنَّ الْجَمِيْعَ مُكَلَّفٌ بِهِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مِقْدَارِ الْغَنِيْمَةِ الَّتِيْ يَتَحَصَّلُوْنَ عَلَيْهَا. لِيَكُوْنَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوْحُ هُوَ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيْعِ دَفْعُ الزَّكَاةِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مِقْدَارِ الْغَنِيْمَةِ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الِافْتِرَاءَ (رُبَّمَا الْخَاطِئَ) يَسُدُّ لَا مَحَالَةَ عَمَلِيَّاتِ التَّهَرُّبِ غَيْرِ الْمَشْرُوْعَةِ مِنْ قِبَلِ الْجَمِيْعِ.
    السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا عَرَفَ النَّاسُ (بِمَا أَفْهَمَهُ إِيَّاهُمْ أَهْلُ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ) بِأَنَّ الزَّكَاةَ يَدْفَعُهَا فَقَطْ الْغَنِيُّ، فَقَدْ فُتِحَ الْبَابُ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لِيَتَعَذَّرَ الْجَمِيْعُ بِعَدَمِ الْغِنَى. فَمَنْ كَانَ فِي جَيْبِهِ عَشْرَةُ الْآلَافِ مِنَ الدُّوْلَارَاتِ وَلَا يُرِيْدُ دَفْعَ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ يَعْمِدُ عَلَى الْفَوْرِ إِلَى شِرَاءِ مُصَاغٍ ذَهَبِيٍّ لِزَوْجَتِهِ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ، فَلَا يُبْقِيْ فِي جَيْبِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ حَسَبَ ظَنِّهِ. وَمَنْ كَانَ فِي جَيْبِهِ خَمْسِيْنَ أَلْفًا، فَإِنَّهُ سَيَشْتَرِيْ لِنَفْسِهِ سَيَّارَةً فَارِهَةً، وَلَا يُبْقِيْ فِي جَيْبِهِ مَالًا يَتَزَكَّى حَسَبَ مُعْتَقَدِهِ، وَمَنْ كَانَ فِي جَيْبِهِ مِئَةَ أَلْفٍ، فَإِنَّهُ سَيَعْمِدُ إِلَى بِنَاءِ بَيْتٍ وَاسِعٍ، وَيُؤَثِّثُهُ بِأَحْدَثِ الْمَارْكَاتِ التِّجَارِيَّةِ، فَلَا يُبْقِيْ فِي جَيْبِهِ مَالًا يَتَزَكَّى، لَا بَلْ وَرُبَّمَا يَسْتَدِيْنُ فَوْقَ ذَلِكَ لِإِكْمَالِ مَشْرُوْعِ بَيْتِهِ عَلَى أَحْسَنِ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَيْتُ، وَرُبَّمَا يُصْبِحُ بَعْدَهَا مِنَ الْغَارِمِيْنَ. وَمَنْ كَانَ فِي جَيْبِهِ الْمَلَايِيْنُ، فَإِنَّهُ سَيَشْتَرِيْ عَقَارَاتٍ (أَمْوَالٌ غَيْرُ مَنْقُوْلَةٍ) كَثِيْرَةً ظَانًّا أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَا تَقَعُ فِيْهَا الزَّكَاةُ، وَهَكَذَا.
    إِنَّ مَا نَوَدُّ أَنْ نُثِيْرَهُ هُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ أَنْ يُخْرِجَ الْخُمُسَ مِنْ كُلِّ مَا غَنِمَ، وَلَا يَحِقُّ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْمَالِ مَهْمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ قَبْلَ إِخْرَاجِ زَكَاتِهِ. وَلَكِنْ مَا أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ هَذَا الْمَالِ (الْغَنِيْمَةِ) حَتَّى يَحِقَّ لَهُ حِيْنَئِذٍ أَنْ يُنْفِقَهُ كَيْفَمَا شَاءَ، سَوَاءً اشْتَرَى لِزَوْجَتِهِ مُصَاغًا ذَهَبِيًّا، أَوْ لِنَفْسِهِ سَيَّارَةً فَارِهَةً، أَوْ لِعَائِلَتِهِ بَيْتًا فَاخِرًا، أَوْ لِأَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَقَارَاتٍ وَأَمْوَالًا غَيْرَ مَنْقُوْلَةٍ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَا يَحِقُّ لِأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَيِّ مَغْنَمٍ يُصِيْبُهُ (حَتَّى وَإِنْ كَانَ رَاتِبَهُ الشَّهْرِيَّ) قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهُ مَهْمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. انْتَهَى.

    عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ

    لِذَا، فَإِنَّ الْبَدِيْلَ الَّذِيْ نَطْرَحُهُ يَتَمَثَّلُ فِي أَنْ يَعْمِدَ التَّاجِرُ (كُلُّ تَاجِرٍ) إِلَى تَقْلِيْلِ هَامِشِ الرِّبْحِ إِلَى أَدْنَى حَدٍّ مُمْكِنٍ، وَذَلِكَ لِكَيْ يُقَلِّلَ مِنْ كَمِّيَّةِ الضَّرِيْبَةِ الْمَفْرُوْضَةِ عَلَيْهِ (الزَّكَاةِ)، وَيَضْمَنَ بِالتَّالِيْ اسْتِمْرَارِيَّةَ الِانْتِعَاشِ الِاقْتِصَادِيِّ لِتِجَارَتِهِ مَعَ تَوَالِي السِّنِيْنَ. فَالْتَّاجِرُ الْمُؤْمِنُ بِرَبِّهِ سَيُفَضِّلُ أَنْ تَبْقَى الثَّرْوَةُ فِي أَيْدِيْ النَّاسِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ أَيْدِيْهِمْ وَيَدْفَعَ بِجُلِّهَا فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ لِخَزِيْنَةِ الدَّوْلَةِ. وَهَذَا الْأَمْرُ سَيَكُوْنُ لَهُ بِكُلِّ تَأْكِيْدٍ تَبِعَاتٌ إِيْجَابِيَّةٌ عَلَى حَرَكَةِ السُّوْقِ، فَهُوَ الَّذِيْ سَيَضْمَنُ دَيْمُوْمَةَ الْقُوَّةِ الشِّرَائِيَّةِ لِلنَّاسِ، وَبِالتَّالِيْ اسْتِمْرَارِيَّةَ التِّجَارَةِ عَلَى مَدَى الْأَعْوَامِ اللَّاحِقَةِ.

    بَابُ الْأَسْعَارِ

    السُّؤَالُ: لِمَاذَا تُسَمَّى أَثْمَانُ الْبِضَائِعِ فِي السُّوْقِ بِالْأَسْعَارِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُفْرَدَةَ الْأَسْعَارِ الدَّارِجَةِ حَالِيًّا فِي الْأَسْوَاقِ قَدْ جَاءَتْ مِنْ مُفْرَدَةِ التَّسْعِيْرِ الَّتِيْ تَرِدُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [التكوير: 12]
    فَمَا مَعْنَى تَسْعِيْرِ الْجَحِيْمِ؟ أَوْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْجَحِيْمِ أَنْ تُسَعَّرَ؟
    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّ الْجَحِيْمَ هِيَ نَارٌ مُلْتَهِبَةٌ، لَكِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْبُتَ، فَعَمَلِيَّةُ تَسْعِيْرِ هَذِهِ الْجَحِيْمِ (النَّارِ) مَتَى خَبَتَتْ، تَتَمَثَّلُ فِي زِيَادَةِ دَرَجَةِ حَرَارَتِهَا مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ، فَالنَّارُ إِذَنْ يُمْكِنُ أَنْ تَخْبُتَ، وَلَكِنْ مَا أَنْ تَخْبُتَ تِلْكَ النَّارُ حَتَّى يَتِمَّ زِيَادَةُ دَرَجَةِ حَرَارَتِهَا بِعَمَلِيَّةِ تَسْعِيْرِهَا مِنْ جَدِيْدٍ. فَعَمَلِيَّةُ التَّسْعِيْرِ تَتَطَلَّبُ الزِّيَادَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِعْلَ الزِّيَادَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ لِلتَّسْعِيْرِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
    وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: 97]
    لِنَخْلُصَ مِنْ خِلَالِ هَذَا النِّقَاشِ إِلَى أَنَّ تَسْعِيْرَ النَّارِ هُوَ عَمَلِيَّةُ زِيَادَةٍ كَبِيْرَةٍ فِي دَرَجَةِ حَرَارَتِهَا (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) بَعْدَ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ خَبَتَتْ. وَهَذَا بِرَأْيِنَا مَا يَحْدُثُ فِي التِّجَارَةِ عِنْدَمَا تُسَعَّرُ تِلْكَ الْبِضَائِعُ، أَيْ عِنْدَمَا تُزَادُ أَثْمَانُهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً بِفِعْلٍ مَقْصُوْدٍ لِذَاتِهِ. الْأَمْرُ الَّذِيْ يَنْتَهِيْ بِهَا أَنْ تَخْرُجَ عَنْ نِطَاقِ الْبَيْعِ (الثَّمَنِ الْحَقِيْقِيِّ) لِتَقَعَ فِي بَابِ الرِّبَا (الزِّيَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ فِي الثَّمَنِ، أَيِ السِّعْرِ)، بِدَلِيْلِ أَنَّ الرِّبَا هُوَ الْمُضَاعَفَةُ الْكَثِيْرَةُ فِي الثَّمَنِ لِلسِّلْعَةِ. وَهُوَ مَا سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ فِي الْأَبْوَابِ الْقَادِمَةِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَالْمَقَالَاتِ التَّالِيَةِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيْلِ بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيْقِهِ.
    أَمَّا الْآنَ فَدَعْنَا نَطْرَحُ قَضِيَّةً نَظُنُّ أَنَّهَا مُهِمَّةٌ جِدًّا فِي الْفِكْرِ الدِّيْنِيِّ يَتَأَثَّرُ بِهَا النَّاسُ كَثِيْرًا نَتِيْجَةَ التَّطْبِيْقِ الَّذِيْ نَظُنُّ أَنَّهُ خَاطِئٌ لِلشَّرَائِعِ الدِّيْنِيَّةِ وَخَاصَّةً الزَّكَاةَ وَالصَّدَقَاتِ. أَمَّا بَعْدُ، كَثِيْرٌ مَا يَعْمِدُ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ وَالثَّرَوَاتِ الضَّخْمَةِ إِلَى إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ بِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ يَقُوْمُوْنَ بِتَوْزِيْعِهَا وَإِنْفَاقِهَا كُلٌّ بِطَرِيْقَتِهِ الْخَاصَّةِ. فَنَجِدُ أَنَّ كَثِيْرًا مِنْهُمْ مَثَلًا يَرْصُدُ مَبَالِغَ طَائِلَةً مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَدُوْرِ الْعِبَادَةِ. لِيَكُوْنَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوْحُ هُوَ: هَلْ يَجُوْزُ هَذَا؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِيْ الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ هَذَا سُلُوْكٌ خَاطِئٌ لَا يَمُتُّ إِلَى الشَّرِيْعَةِ بِصِلَةٍ. فَلَا يَجُوْزُ (نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ رُبَّمَا مُخْطِئِيْنَ) أَنْ تُبْنَى الْمَسَاجِدُ أَوْ أَنْ يَتِمَّ الْإِنْفَاقُ عَلَى دُوْرِ الْعِبَادَةِ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ. انْتَهَى.
