home الرئيسية chevron_left الفقه | فقه الحج chevron_left

فقه الحج - رؤية جديدة 3

رشيد الجراح
أ.د. رشيد الجراح
DOI Pending event_available أبريل 08, 2016
محتويات المقال:


    ملخص: تُقَدِّمُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ رُؤْيَةً جَدِيدَةً لِفِقْهِ الْحَجِّ، مُفْتَرِضَةً أَنَّهُ فِعْلٌ تَعَبُّدِيٌّ يُمَثِّلُ لِقَاءً فِيزْيَائِيًّا مَعَ اللهِ فِي بَيْتِهِ الْحَرَامِ. تَرْبُطُ الْمَقَالَةُ بَيْنَ قِصَّةِ مِيعَادِ مُوسَى مَعَ رَبِّهِ وَشَعَائِرِ الْحَجِّ، وَتُفَسِّرُ "الْأَهِلَّةَ" عَلَى أَنَّهَا الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ (أَبْوَابُ الْبَيْتِ) الَّتِي تُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ مِنْ جِهَاتٍ أَرْبَعٍ، وَالَّتِي يَبْدَأُ مِنْهَا الْحَاجُّ مَرَاسِمَ الزِّيَارَةِ بِالْإِحْرَامِ، مُعْلِنًا اسْتِسْلَامَهُ لِتَسْوِيَةِ خِلَافِهِ مَعَ رَبِّهِ وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ الشَّامِلَةِ.
    محتويات المقال:

      فِقْهُ الْحَجِّ - رُؤْيَةٌ جَدِيدَةٌ - الْجُزْءُ الثَّالِثُ

      خَرَجْنَا مِنَ الْجُزْءِ السَّابِقِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِالِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةِ:

      • الْحَجُّ شَعِيرَةٌ مَفْرُوضَةٌ عَلَى النَّاسِ
      • يُكَلَّفُ بِأَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الرِّجَالُ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ
      • لَا يُكَلَّفُ بِأَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْمُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ
      • الْحَجُّ لَيْسَ مَفْرُوضًا عَلَى النِّسَاءِ، لِذَا يَأْتِي حَجُّ النِّسَاءِ فِي بَابِ التَّشْرِيفِ وَلَيْسَ التَّكْلِيفِ
      • الْحَجُّ لَيْسَ مَفْرُوضًا عَلَى الْوِلْدَانِ
      • الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَشْهُرٍ شَمْسِيَّةٍ وَلَيْسَتْ أَشْهُرًا قَمَرِيَّةً
      • مُدَّةُ الْحَجِّ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ شَمْسِيَّةٍ، أَيْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَهَذِهِ هِيَ الْفَتْرَةُ الزَّمَنِيَّةُ الَّتِي طَلَبَ اللهُ مِمَّنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ بِأَنْ لَا يَرْفُثَ وَلَا يَفْسُقَ وَلَا يُجَادِلَ
      • الْحَجُّ شَعِيرَةٌ يُكَلَّفُ بِهَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَيُقَصِّرَ شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَإِبْطَيْهِ وَعَانَتِهِ وَأَظْفَارِهِ
      • مَنْ كَانَ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
      • لَيْسَ مَطْلُوبٌ مِنَ النِّسَاءِ الْحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ أَوِ الْفِدْيَةُ
      • الْخ

      وَقَدْ قَادَنَا هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّدَبُّرِ إِلَى إِعَادَةِ التَّفَكُّرِ فِي قِصَّةِ خُرُوجِ مُوسَى وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِظَنِّنَا بِأَنَّ رِحْلَةَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِاتِّجَاهِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ قَدْ بَدَأَتْ مِنَ الْمِنْطَقَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ فِي ظَنِّنَا مَدِينَةُ جِدَّةَ الْوَاقِعَةُ عَلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ فِي مُقَابِلِ أَرْضِ مِصْرَ. (انْظُرِ الْجُزْءَ السَّابِقَ)

      وَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ رِحْلَةَ الْخُرُوجِ قَدْ بَدَأَتْ مِنْ أَرْضِ الْمَحْرَقَةِ:

      قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦﴾ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿٧﴾ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٨﴾ (سورة البروج)

      حَيْثُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الْمُوَاجَهَةُ الْفِعْلِيَّةُ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ:

      فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى ﴿٥٨﴾ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴿٥٩﴾ (سورة طه)

      فَجَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ لِمُوسَى بِأَنْ يَسْرِيَ بِعِبَادِ اللهِ لَيْلًا:

      فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ﴿٢٣﴾ (سورة الدخان)

      فَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بِاتِّجَاهِ الشَّرْقِ:

      فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ﴿٦٠﴾ (سورة الشعراء)

      وَمَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إِلَّا عِنْدَ حَافَّةِ الْبَحْرِ:

      فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١﴾ (سورة الشعراء)

      وَهُنَاكَ طَلَبَ اللهُ مِنْ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، فَانْفَلَقَ الْبَحْرُ حَتَّى كَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ:

      فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴿٦٣﴾ (سورة الشعراء)

      فَكَانَتْ نُقْطَةُ الْعُبُورِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَابِلَةُ لِمَدِينَةِ جِدَّةَ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ. وَمَا أَنْ جَاوَزَ مُوسَى بِمَنْ مَعَهُ الْبَحْرَ حَتَّى كَانَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ أَجْمَعِينَ:

      وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿٦٥﴾ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴿٦٦﴾ (سورة الشعراء)

      فَبَدَأَتْ مِنْ هُنَاكَ (نَحْنُ نَتَخَيَّلُ) رِحْلَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِاتِّجَاهِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. فَكَانَتْ أَوَّلَ مَحَطَّاتِهِمْ هُمْ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ:

      وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾ (سورة الأعراف)

      وَفِي أَثْنَاءِ رِحْلَتِهِمْ تِلْكَ، حَصَلَ الْمِيعَادُ مِنَ اللهِ لِنَبِيِّهِ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً:

      وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١﴾ (سورة البقرة)

      لَكِنَّ مُوسَى تَعَجَّلَ اللِّقَاءَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ. فَلَمْ يَحْصُلِ اللِّقَاءُ حَتَّى تَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ عَلَى رَأْسِ اللَّيْلَةِ الْأَرْبَعِينَ:

      وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ (سورة الأعراف)

      وَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مَوْعِدَ اللِّقَاءِ كَانَ فِي عَرَفَاتٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ:

      وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ (سورة التوبة)

      وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كُتِبَ لِمُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ:

      وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ۚ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥﴾ (سورة الأعراف)
      ```

      الدَّلِيلُ: بَابُ الْمِيقَاتِ

      لَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ الَّتِي تَتَحَدَّثُ عَنِ الْمِيعَادِ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَتَحَدَّثُ عَنْ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ وَهِيَ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً:

      وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١﴾ (سورة البقرة)

      لَكِنَّ الْمُلْفِتَ لِلِانْتِبَاهِ هُوَ أَنَّ مُوسَى قَدْ تَعَجَّلَ فِي عَشَرَةِ لَيَالٍ، فَجَاءَ عَلَى رَأْسِ اللَّيْلَةِ الثَّلَاثِينَ:

      وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ (سورة الأعراف)

      وَلَمَّا كَانَ اللهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ:

      وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٣١﴾ (سورة الرعد)
      لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴿٢٠﴾ (سورة الزمر)

      كَانَ عَلَى مُوسَى أَنْ يَظَلَّ مُنْتَظِرًا مِيقَاتَ رَبِّهِ:

      وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾ (سورة الأعراف)

      (لِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مَقَالَاتِنَا السَّابِقَةَ)

      وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ نَجِدُ الْحَدِيثَ وَاضِحًا عَنْ مُفْرَدَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ، وَهُمَا الْمُفْرَدَةُ الْخَاصَّةُ بِالْوَعْدِ (وَوَاعَدْنَا) وَالْمُفْرَدَةُ الْخَاصَّةُ بِالتَّوْقِيتِ (مِيقَاتُ)، وَهُنَا لَا نَتَرَدَّدُ أَنْ نَطْلُبَ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ مُحَاوَلَةَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُفْرَدَتَيْنِ، طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةَ:

      • مَا هُوَ الْمِيعَادُ؟
      • مَا هُوَ الْمِيقَاتُ؟
      • مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفْرَدَتَيْنِ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: إِنَّ مِنْ أَهَمِّ مُمَيِّزَاتِ الْمِيعَادِ هُوَ تَوَافُرُ الشُّرُوطِ التَّالِيَةِ:

      • الْمِيعَادُ يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ
      • الْمِيعَادُ يَكُونُ لِسَبَبٍ مَا
      • الْمِيعَادُ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْدِيدِ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ
      • الْمِيعَادُ يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ مُحَدَّدٍ

      مِثَالٌ: عِنْدَمَا يَقْطَعُ شَخْصٌ مَا مِيعَادًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَطَعَهُ مَعَ طَرَفٍ آخَرَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ مِيعَادٌ بِوُجُودِ طَرَفٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:

      إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٤٢﴾ (سورة الأنفال)

      فَالْمُوَاعَدَةُ تَكُونُ إِذَنْ بَيْنَ طَرَفَيْنِ. وَنَحْنُ نَظُنُّ بِاسْتِحَالَةِ الْمُوَاعَدَةِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ إِلَّا لِغَايَةٍ يَتَّفِقُ عَلَيْهَا الطَّرَفَانِ. فَإِنْ قَابَلْتُكَ أَنَا فِي مَكَانٍ مَا بِعَامِلِ الْمُصَادَفَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ فِي بَابِ الْمُوَاعَدَةِ، لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمُوَاعَدَةِ هُوَ الِاتِّفَاقُ الْمُسْبَقُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، لَكِنَّ السُّؤَالَ هُوَ: لِمَ يَتَّفِقُ طَرَفَانِ عَلَى الْمُوَاعَدَةِ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ تَتِمُّ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مِنْ أَجْلِ غَايَةٍ مُحَدَّدَةٍ كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

      وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿٢٣٥﴾ (سورة البقرة)

      وَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ قَدْ تَتِمُّ بِالسِّرِّ (كَمُوَاعَدَةِ الْخَاطِبِ لِمَخْطُوبَتِهِ مِنَ النِّسَاءِ)، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ تَتِمَّ بِالْعَلَنِ كَمَا حَصَلَ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى:

      وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ (سورة الأعراف)

      فَمُوَاعَدَةُ اللهِ لِمُوسَى كَانَ خَبَرُهَا مَعْلُومٌ عِنْدَ هَارُونَ وَقَوْمِ مُوسَى بِدَلِيلِ أَنَّ مُوسَى قَدْ جَعَلَ هَارُونَ خَلِيفَةً لَهُ فِي قَوْمِهِ. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُوَاعَدَةَ قَدْ تَتِمُّ بِالْعَلَنِ مِنْ تِلْكَ الْمُوَاعَدَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَ اللهِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ كُلِّهِمْ:

      يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ﴿٨٠﴾ (سورة طه)

      وَعِنْدَمَا تَحْصُلُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَلَابُدَّ مِنْ وُجُودِ سَبَبٍ لِهَذِهِ الْمُوَاعَدَةِ كَمَا بَدَرَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ مَعَ أَبِيهِ:

      وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴿١١٤﴾ (سورة التوبة)

      فَلَقَدْ كَانَتْ مُوَاعَدَةُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ هِيَ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ ذِي قَبْلُ:

      قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْfِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾ (سورة مريم)

      نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْهَدَفَ مِنَ الْمِيعَادِ يُسَمَّى مَوْعِدَةً، لَكِنْ يَبْقَى هُنَاكَ شَرْطَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. فَالْمِيعَادُ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْدِيدِ الزَّمَانِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ اللِّقَاءُ، كَمَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْدِيدِ الْمَكَانِ الَّذِي سَيَتِمُّ فِيهِ اللِّقَاءُ، كَمَا فِي الْجَدْوَلِ التَّالِي:

      طَرَفَيِ الْمِيعَادِ
      طَرِيقَةُ الْمِيعَادِ قَدْ يَكُونُ بِالسِّرِّ وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَلَنِ
      سَبَبُ الْمِيعَادِ مَوْعِدَةٌ
      وَقْتُ الْمِيعَادِ
      مَكَانُ الْمِيعَادِ

      لِذَا، عِنْدَمَا حَصَلَ الْمِيعَادُ مِنَ اللهِ لِنَبِيِّهِ مُوسَى، كَانَ هَذَا الْمِيعَادُ عَلَنِيًّا بِدَلِيلِ مَعْرِفَةِ هَارُونَ وَقَوْمِ مُوسَى بِهِ، فَمُوسَى هُوَ مَنْ تَرَكَ هَارُونَ أَخَاهُ خَلِيفَةً لَهُ فِي قَوْمِهِ، وَذَهَبَ وَحِيدًا مُتَعَجِّلًا لِقَاءَ رَبِّهِ:

      وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿٨٣﴾ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴿٨٤﴾ (سورة طه)

      لَكِنْ تَبْقَى التَّسَاؤُلَاتُ التَّالِيَةُ مَطْرُوحَةً لِلْبَحْثِ، وَهِيَ:

      • مَاذَا كَانَ سَبَبُ الْمِيعَادِ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً (نَحْنُ نَسْأَلُ): مَا الْهَدَفُ الْمَنْشُودُ مِنْ ذَلِكَ الْمِيعَادِ؟ وَلِمَاذَا تَرَكَ مُوسَى قَوْمَهُ عَلَى أَثَرِهِ وَعَجَّلَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ؟
      • مَا الْوَقْتُ الَّذِي تَحَدَّدَ لِيَكُونَ هُوَ وَقْتَ اللِّقَاءِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؟
      • مَا الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتِمَّ فِيهِ اللِّقَاءُ؟

      بَابُ سَبَبِ الْمِيعَادِ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى

      نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَكُونُ الْمِيعَادُ مَعْقُودًا بَيْنَ طَرَفَيْنِ، فَإِنَّ سَبَبَ هَذَا الْمِيعَادِ يَتَبَيَّنُ بِشَكْلٍ جَلِيٍّ مِمَّا يَتَمَخَّضُ عَنْهُ. فَعِنْدَمَا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَضِيَّةٌ مَا يَتَطَلَّبُ نِقَاشُهَا وَجْهًا لِوَجْهٍ، فَإِنَّنَا نَقُومُ بِتَحْدِيدِ الْمِيعَادِ (الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ) لِمُنَاقَشَةِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَمَا أَنْ يَحْصُلَ اللِّقَاءُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ حَتَّى تَبْدَأَ الْمُنَاقَشَاتُ، وَيُعْرَفُ السَّبَبُ الَّذِي حَصَلَ اللِّقَاءُ مِنْ أَجْلِهِ بِمَا يَتَمَخَّضُ عَنْ ذَلِكَ اللِّقَاءِ مِنْ نَتَائِجَ. فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ لَنَا مَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْمِيعَادِ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى، فَرُبَّمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَبَيَّنَ مِنْهَا هَدَفَ ذَلِكَ الْمِيعَادِ، قَالَ تَعَالَى:

      وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤﴾ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ۚ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥﴾ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴿١٤٦﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٧﴾ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴿١٤٨﴾ (سورة الأعراف)

      فَالْمُتَدَبِّرُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يَجِدُ عَلَى الْفَوْرِ أَنَّ النَّتِيجَةَ الْأَبْرَزَ لِهَذَا اللِّقَاءِ تَتَمَثَّلُ – بِرَأْيِنَا- فِيمَا كَتَبَهُ اللهُ لِمُوسَى فِي الْأَلْوَاحِ:

      وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ۚ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥﴾ (سورة الأعراف)

      لِذَا، نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الظَّنِّ بِأَنَّ السَّبَبَ الرَّئِيسِيَّ فِي تَحْدِيدِ الْمِيعَادِ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى هُوَ الْأَلْوَاحُ. فَالْمِيعَادُ كَانَ بَيْنَ اللهِ (وَرُوحِهِ وَمَلَائِكَتِهِ) مِنْ جِهَةٍ وَنَبِيِّهِ مُوسَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَلَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا عَلَى مُوسَى أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ أَحَدًا إِلَى هَذَا الْمِيعَادِ. وَهَذَا – بِرَأْيِنَا- كَانَ دَافِعًا قَوِيًّا أَنْ يَتْرُكَ مُوسَى أَخَاهُ هَارُونَ فِي قَوْمِهِ وَيَتَعَجَّلَ بِمُفْرَدِهِ لِمُلَاقَاةِ رَبِّهِ:

      وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾ (سورة الأعراف)

      السُّؤَالُ: لِمَاذَا ذَهَبَ مُوسَى بِنَفْسِهِ لِلِقَاءِ رَبِّهِ؟ وَلِمَ لَمْ يَذْهَبِ اللهُ بِنَفْسِهِ لِلِقَاءِ مُوسَى؟ أَلَيْسَ اللهُ قَرِيبٌ؟ وَلِمَ وَجَبَ تَحْدِيدُ اللِّقَاءِ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ بِعَيْنِهِ؟ وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي تَمَّ تَحْدِيدُهُ لِيَتِمَّ اللِّقَاءُ فِيهِ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّهُ مَادَامَ أَنَّ الْهَدَفَ مِنَ اللِّقَاءِ هُوَ الْكِتَابَةُ فِي الْأَلْوَاحِ، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَحْدُثَ إِلَّا فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ لَهُ خُصُوصِيَّةُ الْوَحْيِ، أَيْ مَكَانٍ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَزَّلَ فِيهِ الْوَحْيُ.

      السُّؤَالُ: مَا هَذَا الْمَكَانُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَزَّلَ فِيهِ الْوَحْيُ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ فِيهِ الْوَحْيُ هُوَ وَاحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا:

      1. الْمَكَانُ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
      2. الْمَكَانُ الَّذِي يَتَنَزَّلُ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ

      السُّؤَالُ: مَا هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَتَنَزَّلُ فِيهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ فِيهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ هُوَ الْبَلَدُ الْأَمِينُ (مَكَّةُ)

      السُّؤَالُ: وَمَا هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَتَنَزَّلُ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ (الْقُدْسُ)

      السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ هُمَا فَقَطِ الْمَكَانَانِ الْوَحِيدَانِ اللَّذَانِ يَتَوَاجَدُ فِيهِمَا الْإِلَهُ تَوَاجُدًا فِيزْيَائِيًّا.

      السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَجِدُ الْإِجَابَةَ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

      رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ (سورة إبراهيم)

      فَذَلِكَ الْوَادِ (غَيْرُ ذِي الزَّرْعِ) هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَتَوَاجَدُ بِهِ بَيْتُ اللهِ الْحَرَامُ:

      جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٩٧﴾ (سورة المائدة)

      وَهَذَا الْبَيْتُ هُوَ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ الَّذِي وُضِعَ لِلنَّاسِ وَضْعًا:

      إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ (سورة آل عمران)

      وَقَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ فِي مَقَالَاتٍ سَابِقَةٍ لَنَا بِأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ قَدْ نُقِلَ نَقْلًا مِنْ مَكَانِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَا آدَمُ وَزَوْجُهُ مِنْ تِلْكَ الْجَنَّةِ:

      وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣٥﴾ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴿٣٦﴾ (سورة البقرة)
      وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٩﴾ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴿٢٠﴾ (سورة الأعراف)

      وَمَا أَنْ بَدَأَتِ الذُّرِّيَّةُ مِنَ النَّاسِ مَعَ ابْنَيْ آدَمَ، حَتَّى دَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ عَلَى مِلْكِيَّةِ هَذَا الْبَيْتِ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ:

      فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٣٠﴾ (سورة المائدة)

      فَأَصْبَحَ هَذَا الْبَيْتُ مُحَرَّمًا عَلَى النَّاسِ جَمِيعًا، فَكَانَ بَيْتًا حَرَامًا، قِيَامًا لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ:

      جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٩٧﴾ (سورة المائدة)

      فَهَذَا الْبَيْتُ هُوَ كَعْبَةٌ، لِأَنَّهُ (قَدِ افْتَرَيْنَا الظَّنَّ سَابِقًا) وَاحِدٌ مِنْ كَوَاعِبَ أَتْرَابٍ، أَيْ بُيُوتِ الْجَنَّةِ:

      إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ (سورة النبأ)

      وَمَا أَنْ نُقِلَ هَذَا الْبَيْتُ (الْكَعْبَةُ مُفْرَدُ كَوَاعِبَ) مِنَ الْجَنَّةِ الْأُولَى حَتَّى أَصْبَحَ مَكَانُهُ الْأَصْلِيُّ غَيْرَ مُبَارَكٍ، مَادَامَ أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، لَكِنْ ظَلَّتِ الْمِنْطَقَةُ الْمُحِيطَةُ بِهِ مُبَارَكَةً:

      سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ (سورة الإسراء)

      وَانْتَقَلَتِ الْبَرَكَةُ مَعَ الْكَعْبَةِ (الْبَيْتِ الْحَرَامِ)، فَأَصْبَحَتْ مُبَارَكَةً بِذَاتِهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلَهَا مُبَارَكًا:

      إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ (سورة آل عمران)

      السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا النِّقَاشِ بِمَوْضُوعِ اللِّقَاءِ بَيْنَ اللهِ وَنَبِيِّهِ مُوسَى؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ التَّوَاجُدَ الْإِلَهِيَّ الْفِيزْيَائِيَّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ إِلَّا فِي هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ. فَالْإِلَهُ يَتَدَلَّى بِنَفْسِهِ فِي هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ، لِأَنَّهُمَا هُمَا الْمَكَانَانِ الْمُبَارَكَانِ، أَيِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِمَا الْمُبَارَكَةُ الْإِلَهِيَّةُ.

      السُّؤَالُ: أَيْنَ وَمَتَى يَتَدَلَّى الْإِلَهُ بِنَفْسِهِ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى (1): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِلَهَ يَتَدَلَّى فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ الْمَوْجُودِ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي اللَّيْلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى (2): نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْإِلَهَ يَتَدَلَّى فِي الْوَادِ غَيْرِ ذِي الزَّرْعِ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي النَّهَارِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.

      السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ هُمَا الْمِيقَاتُ الْإِلَهِيُّ

      السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟

      بَابُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَالْمِيعَادِ

      لَعَلَّ مِنْ أَهَمِّ النِّقَاطِ الْوَاجِبِ مُنَاقَشَتُهَا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ هُوَ مُحَاوَلَةُ التَّفْرِيقِ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ الْخَاصَّةِ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهَا – بِرَأْيِنَا- الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ مِنْ جِهَةٍ وَالْمِيعَادِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. فَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الْمِيقَاتَ خَاصٌّ بِالْحَجِّ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

      يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾ (سورة البقرة)

      وَلَوْ حَاوَلْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسَى، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمِيقَاتَ قَدْ حَصَلَ مَرَّةً لِمُوسَى وَحْدَهُ:

      وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾ (سورة الأعراف)

      وَحَصَلَ مَرَّةً أُخْرَى لِمُوسَى مَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ مُوسَى:

      وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴿١٥٥﴾ (سورة الأعراف)

      وَنَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْمِيقَاتَ الَّذِي حَصَلَ لِمُوسَى وَحْدَهُ قَدْ كَانَ فِي الْوَادِ غَيْرِ ذِي الزَّرْعِ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، بَيْنَمَا الْمِيقَاتُ الَّذِي حَصَلَ لِمُوسَى مَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ قَدْ كَانَ فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عِنْدَ الطُّورِ.

      الدَّلِيلُ

      مِنْ أَجْلِ جَلْبِ الدَّلِيلِ الَّذِي قَدْ يُثْبِتُ زَعْمَنَا هَذَا، فَإِنَّنَا نَظُنُّ أَنَّنَا بِحَاجَةٍ أَنْ نُنَاقِشَ بِالتَّفْصِيلِ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

      يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾ (سورة البقرة)

      وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ مُنَاقَشَةَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَتَطَلَّبُ طَرْحَ تَسَاؤُلَاتٍ مِفْصَلِيَّةٍ نَذْكُرُ مِنْهَا:

      • لِمَاذَا جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِتُبَيِّنَ لَنَا أَنَّهَا تَسَاؤُلَاتٌ مِنَ النَّاسِ مُوَجَّهَةٌ لِلنَّبِيِّ نَفْسِهِ (يَسْأَلُونَكَ)؟
      • لِمَاذَا جَاءَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْأَهِلَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ)؟
      • مَا هِيَ الْأَهِلَّةُ أَصْلًا (الْأَهِلَّةِ)؟
      • مَا عَلَاقَتُهَا بِالْمَوَاقِيتِ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ)؟
      • لِمَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ خَاصَّةٌ بِالنَّاسِ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)؟
      • مَا عَلَاقَةُ الْأَهِلَّةِ وَالْمَوَاقِيتِ بِالْحَجِّ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)؟
      • مَا عَلَاقَتُهَا بِالْبِرِّ؟
      • مَا عَلَاقَتُهَا بِإِتْيَانِ الْبُيُوتِ مِنْ أَبْوَابِهَا (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا)؟
      • مَا عَلَاقَتُهَا بِالتَّقْوَى (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) (وَاتَّقُواْ اللّهَ)؟
      • مَا عَلَاقَتُهَا بِالْفَلَاحِ (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)؟
      • الْخ

      جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْأَهِلَّةِ عَلَاقَةً مُبَاشِرَةً بِالْبُيُوتِ الَّتِي أَمَرَنَا اللهُ بِأَنْ نَأْتِيَهَا مِنْ أَبْوَابِهَا. فَمَنْ أَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتًا (حَتَّى وَإِنْ كَانَ بَيْتَهُ الْخَاصَّ بِهِ)، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنَ الْبَابِ. وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ بَابَ الْبَيْتِ هُوَ مُقَدِّمَتُهُ حَيْثُ يَكُونُ الشَّخْصُ الْقَادِمُ إِلَى الْبَيْتِ مَكْشُوفًا لِأَهْلِ الْبَيْتِ أَنْفُسِهِمُ الْمُتَوَاجِدِينَ فِيهِ. فَمَنْ أَتَى بَيْتًا مِنْ غَيْرِ بَابِهِ فَهُوَ قَدْ أَتَاهُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، كَاللِّصِّ الَّذِي يُحَاوِلُ التَّسَلُّلَ إِلَى الْمَكَانِ دُونَ عِلْمِ أَصْحَابِهِ. فَالطَّرِيقَةُ الْمَشْرُوعَةُ الْوَحِيدَةُ لِلْقُدُومِ إِلَى الْبَيْتِ (أَيِّ بَيْتٍ) هُوَ إِتْيَانُهُ مِنْ بَابِهِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمَّا كَانَتِ الْكَعْبَةُ هِيَ بَيْتَ اللهِ الْحَرَامَ، وَجَبَ عَلَى الزَّائِرِ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ بَابِهِ. فَمَا هُوَ بَابُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (الْكَعْبَةِ)؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَمَّا كَانَتِ الزِّيَارَةُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَصَّلَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ:

      وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ (سورة الحج)

      كَانَ لَابُدَّ أَنْ تَتِمَّ الزِّيَارَةُ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ مِنْ بَابِهِ، لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: مِنْ أَيْنَ يُمْكِنُ أَنْ نَأْتِيَ الْكَعْبَةَ عَلَى أَسَاسِ أَنَّهَا بَيْتُ اللهِ الْمُحَرَّمُ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ بِالْإِمْكَانِ إِتْيَانُ الْكَعْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الِاتِّجَاهَاتِ (الشَّمَالِ أَوِ الْجَنُوبِ أَوِ الشَّرْقِ أَوِ الْغَرْبِ). لِذَا لَابُدَّ نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ وُجُودِ بَابٍ لِهَذَا الْبَيْتِ مِنْ كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ. فَمَا هِيَ أَبْوَابُ الْكَعْبَةِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلنَّاسِ الْقَادِمِينَ إِلَيْهَا أَنْ يَأْتُوهَا مِنْهَا؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى خَطِيرٌ جِدًّا جِدًّا لَا تُصَدِّقُوهُ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ أَبْوَابَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ هِيَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ لِلنَّاسِ، قَالَ تَعَالَى:

      يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾ (سورة البقرة)

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى الْقَوْلِ (رُبَّمَا مُخْطِئِينَ) بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ هِيَ أَبْوَابُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّتِي رَخَّصَ اللهُ لِلزَّائِرِينَ أَنْ يَأْتُوهُ مِنْهَا. انْتَهَى.

      السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مَوَاقِيتَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَهِلَّةٍ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟.

      السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ ذَلِكَ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلَ.

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: غَالِبًا مَا تَدَاوَلَ الْفِكْرُ الشَّعْبِيُّ مُفْرَدَةَ الْهِلَالِ لِتَدُلَّ عَلَى شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الْقَمَرِ خَاصَّةً فِي بِدَايَةِ تَكَوُّنِهِ، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي، الَّذِي يُبَيِّنُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ، فِي أَحَدِ شُهُورِهِ:


       

      وصف الصورة بالذكاء الاصطناعي

      A detailed chart illustrating the phases of the moon over a 30-day cycle, from new moon to waxing crescent, first quarter, waxing gibbous, full moon, and through the waning phases. Scientific, clear labels, dark space background. High resolution.

