نظرية الأمانة: الجزء الثالث
حاولنا في الجزء السابق بعد قراءتنا للآيات الكريمة التالية:
[سورة الحجرات : 13]
[سورة الحج : 5]
أن نخرج بالافتراءات التالية التي هي لا شك من عند أنفسنا:
- لم يكن عيسى ابن مريم من الناس لأن خلق الناس جاء من ذكر وأنثى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) وهذا الشرط لم يتحقق في حالة المسيح بن مريم
- عيسى بن مريم لم يكن من الناس لأن خلقه من تراب لم ينتقل إلى مرحلة النطفة فالعلقة فالمضغة كما في خلق الناس أجمعين (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ). وهذا الشرط لم يتحقق في حالة المسيح بن مريم أيضا.
كما افترينا الظن بعد قراءتنا للآية الكريمة التالية:
[سورة الإسراء : 85]
بأن الروح كينونة منفصلة عن الذات الإلهية، تجمع وتفرد على نفس اللفظ (روح)، فالروح قد يكون كينونة واحد، وقد يكون أكثر من واحد، والروح (سواء كان مفردا أم متعدد) هو الموكّل بتنفيذ قول الله أمرا مقضيا:
[سورة البقرة : 117]
فلكي يتحقق المراد الإلهي فلابد أن يريد الله واحدة من بين الخيارات المتاحة (أي المشيئة)، فيصدر قوله في تنفيذ ذلك الخيار:
[سورة يس : 82]
وهنا تأتي مهمة الروح (تلك الكينونة التي هي من أمر الله) لينفذ قول الله ليكون أمرا مقضيا.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتجرأ على الظن بأن الروح هو الموكل بتنفيذ قول الله ليكون أمرا مقضيا، كما نتجرأ على الظن بأن الروح لديه الاستطاعة على التشكل (أي أن يركب نفسه في أي صورة شاء) ولديه الاستطاعة على التقية (أي التخفي عن أعين الناظرين).
الدليل
ها هو (أي الروح) يأتي مريم رسولا من ربها:
[سورة مريم : 19]
وقد تمثل لها (أي تشكل بالصورة) بشرا سويا في حجابها:
[سورة مريم : 17]
فما كان رد مريم أكثر من الاستعاذة بالله منه إن كان تقيا (أي لا يستطيع غيرها أن يراه):
[سورة مريم : 18]
نتيجة مفتراة (1): الروح هو رسول من رب العالمين
نتيجة مفتراة (2)
[سورة السجدة : 2]
نتيجة مفتراة (3): الروح يكون تقيا (أي يستطيع التخفي عن الآخرين)
نتيجة (4): الروح يمكن أن يكون أكثر من واحد، أي يمكن أن يأتي كمجموعة (كأن يكون مجموعة) من الرسل مثلا.
الدليل
ها هم رسل ربك يأتون إبراهيم بالبشرى:
[سورة هود : 69]
وهم الذين أرسلوا إلى قوم لوط لينزلوا بهم العذاب:
[سورة العنكبوت : 31]
[سورة الحجر : 57]
[سورة الحجر : 58]
[سورة الحجر : 59]
[سورة الحجر : 60]
فما كان من إبراهيم إلا أن ينكرهم (أي لا يستطيع أن يتعرف على هويتهم الحقيقية):
[سورة هود : 70]
وكذلك فعل لوط عندما جاءوه:
[سورة الحجر : 61]
[سورة الحجر : 62]
وما أن أخذ إبراهيم يجادل رسل ربه في قوم لوط:
[سورة هود : 74]
جاء الرد الإلهي الحاسم على النحو التالي:
[سورة هود : 76]
السؤال: ما معنى أن أمر رب إبراهيم قد جاء في تلك اللحظة؟
جواب مفترى خطير جدا: نحن نظن أن أولئك الرسل الذين جاءوا لتنفيذ قول الله في عذاب قوم لوط هم الروح الذي هو من أمر ربنا، فتمثلوا لإبراهيم في الشكل والطلعة على أنهم قوم (أي مجموعة من الرجال)، وكذلك فعلوا عندما جاءوا لوطا بدليل أن لوطا قد أنكرهم كذلك (أي لم يستطع التعرف على شخصيتهم الحقيقية). لذا، عمد إبراهيم عندما راءهم على تلك الهيئة التي تمثلوا بها والعدد إلى أن يقدم لهم عجلا حنيذ:
