حَاوَلْنَا فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِقِ تَسْوِيقَ افْتِرَاءِنَا الَّذِي مَفَادُهُ أَنَّ هُنَاكَ نَوْعَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمْ، وَهُمْ:
- الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْفِتْنَةَ وَيَبْتَغُونَ تَأْوِيلَهُ، وَهُمُ الْمُدَافِعُونَ عَنْ دِينِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ سَوَاءٌ صَحَّتْ عَقَائِدُهُمْ أَمْ لَمْ تَصِحّْ.
- الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَبْحَثُونَ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَلَا شَيْءَ غَيْرَ الْحَقِيقَةْ، وَهُمُ الْبَاحِثُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ الْحَقّْ.
وَظَنَنَّا أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَافْتَرَيْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا وَهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ "الْحُكْمِ"، وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي تَقِلُّ دَرَجَةً عَنْ (وَتَسْبِقُ) مَرْحَلَةَ الرِّسَالَةْ.
فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ حُكْمًا وَعِلْمًا هُوَ مَنْ يَقِلُّ دَرَجَةً عَنْ مَرْحَلَةِ مَنْ كَانَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ إِلَى النَّاسْ.
وَحَاوَلْنَا رَبْطَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ يُونُسَ الَّذِي ذَهَبَ مُغَاضِبًا. فَافْتَرَيْنَا الظَّنَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا أَنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ يُونُسُ مُغَاضِبًا كَانَ عِنْدَهُ الْحُكْمْ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصْبِرْ لِذَلِكَ، بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ:
كَمَا افْتَرَيْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدِ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ بِالرِّسَالَةِ، لِيَكُونَ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ، وَمَا عَادَ يَحْمِلُ رِسَالَةَ رَبِّهِ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ حَادِثَةِ الْحُوتْ. وَانْظُرْ – إِنْ شِئْتَ- تَرْتِيبَ الْأَحْدَاثِ الَّذِي تُصَوِّرُهُ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
وَبَعْدَ مُنَاقَشَةٍ (رُبَّمَا غَيْرِ دَقِيقَةٍ) لِلْأَحْدَاثِ كَمَا تَخَيَّلْنَاهَا، انْتَهَيْنَا إِلَى تَسْجِيلِ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةْ:
- لَمْ يَكُنْ يُونُسُ قَدْ أَصْبَحَ رَسُولًا عِنْدَمَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا.
- كَانَ يُونُسُ لَا زَالَ فِي مَرْحَلَةِ الْحُكْمِ عِنْدَمَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا.
- اسْتَعْجَلَ يُونُسُ الرِّسَالَةْ.
- تَأَخَّرَ تَكْلِيفُهُ بِالرِّسَالَةْ.
- ظَنَّ يُونُسُ أَنَّهُ لَنْ يَكُونَ رَسُولًا.
- خَرَجَ يُونُسُ مِنْ قَوْمِهِ لِهَذَا السَّبَبِ، فَذَهَبَ مُغَاضِبًا.
- نَزَلَ يُونُسُ عِنْدَ رَغْبَةِ بَعْضِ مَنْ كَانَ حَوْلَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ.
- لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ صَبَرُوا لِحُكْمِ رَبِّهِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ يَمْلِكُونَ الْحُكْمَ، فَيَصْبِرُونَ عَلَى تَبِعَاتِهِ.
لَمْ يَكُنْ يُونُسُ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ مَادَامَ أَنَّهُ لَمْ يَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّهِ:
وَحَاوَلْنَا – بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّصَوُّرِ الْمُفْتَرَى- طَرْحَ تَسَاؤُلَاتٍ أُخْرَى ذَاتِ صِلَةٍ بِالْمَوْضُوعِ لِمُتَابَعَةِ النِّقَاشِ فِيهَا فِي هَذَا الْجُزْءِ الْجَدِيدِ وَفِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ مِنَ الْمَقَالَةِ نَفْسِهَا، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- لِمَاذَا لَمْ يَصْبِرْ يُونُسُ لِحُكْمِ رَبِّهِ؟
- مَا الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ قَوْمِهِ؟ أَيْ لِمَاذَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا؟
- إِلَى أَيْنَ ذَهَبَ مُغَاضِبًا؟
- كَيْفَ حَصَلَ الْأَمْرُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعْ؟
- لِمَاذَا ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ عِنْدَمَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ قَوْمِهِ؟
- وَلِمَاذَا سَاهَمَ؟
- وَكَيْفَ سَاهَمَ؟
- وَكَيْفَ كَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ؟
- وَلِمَاذَا عَادَ إِلَى رَبِّهِ بَعْدَ أَنِ الْتَقَمَهُ الْحُوتْ؟
- وَلِمَاذَا عَادَ إِلَى قَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
- وَلِمَاذَا نَفَعَ قَوْمَ يُونُسَ إِيمَانُهُمْ؟
وَقَدْ أَنْهَيْنَا ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنَ الْمَقَالَةِ بِافْتِرَاءِ الظَّنِّ بِأَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ (كَمَا نَتَخَيَّلُهَا) تَحْتَاجُ إِلَى رَبْطِ خُيُوطِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَعَ قِصَّةِ مُوسَى وَشَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَ.
لِأَنَّنَا نَظُنُّ أَنَّ شَخْصِيَّةَ يُونُسَ تَتَطَابَقُ تَمَامًا مَعَ شَخْصِيَّةِ فِرْعَوْنَ (وَإِنْ تَعَاكَسَتْ مَعَهَا فِي الْمُقَدِّمَةِ وَالْخَاتِمَةِ) وَأَنَّ أَحْدَاثَ قِصَّةِ يُونُسَ تَكَادُ تَتَطَابَقُ فِي كَثِيرٍ مِنْ جَوَانِبِهَا مَعَ أَحْدَاثِ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ. وَهَذَا مَا سَنُقْحِمُ أَنْفُسَنَا فِي الدِّفَاعِ عَنْهُ فِي النِّقَاشِ التَّالِي.
أَمَّا بَعْدُ، الْبَابُ الْأَوَّلُ: [لِمَاذَا لَمْ يَصْبِرْ ذُو النُّونِ لِحُكْمِ رَبِّهِ؟]
لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ:
- عَلَى عِلْمٍ بِحُكْمِ رَبِّهِ.
- أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا.
الدَّلِيلُ: نَحْنُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْلِبَ عَلَى الْأَقَلِّ دَلِيلَيْنِ اثْنَيْنِ يُثْبِتَانِ زَعْمَنَا هَذَا.
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: لَقَدْ كَانَ ذُو النُّونِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ الْحُوتُ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ سَبَبَ نَجَاتِهِ مِنْ بَطْنِ الْحُوتْ:
الدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّ الْقَرْيَةَ الَّتِي كَانَ يَعِيشُ فِيهَا ذُو النُّونِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.