      لَكِنْ مَا يَهُمُّنَا هُنَا هُوَ أَنَّهُ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ أَشْكَالِ (مَنَازِلِ) الْقَمَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ نَجِدُ أَنَّ شَكْلَهُ فِي بِدَايَةِ تَكَوُّنِهِ هُوَ مَا نُسَمِّيهِ بِالْعَرَبِيَّةِ بِالْهِلَالِ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا؟ أَيْ لِمَاذَا نُطْلِقُ عَلَى الْقَمَرِ فِي بِدَايَةِ تَكَوُّنِهِ (أَيِ اللَّيَالِي الْأُولَى لَهُ) هِلَالًا؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقَمَرَ يُسَمَّى هِلَالًا فِي بِدَايَةِ تَكَوُّنِهِ لِلسَّبَبَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ وَهُمَا:

      1. التَّوْقِيتُ
      2. الشَّكْلُ

      السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْقَمَرَ يَكُونُ هِلَالًا فِي وَقْتٍ مُحَدَّدٍ مِنْ تَشَكُّلِهِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَبْدَأُ فِيهِ بِالظُّهُورِ لِلْعَلَنِ، فَيُصْبِحُ مِنَ الْمُمْكِنِ رُؤْيَتُهُ، فَمَا أَنْ يَظْهَرَ الْقَمَرُ فِي بِدَايَةِ تَكَوُّنِهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَجَالِ الرُّؤْيَةِ لِلنَّاسِ، فَهُوَ إِذًا الْقَمَرُ فِي أَوَّلِ ظُهُورٍ لَهُ لِلنَّاسِ، وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَظْهَرُ حِينَهَا عَلَى شَكْلٍ قَوْسِيٍّ كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:


       

      وصف الصورة بالذكاء الاصطناعي

      A scientific diagram illustrating the human binocular field of view. Shows two overlapping circles representing the view from each eye, creating a central almond-shaped area of binocular vision and peripheral monocular zones on the sides. Labeled diagram, clean, minimalist style.

      وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَرْبِطَ هَذَا - عَزِيزِي الْقَارِئَ- بِمَجَالِ الرُّؤْيَةِ لِلْعَيْنِ الْبَشَرِيَّةِ نَفْسِهَا. لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ؛ فَأَنْتَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ أَمَامَكَ لِتَرَى مَا يَتَوَاجَدُ مُبَاشَرَةً أَمَامَ عَيْنِكَ، فَإِنَّ مَجَالَ الرُّؤْيَةِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَظْهَرُ مُبَاشَرَةً أَمَامَ عَيْنِكَ فِي خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ وَفِي نُقْطَةٍ مُحَدَّدَةٍ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا تُغَطِّي كَامِلَ الْمِنْطَقَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي مَجَالِ الرُّؤْيَةِ وَالَّتِي تَكُونُ عَلَى شَكْلِ هِلَالٍ، كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّالِي:


       

      وصف الصورة بالذكاء الاصطناعي

      A stylized, minimalist illustration of a person standing with their arms outstretched to the sides, palms up. The view is from the front. The shape of the arms and upper body creates a crescent-like arc. Abstract, symbolic, neutral background.

      وَهِيَ الْمِنْطَقَةُ الَّتِي تَكُونُ ضِمْنَ مَجَالِ ذِرَاعَيْكَ لَوْ أَنَّكَ مَدَدْتَهُمَا كَمَا فِي الشَّكْلِ التَّوْضِيحِيِّ التَّالِي:


       

      وصف الصورة بالذكاء الاصطناعي

      A simple, clean infographic diagram. A central circle labeled 'The Kaaba'. Surrounding the circle are four large, thick crescent shapes, one for each cardinal direction (North, South, East, West), representing the 'Ahillah' or Mawaqeet. Minimalist, black and white.

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: الْهِلَالُ هُوَ مُرْتَبِطٌ بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْمِنْطَقَةَ الْمَوْجُودَةَ أَمَامَ النَّاظِرِ عَلَى شَكْلٍ قَوْسِيٍّ

      السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِزِيَارَةِ الْبُيُوتِ؟ وَمَا عَلَاقَةُ هَذَا بِزِيَارَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لَهُ مَوَاقِيتُ، وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ هِيَ أَهِلَّةٌ. انْتَهَى.

      السُّؤَالُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: دَعْنَا نَتَخَيَّلُ الْقَادِمِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ الْمَوْجُودِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَهُمُ الْقَادِمُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ. وَهُمْ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ مِنْ أَبْوَابِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ هَذَا الْمَشْهَدَ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عَلَى الْقَادِمِينَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ أَنْ يَكُونُوا فِي مَجَالِ الرُّؤْيَا الْمُبَاشِرَةِ لِمَنْ يَتَوَاجَدُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ. فَلَوْ نَظَرَ مَنْ هُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَى الْقَادِمِينَ إِلَى الْبَيْتِ لَأَبْصَرَهُمْ يُحِيطُونَ بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، كَإِحَاطَةِ السِّوَارِ بِالْمِعْصَمِ. أَيْ يُشَكِّلُونَ حَوْلَهُ دَائِرَةً مُتَكَامِلَةً. وَلَوْ حَاوَلْنَا تَقْسِيمَ هَذِهِ الدَّائِرَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْبَيْتِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ حَسَبَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ (الشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ وَالشَّرْقِ وَالْغَرْبِ) مِنْ حَيْثُ يَقْدَمُ النَّاسُ، لَوَجَدْنَا أَنَّ كُلَّ قِسْمٍ يُشَكِّلُ حَوْلَ الْبَيْتِ مَا يُشْبِهُ الْهِلَالَ. انْظُرِ الشَّكْلَ التَّوْضِيحِيَّ التَّالِي:


       

      وصف الصورة بالذكاء الاصطناعي

      A clear, detailed geographical map of the Arabian Peninsula and surrounding regions, including the Red Sea, Egypt (Sinai Peninsula), and the Levant. The historical region of 'Midian' (مدين) is clearly marked and highlighted, located in the northwest of modern-day Saudi Arabia, east of the Gulf of Aqaba. Topographical features like deserts and mountains are visible.

      السُّؤَالُ: مَا هِيَ هَذِهِ الْأَهِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ هَذِهِ الْأَهِلَّةَ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ.

      السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ هِيَ الْأَمَاكِنُ الَّتِي تُحِيطُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنَ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى شَكْلِ أَهِلَّةٍ (جَمْعُ هِلَالٍ)، حَيْثُ تَبْدَأُ مِنْ عِنْدِهَا مَرَاسِمُ الزِّيَارَةِ الْفِعْلِيَّةِ لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ.

      السُّؤَالُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ وَمَا هِيَ مَرَاسِمُ (أَيْ شَعَائِرُ) الْحَجِّ

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا: نَحْنُ نَظُنُّ بِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأَمَاكِنُ (الْمَوَاقِيتُ) الَّتِي يَبْدَأُ فِيهَا الزَّائِرُ لِلْبَيْتِ أَوَّلَ شَعَائِرِ الْحَجِّ، أَلَا وَهُوَ الْإِحْرَامُ. فَالْإِحْرَامُ يَبْدَأُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ حَجَّ الْبَيْتِ. انْتَهَى.

      تَلْخِيصُ مَا سَبَقَ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَتَوَجَّبُ عَلَى الَّذِي فَرَضَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ رَاجِلًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ الْعَشَرَةِ (أَيْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا). فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْدَمَ إِلَى مِنْطَقَةِ الْحَجِّ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ (عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)، لَكِنْ مَا أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمِنْطَقَةِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ حَتَّى يَتَوَجَّبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَرَجَّلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، لِيَبْدَأَ مَرَاسِمَ الْحَجِّ رَاجِلًا (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا)، وَيَكُونُ أَوَّلَ شَعَائِرِ الْحَجِّ هُوَ لُبْسُ الْإِحْرَامِ. أَيْ خَلْعُ كُلِّ مَا يَلُفُّ جِسْمَهُ مِنَ الْمَخِيطِ وَلُبْسُ ذَلِكَ الثَّوْبِ الَّذِي يَلُفُّ جِسْمَ الرِّجَالِ فِي الْحَجِّ. فَلَا يَلْبَسُ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ وَلَا يَحْمِلُ مَعَهُ شَيْئًا آخَرَ. وَهُنَاكَ بِالضَّبْطِ تَبْدَأُ أَوَّلُ مَرَاحِلِ الْحَجِّ، فَيَظْهَرُ لِمَنْ هُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي الْبَيْتِ بِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ قَدْ تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْفَهُ، وَهَا هُوَ قَادِمٌ بِثَوْبِ الْإِحْرَامِ، وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ إِيذَانًا بِأَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِمَنْ هُوَ فِي الْبَيْتِ، مُسْتَسْلِمًا لَهُ، لَا يُرِيدُ سِوَى تَسْوِيَةِ الْخِلَافِ مَعَهُ، وَالْخُرُوجِ مِنْ هُنَاكَ بِأَحْسَنِ شُرُوطِ الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، قَالَ تَعَالَى:

      وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩﴾ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾ (سورة الحج)

      فَالْمُتَدَبِّرُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ يَجِدُ بِأَنَّ أَهْدَافَ الْحَاجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ تَتَمَثَّلُ فِي التَّالِي:

      • شَهَادَةُ الْمَنَافِعِ لَهُمْ (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)
      • ذِكْرُ اسْمِ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)
      • الْأَكْلُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَإِطْعَامُ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)
      • قَضَاءُ تَفَثِهِمْ (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)
      • إِيفَاءُ نُذُورِهِمْ (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)
      • الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)
      • الْقِيَامُ بِهَذِهِ الشَّعَائِرِ هُوَ تَعْظِيمٌ لِحُرُمَاتِ اللهِ (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)
      • الْخ

      تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: عِنْدَمَا تَكُونُ لَكَ حَاجَةٌ عِنْدَ شَخْصٍ مَا، فَإِنَّكَ تَعْمِدُ إِلَى زِيَارَتِهِ بِنَفْسِكَ فِي بَيْتِهِ، فَصَاحِبُ الْحَاجَةِ هُوَ مَنْ يَزُورُ مَنْ حَاجَتُهُ عِنْدَهُ. فَيَقُومُ صَاحِبُ الْبَيْتِ بِتَطْهِيرِ بَيْتِهِ لِهَؤُلَاءِ الزَّائِرِينَ (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) إِيذَانًا بِاسْتِقْبَالِهِمْ. وَتَكُونُ أَوَّلَ مُتَطَلَّبَاتِ الزِّيَارَةِ لِهَذَا الشَّخْصِ فِي بَيْتِهِ هُوَ أَنْ تَأْتِيَ الْبَيْتَ مِنْ بَابِهِ (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)، لِتَكُونَ فِي مَجَالِ رُؤْيَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، كَمَا يَتَوَجَّبُ عَلَى الزَّائِرِ أَنْ يُظْهِرَ حُسْنَ النِّيَّةِ بِالِاسْتِسْلَامِ، فَيَأْتِي مُسَالِمًا بِشَخْصِهِ لَا يَحْمِلُ مَعَهُ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الْأَسْلِحَةِ (مَرْحَلَةُ الْإِحْرَامِ)، لِأَنَّهُ قَادِمٌ وَفِي نِيَّتِهِ تَصْفِيَةُ الْمُشْكِلَةِ وَلَيْسَ تَصْعِيدَهَا (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، فَيَبْدَأُ الزَّائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَعْدَادِ مَنَاقِبِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَفَضَائِلِهِ (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، وَقَدْ يَكُونُ تَقْدِيمُ الطَّعَامِ (أَيْ عَمَلُ وَلِيمَةٍ) وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ دَوَافِعِ حُصُولِ الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ (مَادَامَ صَارَ بَيْنَهُمْ خُبْزٌ وَمِلْحٌ كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ)، وَقَدْ يُصِيبُ الْفُقَرَاءَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الطَّعَامِ (الْوَلِيمَةِ)، فَلَا يَكُونُ مُقْتَصِرًا فَقَطْ عَلَى الزَّائِرِ (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). ثُمَّ تَبْدَأُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرْحَلَةُ تَصْفِيَةِ الْخِلَافِ، فَيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)، أَيْ مَا بَدَرَ مِنْهُمْ مِنْ نَقْصٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ تَفْرِيطٍ أَدَّى إِلَى نُشُوبِ الْخِلَافِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَيَلْتَزِمُ الزَّائِرُ بِإِيفَاءِ الْمُتَطَلَّبَاتِ الَّتِي تَعَهَّدَ بِهَا (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)، وَمَا أَنْ تُسَوَّى هَذِهِ الْخِلَافَاتُ وَالْإِيفَاءُ بِالِالْتِزَامَاتِ حَتَّى تَكُونَ النُّفُوسُ قَدْ هَدَأَتْ، فَيَبْدَءُونَ جَوْلَةً تَفَقُّدِيَّةً فِي أَرْجَاءِ الْبَيْتِ (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). فَتَكُونُ هَذِهِ هِيَ الشَّعَائِرُ الَّتِي يَجِبُ الِالْتِزَامُ بِهَا لِبَيَانِ حُسْنِ النَّوَايَا (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)، وَالْخُرُوجِ مِنْ هُنَاكَ بِالرِّضَى لِلطَّرَفَيْنِ (الزَّائِرِ وَصَاحِبِ الْبَيْتِ).

      السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ هَذَا فِي سِيَاقِ الْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ؟

      وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩﴾ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾ (سورة الحج)

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: بِدَايَةً نَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْحَاجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَنْ يَعِيَ تَمَامًا بِأَنَّ الْهَدَفَ مِنَ الْحَجِّ هُوَ الذَّهَابُ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ بَيْتُ اللهِ مِنْ أَجْلِ مُلَاقَاةِ رَبِّهِ فِيزْيَائِيًّا هُنَاكَ، وَالْغَايَةُ مِنْ هَذِهِ الزِّيَارَةِ هُوَ فَضُّ الْخِلَافِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ. وَمَادَامَ أَنَّ الْحَاجَّ هُوَ مَنْ يَذْهَبُ بِرِجْلَيْهِ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَهُوَ إِذَنْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ الَّذِي بَدَرَ مِنْهُ التَّقْصِيرُ أَوِ الذَّنْبُ. فَيَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ (أَيْ إِلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ) مُقِرًّا بِذَنْبِهِ، طَالِبًا حَاجَتَهُ مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ الْمُحَرَّمِ:

      رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿٣٧﴾ (سورة إبراهيم)

      فَالْبَيْتُ الْمُحَرَّمُ هُوَ إِذَنْ بَيْتُ اللهِ نَفْسُهُ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَزُورَ رَبَّهُ فِيهِ، فَيَذْهَبُ الْحَاجُّ إِلَى هُنَاكَ مُوقِنًا بِلِقَاءِ رَبِّهِ، وَمَا أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمِنْطَقَةِ الْمُطِلَّةِ عَلَى الْبَيْتِ (الْمَوَاقِيتِ) حَتَّى يَبْدَأَ تَحْضِيرَ نَفْسِهِ لِمَرَاسِيمِ الزِّيَارَةِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يَفْعَلُهُ هُوَ خَلْعُ مَلَابِسِهِ فِي مَوَاقِيتَ مُحَدَّدَةٍ (أَيِ الْأَمَاكِنِ وَالْأَزْمِنَةِ الَّتِي تَمَّ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا مُسْبَقًا)، فَتَكُونُ تِلْكَ هِيَ الْأَهِلَّةُ الَّتِي هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. فَيَقْدَمُ رَاجِلًا لَا يُغَطِّي جِسْمَهُ إِلَّا لِبَاسُ الْإِحْرَامِ، مُعْلِنًا بِذَلِكَ اسْتِسْلَامَهُ التَّامَّ لِرَبِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. فَتَكُونُ أَوَّلَ أَهْدَافِهِ هُوَ جَلْبُ الْمَنَافِعِ لَهُ، وَمَا أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَبْدَأَ يَذْكُرُ اسْمَ اللهِ، فَيُقَرِّبُ لِلهِ الْقُرْبَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَيَأْكُلُ مِنْهَا وَيُطْعِمُ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، وَيُعِدُّ الْعُدَّةَ لِقَضَاءِ تَفَثِهِ وَإِيفَاءِ نَذْرِهِ، وَيَقُومُ بِفِعْلِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ قَامَ بِكُلِّ الشَّعَائِرِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ شَعَائِرَ اللهِ، لِتَكُونَ الْمُحَصِّلَةُ هِيَ الرِّضَا مِنَ الطَّرَفَيْنِ:

      لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٢٢﴾ (سورة المجادلة)

      (دُعَاءٌ: رَبِّ أَسْأَلُكَ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ رَضِيتَ عَنْهُمْ، فَاكْتُبْ فِي قَلْبِي الْإِيمَانَ وَأَيِّدْنِي بِرُوحٍ مِنْكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ – آمِينَ)

      السُّؤَالُ: أَيْنَ هِيَ تِلْكَ الْأَهِلَّةُ (الْمَوَاقِيتُ)؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْمَوَاقِيتَ هِيَ الْأَمَاكِنُ الَّتِي تَمَّ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَطْعِ فِعْلِ الْمُوَاعَدَةِ. فَاللهُ هُوَ مَنْ وَاعَدَ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلِيَةً، لِذَا، كَانَ يَتَوَجَّبُ عَلَى مُوسَى أَنْ يَأْتِيَ بِنَفْسِهِ جَسَدِيًّا إِلَى مَكَانٍ مُحَدَّدٍ حَيْثُ سَيَنْعَقِدُ اللِّقَاءُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَجَاءَ مُوسَى إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ، قَالَ تَعَالَى:

      وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣﴾ (سورة الأعراف)

      السُّؤَالُ: وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ الْمِيقَاتُ فِي أَيِّ مَكَانٍ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَلَّا وَأَلْفَ كَلَّا. فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِ الْمَكَانِ الَّذِي سَيَنْعَقِدُ فِيهِ اللِّقَاءُ

      السُّؤَالُ: كَيْفَ عَرَفَ مُوسَى هَذَا الْمِيقَاتَ (مَكَانَ اللِّقَاءِ)؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُsِنَا: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ مُوسَى كَانَ يَعْلَمُ بِأَنَّ لِقَاءَ اللهِ لِقَاءً فِيزْيَائِيًّا لَا يَتِمُّ إِلَّا فِي مَكَانَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا لَا شَكَّ مُبَارَكَيْنِ.

      السُّؤَالُ: مَا هُمَا الْمَكَانَانِ الْمُبَارَكَانِ اللَّذَانِ يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ لِقَاءُ اللهِ فِيهِمَا؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ لَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ أَنَّ الْبَرَكَةَ قَدْ نَزَلَتْ إِلَّا فِي مَكَانَيْنِ أَثْنَيْنِ وَهُمَا:

      1. حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى:
      سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١﴾ (سورة الإسراء)
      1. أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ، وَهُوَ الْكَعْبَةُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ:
      إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ (سورة آل عمران)

      وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ الْخَاصَّةَ بِهَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ أَهَمَّ مَا يُمَيِّزُهُمَا هُوَ الْأَمْنُ، فَمَنْ دَخَلَ فِي هَذَيْنِ الْمَكَانَيْنِ كَانَ آمِنًا. فَهَذَا مُوسَى فِي لِقَائِهِ الْأَوَّلِ رَبَّهُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي الْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى قَدْ كَانَ مِنَ الْآمِنِينَ:

      وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ﴿٣١﴾ (سورة القصص)

      وَهَذَا الْأَمْنُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ بِبَكَّةَ:

      إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ (سورة آل عمران)

      لِذَا نَحْنُ نَطْلُبُ مِنَ الْقَارِئِ الْكَرِيمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّ مُجَرَّدَ دُخُولِكَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ فِي رِحْلَةِ الْحَجِّ تَتَحَصَّلُ عَلَى الْأَمْنِ مَهْمَا كَانَ الذَّنْبُ الَّذِي اقْتَرَفْتَهُ، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الظُّلْمِ الَّذِي أَوْقَعْتَ نَفْسَكَ فِيهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَتْلُ كَمَا حَصَلَ مَعَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ رَجُلًا فِي سَابِقِ الزَّمَانِ:

      وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴿١٥﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾ (سورة القصص)

      فَمَغْفِرَةُ اللهِ حَاصِلَةٌ لَا مَحَالَةَ لِكُلِّ مَنْ فَرَضَ الْحَجَّ لِلذَّهَابِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، مُسْتَسْلِمًا مُقِرًّا بِذَنْبِهِ، مُؤْمِنًا بِرَحْمَةِ رَبِّهِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حُدُودٌ إِلَّا الشِّرْكَ:

      إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾ (سورة النساء)
      إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١١٦﴾ (سورة النساء)

      وَعَدَمُ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ هُوَ الشَّرْطُ الْوَحِيدُ الَّذِي اشْتَرَطَهُ اللهُ مُنْذُ أَنْ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ عَلَى كُلِّ مَنْ جَاءَ دَاخِلًا الْبَيْتَ الْحَرَامَ طَالِبًا الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ، قَالَ تَعَالَى

      وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ (سورة الحج)

      لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ الْحَجَّ هُوَ الْفِعْلُ التَّعَبُّدِيُّ الْوَحِيدُ الَّذِي يَكْفُلُ لَكَ تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ جَمِيعِهَا. فَمَتَى وَجَدَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ قَدِ ارْتَكَبَ مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَفُوقُ تَصَوُّرَهُ، فَإِنَّ الْمَخْرَجَ الْوَحِيدَ هُوَ الذَّهَابُ رَاجِلًا فِي رِحْلَةِ الْحَجِّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، فَيَدْخُلُ هَذَا الْمَكَانَ آمِنًا، مُعْتَقِدًا يَقِينًا بِأَنَّ اللهَ لَا مَحَالَةَ سَيَغْفِرُ لَهُ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ.

      (دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ رَبِّ يَسِّرْ لِي أَنْ أَدْخُلَ بَيْتَكَ الْعَتِيقَ، فَأَكُونَ مِنَ الْآمِنِينَ، لِتَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي كُلَّهَا، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَهَا إِلَّا أَنْتَ – إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ – آمِينَ)

      السُّؤَالُ: كَيْفَ عَرَفَ مُوسَى مِيقَاتَ رَبِّهِ (أَيِ الْمَكَانَ الَّذِي سَيَحْدُثُ فِيهِ اللِّقَاءُ)؟ هَلْ كَانَ مُوسَى يَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ مِنْ ذِي قَبْلُ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ مُوسَى كَانَ يَعْرِفُ جُغْرَافِيَةَ الْمِنْطَقَةِ مِنْ ذِي قَبْلُ.

      السُّؤَالُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفَ مُوسَى جُغْرَافِيَةَ الْمِنْطَقَةِ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ مُوسَى كَانَ يَعْرِفُ جُغْرَافِيَةَ الْمِنْطَقَةِ لِأَنَّهُ سَكَنَ فِيهَا فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ مِنْ ذِي قَبْلُ.