[سورة هود : 69]
لذا نحن نظن أن عددهم كان كثيرا، بدليل أن إبراهيم قد قرب إليهم عجلا سمينا:
[سورة الذاريات : 26]
ولكن لما رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام، عندها فقط نكرهم إبراهيم وأوجس منهم خيفة، لأنه – في ظننا- قد أدرك حينها أنهم متمثلين له على أنهم قوم وهو في الحقيقية ليسوا كذلك، وهناك هدئوا من روعه، وبشروه بالغلام، وبالمهمة التي أرسلوا بها:
[سورة هود : 70]
وانظر – إن شئت- في السياق الأوسع:
[سورة الذاريات : 24]
[سورة الذاريات : 25]
[سورة الذاريات : 26]
[سورة الذاريات : 27]
[سورة الذاريات : 28]
وعندما وصلوا إلى قوم لوط، نكرهم لوط كذلك:
[سورة الحجر : 61]
[سورة الحجر : 62]
ولكن ما يهمنا هنا هو أنهم أخبروا لوطا بقدرتهم على التقية (أي التخفي عن أعين الناظرين) إلا من أرادوا هم أن يطلع عليهم كـ إبراهيم وامرأته التي كانت قائمة وكـ لوط"، بدليل أنه عندما ضاق لوط ذرعا بهم خوفا مما سيفعله قومه المجرمون بهؤلاء الرسل:
[سورة العنكبوت : 33]
هدئوا من روعه وأخبروه بأن قومه لن يصلوا إليهم:
[سورة هود : 81]
لأن أعين القوم المجرمين قد طمست:
[سورة القمر : 34]
[سورة القمر : 35]
[سورة القمر : 36]
[سورة القمر : 37]
فلا يستطيع القوم المجرمون رؤية هؤلاء الرسل لأنهم ببساطة – نحن نظن- كانوا تقيا، كما صورت مريم أمر ربها (الروح) الذي جاءها في محرابه، فكذلك كان هؤلاء الرسل (تقيا).
[سورة مريم : 18]
تخيلات: نحن نتخيل (مفترين الظن من عند أنفسنا) أن الروح هو كينونة منفصلة عن الذات الإلهية، يستطيع التمثّل (أي التشكل بصور مختلفة) كما يستطيع التخفي عن أعين الناظرين (تقيا) إلا عن أعين من أراد هو أن يراه، وقد يأتي على شكل مفرد (روح واحد كالذي جاء مريم) أو روح متعددة (كالذين جاءوا إبراهيم ولوطا)، وتكمن مهمة الروح (بغض النظر عن الهيئة والعدد) في تنفيذ قول الله على أرض الواقع ليكون أمرا مقضيا:
[سورة البقرة : 117]
وهذا ينفي بكل تأكيد القول المفترى على الله كذبا باتخاذه الولد (كما زعمت النصارى):
[سورة الكهف : 4]
[سورة الكهف : 5]
لأن الذي نُفِخ في مريم هو جزء من الروح (وليس جزءا من الذات الإلهية)، وهو الذي تمثل لها بشرا سويا، فكان المسيح أمرا مقضيا
[سورة آل عمران : 47]
[سورة مريم : 35]
وسنتابع في هذا الجزء من المقالة الحديث عن ماهية خلق المسيح عيسى بن مريم، محاولين بعد ذلك بحول الله وتوفيق منه ربط هذا القضية بمسألة الروح الذي هو من أمر الله. فالله وحده نسأل أن يأذن لنا بعلم لا ينبغي لغيرنا، إنه هو السميع المجيب - آمين.
أما بعد،
يصف الله تعالى في موطن آخر من كتابه الكريم حمل الإنسان في بطن أمه على النحو التالي:
[سورة لقمان : 14]
[سورة الأحقاف : 15]
لذا، لم يكن (نحن نظن) المسيح عيسى بن مريم إنسانا، فهو لم يمر – برأينا- بتلك المراحل (الوهن)، وإلا لمر خلق المسيح في بطن أمه خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث كما تصور ذلك الآية الكريمة التالية:
[سورة الزمر : 6]
ولمر المسيح بمراحل الخلق (تراب- نطفة- علقة- مضغة- خلقا آخر) التي مر بها الناس أجمعون كما تصور ذلك الآية الكريمة التالية
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى...