السُّؤَالُ: وَأَيْنَ الدَّلِيلُ أَنَّ قَوْمَ ذِي النُّونِ كَانُوا فِي سَابِقِ عَهْدِهِمْ مُؤْمِنِينَ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَتْ قَرْيَةُ ذِي النُّونِ هِيَ الْقَرْيَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي نَفَعَهَا إِيمَانُهَا فَكُشِفَ عَنْهَا عَذَابُ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَعْدَ كَانَ وَاقِعًا بِهِمْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا جَاءَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لِقَرْيَةِ يُونُسَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ؟ أَلَا يَبْرُزُ هُنَا سُؤَالٌ كَبِيرٌ جِدًّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ: لِمَاذَا نَفَعَ قَرْيَةَ ذِي النُّونِ إِيمَانُهُمْ؟
أَلَيْسَ الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ هُوَ مَا تُصَوِّرُهُ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ الَّتِي تَخُطُّ وَاحِدَةً مِنْ سُنَنِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلْ؟
فَلَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَوَجَدْنَا أَنَّهُ مَا أَنْ يَأْتِيَ قَوْمًا مَا الْعَذَابُ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَكِنْ هَلْ يَنْفَعُ مِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ مَنْ نَزَلَ الْعِقَابُ الْإِلَهِيُّ بِحَقِّهِمْ؟
أَلَيْسَتْ تِلْكَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ:
أَلَمْ يَقُلْ مُوسَى ذَلِكَ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ الْقُرْآنِيّْ؟
أَلَيْسَ هَذَا مَا حَصَلَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِعْلًا؟ أَلَمْ يُؤْمِنْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ عِنْدَمَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ وَرَأَى الْعَذَابَ بِأُمِّ عَيْنِهِ؟
السُّؤَالُ الْمُثِيرُ هُوَ: لِمَاذَا نَفَعَ قَرْيَةَ يُونُسَ (عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ) إِيمَانُهُمْ بَيْنَمَا لَمْ يَنْفَعْ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ لُوطٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ أَوْ قَوْمَ شُعَيْبٍ، إِلَخْ؟
هَلْ فِي ذَلِكَ تَحَيُّزٌ إِلَهِيٌّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ دُونِ الْأَقْوَامِ الْأُخْرَى؟ أَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَظُنَّ الْبَعْضُ (خَاصَّةً الْمُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ) أَنَّ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْدَحَ فِي الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ "الْمُفْتَرَضِ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا"؟ رُبَّمَا يُحَاوِلُ الْبَعْضُ أَنْ يَتَحَدَّى بِالسُّؤَالْ.
أَمَّا بَعْدُ
- السُّؤَالُ 1: لِمَاذَا نَفَعَ يُونُسَ إِيمَانُهُ فَنَجَّاهُ اللَّهُ بَيْنَمَا لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إِيمَانُهُ كَمَا نَفَعَ يُونُسَ؟ هَلْ فِي ذَلِكَ تَحَيُّزٌ إِلَهِيٌّ لِشَخْصِ يُونُسَ؟
- السُّؤَالُ 2: لِمَاذَا نَفَعَ قَرْيَةَ يُونُسَ إِيمَانُهُمْ فَكَشَفَ عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَيْنَمَا لَمْ يَنْفَعِ الْأُمَمَ الْأُخْرَى إِيمَانُهُمْ بَعْدَ وُقُوعِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ؟
- السُّؤَالُ 3: مَا الْخُصُوصِيَّةُ الَّتِي تَمَتَّعَ بِهَا يُونُسُ وَقَوْمُهُ حَتَّى جَاءَهُمْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ الْإِلَهِيّْ؟
السُّؤَالُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ أَلَمْ يَقَعْ عَذَابُ الْخِزْيِ عَنْ قَوْمِ يُونُسَ؟ أَلَمْ يُكْشَفْ عَنْهُمْ عَذَابُ الْخِزْيِ بَعْدَ أَنْ آمَنُوا؟ إِذَنْ، أَلَمْ يَنْفَعْ قَوْمَ يُونُسَ إِيمَانُهُمْ فَكَشَفَ عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ يَنْفَعِ الْأُمَمَ الْأُخْرَى إِيمَانُهُمْ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابْ؟
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ: أَلَا يَجْدُرُ بِنَا الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ قَوْمِ يُونُسَ وَالْأُمَمِ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ؟
قَرْيَةُ يُونُسَ:
الْأُمَمُ الْأُخْرَى:
السُّؤَالُ: مَا الْفَرْقُ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُنَا أَنْ يَسْأَلْ.
وَانْظُرْ -عَزِيزِي الْقَارِئَ – إِنْ شِئْتَ- فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ التَّالِي جَيِّدًا:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: فَجَمِيعُ الْأَقْوَامِ الْأُخْرَى الَّتِي نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ مِنْ رَبِّهَا لَمْ تَكُنْ تُؤْمِنُ إِلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ الْأَلِيمْ:
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَامِ هِيَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: عِنْدَمَا يَنْزِلُ الْعِقَابُ الْإِلَهِيُّ بِقَوْمٍ مَا، وَيَرَى الْقَوْمُ (بِأُمِّ أَعْيُنِهِمْ وَهُمْ لَازَالُوا عَلَى كُفْرِهِمْ) أَنَّ الْعَذَابَ لَا مَحَالَةَ نَازِلٌ بِهِمْ (بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)، فَإِنَّهُمْ يَلْجَئُونَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا كَانُوا بِهِ مُشْرِكِينَ، ظَانِّينَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِيمَانِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ الْقَائِمَةِ رُبَّمَا يَنْفَعُهُمْ.
وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهُمْ، لِأَنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلْ:
السُّؤَالُ الْمُعَاكِسُ: لِمَاذَا إِذَنْ نَفَعَ قَوْمَ يُونُسَ إِيمَانُهُمْ؟
جَوَابٌ مُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: لِأَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مِنْ ذِي قَبْلْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ إِذَنْ؟
لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ الْمُفْتَرَاةُ هِيَ: لَمْ يَكُنْ ذُو النُّونِ فِي ظُلْمَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَمَا غَرِقَ وَلَكِنَّهُ كَانَ فِي ظُلُمَاتِ الْبَحْرْ:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا حَصَلَتِ النَّجَاةُ الْكُلِّيَّةُ لِـ ذِي النُّونِ بِالرَّغْمِ مِنْ غَرَقِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ دَاخِلَ الْبَحْرْ؟
الْجَوَابُ: لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: حَصَلَتِ النَّجَاةُ لِـ ذِي النُّونِ مِنَ الْغَرَقِ فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ سَالِمًا لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)، وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وَلَوْ تَفَقَّدْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ التَّالِيَ الَّذِي جَاءَ خَاصًّا بِحَادِثَةِ ذِي النُّونِ لَوَجَدْنَا أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ فِعْلًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ:
- نَتِيجَةٌ 1: كَانَ ذُو النُّونِ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ.