    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
    رَأْيُنَا: لَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةَ الْخَاصَّةَ بِإِنْفَاقِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تُحَدِّدُ بِالضَّبْطِ الْفِئَاتِ الْمُسْتَهْدَفَةَ مِنْ ذَلِكَ وَهُمْ مَنْ جَاءَ ذِكْرُهُمْ بِالتَّفْصِيْلِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال: 41]
    إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 60]
    فَهَذِهِ هِيَ الْفِئَاتُ الَّتِيْ يَجِبُ أَنْ تُسْتَهْدَفَ عِنْدَ تَوْزِيْعِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَقْبَلَ بِغَيْرِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ حَقٌّ مَعْلُوْمٌ لِهَذِهِ الْفِئَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيْدِ.
    فَصَاحِبُ الْمَالِ الَّذِيْ يَقُوْمُ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ يَقُوْمُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى دُوْرِ الْعِبَادَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ (أَيِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ) هُوَ يَتَصَرَّفُ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوْقِ غَيْرِهِ. فَلَيْسَ لَهُ حُرِّيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي هَذَا الْمَالِ (أَيْ زَكَاةِ مَالِهِ) بِالطَّرِيْقَةِ الَّتِيْ يُرِيْدُهَا هُوَ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ (وَإِنْ كَانَ قَدْ خَرَجَ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ أَصْلًا) إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ حَقًّا مُكْتَسَبًا لِغَيْرِهِ:
    وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: 19]
    وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ [المعارج: 24] لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج: 25]
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): نَحْنُ نَفْتَرِيْ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ لِلزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ هُوَ حَقٌّ مَعْلُوْمٌ، أَيْ مُحَدَّدٌ نِسْبَتُهُ، فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): نَحْنُ نَفْتَرِيْ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَالَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ هُوَ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوْمِ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (3): نَحْنُ نَفْتَرِيْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مَا دَامَ مَالُ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوْمِ، فَلَا يَجُوْزُ لِلَّذِيْ أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيْهِ كَيْفَمَا شَاءَ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (4): نَحْنُ نَفْتَرِيْ الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ مَا دَامَ مَالُ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوْمِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى تَوْزِيْعِهِ هِيَ الدَّوْلَةُ وَلَيْسَ الشَّخْصُ نَفْسُهُ.
    السُّؤَالُ: مَا الَّذِيْ يَحْصُلُ لَوْ أَنَّهُ بَنَى مَسْجِدًا بِهَذَا الْمَالِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: أَوَّلًا، نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْأَجْرَ الَّذِيْ يَتَحَصَّلُ مِنْ بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ هُوَ مِنْ نَصِيْبِ أَصْحَابِ الْمَالِ الْحَقِيْقِيِّيْنَ وَهُمُ الْفِئَاتُ الْمُسْتَهْدَفَةُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ قَدْ بُنِيَ مِنْ مَالِهِمْ وَلَيْسَ مِنْ مَالِ الْغَنِيِّ (كَزَكَاةٍ وَصَدَقَاتٍ). فَالْمَالُ الَّذِيْ خَرَجَ زَكَاةً لِمَالِ الْغَنِيِّ هُوَ حَقٌّ لِهَؤُلَاءِ وَلَيْسَ لِلْغَنِيِّ نَفْسِهِ.
    ثَانِيًا، نَحْنُ نَفْتَرِيْ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَالَ الْغَنِيِّ الَّذِيْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَنَى الْمَسْجِدَ لَمْ يُطَهَّرْ بَعْدُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدَّمْ لِأَصْحَابِهِ الْحَقِيْقِيِّيْنَ. فَهُمْ مَنْ لَهُمُ الْحَقُّ فِي إِنْفَاقِهِ بِالطَّرِيْقَةِ الَّتِيْ يَرَوْنَهَا مُنَاسِبَةً.
    ثَالِثًا، نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يُعِيْدَ إِخْرَاجَ زَكَاةِ مَالِهِ وَإِيْصَالَهَا إِلَى أَصْحَابِهَا الْحَقِيْقِيِّيْنَ، خُصُوْصًا إِذَا لَمْ يُوَافِقْ هَؤُلَاءِ عَلَى فِكْرَةِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ بِأَمْوَالِهِمُ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ. فَالزَّكَاةُ تُدْفَعُ لِلدَّوْلَةِ كَضَرِيْبَةٍ وَهِيَ صَاحِبَةُ الْوِلَايَةِ فِي إِنْفَاقِهِ، وَالصَّدَقَاتُ تُعْطَى لِلْفِئَاتِ الثَّمَانِيَةِ الْمَنْصُوْصِ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْوِلَايَةِ فِي طَرِيْقَةِ إِنْفَاقِهِ. انْتَهَى.
    وَهَذَا الظَّنُّ لَا يَنْطَبِقُ فَقَطْ عَلَى إِنْفَاقِ مَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ أَوْ إِنْفَاقِهِ عَلَى دُوْرِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا فِي كُلِّ مَا يُسَمَّى أَيْضًا بِالْأَعْمَالِ الْخَيْرِيَّةِ. فَلُبُّ الْقَوْلِ هُوَ ضَرُوْرَةُ أَنْ يَصِلَ الْمَالُ إِلَى أَيْدِيْ مُسْتَحِقِّيْهِ مِنَ الْفِئَاتِ الْمَنْصُوْصِ عَلَيْهِمْ صَرَاحَةً فِي كِتَابِ اللهِ. السُّؤَالُ: لِمَاذَا تَتَحَمَّلُ الدَّوْلَةُ مَسْؤُوْلِيَّةَ تَوْزِيْعِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَعُوْدُ إِلَى ضَمَانِ مَبْدَأِ الْعَدَالَةِ فِي التَّوْزِيْعِ.
    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّهُ عِنْدَمَا يَقُوْمُ الْأَشْخَاصُ بِتَوْزِيْعِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ مَبْدَأَ الْعَدَالَةِ يَنْتَفِيْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْزِيْعَ لَا يَكُوْنُ عَلَى أَسَاسِ حَوَائِجِ النَّاسِ الْمُتَبَايِنَةِ، فَالْعَوَامِلُ الَّتِيْ يَأْخُذُهَا صَاحِبُ الْمَالِ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ تَوْزِيْعِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ بِنَفْسِهِ تَشْمَلُ دَرَجَةَ الْقَرَابَةِ الْعَائِلِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الشَّخْصِ صَاحِبِ الْمَالِ بِأَحْوَالِ مَنْ هُمْ حَوْلَهُ، وَهَكَذَا. كَمَا قَدْ لَا يُسْتَبْعَدُ الْبُعْدُ الشَّخْصِيُّ مِنْ ذَلِكَ، فَكَثِيْرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ فِي بَلَدِنَا الَّذِيْ أَعْرِفُ جُزْءًا كَبِيْرًا مِنْ سُلُوْكِ أَفْرَادِهِ، يَقُوْمُوْنَ بِتَوْزِيْعِ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ وَصَدَقَاتِهِمْ عَلَى أُنَاسٍ مُحَدَّدِيْنَ وَذَلِكَ لِاعْتِبَارَاتٍ شَخْصِيَّةٍ رُبَّمَا يَسْتَفِيْدُ الْمُنْفِقُ شَخْصِيًّا مِنْهَا لَاحِقًا. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَالِ السِّيَاسِيِّ الْقَذِرِ الَّذِيْ يُنْفِقُهُ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى شَكْلِ زَكَاةٍ وَصَدَقَاتٍ لِأَغْرَاضٍ انْتِخَابِيَّةٍ قَدْ تُوْصِلُ صَاحِبَ هَذَا الْمَالِ إِلَى الْمَنْصِبِ السِّيَاسِيِّ. فَكَثِيْرًا مَا يَعْمِدُ بَعْضُ الْأَغْنِيَاءِ إِلَى تَوْزِيْعِ زَكَاتِهِمْ فِي دَوَائِرِهِمُ الِانْتِخَابِيَّةِ وَكَأَنَّهَا دِعَايَةٌ شَعْبِيَّةٌ لِهَذَا "التَّقِيِّ الْوَرِعِ" قَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيْلَةٍ مِنْ تَرَشُّحِهِ لِلْبَرْلَمَانِ أَوْ لِأَيِّ مَنْصِبٍ سِيَاسِيٍّ آخَرَ. أَوْ رُبَّمَا قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيْلَةٍ مِنْ لُبْسِهِ الثَّوْبَ الْقَصِيْرَ وَإِطَالَةِ لِحْيَتِهِ وَحَفِّ شَارِبِهِ، فَيُبَيِّنُ لِلنَّاسِ تَقْوَى وَوَرَعَ هَذَا الْغَنِيِّ. فَهُوَ يَتَصَرَّفُ وَكَأَنَّ الْمَالَ الَّذِيْ يُنْفِقُهُ زَكَاةً أَوْ صَدَقَةً هُوَ مِنَّةٌ مِنْهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ (أَوْ رُبَّمَا لَا يُرِيْدُ أَنْ يَعْلَمَ) بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ حَقٌّ لِهَؤُلَاءِ النَّاسِ شَاءَ أَمْ أَبَى. وَمَا أَنْ يَصِلَ إِلَى مَنْصِبِهِ السِّيَاسِيِّ (بِفَضْلِ هَذَا الْمَالِ) حَتَّى يُحَاوِلَ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ بِدَوَامِ تَوْزِيْعِ زَكَاةِ مَالِهِ وَصَدَقَاتِهِ فِي دَائِرَتِهِ الِانْتِخَابِيَّةِ وَهِيَ الَّتِيْ رُبَّمَا لَا تُوْجَدُ فِيْهَا تِجَارَتُهُ أَصْلًا. فَكَثِيْرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ الَّتِيْ جُنِيَتْ مِنَ الْعَاصِمَةِ وَالْمُدُنِ الْكَبِيْرَةِ يَتِمُّ إِنْفَاقُهَا مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْمَالِ فِي دَائِرَتِهِ الِانْتِخَابِيَّةِ الْبَعِيْدَةِ عَنْ مَرْكَزِ تِجَارَتِهِ. مُتَسَلِّحًا بِدَعْوَى صِلَةِ الْقُرْبَى.