      السُّؤَالُ: مَتَى حَصَلَ ذَلِكَ؟

      رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ عِنْدَمَا عَاشَ فِي مَدْيَنَ بَعْدَ أَنْ هَرَبَ هُرُوبَهُ الثَّانِيَ مِنْ مِصْرَ:

      وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢﴾ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ (سورة القصص)

      السُّؤَالُ: أَيْنَ هِيَ مَدْيَنُ الَّتِي تَوَجَّهَ إِلَيْهَا مُوسَى؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّnَّ بِأَنَّ مَدْيَنَ هِيَ الْمِنْطَقَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ إِلَى الشَّرْقِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَإِلَى الْجَنُوبِ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ

      الدَّلِيلُ

      بَعْدَ أَنْ قَتَلَ مُوسَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ، هَرَبَ فِي صَبِيحَةِ الْيَوْمِ التَّالِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَتَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ، دَاعِيًا رَبَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ:

      وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢﴾ (سورة القصص)

      وَمَا أَنْ وَصَلَ أَرْضَ مَدْيَنَ حَتَّى وَجَدَ عَلَى مَائِهَا امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ:

      وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ (سورة القصص)

      وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَيِّدًا، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ مِنْ أَهَمِّ خَصَائِصِ مَدْيَنَ أَنَّهَا مِنْطَقَةٌ جُغْرَافِيَّةٌ تَتَّصِفُ بِشُحِّ الْمِيَاهِ. وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّاسَ فِيهَا يَجْتَمِعُونَ كُلُّهُمْ عِنْدَ مَاءٍ وَاحِدٍ:

      وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ (سورة القصص)

      وَتُبَيِّنُ لَنَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ مِيزَاتِ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ أَنَّهَا مِنْطَقَةٌ رَعَوِيَّةٌ، حَيْثُ تَرِدُ الْمَاشِيَةُ كُلُّهَا عَلَى مَاءٍ وَاحِدٍ. لِتَكُونَ النَّتَائِجُ الْأَوَّلِيَّةُ الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عَنْ أَنْفُسِنَا حَوْلَ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (1): تَتَّصِفُ مَدْيَنُ (كَمِنْطَقَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ) بِشُحِّ الْمِيَاهِ

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (2): تَتَّصِفُ مَدْيَنُ (كَمِنْطَقَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ) بِحِرْفَةِ الرَّعْيِ

      وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي تُصَوِّرُ الِاتِّفَاقَ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ مُوسَى وَذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَنْكَحَهُ إِحْدَى ابْنَتَيْهِ، لَوَجَدْنَا بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَنْ يَأْجُرَهُ عَدَدًا مِنَ الْحِجَجِ:

      قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾ (سورة القصص)

      وَهَذَا يَدُلُّنَا رُبَّمَا بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ بِأَنَّ الْحَجَّ كَانَ حَدَثًا بَارِزًا فِي مَدْيَنَ لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ الثَّالِثَةُ الْخَاصَّةُ بِسِمَاتِ هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ (أَيْ مَدْيَنَ) عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

      نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا (3): تَمْتَازُ مَدْيَنُ بِوُجُودِ الْحَجِّ فِيهَا

      السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْبِطَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى: لَوْ رَجَعْنَا إِلَى قِصَّةِ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللهِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْحَجَّ قَدْ بَدَأَ أَصْلًا مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

      وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿٢٦﴾ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ (سورة الحج)

      وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَجَّ قَدْ بَدَأَ هُنَاكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي بَوَّأَهُ اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَهُوَ مَكَانُ الْبَيْتِ (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ)، وَكَانَ الشَّرْطُ الْأَسَاسِيُّ لِهَذَا التَّبَوُّءِ هَذَا هُوَ عَدَمُ الْإِشْرَاكِ (أَن لَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا).

      وَلَوْ تَدَبَّرْنَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ حَاضِرَةٌ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ:

      وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴿٣٥﴾ (سورة إبراهيم)

      وَلَوْ حَاوَلْنَا أَنْ نَرْبِطَ هَذَا مَعَ قِصَّةِ مُوسَى نَفْسِهَا، لَوَجَدْنَا بِأَنَّهُ مَا أَنْ جَاوَزَ اللهُ بِمُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ حَتَّى كَانَتْ مَحَطَّتُهُمُ الْأُولَى هُمْ أُولَئِكَ الْقَوْمُ الَّذِينَ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ:

      وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾ (سورة الأعراف)

      لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي نُحَاوِلُ التَّرْوِيجَ لَهَا تَتَمَثَّلُ فِي أَنَّ تِلْكَ الْمِنْطَقَةَ الَّتِي دَخَلَهَا مُوسَى بَعْدَ أَنْ خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ قَدْ كَانَتْ أَرْضٌ تَمْتَازُ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.

      لِذَا وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَبْحَثَ عَنِ الْمِنْطَقَةِ الَّتِي تَتَّصِفُ بِالتَّالِي:

      • شُحُّ الْمِيَاهِ
      • مِهْنَةُ الرَّعْيِ
      • وُجُودُ الْحَجِّ
      • وُجُودُ الْأَصْنَامِ
      • الْخ

      وَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ، لَوَجَدْنَا أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْأَحْدَاثِ الَّتِي حَصَلَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ هُوَ التِّيهُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً:

      قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ (سورة المائدة)

      لِذَا لَابُدَّ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مِنْطَقَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ شَاسِعَةٍ جِدًّا لِدَرَجَةِ أَنْ يَحْصُلَ التِّيهُ فِيهَا لِقَوْمٍ بِأَكْمَلِهِمْ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: مَا هِيَ الْمِنْطَقَةُ الْمُؤَهَّلَةُ لِأَنْ يَتِيهَ فِيهَا جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَنِ (أَرْبَعِينَ سَنَةً)؟

      جَوَابٌ مُفْتَرًى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نَظُنُّ بِوُجُوبِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمِنْطَقَةُ هِيَ مِنْطَقَةٌ جُغْرَافِيَّةٌ شَاسِعَةُ الْمَسَاحَةِ، وَلَا أَظُنُّ (رُبَّمَا مُخْطِئًا) أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَدْيَنَ، وَهِيَ الْمِنْطَقَةُ الْوَاقِعَةُ إِلَى الشَّرْقِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَإِلَى الْجَنُوبِ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ كَمَا تَظْهَرُ فِي الْخَرِيطَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ التَّالِيَةِ:


       

      وصف الصورة بالذكاء الاصطناعي

      A clear, detailed geographical map of the Arabian Peninsula and surrounding regions, including the Red Sea, Egypt (Sinai Peninsula), and the Levant. The historical region of 'Midian' (مدين) is clearly marked and highlighted, located in the northwest of modern-day Saudi Arabia, east of the Gulf of Aqaba. Topographical features like deserts and mountains are visible.

      فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ، سَنُحَاوِلُ بِإِذْنِ اللهِ أَنْ نَتَطَرَّقَ لِشَعَائِرِ الْحَجِّ كُلِّهَا، وَالْغَايَةُ الْمَرْجُوَّةُ أَنْ تَتَحَقَّقَ مِنْ كُلِّ شَعِيرَةٍ وَمَنْسَكٍ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ،

      وَسَنَرَى تَبِعَاتِ هَذِهِ الِافْتِرَاءَاتِ لَاحِقًا فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ جِدًّا كَالشَّهَادَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالزَّوَاجِ وَالْمَهْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالتَّرَبُّصِ، الْخ. وَهُوَ مَا سَنَتَنَاوَلُهُ بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي مَقَالَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ مَتَى أَذِنَ اللهُ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ فِيهَا. فَاللهُ وَحْدَهُ أَدْعُوهُ أَنْ يُعَلِّمَنِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ وَأَنْ يَزِدْنِي عِلْمًا وَأَنْ يَهْدِيَنِي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ – آمِينَ.


      الْمُدَّكِرُونَ: رَشِيدُ سَلِيمٍ الْجَرَّاحِ & عَلِيُّ مَحْمُودٍ سَالِمٍ الشَّرْمَانِ

      بِقَلَمِ: د. رَشِيدٍ الْجَرَّاحِ

      4 تِشْرِينَ أَوَّلَ 2014

      أنت تقرأ في قسم: الفقه | فقه الحج