- نَتِيجَةٌ 2: كَانَ ذُو النُّونِ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
السُّؤَالُ: وَلِمَاذَا لَمْ تَحْصُلْ نَجَاةٌ مُشَابِهَةٌ لِفِرْعَوْنَ؟ أَلَمْ يَشْهَدْ فِرْعَوْنُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ؟ أَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟
- نَتِيجَةٌ 1: كَانَ فِرْعَوْنُ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
- نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ النَّجَاةَ لِفِرْعَوْنَ لَمْ تَحْصُلْ كَمَا حَصَلَتْ لِذِي النُّونِ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
- اسْتِنْبَاطٌ تَخَيُّلِيٌّ: نَحْنُ نَتَخَيَّلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِرْعَوْنُ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ أَوْ لَوْ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (كَمَا كَانَ ذُو النُّونِ) لَحَصَلَتْ لَهُ النَّجَاةُ مِنَ الْغَرَقِ كَمَا حَصَلَتْ لِـ ذِي النُّونِ حَتَّى وَلَوْ أَدْرَكَهُ الْغَرَقْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَخَيَّلَ مَا حَصَلَ مَعَ ذِي النُّونِ إِذَنْ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: كَانَ يُونُسُ فِي قَوْمِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ مُغَاضِبًا، وَكَانَ قَوْمُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَصَلَتْ حَادِثَةٌ مَا قَلَبَتِ الْأُمُورَ رَأْسًا عَلَى عَقِبْ، وَأَدَّتْ تِلْكَ الْحَادِثَةُ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) إِلَى حُصُولِ مُشْكِلَتَيْنِ مُتَزَامِنَتَيْنِ، وَهُمَا:
- خُرُوجُ يُونُسَ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، فَذَهَبَ مُغَاضِبًا.
- ارْتِدَادُ قَوْمِ يُونُسَ عَنِ الْإِيمَانْ.
وَكَانَ نَتِيجَةُ ذَلِكَ الْوَضْعِ الْجَدِيدِ (وَهُوَ ذَهَابُ ذِي النُّونِ وَارْتِدَادُ قَوْمِهِ عَنِ الْإِيمَانِ) أَنْ وَقَعَ الْعَذَابُ الْإِلَهِيُّ عَلَى الطَّرَفَيْنِ: عَلَى يُونُسَ مِنْ جِهَةٍ وَعَلَى قَرْيَتِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَكَانَ الْعَذَابُ الَّذِي وَقَعَ حِينَئِذٍ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- كَانَ عِقَابُ يُونُسَ عَلَى نَحْوِ أَنْ غَرِقَ بِالْمَاءِ كَمَا حَصَلَ مَعَ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، وَزَادَ الطِّينَ بِلَّةً أَنِ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ.
- وُقُوعُ عَذَابِ الْخِزْيِ عَلَى قَوْمِ يُونُسَ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
- رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 1: تَرَاجَعَ ذُو النُّونِ، فَعَادَ إِلَى رَبِّهِ، فَأُلْقِيَ فِي الْعَرَاءِ سَقِيمًا، وَأَنْبَتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينٍ حَتَّى شُفِيَ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ.
- رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى 2: مَا أَنْ عَادَ ذُو النُّونِ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ حَتَّى آمَنُوا مِنْ جَدِيدٍ، وَهُنَاكَ كُشِفَ عَنْهُمْ عَذَابُ الْخِزْيِ الَّذِي وَقَعَ بِهِمْ بَعْدَ ذَهَابِ يُونُسَ مُغَاضِبًا، فَآمَنُوا مِنْ جَدِيدْ.
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) نَفَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِيمَانُهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مِنْ ذِي قَبْلْ:
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ: لِمَاذَا خَرَجَ يُونُسُ مِنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا؟ أَوْ بِكَلِمَاتٍ أَكْثَرَ دِقَّةً نَحْنُ نَسْأَلُ: مَا الَّذِي حَدَثَ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ حَتَّى دَفَعَ بِيُونُسَ أَنْ يَخْرُجَ مُغَاضِبًا مِنْ عِنْدِ قَوْمِهِ؟
- لَمْ أَفْهَمْ شَيْئًا. يَقُولُ صَاحِبُنَا. مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَقُولَهُ؟ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ وُضُوحًا؟
ذُو النُّونِ:
فِرْعَوْنُ:
مُقَارَنَةُ يُونُسَ مَعَ فِرْعَوْنَ
لَوْ حَاوَلْنَا عَقْدَ مُقَارَنَةٍ بَيْنَ ذِي النُّونِ مِنْ جِهَةٍ وَفِرْعَوْنَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَوَجَدْنَا بَيْنَهُمَا تَقَاطُعَاتٍ عَدِيدَةْ.
أَوَّلًا، كِلَاهُمَا غَرِقَ فِي الْبَحْرِ (وَهُوَ مُلِيمٌ):
- ذِي النُّونِ: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144).
- فِرْعَوْنُ: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40).
ثَانِيًا، كِلَاهُمَا كَادَتْ أَنْ تَكُونَ نِهَايَتُهُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى شَكْلِ الْغَرَقِ فِي الْبَحْرْ.
ثَالِثًا، كِلَاهُمَا دَعَا رَبَّهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَجَاءَ دُعَاءُ ذِي النُّونِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
وَجَاءَ دُعَاءُ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
رَابِعًا، حَصَلَتِ النَّجَاةُ لِفِرْعَوْنَ بِالْبَدَنِ فَقَطْ لِيَكُونَ لِمَنْ خَلْفَهُ آيَةْ:
بَيْنَمَا حَصَلَتِ النَّجَاةُ لِذِي النُّونِ بِالْكُلِّيَّةْ:
خَامِسًا، كَانَ سَبَبُ عَدَمِ نَجَاةِ فِرْعَوْنَ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ:
بَيْنَمَا كَانَ سَبَبُ نَجَاةِ ذِي النُّونِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي سَابِقِ عَهْدِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ:
فَكَانَ الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ فِي ذَلِكَ مُطْلَقٌ لِأَنَّ إِيمَانَ فِرْعَوْنَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهُ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَهَكَذَا كَانَ مَا حَلَّ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَنْفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ لِأَنَّهُمْ بِبَسَاطَةٍ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ مِنْ ذِي قَبْلُ، وَمَا آمَنُوا إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَكَانَ ذَلِكَ اسْتِجَابَةً إِلَهِيَّةً لِدَعْوَةِ مُوسَى نَفْسِهِ:
فَمَضَتْ فِيهِمْ سُنَّةُ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ مَاضِيَةً فِي الْأُمَمِ الْأُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَحْظَةَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ لَا يَنْفَعْ:
أَمَّا مَا نَفَعَ ذَا النُّونِ فَهُوَ إِيمَانُهُ السَّابِقُ، وَهَكَذَا كَانَ الَّذِي نَفَعَ قَرْيَتَهُ، فَلَقَدْ نَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمُ السَّابِقُ، وَمَا أَنْ عَادَ إِلَيْهِمْ ذُو النُّونِ رَسُولًا وَآمَنُوا مِنْ جَدِيدٍ حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فِي غِيَابِهِ:
إِنَّ هَذَا الطَّرْحَ (عَلَى رَكَاكَتِهِ) يُثِيرُ كَثِيرًا مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي لَابُدَّ مِنَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا، نَذْكُرُ مِنْهَا:
- مَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَغْضَبَ ذِي النُّونِ حَتَّى جَعَلَهُ يَذْهَبُ مُغَاضِبًا؟
- وَلِمَاذَا تَرَاجَعَ قَوْمُهُ عَنْ إِيمَانِهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابُ الْخِزْيِ؟
- وَلِمَاذَا آمَنُوا مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ذُو النُّونِ رَسُولًا؟
- وَكَيْفَ كُشِفَ عَنْهُمْ عَذَابُ الْخِزْيِ حِينَئِذٍ؟
- إِلَخْ.