ولخرج (نحن نظن) المسيح من بطن أمه طفلا (وليس غلاما) كما تصور ذلك تتمة الآية الكريمة السابقة:
...
[سورة الحج : 5]
ولو حصل هذا في حالة المسيح وهو ما يهمنا الآن في النقاش، لخرج المسيح من بطن أمه لا يعلم شيئا كما يحصل مع كل من كان من الناس:
[سورة النحل : 78]
بالرغم أن ربنا قد أخذ منا (نحن الناس جميعا) العهد بأنه ربنا عندما كنا لازلنا ذرية في ظهور آباءنا:
[سورة الأعراف : 172]
لذا، نحن ننفي جملة وتفصيلا أن يكون المسيح قد مرّ خلقه بهذه المراحل السابقة جميعا، وذلك لأنه خرج من بطن أمه يشهد لربه بالعبادة منذ اللحظة الأولى:
[سورة مريم : 30]
[سورة مريم : 31]
[سورة مريم : 32]
[سورة مريم : 33]
[سورة مريم : 34]
وكان يستطيع القيام بالمهام التالية:
[سورة آل عمران : 45]
[سورة آل عمران : 46]
[سورة آل عمران : 47]
[سورة آل عمران : 48]
[سورة آل عمران : 49]
وكان مؤيدا بروح القدس:
[سورة المائدة : 110]
تساؤلات:
- كيف خرج المسيح من بطن أمه يتحدث منذ يومه الأول؟
- وكيف استطاع المسيح أن يحيي الموتى بإذن الله؟
- وكيف كان يشفي الأكمه والأبرص بإذن الله؟
- وكيف كان ينبئ من حوله بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؟
- الخ.
جواب مفترى: كان المسيح يستطيع القيام بكل ذلك لأن فيه من روح الله. (الرسول الذي جاء أمه ليهب لها غلاما زكيا). فالمسيح – نحن نظن- كان يستطيع القيام بذلك بما كان يملك في داخله من ذلك الروح. ومَثَل المسيح في ذلك – نحن نعتقد- كمثل آدم قبل المعصية:
[سورة آل عمران : 59]
فلقد كان في آدم من روح الله، جاءه بطريقة النفخ المباشر:
[سورة ص : 71]
[سورة ص : 72]
تخيلات: نحن نتخيل أن الذي حصل في خلق آدم كان على النحو التالي: يأتي القرار الإلهي باستخلاف بشرا في الأرض، فيخبر الملائكة بمشيئته تلك:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ...
فتبدي الملائكة عدم سرورها التام بـ (أو لنقل الدهشة والاستغراب من) تلك المشيئة الربانية، فيأتي الاحتجاج على شكل تساؤل، وانظر – إن شئت- في تتمة الآية الكريمة السابقة:
... قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ...
لكن الله كان أعلم من الملائكة بما ستؤول إليه الأحداث. وانظر – إن شئت- في تتمة الآية نفسها:
...