    السُّؤَالُ: أَيْنَ الدَّلِيْلُ عَلَى زَعْمِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الدَّوْلَةِ تَوَلِّيْ تَوْزِيْعِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَجِدُ الدَّلِيْلَ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
    خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: 103]
    لِيَكُوْنَ السُّؤَالُ الَّذِيْ نَطْرَحُهُ بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا (رُبَّمَا الْخَاطِئِ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ) هُوَ: لِمَ جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ لِمُحَمَّدٍ بِأَنْ يَأْخُذَ هُوَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً؟ لِمَ لَا يَقُوْمُوْنَ هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ بِتَوْزِيْعِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ حَسَبَ مَعْرِفَتِهِمْ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ مُحَمَّدٌ هُوَ مَنْ يُمَثِّلُ رَأْسَ الدَّوْلَةِ، فَهُوَ إِذَنْ مَنْ يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ تِلْكَ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِأَنْ يُوَزِّعَهَا بَيْنَ النَّاسِ الْمُحْتَاجِيْنَ لَهَا بِالْعَدْلِ، فَلَا يَتِمُّ تَوْزِيْعُ تِلْكَ الصَّدَقَاتِ بِطَرِيْقَةٍ عَشْوَائِيَّةٍ قَدْ يُصِيْبُ بَعْضَ الْمُحْتَاجِيْنَ مِنْهَا الْكَثِيْرُ وَقَدْ لَا يُصِيْبُ كَثِيْرٌ مِنَ الْمُحْتَاجِيْنَ مِنْهَا شَيْئًا.
    وَلَوْ رَاقَبْنَا أَيَّ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ مُدُنِنَا وَقُرَانَا فِي الْبَلَدِ كُلِّهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ فِئَةً مُحَدَّدَةً مِنَ النَّاسِ هُمْ مَنْ يَأْخُذُوْا أَمْوَالَ الصَّدَقَاتِ عَلَى الدَّوَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مِنْ فِئَةِ السَّائِلِيْنَ، فَهُمْ مَنْ يَطْلُبُوْهَا وَلَا يَتَرَدَّدُوْا بِأَنْ يُظْهِرُوْا حَاجَتَهُمْ حَتَّى وَإِنْ كَانَ عَلَى حِسَابِ إِرَاقَةِ مَاءِ وَجْهِهِمْ. لَكِنْ بِالْمُقَابِلِ هُنَاكَ كَثِيْرٌ مِنَ الْمُحْتَاجِيْنَ مَنْ يُؤْثِرُ أَنْ يَحْفَظَ مَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَطْلُبُ الصَّدَقَاتِ، فَلَا يَعْرِفُهُمُ النَّاسُ، وَلَا يُعْطُوْهُمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ إِلَّا رُبَّمَا مَا نَدَرَ.
    لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: 273]
    فَهَؤُلَاءِ هُمْ مَنْ يَحْسَبُهُمُ النَّاسُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وَهُمُ الَّذِيْنَ لَا يَسْأَلُوْنَ النَّاسَ إِلْحَافًا. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ (نَحْنُ نَظُنُّ) هُوَ أَنَّهُمْ لَا يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَأْخُذُوْا الصَّدَقَاتِ مِنْ أَيْدِيْ النَّاسِ حِفْظًا لِمَاءِ وَجْهِهِمُ الَّذِيْ قَدْ يُرَاقُ لَاحِقًا بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، لَكِنْ لَوْ تَكَفَّلَتِ الدَّوْلَةُ بِتَوْزِيْعِ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيُجَنِّبُهُمُ الْحَرَجَ، وَسَيُصْبِحُ ذَلِكَ حَقًّا مِنْ حُقُوْقِهِمْ. وَلَعَلِّيْ أَجِدُ أَنَّ مَنْ نَنْعَتُهُمْ بِدُوَلِ الْكُفْرِ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ قَدْ تَنَبَّهَتْ لِذَلِكَ، فَأَنْشَئُوْا صَنَادِيْقَ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّتِيْ تُدِيْرُهَا الدَّوْلَةُ رَسْمِيًّا، وَهِيَ الصَّنَادِيْقُ الَّتِيْ تُقَدِّمُ لِلنَّاسِ الْحَدَّ الْأَدْنَى مِنَ الْكَفَافِ، فَلَا يَعُوْدُ الْمُنْتَفِعُوْنَ مِنْهَا بِحَاجَةٍ إِلَى إِرَاقَةِ مَاءِ وَجْهِهِمْ حَيَاءً، وَلَا يُصْبِحُوْا عُرْضَةً لِلْمَنِّ وَالْأَذَى لَاحِقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْمُتَوَافِرَةَ فِي هَذِهِ الصَّنَادِيْقِ هِيَ حَقٌّ مَعْلُوْمٌ لِلسَّائِلِ مِنْهُمْ وَالْمَحْرُوْمِ.

    بَابُ الْحَصَادِ

    السُّؤَالُ: مَتَى يَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ الْمُحَدَّدَ لِذَلِكَ هُوَ يَوْمُ الْحَصَادِ.
    السُّؤَالُ: مَا هُوَ يَوْمُ الْحَصَادِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ الْحَصَادُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكْتَمِلَ نَمَاءُ الْمَحْصُوْلِ:
    وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: 9]
    فَهُوَ إِذًا يَحْصُلُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ.
    قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ [يوسف: 47]
    فَالْحَصِيْدُ هُوَ نِهَايَةُ الْمَحْصُوْلِ بَعْدَ زَرْعِهِ وَنَمَائِهِ وَجَمْعِهِ:
    إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: 24]
    وَلَوْ حَاوَلْنَا تَطْبِيْقَ ذَلِكَ فِي التِّجَارَةِ، فَإِنَّ عَمَلِيَّةَ حَصَادِ التِّجَارَةِ تَتِمُّ فِي نِهَايَةِ كُلِّ عَامٍ تَحْتَ مَا يُسَمَّى بِالْكَلِمَاتِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الدَّارِجَةِ (الْجَرْدُ)، نَجِدُ أَنَّ التَّاجِرَ يَقُوْمُ فِي وَقْتٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْعَامِ بِتَفَقُّدِ جَمِيْعِ سِجِلَّاتِهِ التِّجَارِيَّةِ، الْوَارِدِ مِنْهَا وَالصَّادِرِ، ثُمَّ يَقُوْمُ بِحِسْبَةِ مَا أَنْفَقَ مُقَابِلَ مَا تَحَصَّلَ لَهُ، بَعْدَ أَنْ يَكُوْنَ قَدْ جَمَعَ التَّكْلِفَةَ كُلَّهَا، فَأَصْبَحَ يَعْرِفُ تَمَامًا مِقْدَارَ مَا غَنِمَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَهَذَا الْفَارِقُ بَيْنَ مَا أَنْفَقَ مِنْ جِهَةٍ وَمَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى هُوَ الْغَنِيْمَةُ الَّتِيْ تَجِبُ فِيْهَا الزَّكَاةُ. وَتَكُوْنُ نِسْبَتُهَا مُحَدَّدَةً بِالْخُمُسِ (أَيْ عِشْرِيْنَ بِالْمِئَةِ مِنَ الرِّبْحِ).

    بَابُ رَأْسِ الْمَالِ

    السُّؤَالُ: مَا هُوَ رَأْسُ الْمَالِ؟ وَهَلْ رَأْسُ الْمَالِ هُوَ الْمَالُ نَفْسُهُ؟ وَكَيْفَ يَخْتَلِفُ رَأْسُ الْمَالِ عَنِ الْمَالِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَا غَيْرَ مُتَطَابِقَيْنِ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَعَلِّيْ أَجِدُ أَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ يُوَضِّحُ لَنَا أَنَّ هُنَاكَ الْمَالَ مِنْ جِهَةٍ:
    لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177]
    وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 247]
    وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: 20]
    قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا [نوح: 21]
    وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [الليل: 11]
    الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: 18]
    الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ [الهمزة: 2] يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ [الهمزة: 3]
    وَهُنَاكَ الْأَمْوَالُ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، قَالَ تَعَالَى:
    وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155]
    وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]
    كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [التوبة: 69]
    وَهُنَاكَ رُؤُوْسُ الْأَمْوَالِ مِنْ جِهَةٍ ثَالِثَةٍ:
    فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    إِنَّ هَذَا التَّنَاوُبَ اللَّفْظِيَّ (مَالٌ، أَمْوَالٌ، رُؤُوْسُ أَمْوَالٍ) يَدْعُوْنَا عَلَى الْفَوْرِ إِلَى طَرْحِ تَسَاؤُلَاتٍ ثَلَاثٍ هِيَ:
    • مَا هُوَ الْمَالُ؟
    • مَا هِيَ الْأَمْوَالُ؟
    • مَا هِيَ رُؤُوْسُ الْأَمْوَالِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيْمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الْمَالَ مِنْ زِيْنَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا:
    الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 46]
    لَكِنْ لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيْمَةَ التَّالِيَةَ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الْأَمْوَالَ فِتْنَةٌ:
    وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 28]
    إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن: 15]
    السُّؤَالُ: كَيْفَ تَكُوْنُ الْأَمْوَالُ فِتْنَةً فِي حِيْنِ أَنَّ الْمَالَ هُوَ مِنْ زِيْنَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الْمَالِ (الزِّيْنَةِ) وَالْأَمْوَالِ (الْفِتْنَةِ)؟
    السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ الْمَالَ جُزْءٌ مِنَ الْأَمْوَالِ. لِتَكُوْنَ التَّسَاؤُلَاتُ الْآنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
    • مَا هُوَ الْمَالُ الَّذِيْ هُوَ مِنْ زِيْنَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟
    • مَا هِيَ الْأَمْوَالُ الَّتِيْ هِيَ فِتْنَةٌ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمَالَ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا نُسَمِّيْهِ نَحْنُ بِالنَّقْدِ (أَيِ الْمَالِ الْمَنْقُوْلِ بِاللُّغَةِ الدَّارِجَةِ)، وَرُبَّمَا لَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِرَأْيِنَا مِمَّا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ [الهمزة: 2]
    فَالْمَالُ إِذَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّدَ، وَهَذَا بِرَأْيِنَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي حَالَةِ مَا يُسَمَّى بِالْمَالِ الْمَنْقُوْلِ، أَيِ النَّقْدِ. فَهُوَ الَّذِيْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى بَعْضِهِ الْبَعْضِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّدَ.
    فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [الكهف: 11]
    حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا [الجن: 24]
    لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: 28]
    لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم: 94]
    أَمَّا الْأَمْوَالُ فَهِيَ – بِرَأْيِنَا- تَشْمَلُ الْمَالَ الْمَنْقُوْلَ وَالْمَالَ غَيْرَ الْمَنْقُوْلِ، فَالْعَقَارُ مَالٌ، وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ مَالٌ، وَالْأَنْعَامُ مَالٌ، وَالْحَرْثُ مَالٌ، وَجَمِيْعُهَا مَعًا تُصْبِحُ أَمْوَالًا. وَالْفِتْنَةُ تَقَعُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ. أَمَّا النَّقْدُ (الْمُتَمَثِّلُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) فَهُوَ الْمَالُ الَّذِيْ هُوَ زِيْنَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: الْمَالُ هُوَ الَّذِيْ يُجْمَعُ وَيُعَدَّدُ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: الْأَمْوَالُ تَشْمَلُ الثَّرْوَةَ كُلَّهَا بِمَا فِيْهَا الْمَالُ الْمَنْقُوْلُ وَغَيْرُ الْمَنْقُوْلِ.