الدَّلِيلُ: لَوْ تَدَبَّرْنَا جَمِيعَ السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِإِرْسَالِ مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ، لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمُهِمَّةَ مُوَجَّهَةٌ أَسَاسًا إِلَى شَخْصِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ:
ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَخُصَّ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ فَقَطْ:
وَلَا نَجِدُ فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ (عَلَى مِسَاحَتِهِ) أَنَّ مُهِمَّةَ مُوسَى كَانَتْ مُوَجَّهَةً إِلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ. بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، فَالَّذِي وَجَدْنَاهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ هُوَ أَنَّ دُعَاءَ مُوسَى عَلَيْهِمْ بِالْعَذَابِ كَانَ مُوَجَّهًا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَطْ:
لِيَكُونَ السُّؤَالُ هُوَ: لِمَاذَا؟ لِمَاذَا لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ إِلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَمَا كَانَتْ رِسَالَاتُ جَمِيعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا أَوِ الَّذِينَ لَحِقُوا؟ وَلِمَاذَا كَانَتْ رِسَالَةُ مُوسَى مُوَجَّهَةً أَسَاسًا إِلَى فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ نَحْنُ نَسْأَلْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا: لَمَّا كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ قَوْمًا فَاسِقِينَ، وَلَمَّا كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ مِنَ الَّذِينَ يُمْكِنُ اسْتِخْفَافُهُمْ، لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ مَبْدَأٍ وَاضِحٍ غَيْرَ إِتْبَاعِ مَا كَانَ يُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ نَفْسُهُ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نُفُوذِ فِرْعَوْنَ حَتَّى فِي مَلَئِهِ، وَانْظُرْ – فِي السِّيَاقِ التَّالِي:
فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ حَالَ مَلَأِ فِرْعَوْنَ فِي حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ، فَمَا بَالُكَ بِنُفُوذِ فِرْعَوْنَ فِي قَوْمِهِ؟ هَلْ كَانَ يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ أَنْ يَعْصِيَ أَمْرَ فِرْعَوْنَ؟ وَلْنَنْظُرْ مَاذَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَصِيرُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ فِرْعَوْنَ كَالسَّحَرَةِ الَّذِينَ خَرُّوا سُجَّدًا:
وَلْنَنْظُرْ إِلَى رَدَّةِ فِعْلِ السَّحَرَةِ عَلَى كَلَامِ فِرْعَوْنَ هَذَا:
نَتِيجَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا جِدًّا وَخَطِيرَةٌ جِدًّا: قَضَاءُ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَانَتْ بِأَمْرِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ.
اسْتِنْبَاطٌ مُفْتَرَى: لَمَّا كَانَ قَضَاءُ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِأَمْرِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ لِيَتَجَرَّأَ أَحَدٌ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرَ فِرْعَوْنَ لِأَنَّ خَاتِمَتَهُ سَتَكُونُ وَخِيمَةً تَتَمَثَّلُ بِإِنْهَاءِ حَيَاتِهِ. لِذَا كَانَ فِرْعَوْنُ مِنْ أَصْحَابِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي مَفَادُهَا أَنَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ كَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ:
السُّؤَالُ: مَاذَا لَوْ فِعْلًا تَذَكَّرَ فِرْعَوْنُ أَوْ خَشِيَ بَعْدَ دَعْوَةِ مُوسَى لَهُ؟
فَمَا الَّذِي كَانَ سَيَفْعَلُهُ قَوْمُهُ؟
تَخَيُّلَاتٌ مُفْتَرَاةٌ: كَانَ نُفُوذُ فِرْعَوْنَ فِي قَوْمِهِ نُفُوذًا هَائِلًا، فَالطَّاعَةُ الْعَمْيَاءُ هِيَ سُلُوكُ قَوْمِهِ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الْقَادِرَ عَلَى اتِّخَاذِ الْقَرَارِ النِّهَائِيِّ بِخُصُوصِ إِيمَانِهِمْ أَوْ كُفْرِهِمْ جَمِيعًا، وَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ قَوْمَهُ فِي الْفَخِّ، فَمَا آمَنُوا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سُوءٍ فَاسِقِينَ، لِذَا سَتَكُونُ مُهِمَّةُ فِرْعَوْنَ فِي الْآخِرَةِ هِيَ أَنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ لِيُورِدَهُمُ النَّارْ:
فَفِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ أَوْقَعَ قَوْمَهُ فِي شَرَكِ سُوءِ أَعْمَالِهِمْ (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)، لِذَا سَتَكُونُ مُهِمَّتُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يَدُلَّهُمْ (فَأَوْرَدَهُمُ) عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ (النَّارَ).