[سورة البقرة : 30]
فيخلق الله ذلك المخلوق من الطين:
[سورة ص : 71]
ويشكله من الصلصال من الحمأ المسنون:
[سورة الحجر : 28]
وما أن ينتهي من المرحلة الأولى حتى ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي التسوية التي ظننا أنها إدخال النفس في ذلك المخلوق، فأصبح آدم مخلوقا فيه نفس، وهذا كما زعمنا في المقالة السابقة هي المرحلة الأخطر التي تميّز الله الذي هو أحسن الخالقين عن غيره من الخالقين كعيسى بن مريم مثلا:
[سورة ص : 71]
وما أن يفرغ الإله من تسوية ذلك المخلوق، حتى ينتقل إلى المرحلة الثالثة (وهي مدار بحثنا هنا) وهي مرحلة النفخ في آدم:
[سورة الحجر : 29]
وهنا نتوقف قليلا لندقق في المفردات كما وردت بالنص القرآني، لنسأل: ألا ترى - عزيزي القارئ – أن النفخ كان من روح الله (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)؟ فكيف تم ذلك؟
تخيلات: نحن نتخيل أن ذلك المخلوق آدم قد كان مسوّى قبل النفخ، وما أن يعمد الإله للنفخ فيه حتى يكون الروح (الذي هو من أمر الله) حاضرا هناك، بالضبط كما حضر عند خلق المسيح في بطن أمه مريم. فيحصل النفخ بأن يدخل شيء من ذلك الروح في ذلك المخلوق المسوّى (آدم)، عندها تدب الحياة (الحرارة) في ذلك الجسم المسوّى، فيتحرك ذلك الجسم حيا، وهناك كان المطلوب من الملائكة جميعا أن يسجدوا لهذا المخلوق الجديد:
[سورة الحجر : 30]
وما تخلف عن الركب إلا واحد وهو إبليس، وانظر في تتمة السياق القرآني السابق:
[سورة الحجر : 30]
[سورة الحجر : 31]
نتيجة (2) سنحتاج لها لاحقا بحول الله وتوفيقه: كان المأمورون بالسجود لآدم هم الملائكة وليس الملك
نتيجة (2) كان المأمورون بالسجود هم الملائكة فقط وليس الروح
نتيجة (3) كان إبليس هو من رفض السجود.
السؤال: هل كان إبليس من الملائكة؟
جواب: هذا ما سنتحدث عنه لاحقا بحول الله وتوفيقه، فالله اسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم – إنه هو السميع العليم – آمين.
أما ما يهمنا الحديث عنه هنا فهو قضية النفخ من روح الله، لنفتري الظن بأنه ما أن تم النفخ في آدم من روح الله حتى كان آدم مؤهلا أن يسكن في الجنة، فكانت حياته كلها رغدا:
[سورة البقرة : 35]
فما كان يحتاج آدم (نحن نظن) أن يصلِّي أو أن يصوم، أن يزكي أو أن يحج، أو أن يقوم بشيء من الشعائر التي تقربه إلى ربه، وذلك لأنه كان أصلا من المقربين:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
وكذلك كان المسيح عيسى بن مريم من المقربين:
[سورة آل عمران : 45]
[سورة النساء : 172]
فكانت حياة المسيح – في ظننا- هي روح وريحان وجنة نعيم. فما كان يحتاج المسيح أن يقوم بالشعائر التي تقربه إلى الله مادام أنه من المقربين، لذا جاءت المقاربة في التشبيه بين المسيح وآدم في الآية الكريمة:
[سورة آل عمران : 59]
ولكن بدأ الاختلاف يظهر بين الاثنين (عيسى وآدم) عندما تقبل آدم وسوسة الشيطان له ولزوجه، فنسي العهد الأول:
[سورة طه : 115]
وكان نسيانه (نحن نظن) خاصا بعلم الأسماء الذي تلقاه بتعليم مباشر من ربه:
[سورة البقرة : 31]
فأصبح مؤهلا لأن يسجد له الملائكة كلهم أجمعون بسبب ما يملك من ذلك العلم الذي نظن أنه به كان يستطيع إخضاعهم جميعا لأوامره:
[سورة الحجر : 28]
[سورة الحجر : 29]
وما استعاد آدم من ذلك العلم بعد خسارته إياه إلا النزر اليسير عندما تلقى من ربه كلمات:
[سورة البقرة : 37]
وما كان آدم سيحصل على ذلك لولا اعترافه بالظلم لنفسه:
[سورة الأعراف : 23]
لكن تلك الكلمات لم تسعفه بالبقاء في الجنة من المقربين، فخرج منها، فكان الشقاء نصيبه:
[سورة طه : 117]
وبالفعل استطاع الشيطان أن يوقعها في شركه، فأمرا جميعا بالهبوط من الجنة:
[سورة الأعراف : 24]
فأصابه الجوع والعري والظمأ والضحى بعد أن كان محصّنا منها جميعا في الجنة:
[سورة طه : 118]
[سورة طه : 119]
ولما لم يعد آدم من المقربين، خسر ما كان يملك وهو الروح والريحان وجنة النعيم.