    السُّؤَالُ: مَا هِيَ رُؤُوْسُ الْأَمْوَالِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَقَدْ تَعَرَّضْنَا فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا خَاصَّةً فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِ الصَّلَاةِ لِمُفْرَدَةِ الرَّأْسِ، وَافْتَرَيْنَا الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الرَّأْسَ هُوَ مَنْبَتُ الْحَيَاةِ. فَالْجَنِيْنُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يَنْبُتُ مِنَ الرَّأْسِ، لِذَا أُطْلِقَ عَلَى بَعْضِ النَّبَاتَاتِ لَفْظُ الرَّأْسِ، كَرَأْسِ الْبَصَلِ وَالثُّوْمِ وَالْمَلْفُوْفِ وَالزَّهْرَةِ (بِاللُّغَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الدَّارِجَةِ)، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ النَّبَاتَاتِ تَنْبُتُ مِنَ الرَّأْسِ، وَمَا أَنْ يَتِمَّ اقْتِلَاعُهَا مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى تَنْتَهِيَ حَيَاةُ تِلْكَ النَّبْتَةِ كُلِّهَا عَلَى عَكْسِ الثِّمَارِ الْأُخْرَى كَالطَّمَاطِمِ وَالْبِطِّيْخِ وَالشَّمَّامِ وَالتُّفَّاحِ وَالْبُرْتُقَالِ الَّتِيْ وَإِنْ قُطِفَتْ تِلْكَ الثَّمَرَةُ فَإِنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ عَلَى حَيَاةِ الشَّجَرَةِ بِرُمَّتِهَا (لِلتَّفْصِيْلِ انْظُرِ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ مَقَالَةِ لِمَاذَا نُصَلِّيْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟).
    فَلِكُلِّ مَالٍ رَأْسُهُ، أَيْ هُوَ الَّذِيْ يَتَكَاثَرُ مِنْهُ الْمَالُ لَاحِقًا. فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّاجِرَ يَبْدَأُ بِبَعْضِ النَّقْدِ ثُمَّ مَا يَلْبَثُ أَنْ يَتَزَايَدَ مَعَ الْوَقْتِ، فَرَأْسُ مَالِهِ مِنَ النَّقْدِ هُوَ الَّذِيْ بَدَأَ بِهِ، أَمَّا الْمَالُ فَهُوَ مَجْمُوْعُ تِلْكَ الثَّرْوَةِ مُنْذُ أَوَّلِ دُوْلَارٍ فِيْهَا حَتَّى آخِرِ دُوْلَارٍ. وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْأَمْوَالِ الْأُخْرَى كَالنَّبَاتَاتِ (لِلْمُزَارِعِ) وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ (لِتَاجِرِهَا)، وَالْعَقَارِ وَالْأَرْضِ، وَهَكَذَا. لِذَا جَاءَ التَّوْجِيْهُ الْإِلَهِيُّ لِمَنْ أَرَادَ التَّوْبَةَ مِنْ أَكْلِ الرِّبَا، أَنْ يَكْتَفِيَ بِرَأْسِ الْمَالِ، قَالَ تَعَالَى:
    ... وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    السُّؤَالُ: كَيْفَ يَكُوْنُ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَنْقُلُنَا فَوْرًا إِلَى الْحَدِيْثِ عَنِ الرِّبَا نَفْسِهِ، فَإِذَا مَا فَهِمْنَا مَاهِيَّةَ الرِّبَا (إِنْ أَذِنَ اللهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِي ذَلِكَ)، فَإِنَّنَا سَنَفْهَمُ (بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيْقٍ مِنْهُ) كَيْفِيَّةَ الِاكْتِفَاءِ بِرُؤُوْسِ أَمْوَالِنَا عِنْدَ التَّوْبَةِ.

    بَابُ الرِّبَا: رُؤْيَةٌ جَدِيْدَةٌ

    قَالَ تَعَالَى:
    الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 275] يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: 276] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 277] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة: 278] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279] وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 280] وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة: 281]
    نَحْنُ نَفْتَرِيْ الْقَوْلَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةَ سَتَكُوْنُ مُرْشِدَةً لَنَا (كَمَا نَفْهَمُهَا) فِي تَحْدِيْدِ مَاهِيَّةِ الرِّبَا وَخُطُوْرَةِ الْوُقُوْعِ فِيْهِ وَطَرِيْقَةِ تَجَنُّبِهِ. فَاللهَ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِيْ مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وَأَنْ يَزِيْدَنِيْ عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِيْ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا. وَأَدْعُوْهُ وَحْدَهُ أَنْ لَا أَكُوْنَ مِمَّنْ يَفْتَرُوْنَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُعَلِّمَنِيْ فَلَا أَقُوْلُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقَّ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ- آمِيْنُ. السُّؤَالُ: مَا هُوَ الرِّبَا؟ لَعَلِّيْ أَظُنُّ أَنَّ رِجَالَ الدِّيْنِ قَدِ اسْتَطَاعُوْا فِي الْعَصْرِ الْحَدِيْثِ أَنْ يَحْصُرُوْا الرِّبَا بِالْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِيْ تَجْرِيْ دَاخِلَ الْبُنُوْكِ التِّجَارِيَّةِ، فَكُلُّ مُعَامَلَةٍ بَنْكِيَّةٍ - بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ- هِيَ مُعَامَلَةٌ رِبَوِيَّةٌ، وَقَلَّمَا تَحَدَّثُوْا عَنِ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ خَارِجَ أَسْوَارِ الْبُنُوْكِ التِّجَارِيَّةِ. وَالْغَرِيْبُ فِي فَتْوَاهُمْ هَذِهِ أَنَّ الْإِثْمَ الَّذِيْ يَجُرُّهُ الرِّبَا يَقَعُ (حَسَبَ ظَنِّهِمْ) عَلَى الطَّرَفَيْنِ (الْبَنْكِ الدَّائِنِ وَالزَّبُوْنِ الْمَدِيْنِ). وَهُنَا تَبْرُزُ تَسَاؤُلَاتٌ أَوَّلِيَّةٌ نَوَدُّ أَنْ نُسَلِّطَ الضَّوْءَ عَلَيْهَا ضِمْنَ هَذَا الْمَنْهَجِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، نَذْكُرُ مِنْهَا؟
    • هَلْ فِعْلًا لَا يُوْجَدُ رِبًا خَارِجَ حُدُوْدِ الْبُنُوْكِ التِّجَارِيَّةِ؟
    • أَلَا يَقَعُ الْأَفْرَادُ أَنْفُسُهُمْ فِي مُعَامَلَاتِهِمُ التِّجَارِيَّةِ بِأَعْمَالٍ رِبَوِيَّةٍ؟
    • وَمَاذَا عَنْ زَمَنِ النَّبِيِّ نَفْسِهِ؟ هَلْ كَانَ هُنَاكَ بُنُوْكٌ تَتَعَامَلُ بِالرِّبَا؟
    • وَإِلَّا، كَيْفَ كَانَ الْأَشْخَاصُ الْعَادِيُّوْنَ يَقُوْمُوْنَ بِالْأَعْمَالِ الرِّبَوِيَّةِ فِيْمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى جَاءَ التَّحْرِيْمُ لِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَاضِحًا فِي كِتَابِ اللهِ حِيْنَئِذٍ؟
    • هَلْ يَقَعُ الْإِثْمُ عَلَى الطَّرَفَيْنِ الدَّائِنِ وَالْمَدِيْنِ؟
    • وَهَلْ يَقَعُ الْإِثْمُ كَذَلِكَ عَلَى شَاهِدِ الرِّبَا كَمَا جَاءَ فِي التُّرَاثِ الدِّيْنِيِّ السَّائِدِ؟
    • الخ.
    دَعْنَا نَبْدَأُ النِّقَاشَ هُنَا بِالتَّسَاؤُلِ الْأَخِيْرِ وَهُوَ: هَلْ يَقَعُ الْإِثْمُ فِي الْمُعَامَلَةِ الرِّبَوِيَّةِ عَلَى الطَّرَفَيْنِ الدَّائِنِ وَالْمَدِيْنِ؟
    افْتِرَاءٌ خَطِيْرٌ جِدًّا جِدًّا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِيْ الظَّنَّ (رُبَّمَا مُخْطِئِيْنَ) بِأَنَّ الْإِثْمَ الَّذِيْ يَتَحَصَّلُ فِي الْمُعَامَلَةِ الرِّبَوِيَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى الطَّرَفَيْنِ الدَّائِنِ وَالْمَدِيْنِ. انْتَهَى.
    السُّؤَالُ: عَلَى مَنْ يَقَعُ إِثْمُ الرِّبَا فِي أَيِّ مُعَامَلَةٍ يَشُوْبُهَا الرِّبَا إِذَنْ؟ رُبَّمَا يُرِيْدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَ مُبَاشَرَةً.
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ إِثْمَ الرِّبَا لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى الدَّائِنِ.
    السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ، لَرُبَّمَا حَقَّ لَنَا أَنْ نَسْتَنْبِطَ أَنَّ النَّهْيَ جَاءَ لِلَّذِيْنَ يَأْكُلُوْنَ الرِّبَا، قَالَ تَعَالَى:
    الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 275]
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 130]
    فَالْمَسُّ الَّذِيْ يُسَبِّبُهُ الشَّيْطَانُ (بِسَبَبِ الرِّبَا) يُعَانِيْ مِنْهُ مَنْ أَكَلَ الرِّبَا (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الرِّبَا هُوَ التَّضَاعُفُ فِي مِقْدَارِ الْمَالِ الَّذِيْ رُبِّيَ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 130]
    وَلَا شَكَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْحَرْبَ الْمُعْلَنَةَ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ مُوَجَّهَةٌ مُبَاشَرَةً عَلَى الَّذِيْنَ لَمْ يَنْتَهُوْا عَنْ أَكْلِ الرِّبَا:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة: 278] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا كَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْصَ الْمُرَابِيَ هُوَ مَنْ طَلَبَ اللهُ مِنْهُ التَّوْبَةَ فَقَطْ، وَالِاكْتِفَاءَ بِرَأْسِ مَالِهِ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة: 278] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الرِّبَا يَقَعُ فِي يَدِ مَنْ يَأْخُذُهُ، فَهُمُ الَّذِيْنَ يَأْكُلُوْنَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ:
    وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 161]
    وَهُمُ الَّذِيْنَ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِأَنْ يَمْحَقَ مَالَ الرِّبَا الَّذِيْ بَيْنَ أَيْدِيْهِمْ:
    يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: 276]
    تَسَاؤُلَاتٌ مُحَيِّرَةٌ لِيْ شَخْصِيًّا:
    • هَلْ أَكَلَ (مَنِ اسْتَلَفَ مَالًا فِي مُعَامَلَةٍ رِبَوِيَّةٍ) الْمَالَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؟
    • هَلْ أَخَذَ مَالًا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؟
    • هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَبَقَّى فِي يَدِهِ مَالًا مُضَاعَفًا لِيَمْحَقَهُ اللهُ؟
    • كَيْفَ لَهُ أَنْ يَتُوْبَ بِالِاكْتِفَاءِ بِرَأْسِ مَالِهِ إِنْ هُوَ أَرَادَ التَّوْبَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ؟
    • وَهَلْ فِعْلًا أَكَلَ الْمَدِيْنُ مَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ عِنْدَمَا دَفَعَ مِنْ جَيْبِهِ لِلْآخَرِيْنَ مَا يَفُوْقُ كَثِيْرًا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ؟
    • الخ.
    تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الشَّخْصَ الْمُحْتَاجَ الَّذِيْ يُمْكِنُ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى مُعَامَلَةٍ رِبَوِيَّةٍ هُوَ مَنْ أَخَذَ مَالًا نَاقِصًا غَيْرَ مَزِيْدٍ، فَإِنْ أَنْتَ (كَمَدِيْنٍ) عَمَدْتَ إِلَى اسْتِلَافِ مَبْلَغِ عَشَرَةِ الْآلَافِ دُوْلَارٍ، فَإِنَّكَ تَقْبِضُ بِيَدِكَ قِيْمَةً لَا تَزِيْدُ عَنْ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ، وَرُبَّمَا تَكُوْنُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَلِيْلًا (خَاصَّةً فِي الْمُعَامَلَاتِ الْبَنْكِيَّةِ بِسَبَبِ مَا يَخْصِمُهُ الْبَنْكُ مِنْ رُسُوْمٍ مُسْبَقَةٍ عَلَى الْمَدِيْنِ)، وَمِنْ ثَمَّ عَلَيْكَ أَنْ تَتَحَمَّلَ تَبِعَاتِ مَا يُزَادُ عَلَى هَذَا الْمَبْلَغِ مِنْ قِبَلِ الدَّائِنِ، فَقَدْ يَصِلُ الْمَبْلَغُ الْمَطْلُوْبُ مِنْكَ (كَمَدِيْنٍ) دَفْعُهُ لِلدَّائِنِ (كَالْبَنْكِ مَثَلًا) أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَهُنَا يُصْبِحُ الْمَالُ الزَّائِدُ هُوَ الرِّبَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَصْلِ. فَإِنْ أَنْتَ اسْتَلَفْتَ عَشَرَةَ الْآلَافِ دُوْلَارٍ، وَطُلِبَ مِنْكَ تَسْدِيْدُهَا عَلَى نَحْوِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دُوْلَارٍ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ هِيَ خَمْسَةُ الْآلَافِ دُوْلَارٍ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ الَّذِيْ هُوَ أَصْلًا عَشَرَةُ الْآلَافِ فَقَطْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
    إِنَّ مَا يَهُمُّنَا قَوْلُهُ (كَافْتِرَاءٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) هُوَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي يَدِ الْمَدِيْنِ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ (أَيْ عَشَرَةُ الْآلَافِ دُوْلَارٍ) فَقَطْ غَيْرُ مَزِيْدٍ، بَيْنَمَا الَّذِيْ سَيَقَعُ فِي يَدِ الدَّائِنِ فَهُوَ عَشَرَةُ الْآلَافِ دُوْلَارٍ (أَيْ رَأْسُ الْمَالِ) بِالْإِضَافَةِ إِلَى خَمْسَةِ الْآلَافِ دُوْلَارٍ (وَهِيَ الزِّيَادَةُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ). وَهُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ الْحَتْمِيُّ: مَنِ الَّذِيْ يَأْكُلُ الرِّبَا (أَيِ الزِّيَادَةَ وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْآلَافِ دُوْلَارٍ)، الدَّائِنُ أَمِ الْمَدِيْنُ؟ وَمَنِ الَّذِيْ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيْبَهُ مَسٌّ مِنَ الشَّيْطَانِ بِسَبَبِ أَكْلِ مَالِ الرِّبَا، الدَّائِنُ أَمِ الْمَدِيْنُ؟ وَمَنِ الَّذِيْ طَلَبَ اللهُ مِنْهُ الِانْتِهَاءَ عَنْ أَكْلِ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، الدَّائِنُ أَمِ الْمَدِيْنُ؟ وَمَنِ الَّذِيْ يَجِبُ أَنْ يَأْذَنَ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ، الدَّائِنُ أَمِ الْمَدِيْنُ؟ وَمَنِ الَّذِيْ طُلِبَ مِنْهُ التَّوْبَةُ بِالِاكْتِفَاءِ بِرَأْسِ الْمَالِ، الدَّائِنُ أَمِ الْمَدِيْنُ؟ الخ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيْرَةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ (رُبَّمَا مُخْطِئِيْنَ) بِأَنَّ إِثْمَ الرِّبَا يَقَعُ عَلَى الدَّائِنِ الَّذِيْ أَكَلَ الرِّبَا (أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فَقَطْ، فَهُوَ الَّذِيْ أَخَذَ الرِّبَا، وَهُوَ الَّذِيْ أَكَلَ الرِّبَا، وَهُوَ الَّذِيْ يُمْكِنُ أَنْ يُصِيْبَهُ مَسٌّ مِنَ الشَّيْطَانِ جَرَّاءَ أَكْلِهِ مَالَ الرِّبَا، وَهُوَ مَنْ طَلَبَ اللهُ مِنْهُ التَّوْبَةَ بِالِانْتِهَاءِ عَنْ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاءِ بِرَأْسِ مَالِهِ. وَاقْرَأْ عَزِيْزِيْ الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ – الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةَ الْخَاصَّةَ بِالرِّبَا مَرَّةً أُخْرَى مِنْ هَذَا الْجَانِبِ، فَرُبَّمَا تَرَى وَجَاهَةَ مَا نَفْتَرِيْهِ مِنْ قَوْلٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا فِي هَذَا السِّيَاقِ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 130]
    الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 275]
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة: 278] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 161]
    وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: 39]
    يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة: 276]
    سُؤَالٌ: هَلْ تُرِيْدُ مِنَّا أَنْ نُصَدِّقَكَ وَنُكَذِّبَ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ الَّذِيْ سَادَ قُرُوْنًا مِنَ الزَّمَنِ؟ هَلْ تُرِيْدُ مِنَّا أَنْ نُصَدِّقَكَ بِأَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ الْأَكْفَاءَ لَمْ يَنْتَبِهُوْا لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى مَرِّ الْعُصُوْرِ؟ رُبَّمَا يُرِيْدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَ مُسْتَغْرِبًا وَرُبَّمَا مُنْكِرًا جُمْلَةً وَتَفْصِيْلًا هَذَا الطَّرْحَ الْفَرْدِيَّ مِنْ شَخْصٍ قَدْ لَا يَرْقَى إِلَى مُسْتَوَى عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الْأَكْفَاءِ عَلَى مَرِّ الْعُصُوْرِ.
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: سَأَبْدَأُ الرَّدَّ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ الْوَجِيْهِ مُحْسِنًا الظَّنَّ بِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ أَجْمَعِيْنَ، رُبَّمَا مُقَدِّرًا جُهْدَ الْكَثِيْرِيْنَ مِنْهُمْ وَإِخْلَاصَ نَوَايَاهُمْ، مُنْكِرًا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ (كَادَتِيْ) قُدْرَاتِهِمُ الْفِكْرِيَّةَ الَّتِيْ قَدْ لَا أَثِقُ بِهَا كَثِيْرًا. طَارِحًا التَّسَاؤُلَ الْمُثِيْرَ التَّالِيَ: لِمَ جَاءَ تَحْرِيْمُ أَكْلِ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ السَّبَبَ الرَّئِيْسَ فِي ذَلِكَ رُبَّمَا يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُهُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7]
    فَالْمَالُ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ بِأَنْ يَكُوْنَ دَوْلَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ فَقَطْ فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ. وَلَعَلِّيْ أَجْزِمُ الظَّنَّ بِأَنَّ الْمَالَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ أَنْ يَكُوْنَ دَوْلَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ فَقَطْ إِلَّا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الرِّبَوِيَّةِ. فَلَوْ تَمَّ ضَبْطُ السُّوْقِ الْمَالِيِّ بِطَرِيْقَةٍ غَيْرِ رِبَوِيَّةٍ لَتَوَزَّعَتِ الثَّرْوَةُ بَيْنَ النَّاسِ بِطَرِيْقَةٍ عَادِلَةٍ، وَسَنَرَى تَبِعَاتِ هَذَا الظَّنِّ بَعْدَ قَلِيْلٍ بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيْقٍ مِنْهُ.