- نَتِيجَةٌ 1: لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوقِعَ قَوْمَهُ فِي شِرَاكِهِ لَوْلَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَتَّبِعُ نَهْجَ سَيِّدِهِ مِنْ قَبْلِهِ، إِبْلِيسْ:
- نَتِيجَةٌ 2: كَانَ فِرْعَوْنُ شَخْصًا صَاحِبَ مَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ فِي قَوْمِهِ، فَهُوَ الرَّبُّ الْمُطَاعُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَجُلٌ عَلَى عِلْمْ:
- نَتِيجَةٌ 3: كَانَتْ لِمَكَانَةِ فِرْعَوْنَ فِي قَوْمِهِ وَلِلْعِلْمِ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ جِهَةٍ وَبِاسْتِعْدَادِهِمْ لِلْفِسْقِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى الْآثَارُ الْكَبِيرَةُ فِي اسْتِخْفَافِهِمْ:
- نَتِيجَةٌ (4): اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَكْسِبَ لِنَفْسِهِ مَكَانَةً فِي الْآخِرَةِ تَخْتَلِفُ عَنْ مَكَانَتِهِمْ، فَفِي حِينِ أَنَّهُ سَيُورِدُهُمُ النَّارَ، إِلَّا أَنَّنَا نَجِدُ أَنَّ مَصِيرَ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ غَيْرُ وَاضِحٍ بِالنِّسْبَةِ لَنَا؟ فَهَلْ سَيَرِدُ النَّارَ مَعَ قَوْمِهِ مَثَلًا؟
السُّؤَالُ: مَا هُوَ مَصِيرُ فِرْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
بَابُ الشَّفَاعَةِ الْمَزْعُومَةْ
بِدَايَةً، نَحْنُ نَجِدُ لِزَامًا التَّذْكِيرَ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ بِأَنَّ كَلَامَنَا عَلَى كُلِّيَّتِهِ وَفِي تَفْصِيلَاتِهِ لَا يَعْدُو أَكْثَرَ مِنْ تَصَوُّرَاتٍ فِكْرِيَّةٍ قَدْ لَا تَمُتُّ لِعَقَائِدِ النَّاسِ بِصِلَةٍ، وَهِيَ غَيْرُ مُلْزِمَةٍ لِأَحَدٍ مَا لَمْ يَجِدْ أَنَّهُ مُقْتَنِعٌ بِهَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلْيَتَذَكَّرْ كُلُّ مَنْ يَقْرَأُ فِي كَلَامِنَا هَذَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ السَّابِقَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ دَعْوَةَ إِبْلِيسَ لِمَنِ اتَّبَعَهُ:
كَمَا يَجِبُ أَنْ نَلْفِتَ انْتِبَاهَ النَّاسِ إِلَى أَنَّنَا لَا نَمْلِكُ صُكُوكَ غُفْرَانٍ لِنُدْخِلَ بِهَا النَّاسَ الْجَنَّةَ أَوْ نُخْرِجَهُمْ مِنْهَا، فَنَحْنُ لَسْنَا وُكَلَاءَ اللَّهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَنَحْنُ لَسْنَا مِنْ أَصْحَابِ مَفَاتِحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَأَبْوَابِ النَّارِ الَّتِي "صُكَّتْ ثُمَّ وُزِّعَتْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ" لِيَفْتَحُوا بِهَا لِمَنْ يَشَاءُونَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَلِيُغْلِقُوا بِهَا عَلَى آخَرِينَ.
فَأَمْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ (فِي عَقِيدَتِنَا) مَتْرُوكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ صَاحِبُ الْقَرَارِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ فِي ذَلِكَ. وَمَا نَفْعَلُهُ نَحْنُ فِي هَذَا الْجَانِبِ لَا يَتَعَدَّى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ {رَأْيٍ فِكْرِيٍّ} قَابِلٍ لِلتَّصْحِيحِ بَعْدَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى طَاوِلَةِ النِّقَاشِ (رُبَّمَا مِنْ بَابِ "التَّرَفِ الْفِكْرِيِّ")، مَادَامَ أَنَّ سَادَتَنَا الْعُلَمَاءَ أَهْلَ الدِّرَايَةِ لَمْ يَتْرُكُوا صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا وَقَتَلُوهَا بَحْثًا وَتَمْحِيصًا – كَمَا يَزْعُمُ تَلَامِيذُهُمُ النُّجَبَاءْ.
أَمَّا نَحْنُ، فَإِنَّنَا نُحَاوِلُ التَّسَلُّقَ عَلَى أَطْرَافِ بُنْيَانِهِمُ الرَّاسِخِ فِي الْأَرْضِ الْمُتَفَرِّعِ فِي السَّمَاءِ، عَلَّنَا نَجِدُ شَيْئًا مِنَ الْمُتَرَدَّمِ الَّذِي يُمْكِنُ تَرْمِيمُهُ. لِذَا سَنُحَاوِلُ التَّعَرُّضَ إِلَى سُؤَالٍ بَسِيطٍ يَتَعَلَّقُ بِقَضِيَّةِ الشَّفَاعَةِ لِلْعِبَادِ عِنْدَ رَبِّهِمْ. مُحَاوِلِينَ أَنْ نَطْرَحَ تَصَوُّرَنَا الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي نَظُنُّ أَنَّنَا نُخَالِفُ فِيهَا الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ السَّائِدَ بِمُجْمَلِهِ.
لِذَا نَحْنُ بِدَايَةً نَلْتَمِسُ الْعُذْرَ مِنْ تَلَامِيذِ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَنَا هَذَا مَحْمَلَ الْجِدِّ إِنْ هُمْ وَجَدُوا أَنَّنَا قَدْ "سَفَّهْنَا" تُرَاثَ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَلْيَعْتَبِرُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّرَفِ الْفِكْرِيِّ الَّذِي قَدْ يَضِلُّ طَرِيقَهُ كَثِيرًا وَقَلَّمَا يُصِيبُ الْهَدَفَ الْمَنْشُودْ.
(دُعَاءٌ: فَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وَأَنْ يُعَلِّمَنَا قَوْلَ الْحَقِّ فَلَا نَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا – آمِينْ).
أَمَّا بَعْدُ، السُّؤَالُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَتَدَخَّلَ فِي أَمْرِ دُخُولِ الْعِبَادِ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ؟
السُّؤَالُ: وَلَكِنْ، هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَشْفَعَ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: وَمَنْ سَيَأْذَنُ لَهُ الرَّحْمَنُ بِذَلِكَ؟
جَوَابٌ: مَنْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا.
السُّؤَالُ: وَمَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي تَقُولُ يَا رَجُلُ؟ هَلْ جُنِنْتَ؟ أَلَنْ يَشْفَعَ لَنَا نَبِيُّنَا يَوْمَ الدِّينِ؟ أَلَيْسَ هُوَ النَّبِيَّ الَّذِي سَيَظَلُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ: "أُمَّتِي، أُمَّتِي"؟ وَمَاذَا عَنِ الْوُرُودِ عَلَى الْحَوْضِ؟!
فَهُمْ يَضَعُونَ الْكَلَامَ فِي أَفْوَاهِ غَيْرِهِمْ وَيُقَوِّلُونَهُمْ مَا لَمْ يَقُولُوا عِنْدَمَا سَيَنْطَلِقُ بَعْضُهُمْ لِيُحَدِّثَ النَّاسَ بِأَنَّ رَشِيدَ الْجَرَّاحِ (هَذَا الْمَخْبُولَ) يَضَعُ الْفِكْرَ الْإِسْلَامِيَّ فِي مَتَاهَاتِ الْفِكْرِ الْمَسِيحِيِّ، ظَانِّينَ بِأَنَّ رَشِيدَ الْجَرَّاحِ يُحَاوِلُ أَنْ يُبَرِّرَ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الدِّيَانَةِ الْمَسِيحِيَّةِ، إِلَخْ.
لَكِنَّهُمْ لَنْ يَنْتَظِرُوا أَنْ يَقْرَءُوا الْجُمْلَةَ الْوَاضِحَةَ التَّالِيَةَ جَيِّدًا: مَا يَعْتَقِدُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ (أَيِ الشَّفَاعَةِ) لَا يَخْتَلِفُ قَيْدَ أَنْمُلَةٍ (فِي ظَنِّنَا) عَنْ مَا يَعْتَقِدُ بِهِ النَّصَارَى فِي الْجُزْئِيَّةِ نَفْسِهَا تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ مُخْتَلِفَةْ. فَإِذَا كَانَتْ تُسَمَّى عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ "شَفَاعَةً" فَهِيَ تُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ الدِّيَانَةِ النَّصْرَانِيَّةِ "خَلَاصٌ". وَإِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ هُوَ شَفِيعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ مُخَلِّصُ النَّصَارَى (لَا بَلْ وَالْبَشَرِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا).
وَلَوْ أَمْعَنَّا التَّفَكُّرَ فِي الْمَوْقِفَيْنِ، لَرُبَّمَا وَجَدْنَا أَنَّ الْهَدَفَ وَاحِدٌ، أَلَا وَهُوَ: وُجُودُ وَسِيطٍ بَيْنَ الْعِبَادِ وَرَبِّهِمْ، فَالْوَسِيطُ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ مُحَمَّدٌ بَيْنَمَا الْوَسِيطُ فِي الْفِكْرِ الْمَسِيحِيِّ هُوَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
الدَّلِيلُ: لَمَّا كُنَّا لَا نُقْحِمُ أَنْفُسَنَا فِي شُغْلِ غَيْرِنَا، فَإِنَّنَا سَنُوَجِّهُ سِهَامَ نَقْدِنَا إِلَى أَنْفُسِنَا لِنَسْتَبِينَ حَالَنَا قَبْلَ أَنْ نُهَاجِمَ غَيْرَنَا. فَمَنْ كَانَ بَيْتُهُ مِنَ الزُّجَاجِ لَا يَحْذِفُ بُيُوتَ الْآخَرِينَ بِالْحِجَارَةِ (كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ الْإِنْجِلِيزِيُّ). وَنَحْنُ لَا نَجِدُ أَكْثَرَ بَلَاغَةً لِلرَّدِّ عَلَى الْفِكْرِ النَّصْرَانِيِّ لِدَحْضِ فِكْرَةِ الْمُخَلِّصِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمْ:
فَلَوْ دَقَّقْنَا فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذَا الْمَشْهَدِ الْحِوَارِيِّ بَيْنَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَرَبِّ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ لَوَجَدْنَا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ يَنْأَى بِنَفْسِهِ أَنْ يَتَدَخَّلَ فِي مَصِيرِ هَؤُلَاءِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ مَتْرُوكٌ بِكُلِّيَّتِهِ لِصَاحِبِ الْقَرَارِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ:
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا: نَحْنُ نُؤْمِنُ يَقِينًا بِأَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّصَ أَحَدًا مِنْ مَصِيرٍ هُوَ يَسْتَحِقُّهُ فِي يَوْمِ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ.
السُّؤَالُ: إِذَا كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ عِيسَى لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَلِمَ نُؤْمِنُ (كَمَا عَلَّمَنَا سَادَتُنَا أَهْلُ الدِّرَايَةِ) أَنَّ مُحَمَّدًا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
- افْتِرَاءٌ 1: بِدَايَةً نَحْنُ لَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ دَلِيلًا وَاحِدًا صَرِيحًا عَلَى مَا يُسَمِّيهِ سَادَتُنَا الْعُلَمَاءُ بِالشَّفَاعَةِ، وَمَنْ عِنْدَهُ هَذَا الدَّلِيلُ فَإِنَّنَا سَنَكُونُ لَهُ شَاكِرِينَ وَنَعِدُهُ أَنْ نَضْرِبَ بِقَوْلِنَا هَذَا عُرْضَ الْحَائِطِ عَلَى الْفَوْرِ.
- افْتِرَاءٌ 2: كَانَ مُعْظَمُ الدَّلِيلِ الَّذِي يَتَنَاقَلُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْخُصُوصِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَحَادِيثَ يَظُنُّونَ أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ نَفْسِهِ.
- افْتِرَاءٌ 3: لَوْ تَدَبَّرْنَا جُمْلَةَ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الصَّدَدِ لَوَجَدْنَا أَنَّهَا تَتَضَارَبُ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ. فَفِي حِينِ أَنَّ هُنَاكَ كَمٌّ لَا يُسْتَهَانُ بِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُصَوِّرُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ لِأُمَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ أَحَادِيثَ أُخْرَى تَتَضَارَبُ مَعَهَا بِشَكْلٍ لَا لَبْسَ فِيهِ. وَدَعْنَا نُقَدِّمُ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ : {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } فَقَالَ :(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا )) [1]
ثُمَّ نَجِدُ الْحَدِيثَ رَقْمَ 1051 حَدِيثًا مَرْفُوعًا:
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ غَسَّانَ... عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَالْعَبَّاسُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِهِ , وَفَاطِمَةُ عَنْ يَسَارِهِ ، قَالَ : يَا فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " اعْمَلِي لِلَّهِ خَيْرًا , إِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " .
نَتِيجَةٌ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يُثْبِتُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ وَلَا حَتَّى عَنِ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ نَفْسِهَا.
- افْتِرَاءٌ 4: وَلَكِنْ نَجِدُ - فِي الْمُقَابِلِ- الْأَحَادِيثَ الْمَشْهُورَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ لِأُمَّتِهِ جَمِيعًا:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ... فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونِي فَأَقُولُ أَنَا لَهَا... فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ... فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) [2]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ... ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ...) [3]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي... وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَأَخَّرْتُهَا لِأُمَّتِي فَهِيَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا".
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... قَالَ: "... وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ قِيلَ لِي: سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (... وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْقِيَامَةِ وَهِيَ نَائِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا ) [4].
وَعَنْ أَبِي مُوسَى –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "... وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَ شَفَاعَةً وَإِنِّي أَخْبَأْتُ شَفَاعَتِي ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا".
السُّؤَالُ الْمُثِيرُ: لِمَاذَا أُعْطِيَتِ الشَّفَاعَةُ لِهَذَا النَّبِيِّ مِنْ دُونِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ السَّابِقِينَ؟ وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ نَحْنُ نَتَسَاءَلُ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَرْبِطَ ذَلِكَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةْ؟
أَلَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ كَذَلِكَ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمْ يَكُنْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ أَكْثَرَ مِنْ رَسُولٍ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ أَكْثَرَ مِنْ رَسُولٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ لِلْفِكْرِ الْمَسِيحِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ الدَّارِجِ: لِمَاذَا الْخُصُوصِيَّةُ لِهَذَيْنِ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ، إِذَنْ؟ فَهَلْ لَهُمَا خُصُوصِيَّةٌ مُحَدَّدَةٌ تَخْتَلِفُ عَنِ الْآخَرِينَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ: مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحْ؟
وَهُمُ الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ جَمِيعًا:
- افْتِرَاءٌ 6: لَعَلَّ جَمِيعَ الِافْتِرَاءَاتِ السَّابِقَةِ يُمْكِنُ الْقَفْزُ عَنْهَا وَتَجَاوُزُهَا (إِذَا كُنَّا لَا نُرِيدُ الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْجَدَلِيَّةِ) لَوْ أَنَّنَا لَمْ نَجِدِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ الَّتِي تُصَوِّرُ بِشَكْلٍ لَا لَبْسَ فِيهِ حَالَ مُحَمَّدٍ فِي الْآخِرَةْ:
اسْتِنْبَاطَاتٌ مُفْتَرَاةٌ بِنَاءً عَلَى فَهْمِنَا (رُبَّمَا الْخَاطِئِ) لِمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةْ:
- مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، لِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ).