    أَمَّا الْآنَ دَعْنَا نَطْرَحُ التَّسَاؤُلَ الْبَسِيْطَ التَّالِيَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُسَمَّى الْبُنُوْكُ الرِّبَوِيَّةُ التَّقْلِيْدِيَّةُ مِنْ جِهَةٍ وَالْبُنُوْكُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْمُسْتَحْدَثَةُ حَالِيًّا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؟ هَلْ فِعْلًا تَقُوْمُ مَا يُسَمَّى بِالْبُنُوْكِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِمُعَامَلَاتِهَا التِّجَارِيَّةِ بِطَرِيْقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تُؤَدِّيْ إِلَى عَدَمِ تَكَدُّسِ السُّلْطَةِ فِي يَدِ حَفْنَةٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى حِسَابِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ؟ وَالْأَهَمُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ: مَا سَبَبُ ظُهُوْرِ مَا يُسَمَّى بِالْبُنُوْكِ الْإِسْلَامِيَّةِ؟ وَمَتَى ظَهَرَتْ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَاتُ الْمَالِيَّةُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيْرٌ جِدًّا: لَعَلِّيْ أَظُنُّ (رُبَّمَا مُخْطِئًا) أَنَّ سَبَبَ ظُهُوْرِ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنَ الْآيَةِ الْمُرْشِدَةِ لِيْ فِي هَذَا الطَّرْحِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34]
    السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ دَقَّقْنَا مَلِيًّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُ الْحَقِيْقَةِ الثَّابِتَةِ الَّتِيْ تُسَطِّرُهَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيْمَةُ وَهِيَ أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ يَأْكُلُوْنَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لِيَكُوْنَ السُّؤَالُ الْمَطْرُوْحُ فَوْرًا هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَنْ يَأْكُلُوْا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟ وَبِكَلِمَاتٍ أُخْرَى نَحْنُ نَسْأَلُ: مَا هِيَ الْآلِيَّةُ الَّتِيْ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اسْتِيْلَاءِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ لِيَأْكُلُوْهَا بِالْبَاطِلِ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: لَوْ دَقَّقْنَا فِي عِبَارَةِ "أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ" عَلَى مِسَاحَةِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ كُلِّهِ، لَمَا وَجَدْنَاهَا قَدْ وَرَدَتْ إِلَّا فِي الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]
    وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 161]
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34]
    فَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةِ مَرَّةً أُخْرَى، لَوَجَدْنَا أَنَّ احْتِمَالِيَّةَ أَنْ يَأْكُلَ النَّاسُ أَمْوَالَ بَعْضِهِمُ الْبَعْضَ بِالْبَاطِلِ وَارِدَةٌ جِدًّا، لِذَا جَاءَ النَّهْيُ الْإِلَهِيُّ عَنْ ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
    وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]
    لِيَكُوْنَ السُّؤَالُ الْحَتْمِيُّ هُوَ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَ بَعْضِنَا بَعْضًا بِالْبَاطِلِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَرَى (رُبَّمَا مُخْطِئِيْنَ) بِأَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ – كَمَا نَفْهَمُهُ- أَنَّ هُنَاكَ طَرِيْقَتَيْنِ لِأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَهُمَا:
    1. أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ:
      وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ [البقرة: 188]
    2. أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ:
      لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ [البقرة: 188]
    السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ تَتِمُّ عِنْدَمَا تُدْلَى هَذِهِ الْأَمْوَالُ إِلَى الْحُكَّامِ (
    وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]
    ). فَعِنْدَمَا يَتِمُّ تَقْدِيْمُ بَعْضِ الْمَالِ إِلَى الْحُكَّامِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَهَذَا يَقَعُ فِي بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ. وَهِيَ مَا يَتَعَارَفُ عَلَيْهِ (بِلُغَتِنَا الدَّارِجَةِ) بِمُسَمَّى الرَّشْوَةِ. فَعِنْدَمَا يُدْلِيْ بَعْضُ النَّاسِ (خَاصَّةً أَصْحَابَ الثَّرَوَاتِ الْكَبِيْرَةِ) مَالًا إِلَى الْحُكَّامِ (بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ دَرَجَتِهِمْ سَوَاءً كَانَ رَئِيْسَ بَلَدِيَّةٍ أَوْ مُحَافِظًا أَوْ وَزِيْرًا أَوْ رَئِيْسَ وُزَرَاءَ أَوْ حَتَّى رَئِيْسَ الدَّوْلَةِ)، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ رَشْوَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَايَةَ مِنْهَا يَتَمَثَّلُ فِي أَنْ يَسْتَفِيْدَ صَاحِبُ الْمَالِ الَّذِيْ قَدَّمَ بَعْضَ الْمَالِ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ خِلَالِ الْقَوَانِيْنِ الَّتِيْ يُشَرِّعُهَا الْحَاكِمُ لَهُ لِتَسْهِيْلِ عَمَلِيَّةِ قَرْصَنَتِهِ لِأَمْوَالِ الْآخَرِيْنَ. فَغَالِبًا مَا تَحْصُلُ التَّفَاهُمَاتُ الْخَفِيَّةُ بَيْنَ بَعْضِ التُّجَّارِ مِنْ جِهَةٍ وَبَعْضِ الْحُكَّامِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى (أَيْ تَحَالُفُ قَارُوْنَ مَعَ فِرْعَوْنَ)، فَيُقَدِّمُ التَّاجِرُ (قَارُوْنُ) بَعْضًا مِنَ الْمَالِ لِلْحَاكِمِ (فِرْعَوْنَ) مُقَابِلَ أَنْ يَسْتَفِيْدَ التَّاجِرُ مِنَ الْقَوَانِيْنِ الَّتِيْ يُشَرِّعُهَا الْحَاكِمُ، وَهُنَا يَحْصُلُ بِالضَّبْطِ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ، وَهَذَا يَقَعُ – بِرَأْيِنَا- فِي بَابِ تَعَاوُنِهِمْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، قَالَ تَعَالَى:
    ... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2]
    وَهُوَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ تَحْرِيْمًا لَا لَبْسَ فِيْهِ، قَالَ تَعَالَى:
    قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33]
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: عِنْدَمَا تُدْلَى الْأَمْوَالُ إِلَى الْحُكَّامِ فَهَذَا يَقَعُ فِي بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ.
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 2: اللهُ حَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ.
    السُّؤَالُ: إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ (كَمَا تَزْعُمُ)، فَكَيْفَ يَكُوْنُ إِذَنْ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا.
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِيْ الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِالْبَاطِلِ يَتِمُّ مِنْ خِلَالِ الرِّبَا:
    وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: 161]
    فَلَوْ تَفَقَّدْنَا الْآيَةَ الْكَرِيْمَةَ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ أَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ تَتِمُّ بَيْنَ النَّاسِ أَنْفُسِهِمْ، فَالنَّاسُ هُمْ مَنْ يَأْكُلُوْنَ أَمْوَالَ بَعْضِهِمُ الْبَعْضَ بِالْبَاطِلِ:
    وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]
    إِذَا كَانَ هَذَا صَحِيْحًا (كَمَا تَزْعُمُ)، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَنْ يَأْكُلُوْا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى خَطِيْرٌ جِدًّا جِدًّا: إِنَّهُ الرِّبَا. انْتَهَى.
    السُّؤَالُ: مَا الَّذِيْ تَقُوْلُهُ يَا رَجُلُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَنْ يَأْكُلُوْا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ عَنْ طَرِيْقِ الرِّبَا؟ هَلْ يَقُوْمُ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ بِالْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ هُمْ أَنْفُسُهُمْ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيْمَةَ التَّالِيَةَ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة: 9]
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المجادلة: 12] أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة: 13]
    لَوَجَدْنَا أَنَّ عَمَلِيَّةَ التَّنَاجِيْ تَتَطَلَّبُ تَقْدِيْمَ الصَّدَقَاتِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُنَاجَى، فَاللهُ هُوَ مَنْ طَلَبَ مِنَ الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَنْ يُقَدِّمُوْا بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُوْلِ (فِي حَالَةِ مُنَاجَاتِهِ) صَدَقَاتٍ:
    ... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً... [المجادلة: 12]
    ... أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ... [المجادلة: 13]
    وَيَنْهَاهُمْ أَنْ يُنَاجُوْهُ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنَّمَا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى:
    ... فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى... [المجادلة: 9]
    وَلَوْ حَاوَلْنَا رَبْطَ هَذَا بِالْآيَاتِ الْكَرِيْمَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
    ... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2]
    لَخَرَجْنَا بِالْجَدْوَلِ التَّالِيْ:
    فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى...
    وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى
    السُّؤَالُ: مَا هُوَ التَّعَاوُنُ؟ وَمَا هِيَ الْمُنَاجَاةُ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِيْ الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْمُنَاجَاةَ تَحْمِلُ فِي ثَنَايَاهَا التَّقْرِيْبَ، فَاللهُ هُوَ مَنْ قَرَّبَ مُوْسَى نَجِيًّا:
    وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: 52]
    فَأَصْبَحَ هُنَاكَ عَلَاقَةٌ فَرِيْدَةٌ بَيْنَ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ وَعَبْدِهِ مُوْسَى. وَهَا هُمْ إِخْوَةُ يُوْسُفَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَدْ خَلَصُوْا بَيْنَ بَعْضِهِمُ الْبَعْضَ نَجِيًّا:
    فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف: 80]
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُنَاجَاةَ تَتَمَثَّلُ بِإِنْشَاءِ عَلَاقَةٍ فَرِيْدَةٍ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، هُمَا الْمُنَاجِيْ وَالْمُنَاجَى.
    السُّؤَالُ: مَا الَّذِيْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَزِّزَ هَذِهِ الْعَلَاقَةَ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الْمُمْكِنِ تَعْزِيْزُ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُنَاجِيْ وَالْمُنَاجَى بِشَيْءٍ مَادِّيٍّ كَالصَّدَقَةِ مَثَلًا فِي حَالَةِ مُنَاجَاةِ الرَّسُوْلِ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المجادلة: 12] أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة: 13]
    وَلَكِنَّ اللهَ نَهَى عَنِ الْمُنَاجَاةِ (التَّقَرُّبِ إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ) بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة: 9]
    فَلَا يَحِقُّ لِلنَّاسِ أَنْ يُقَدِّمُوْا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُمْ مَا هُوَ إِثْمٌ، وَهُوَ مَا يَنْتُجُ عَنْهُ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ:
    وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188]
    لِيَعُوْدَ عَلَيْهِمْ بِالْمَنْفَعَةِ الْفَرْدِيَّةِ عَلَى حِسَابِ الصَّالِحِ الْعَامِّ. وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي عَمَلِيَّةِ الْمُنَاجَاةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمُنَاجِيَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ شَخْصًا عَادِيًّا، أَمَّا الْمُنَاجَى فَهُوَ شَخْصٌ ذُوْ مَكَانَةٍ خَاصَّةٍ بَيْنَ النَّاسِ (كَالرَّسُوْلِ مَثَلًا). فَالْمُنَاجَاةُ هِيَ عَمَلِيَّةُ تَقَرُّبٍ إِلَى شَخْصٍ ذِيْ مَكَانَةٍ رَفِيْعَةٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ عَنْ طَرِيْقِ تَقْدِيْمِ أَشْيَاءَ مَادِّيَّةٍ (كَالصَّدَقَاتِ) مِنْ أَجْلِ خَطْبِ وُدِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ أَصْحَابِ الْمَكَانَةِ الرَّفِيْعَةِ بَيْنَ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ. وَاللهُ نَهَانَا عَنِ الْمُنَاجَاةِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ:
    ... فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى... [المجادلة: 9]
    كَمَا نَهَانَا عَنْ أَنْ نَتَعَاوَنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ:
    وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2]
    وَاللهُ هُوَ مَنْ أَمَرَنَا بِأَنْ نَتَنَاجَى بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى:
    وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى... [المجادلة: 9]
    كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَتَعَاوَنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى:
    ... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ... [المائدة: 2]
    السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُنَاجَاةِ وَالتَّعَاوُنِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: الْمُنَاجَاةُ تَتِمُّ بَيْنَ طَرَفَيْنِ غَيْرِ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْمَكَانَةِ كَمُنَاجَاةِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِيْنَ لِلرَّسُوْلِ مَثَلًا، أَوْ كَمُنَاجَاةِ الْحَاكِمِ مِنْ قِبَلِ عَامَّةِ الشَّعْبِ. أَمَّا التَّعَاوُنُ فَنَحْنُ نَرَى (رُبَّمَا مُخْطِئِيْنَ) بِأَنَّهُ يَتِمُّ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ، كَتَعَاوُنِ النَّاسِ بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
    فَمِنَ الْمُفْتَرَضِ بِنَا أَنْ لَا نَتَنَاجَى بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ كَمَا هُوَ مُفْتَرَضٌ بِنَا أَنْ لَا نَتَعَاوَنَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ:
    ... فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى... [المجادلة: 9]
    ... وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2]
    وَالْمَطْلُوْبُ مِنَّا بِالْمُقَابِلِ أَنْ نَتَنَاجَى بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا هُوَ مَطْلُوْبٌ مِنَّا أَنْ نَتَعَاوَنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى:
    وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى... [المجادلة: 9]
    ... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ... [المائدة: 2]
    فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ النَّاسِ هِيَ عَلَاقَةُ نَجْوَى (إِذَا كَانَ الطَّرَفَانِ غَيْرَ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْمَكَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ) وَهِيَ أَيْضًا عَلَاقَةُ تَعَاوُنٍ (إِذَا كَانَ الطَّرَفَانِ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْعَلَاقَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ). وَهَذِهِ الْعَلَاقَةُ مَحْكُوْمَةٌ بِالتَّقْوَى فِي كِلَا الْحَالَتَيْنِ، عِنْدَمَا يَكُوْنُ هَدَفُهَا جَلْبَ الْوُدِّ وَالْمَنْفَعَةِ لِلطَّرَفَيْنِ وَعَدَمَ أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بَيْنَهُمْ بِالْبَاطِلِ أَوْ أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْإِثْمِ. السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ تَحْقِيْقُ هَذِهِ الْغَايَاتِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَتَمَثَّلُ فِي الْعَلَاقَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ.