- مُحَمَّدٌ لَا يَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِهِ (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي).
- مُحَمَّدٌ لَا يَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِنَا (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ).
- مُحَمَّدٌ لَا يَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيْهِ (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ).
- مُحَمَّدٌ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ نَذِيرٍ مُبِينٍ (وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ).
- إِلَخْ.
لِيَكُونَ السُّؤَالُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُوَجِّهَهُ الْجَمِيعُ (الْعَالِمُ مِنْهُمْ وَالْمُتَعَلِّمُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ) هُوَ: إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ لَا يَدْرِي مَا سَيُفْعَلُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)، فَكَيْفَ تَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ شَفِيعًا لِغَيْرِهِ؟ مَنْ يَدْرِي؟!
- افْتِرَاءٌ 7: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ أَنَّ عَقِيدَتَنَا تُلَخِّصُهَا الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةْ:
السُّؤَالُ الْمُرْبِكُ: إِنْ صَحَّ مَا تَزْعُمُ، مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ فِكْرَةُ الشَّفَاعَةِ إِذَنْ؟ وَمَا هِيَ عَوَاقِبُهَا؟ وَهَلْ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْجَانِبِ هِيَ أَحَادِيثُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؟ أَلَمْ تَرِدْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ؟ رُبَّمَا يُرِيدُ مُحَاوِرُنَا أَنْ يَسْأَلْ.
فَهَا هُمُ الْمُدَافِعُونَ عَنْ "آلِ الْبَيْتِ" مَثَلًا يَرَوْنَ أَنَّ شَخْصًا مُحَدَّدًا مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ) هُوَ طَرِيقُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَهُوَ طَرِيقُ غَيْرِهِمْ (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ) إِلَى النَّارِ. وَهَذِهِ مُعْظَمُ الْفِرَقِ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ مَنْهَجَهَا هُوَ الْإِسْلَامُ تَتَسَابَقُ (وَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهَا صَرَاحَةً) فِي تَسْمِيَةِ أَئِمَّتِهَا وَآيَاتِهَا وَمَشَايِخِهَا شُفَعَاءَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَمَنْهَجُ الْغَالِبِيَّةِ مِنْهُمْ يُلَخِّصُهُ أَحَدُ عُلَمَائِهِمْ قَائِلًا: "ثُمَّ يَجِبُ عَلَى الْمُرِيدِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِشَيْخٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُسْتَاذٌ فَإِمَامُهُ الشَّيْطَانُ". إِلَخْ.
السُّؤَالُ: مَا الَّذِي يُرِيدُونَهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ؟ لِمَاذَا تُصِرُّ الْغَالِبِيَّةُ السَّاحِقَةُ مِنَ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ؟
اسْتِنْبَاطَاتٌ مُفْتَرَاةٌ:
- كَانَ صَوْتُ فِرْعَوْنَ هُوَ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ فِي مَلَئِهِ وَفِي قَوْمِهِ.
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ مَنْ يَتَّخِذُ الْقَرَارَ لَهُمْ.
- كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ صَاحِبَ الْحُجَّةِ.
- لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وَمِنْ قَوْمِهِ مَنْ يُخَالِفُهُ الرَّأْيَ أَوْ مَنْ لَا يَقْبَلُ بِحُجَّتِهِ.
- اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَسْتَخِفَّهُمْ.
- كَانَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ قَوْمًا فَاسِقِينَ.
- إِلَخْ.
السُّؤَالُ: كَيْفَ اسْتَطَاعَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَسْتَخِفَّ قَوْمَهُ؟ وَكَيْفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْجَحَ فِي ذَلِكَ؟
- الْوَجْهُ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْمِهِ.
- الْوَجْهُ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ.
أَمَّا بِخُصُوصِ قَوْمِهِ، فَهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ:
لِذَا كَانُوا عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِلضَّلَالَةِ:
وَلَمَّا كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، لَمْ يَكُونُوا مُؤَهَّلِينَ لِهَدَايَةٍ مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. وَاقْرَأْ – إِنْ شِئْتَ- قَوْلَهُ تَعَالَى:
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُمُورَ الدُّنْيَوِيَّةَ هِيَ – عَلَى الدَّوَامِ- الْهَمُّ الْأَكْبَرُ لِلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ:
هَذَا مَا يَخُصُّ قَوْمَهُ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِفِرْعَوْنَ نَفْسِهِ فَقَدْ كَانَ شَخْصًا عَالِمًا مُدْرِكًا لِمَا يَدُورُ حَوْلَهُ:
لِذَا نَجِدُ أَنْفُسَنَا وَاقِعِينَ فِي هَذَا السِّينِارْيُو الَّذِي يَتَكَرَّرُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا صَبَاحَ مَسَاءَ، السِّينِارْيُو الْمُتَمَثِّلُ بِشَخْصٍ يَمْلِكُ عِلْمًا يَدُورُ فِي فَلَكِهِ أَشْخَاصٌ كَثِيرُونَ يَفْتَقِدُونَ هَذِهِ الْبِضَاعَةَ. لِيَكُونَ السُّؤَالُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ هُوَ: كَيْفَ سَتَكُونُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ (الْعَالِمِ مُقَابِلَ الْعَامَّةِ مِنَ النَّاسِ)؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: اسْتَطَاعَ صَاحِبُ الْعِلْمِ (فِرْعَوْنُ) أَنْ يَتَلَاعَبَ بِعُقُولِ الَّذِينَ مِنْ حَوْلِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الْعِلْمَ مِثْلَهُ. لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: يَسْتَطِيعُ صَاحِبُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ أَنْ يَسْتَخِفَّ بِمَنْ حَوْلَهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ، وَإِذَا كَانَ اسْتِعْدَادُهُمْ لِلْفِسْقِ مُتَوَافِرًا.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا؟ وَكَيْفَ؟
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ
نَعُودُ إِلَى صُلْبِ مَوْضُوعِ النِّقَاشِ بِالنَّتِيجَةِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةِ: عِنْدَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ صَاحِبَ الْقَرَارِ فِي مَلَئِهِ وَفِي قَوْمِهِ كَانَتِ الرِّسَالَةُ الْإِلَهِيَّةُ مُوَجَّهَةً بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ لِشَخْصِ فِرْعَوْنَ:
ثُمَّ لِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَطْ:
وَذَلِكَ لِأَنَّ قَبُولَ فِرْعَوْنَ لِتِلْكَ الدَّعْوَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ تَعْنِي قَبُولَ مَلَئِهِ وَقَوْمِهِ بِهَا. لِذَا كَانَ إِيمَانُ الْقَوْمِ أَجْمَعِينَ مُرْتَبِطًا بِإِيمَانِ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ وَكَانَ كُفْرُهُمْ مُرْتَبِطًا بِكُفْرِهِ. فَهُمْ إِذَنْ رَهْنَ إِشَارَةٍ مِنْ أُصْبُعِهِ، يُحَرِّكُهُمْ كَيْفَمَا شَاءَ، وَذَلِكَ لِامْتِلَاكِهِ الْعِلْمَ الَّذِي يَنْقُصُهُمْ، فَيَسْتَطِيعُ بِمَا لَدَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَتَلَاعَبَ بِعُقُولِهِمْ كَيْفَمَا شَاءَ.