    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَيَّ عَلَاقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ بَيْنَ النَّاسِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُوْنَ سَلِيْمَةً إِذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّنَاجِيْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالتَّعَاوُنِ كَذَلِكَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَبِخِلَافِ ذَلِكَ تُصْبِحُ الْعَلَاقَةُ مَشُوْبَةً لَا تَجْلِبُ مَعَهَا إِلَّا الْإِثْمَ وَالْعُدْوَانَ.
    السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ تَوْضِيْحُ ذَلِكَ أَكْثَرَ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَا يَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَهُ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ إِلَى الْحَاكِمِ يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ وَاقِعًا فِي بَابِ الصَّدَقَاتِ، أَيْ مَا يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ لِيُوَزِّعَهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّيْنَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَاجَاتِ، حَتَّى يَضْمَنَ التَّكَافُلَ بَيْنَ النَّاسِ. وَهَذَا – بِرَأْيِنَا- هُوَ التَّنَاجِيْ.
    أَمَّا التَّعَاوُنُ فَهُوَ – بِالْمُقَابِلِ- يَشْمَلُ عَلَاقَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِتَسْيِيْرِ أُمُوْرِهِمْ، فَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيْرُ يَتَعَاوَنُوْنَ فِيْمَا بَيْنَهُمْ، مِنْ أَجْلِ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ لِلطَّرَفَيْنِ وَلِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ. فَالْفَقِيْرُ بِحَاجَةٍ إِلَى الْمَالِ، وَالْغَنِيُّ يَمْلِكُ هَذَا الْمَالَ، لِذَا وَجَبَ أَنْ تُنَظَّمَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَسَاسِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَتَجَنُّبِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَتِمُّ عَنْ طَرِيْقِ تَجَنُّبِ الرِّبَا وَاللُّجُوْءِ إِلَى الْبَيْعِ.
    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا: إِذَا تَجَنَّبَ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَأْكُلَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَرَضِيَ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ لِلطَّرَفَيْنِ (الدَّائِنِ وَالْمَدِيْنِ)، وَيُصْبِحُ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، فَلَا يَعْتَدِيْ طَرَفٌ عَلَى طَرَفٍ. فَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ أَنْ يَأْكُلَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْمَدِيْنِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ وَيُعِيْدَهُ كَمَا هُوَ بَعْدَ أَنْ جَلَبَ لَهُ هَذَا الْمَالُ مَنْفَعَةً كَبِيْرَةً. إِذَنْ يَجِبُ أَنْ تَتَّسِمَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا (الدَّائِنِ وَالْمَدِيْنِ) بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
    السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: يُقَدِّمُ الدَّائِنُ مَا يَحْتَاجُهُ الْمَدِيْنُ مِنْ مَالٍ وَيُعِيْدُ الْمَدِيْنُ الْمَالَ لِلدَّائِنِ بَعْدَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى تَنْمِيَتِهِ.
    مِثَالٌ: تَخَيَّلْ أَنَّنِيْ بِحَاجَةٍ إِلَى مِئَةِ أَلْفِ دُوْلَارٍ مِنْ أَجْلِ تِجَارَةٍ مَا، وَلَكِنِّيْ لَا أَمْلِكُ رَأْسَ مَالٍ كَافٍ لَهَا. فَمَا الَّذِيْ يُمْكِنُنِيْ فِعْلُهُ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَا ضَيْرَ بِأَنْ أَلْجَأَ إِلَى صَاحِبِ مَالٍ لِأَطْلُبَ مِنْهُ الْمَبْلَغَ الَّذِيْ أَحْتَاجُهُ شَرِيْطَةَ أَنْ أُعِيْدَ لَهُ مَالَهُ زَائِدًا غَيْرَ نَاقِصٍ، فَتَتَحَقَّقُ الْمَصْلَحَةُ لِلطَّرَفَيْنِ: تَنْفِيْذُ تِجَارَةِ الْمَدِيْنِ الْمُتَوَقِّفِ نَمَاؤُهَا عَلَى هَذَا الْمَالِ، وَتَنْمِيَةُ مَالِ الدَّائِنِ فَيَزِيْدُ وَلَا يَنْقُصُ. فَمِنْ غَيْرِ الْمَعْقُوْلِ أَنْ آخُذَ مِنْكَ مِئَةَ أَلْفِ دِيْنَارٍ لِأُقِيْمَ بِهَا تِجَارَتِيْ وَأَرْبَحَ فِيْهَا وَتَتَحَسَّنَ حَالَتِيَ الِاقْتِصَادِيَّةُ ثُمَّ أُعِيْدَ لَكَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ مَا أَخَذْتُهُ مِنْكَ كَدَائِنٍ مِنْ مَالٍ كَمَا هُوَ. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَتَحَقَّقُ مَصْلَحَةُ طَرَفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَدِيْنُ. فَلَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي بَابِ التَّعَاوُنِ.
    وَبِالْمُقَابِلِ فَإِنَّ مِنْ غَيْرِ الْمَنْطِقِيِّ أَنْ آخُذَ مِنْكَ مَبْلَغَ مِئَةِ أَلْفِ دِيْنَارٍ دَيْنًا ثُمَّ أُعِيْدَهُ لَكَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً عَلَى حِسَابِ تِجَارَتِيَ الَّتِيْ اسْتَخْدَمْتُ فِيْهَا الْمَبْلَغَ الَّذِيْ اسْتَلَفْتُهُ مِنْكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ سَيَزِيْدُ مِنْ حَاجَتِيْ بَيْنَمَا يُضَاعِفُ رَأْسَ مَالِكَ دُوْنَ جُهْدٍ يُذْكَرُ مِنْكَ. فَتَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الْمَنْفَعَةُ لِطَرَفٍ وَاحِدٍ عَلَى حِسَابِ الطَّرَفِ الْآخَرِ. فَالْمُسْتَفِيْدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ الدَّائِنُ وَالْمُتَضَرِّرُ هُوَ الْمَدِيْنُ. فَلَا يُصْبِحُ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي بَابِ التَّعَاوُنِ. وَحَتَّى يَتَحَقَّقَ التَّعَاوُنُ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَتَحَقَّقَ الْفَائِدَةُ لِلطَّرَفَيْنِ (الدَّائِنِ وَالْمَدِيْنِ). وَلَا يَكُوْنُ ذَلِكَ إِلَّا بِتَجَنُّبِ الرِّبَا وَاللُّجُوْءِ إِلَى الْبَيْعِ. وَمِنْ أَجْلِ التَّفْرِيْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا، فَإِنَّنَا نَدْعُوْ الْقَارِئَ الْكَرِيْمَ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الِافْتِرَاءَاتِ الَّتِيْ قَدَّمْنَاهَا فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ [فقه الزكاة - الجزء 1]. لَكِنْ مَا يَهُمُّنَا هُنَا هُوَ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [البقرة: 278] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيْمَةَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوْحٌ لِمَنْ أَكَلَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَيَكُوْنُ ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِيْ:
    ... وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]
    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِمَنْ تَابَ مِنَ الرِّبَا أَنْ يَكْتَفِيَ بِرَأْسِ مَالِهِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَمَّا كَانَتِ التَّوْبَةُ تَقِفُ عِنْدَ الِاكْتِفَاءِ بِرُؤُوْسِ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَيَشْمَلُ كُلَّ مَا أَدَّى إِلَى نَمَاءِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ. وَهَذَا يَشْمَلُ الْأَمْوَالَ الْمَنْقُوْلَةَ وَغَيْرَ الْمَنْقُوْلَةِ. فَمَا أَنْ يَتُوْبَ آكِلُ الرِّبَا حَتَّى يَكُوْنَ مُلْزَمًا بِحِصَّتِهِ مِنْ رُؤُوْسِ الْأَمْوَالِ وَلَيْسَ فَقَطْ مِنَ الْمَالِ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْأَمْوَالَ الَّتِيْ بَدَأَ بِهَا تِجَارَتَهُ مُضَافًا إِلَيْهَا رِبْحُهُ الْحَلَالُ، وَهُوَ مَا يُسَاوِيْ قِيْمَةَ الْجُهْدِ الَّذِيْ بَذَلَهُ شَخْصِيًّا وَالْبِنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ الَّتِيْ طُلِبَتْ لِنَمَاءِ رَأْسِ مَالِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ (الرِّبْحَ) لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُوْنَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لِرَأْسِ الْمَالِ.
    لِسُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا لَا يَجِبُ أَكْلُ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؟
    رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ يَكْمُنُ فِي أَنْ لَا يُصْبِحَ الْمَالُ دَوْلَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ؟
    مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر: 7]
    لَوْ رَاقَبْنَا تَصَرُّفَاتِ الْأَغْنِيَاءِ فِي الْبِلَادِ الَّتِيْ تُسَمِّيْ نَفْسَهَا إِسْلَامِيَّةً، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ الثَّرْوَةُ تَتَكَدَّسُ بِيَدِ حَفْنَةٍ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ بَيْنَمَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنَ النَّاسِ يَرْزَحُوْنَ تَحْتَ خَطِّ الْفَقْرِ. فَتَوَلَّدَتْ طَبَقَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فِي الْمُجْتَمَعِ: طَبَقَةٌ قَلِيْلَةُ الْعَدَدِ غَنِيَّةٌ جِدًّا، وَطَبَقَةٌ كَثِيْرَةُ الْعَدَدِ فَقِيْرَةٌ جِدًّا. وَلَعَلِّيْ أَكَادُ أَجْزِمُ الظَّنَّ أَنَّ هَذَا مَا كَانَ لِيَحْصُلَ لَوْلَا أَنَّ الرِّبَا قَدْ أَصْبَحَ سُلُوْكًا مُشَرَّعًا، ظَنَّ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ بَيْعٌ حَلَالٌ لَا شَائِبَةَ فِيْهِ. السُّؤَالُ: مَنِ الْمَسْؤُوْلُ عَنْ هَذَا الْوَضْعِ الْمُزْرِيْ الْقَائِمِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ؟
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّهُمْ رِجَالُ الْكَهَنُوْتِ الدِّيْنِيِّ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِيْنَ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ شُيُوْخًا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ. فَهُمُ الَّذِيْنَ أَكَلُوْا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
    السُّؤَالُ: أَيْ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَنْ يَأْكُلُوْا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34]
    جَوَابٌ مُفْتَرَى: دَعْنَا نَبْدَأُ مِنَ الْآيَةِ الْكَرِيْمَةِ التَّالِيَةِ:
    وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل: 116]
    إِنَّ الَّذِيْنَ يَقُوْمُوْنَ بِفِعْلَيِ التَّحْرِيْمِ وَالتَّحْلِيْلِ هُمْ لَا شَكَّ عِنْدَنَا رِجَالُ الدِّيْنِ (الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ). فَهُمُ الْمُطَالَبُوْنَ عَلَى الدَّوَامِ بِمُحَارَبَةِ الْإِثْمِ:
    وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [المائدة: 62] لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: 63]
    وَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِأَنْ يَذَرُوْا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ، وَبِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوْا يَقْتَرِفُوْنَ:
    وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ [الأنعام: 120]
    وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَالَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِيْ يُمْكِنُ أَنْ تُقْتَرَفَ:
    قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24]
    نَتِيْجَةٌ مُفْتَرَاةٌ خَطِيْرَةٌ جِدًّا: إِنَّ الْمَالَ الَّذِيْ يَقَعُ بَيْنَ أَيْدِيْ رِجَالِ الدِّيْنِ بِطَرِيْقَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ هُوَ إِثْمٌ، سَتَكُوْنُ عَاقِبَتُهُ عَلَيْهِمْ وَخِيْمَةً، لِأَنَّ اللهَ هُوَ مَنْ تَوَعَّدَهُمْ بِالْجَزَاءِ الْمُنَاسِبِ بِهَذَا الْمَالِ الْمُقْتَرَفِ.
    السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ رِجَالُ الدِّيْنِ عَلَى هَذَا الْمَالِ الْمُقْتَرَفِ كَإِثْمٍ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ عَلَى الْأَقَلِّ ثَلَاثَ طُرُقٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الْمَالُ مِنْ خِلَالِهَا بِيَدِ رَجُلِ الدِّيْنِ، وَيَكُوْنُ هَذَا الْمَالُ الْمُقْتَرَفُ إِثْمًا يَسْتَوْجِبُ الْجَزَاءَ مِنَ اللهِ، وَهِيَ:
    1. أَنْ يَدْفَعَ النَّاسُ لِرَجُلِ الدِّيْنِ الْمَالَ كَنَجْوَى لِلتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، فَيَكُوْنُ هَذَا وَاقِعًا فِي بَابِ الْمُنَاجَاةِ بِالْإِثْمِ.
    2. أَنْ يَدْفَعَ رَجُلُ السِّيَاسَةِ الْمَالَ لِرَجُلِ الدِّيْنِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَصِفُوْا بِأَلْسِنَتِهِمُ الْكَذِبَ فَيُحِلُّوْنَ وَيُحَرِّمُوْنَ عَلَى أَهْوَاءِ الْحَاكِمِ.
    3. أَنْ يُصْبِحَ رَجُلُ الدِّيْنِ نَفْسُهُ هُوَ التَّاجِرُ الَّذِيْ يَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
    رُبَّمَا لَا أَحْتَاجُ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَمْثِلَةَ عَلَى الطَّرِيْقَةِ الْأُوْلَى وَالطَّرِيْقَةِ الثَّانِيَةِ، فَهِيَ لَا تَخْفَى عَلَى الْكَثِيْرِيْنَ، وَلَعَلَّ نَظْرَةً سَرِيْعَةً عَلَى ثَرْوَةِ رِجَالِ الدِّيْنِ الْمُتَنَفِّذِيْنَ بَيْنَ النَّاسِ فِي كُلِّ الطَّوَائِفِ وَنَظْرَةً سَرِيْعَةً عَلَى مَا يُسَمَّى بِعُلَمَاءِ السَّلَاطِيْنِ، تُغْنِيْ عَنْ كَثِيْرٍ مِنَ الشَّرْحِ وَالتَّفْصِيْلِ. لَكِنْ مَا يَهُمُّنَا هُنَا هُوَ الطَّرِيْقَةُ الثَّالِثَةُ الْمُتَمَثِّلَةُ بِأَنْ يَأْكُلَ رِجَالُ الدِّيْنِ أَنْفُسُهُمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ عِنْدَمَا يَمْتَهِنُوْا هُمُ التِّجَارَةَ، فَيُحِلُّوْنَ وَيُحَرِّمُوْنَ بِنَاءً عَلَى مَصَالِحِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْحَقِيْقِيَّةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى:
    وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل: 116]
    السُّؤَالُ: هَاتِ الدَّلِيْلَ عَلَى مَا تَفْتَرِيْ مِنْ قَوْلٍ عَلَى هَؤُلَاءِ النَّاسِ. يَطْلُبُ صَاحِبُنَا فَوْرًا.
    رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَعَلَّ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى الَّتِيْ حَصَلَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ تَمَثَّلَتْ – بِرَأْيِنَا- بِتَشْيِيْدِ مَا يُسَمَّى بِالْبُنُوْكِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِيْ ظَنَّ الْعَامَّةُ مِنَ النَّاسِ أَنَّهَا لَا تَقُوْمُ بِالْأَعْمَالِ الرِّبَوِيَّةِ، فَظَنُّوْا أَنَّهَا الْمُخَلِّصَةُ لَهُمْ مِنْ بَرَاثِنِ الْبُنُوْكِ الرِّبَوِيَّةِ الْأُخْرَى!
    السُّؤَالُ: مَنِ الْمُسْتَفِيْدُ الْأَوَّلُ وَالْأَخِيْرُ مِنْ تَشْيِيْدِ هَذِهِ الصُّرُوْحِ التِّجَارِيَّةِ بِاسْمِ الدِّيْنِ؟ وَمَنْ هُمْ فِعْلًا أَصْحَابُ هَذِهِ الْبُنُوْكِ الَّتِيْ غَدَتْ عِمْلَاقَةً فِي نُفُوْذِهَا الْمَالِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ؟ وَمَا هِيَ طَبِيْعَةُ مُعَامَلَاتِهِمُ التِّجَارِيَّةِ الَّتِيْ تَجْعَلُهَا مُخْتَلِفَةً عَنْ مُنَافِسِيْهِمْ مِنَ الْبُنُوْكِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ (أَوِ الرِّبَوِيَّةِ بِالْمُسَمَّيَاتِ الدَّارِجَةِ)؟ السُّؤَالُ: هَلْ حَلَّتِ الْبُنُوْكُ الْإِسْلَامِيَّةُ حَاجَاتِ النَّاسِ دُوْنَ أَنْ تُثْقِلَ كَاهِلَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا تَفْعَلُ الْبُنُوْكُ الرِّبَوِيَّةُ؟
    جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لَوْ حَاوَلْتَ أَنْ تَتَقَدَّمَ بِالْمُعَامَلَةِ الْمَالِيَّةِ نَفْسِهَا لِبَنْكَيْنِ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا رِبَوِيٌّ وَالْآخَرُ إِسْلَامِيٌّ (حَسَبَ التَّسْمِيَّاتِ الدَّارِجَةِ)، لَوَجَدْتَ أَنَّ الْبَنْكَ الرِّبَوِيَّ أَكْثَرُ مَنْطِقِيَّةً، وَرُبَّمَا أَقَلُّ تَكْلِفَةً مِنَ الْبَنْكِ الْإِسْلَامِيِّ. لَكِنْ لِلْأَسَفِ فَإِنَّ اسْتِخْدَامَ سَاطُوْرِ الدِّيْنِ عَلَى رِقَابِ الْعِبَادِ هِيَ الَّتِيْ تُجْبِرُ النَّاسَ (خَاصَّةً الْمُهْتَمِّيْنَ لِأَمْرِ الدِّيْنِ مِنْهُمْ) اللُّجُوْءَ إِلَى الْبُنُوْكِ الْإِسْلَامِيَّةِ حَتَّى وَإِنْ كَانَتِ التَّكْلِفَةُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ. فَهُمْ طُلَّابُ جِنَانٍ هَارِبُوْنَ مِنَ النِّيْرَانِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
    عَلَى أَيِّ حَالٍ، لَنْ أَدْخُلَ بِفِقْهِ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ، لَكِنْ يَكْفِيْنِيْ هُنَا أَنْ أُشِيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ الْبُنُوْكِ الْإِسْلَامِيَّةِ هُمْ رِجَالُ الدِّيْنِ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُمْ، وَلَا غَرَابَةَ أَنْ تَجِدَ أَنَّ رَجُلَ الدِّيْنِ (غَيْرَ الْمُشَارِكِ فِي رَأْسِ مَالِ الْبَنْكِ الْإِسْلَامِيِّ) يَعْمَلُ كَمُسْتَشَارٍ مَالِيٍّ لِهَذِهِ الْبُنُوْكِ، فَيَحْصُلُ عَلَى مَرْدُوْدٍ مَالِيٍّ خَاصٍّ بِهِ نَتِيْجَةَ وَصْفِهِ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ بِصِفَاتِ الْإِيْمَانِ وَالْكُفْرِ. فَإِذَا مَا أَفْتَى رَجُلُ الدِّيْنِ بِحُرْمَةِ مُعَامَلَةٍ مَالِيَّةٍ، فَإِنَّهَا تَنْتَهِيْ هُنَاكَ، وَإِذَا مَا رَخَّصَهَا، فَإِنَّهَا تُنَفَّذُ دُوْنَ مُسَاءَلَةٍ حَتَّى مِنْ رَجُلِ السِّيَاسَةِ، صَاحِبِ الْوِلَايَةِ عَلَى مُقَدَّرَاتِ النَّاسِ. فَهَؤُلَاءِ هُمْ بِرَأْيِنَا مَنْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْآيَةُ الْكَرِيْمَةُ التَّالِيَةُ:
    وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل: 116]
    عَلَى أَيِّ حَالٍ، دَعْنَا نَطْرَحُ التَّسَاؤُلَ التَّالِيَ: بَعِيْدًا عَنِ الْمُعَامَلَاتِ الْبَنْكِيَّةِ سَوَاءً كَانَتْ رِبَوِيَّةً أَوْ إِسْلَامِيَّةً بِمَفْهُوْمِهِمَا الشَّعْبِيِّ الدَّارِجِ بَيْنَ النَّاسِ، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ الرِّبَا فِي الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ غَيْرِ الْبَنْكِيَّةِ؟ فَهَلْ يُمْكِنُ لِتَاجِرِ الْخُضَارِ وَالْفَاكِهَةِ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِتَاجِرِ الذَّهَبِ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ لِتَاجِرِ الْأَجْهِزَةِ الْكَهْرَبَائِيَّةِ أَنْ يَقَعَ فِي فِعْلِ الرِّبَا؟ السُّؤَالُ: كَيْفَ يَحْصُلُ الرِّبَا؟ وَمَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الْمُتَعَامِلُوْنَ بِالتِّجَارَةِ فِي السُّوْقِ بِفِعْلِ الرِّبَا؟ هَذَا مَا سَنُحَاوِلُ الْإِجَابَةَ عَلَيْهِ فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، سَائِلِيْنَ اللهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ وَأَنْ يَزِيْدَنَا عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رُشْدًا، وَنَعُوْذُ بِهِ أَنْ نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ أَوْ أَنْ نَقُوْلَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيْمُ الْحَكِيْمُ – آمِيْنُ.

    الْمُدَّكِّرُوْنَ

    رَشِيْدُ سَلِيْمِ الْجَرَّاحِ & عَلِيُّ مَحْمُوْدِ سَالِمِ الشَّرْمَانِ

    بِقَلَمِ د. رَشِيْدِ الْجَرَّاحِ

    6 آب 2017
    أنت تقرأ في قسم: الفقه | فقه الزكاة