السُّؤَالُ: مَا عَلَاقَةُ هَذَا كُلِّهِ بِقِصَّةِ يُونُسَ (مَوْضُوعِ النِّقَاشِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ)؟
وَهَذَا مَا حَصَلَ بِالضَّبْطِ مَعَ يُونُسَ، فَقَدِ اسْتَقَرَّ فِي بَطْنِ الْحُوتِ عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةِ (وَهُوَ مُلِيمٌ)
تَسَاؤُلَاتٌ
- لِمَاذَا كَادَتْ أَنْ تَكُونَ نِهَايَةُ ذِي النُّونِ كَنِهَايَةِ فِرْعَوْنَ؟
- مَا مَعْنَى أَنَّ كِلَاهُمَا كَانَ مُلِيمًا؟
- وَلِمَاذَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ وَانْتَهَى أَمْرُهُ فِي الْحَالِ؟
- لِمَاذَا نَجَا ذُو النُّونِ وَعَادَ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ؟
- لِمَ لَمْ تَتَطَابَقْ نِهَايَتُهُمَا بِالرَّغْمِ أَنَّ قِصَّتَهُمَا (كَمَا نَزْعُمُ) كَانَتْ مُتَطَابِقَةً؟
- لِمَاذَا آمَنَ قَوْمُ يُونُسَ فَكُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ؟
- لِمَ لَمْ يَحْصُلْ لِآلِ فِرْعَوْنَ مَا حَصَلَ لِقَوْمِ ذِي النُّونِ؟
- وَأَخِيرًا: مَا الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِعْلًا تَذَكَّرَ أَوْ خَشِيَ؟
- إِلَخْ.
دَعْنَا نُقْفِلُ النِّقَاشَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ الْمَقَالَةِ بِالتَّصَوُّرِ التَّالِي عَنْ قِصَّةِ ذِي النُّونِ: كَانَ ذُو النُّونِ شَخْصًا ذَا مَكَانَةٍ مَرْمُوقَةٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ رَجُلًا عَلَى عِلْمٍ، بَيْنَمَا كَانَ مَنْ حَوْلَهُ يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ وَيَنْتَهُونَ بِنَهْيِهِ (بِالضَّبْطِ كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ)، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْقُصُهُمُ الْعِلْمُ الَّذِي كَانَ يُحِيطُ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ.
لِذَا فَقَدْ جَمَعَ ذُو النُّونِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا) بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ: الْحُكْمَ وَالْمُلْكَ (كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ). وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لَمْ يَكُنْ لِيَجْرُؤَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَأَصْبَحُوا جَمِيعًا طَوْعَ أَمْرِهِ.
لِذَا لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ (أَيْ ذُو النُّونِ) مِنَ الْمُسَبِّحِينَ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ قَوْمُهُ جَمِيعًا كَذَلِكَ، فَكَانُوا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةِ (نَحْنُ لَا زَلْنَا نَتَخَيَّلُ) حَتَّى حَصَلَ أَمْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا فَقَلَبَ الْأُمُورَ كُلَّهَا رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ، فَكَانَ نَتِيجَةُ ذَلِكَ أَنْ ذَهَبَ ذُو النُّونِ مُغَاضِبًا، فَتَرَكَ قَوْمَهُ وَخَرَجَ بِاتِّجَاهِ الْبَحْرِ كَمَا فَعَلَ فِرْعَوْنُ، وَهُنَاكَ كَادَتْ أَنْ تَكُونَ نِهَايَتُهُ وَإِلَى الْأَبَدْ.
وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ (أَيْ فِي غِيَابِ ذِي النُّونِ بَعِيدًا عَنْ قَوْمِهِ)، تَرَاجَعَ الْقَوْمُ عَنْ إِيمَانِهِمْ فَوَقَعَ عَلَيْهِمْ عَذَابُ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَقُوا عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةِ (أَيْ تَحْتَ وَطْأَةِ عَذَابِ الْخِزْيِ) حَتَّى عَادَ إِلَيْهِمْ يُونُسُ نَفْسُهُ مَرَّةً أُخْرَى كَرَسُولٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُنَا عَادَ قَوْمُهُ إِلَى الْإِيمَانِ مِنْ جَدِيدٍ، فَنَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ عَلَى عَكْسِ جَمِيعِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَذَابْ:
وَذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الْأُمَمَ مَا آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، وَمَا آمَنَتْ إِلَّا لَحْظَةَ أَنْ رَأَوْا بَأْسَ رَبِّهِمْ لَا مَحَالَةَ نَازِلٌ بِهِمْ:
فَكَانَتْ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةُ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ: أَنْ لَا يَنْفَعَ قَوْمًا إِيمَانُهُمْ لَحْظَةَ وُقُوعِ الْعَذَابْ:
إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ آمَنُوا مِنْ قَبْلُ كَقَوْمِ يُونُسَ مَثَلًا:
تَسَاؤُلَاتٌ
- مَا الشَّيْءُ الَّذِي أَغْضَبَ ذِي النُّونِ حَتَّى ذَهَبَ مُغَاضِبًا؟
- لِمَاذَا تَوَجَّهَ صَوْبَ الْبَحْرِ؟
- لِمَاذَا سَاهَمَ؟
- كَيْفَ سَاهَمَ؟
- لِمَاذَا كَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ؟
- كَيْفَ حَصَلَ ذَلِكَ؟
- مَا وَجْهُ الشَّبَهِ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِرْعَوْنَ؟
- لِمَاذَا نَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ الْغَمِّ؟
- لِمَاذَا عَادَ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ؟
- مَا وَجْهُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ مَعَ فِرْعَوْنَ؟
- مِنْ أَيْنَ كَانَ مَصْدَرُ عِلْمِ الرَّجُلِ؟
- لِمَاذَا لَمْ يَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّهِ؟
- هَلْ كَانَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ مَادَامَ أَنَّهُ لَمْ يَصْبِرْ؟
- إِلَخْ.
هَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي سَنُحَاوِلُ الْخَوْضَ فِيهَا فِي الْجُزْءِ الْقَادِمِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقٍ مِنْهُ. فَاللَّهَ وَحْدَهُ أَسْأَلُ أَنْ يُعَلِّمَنِي الْحَقَّ فَلَا أَفْتَرِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبَ، وَأَنْ يُنْفِذَ مَشِيئَتَهُ بِالْإِذْنِ لِي الْإِحَاطَةَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِي إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ – آمِينْ.
تعليقات