افتراء خطير جدا جدا: نحن نظن أن السبب الذي أدى بآدم إلى هذه الشقاء هو خسرانه ما كان الله قد نفخه فيه من روحه. ولو أن آدم – نحن نظن- لم يخسر تلك الكينونة (من الروح) لظل من المقربين، ولبقيت حياته نعيما خالصا كما كانت حياة المسيح نفسه، وملخصها قول الحق في الآيات الكريمة التالية:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
نتيجة مفتراة: لم يعد آدم من المقربين. وانظر – إن شئت الدليل – إلى اسم الإشارة الذي استخدمه الإله نفسه في خطابه مع آدم قبل الوقوع في المعصية وبعد الوقوع في المعصية. فلقد استخدم الإله نفسه في خطابه مع آدم قبل الوقوع في المعصية اسم الإشارة "هَذِهِ الشَّجَرَةَ" ليدل – نحن نظن- على القرب منه:
[سورة البقرة : 35]
[سورة الأعراف : 19]
ولكن الخطاب تحول كليا بعد المعصية، فاستخدم الإله نفسه في خطابه مع آدم اسم الإشارة "تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ" ليدل – نحن نظن- على البعد عنه:
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا
[سورة الأعراف : 22]
وهنا نثير تساؤلين اثنين هما:
- كيف كانت حياة آدم وزوجه في الجنة قبل المعصية؟
- وكيف أصبحت بعد الهبوط منها؟
- وما علاقة هذا بقضية الروح؟
نحن نظن (مرة أخرى) أن مفتاح الإجابة على هذه التساؤلات هو ما جاء في الآية الكريمة التالية:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
باب: فروح و ريحان و جنة نعيم
تساؤلات
- ما هذه المفردات الثلاثة التي وردت في هذه الآيات الكريمة ( روح – ريحان – جنة نعيم )؟
- وكيف تختلف عن بعضها البعض؟ وما خصوصية كل واحدة منها؟
- لماذا جاءت هذه المفردات الثلاثة غير معرفة ب ( الــ ) التعريف؟
- ولماذا جاءت بهذا الترتيب في النص القرآني؟
- الخ.
بداية، لابدّ (نحن نظن) من قراءة هذه الآيات الكريمة في سياقها القرآني الأوسع:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
[سورة الواقعة : 90]
[سورة الواقعة : 91]
[سورة الواقعة : 92]
[سورة الواقعة : 93]
[سورة الواقعة : 94]
لنجد على الفور بأن هذه الآيات الكريمة تصف لنا ما سيكون عليه حال ثلاثة أنواع من المحشورين في يوم القيامة، وهم:
- المقرَّبون
- أصحاب اليمين
- المكذِّبون
وقد جاءت المفردات قيد البحث وهي (رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) لتكون هي جزاء المقربين على وجه الخصوص:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
وقد كان أكثر الذي يشغلنا في هذه الآية الكريمة هو الترتيب الذي تظهر فيه هذه المكافئات الثلاثة، فالله قد بدأ الحديث عن جزاء المقربين بالروح ثم انتقل إلى الريحان وأخيرا إلى جنة النعيم، ليكون السؤال الذي سنطرحه على الفور هو: لماذا جاءت هذه المفردات (مكافأة للمقربين فقط) على هذا الترتيب (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)؟
جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن هذا الترتيب يعكس حجم الجزاء وبالتالي الأهمية، ولكن كيف ذاك؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن أعظم الجزاء للمقربين هو حصولهم على الروح (فَرَوْحٌ) ثم حصولهم على الريحان (وَرَيْحَانٌ) وأخيرا حصولهم على جنة النعيم (وَجَنَّةُ نَعِيمٍ). ولكن لماذا؟
جواب مفترى: لو حاولنا تفقد الآيات القرآنية التي تتحدث عن جنة النعيم على مساحة النص القرآني لوجدنا على الفور أن جنات النعيم هي الجزاء الذي وعد الله به كل من آمن وعمل صالحا. وانظر – إن شئت- في السياقات القرآنية التالية:
[سورة المعارج : 38]
[سورة المائدة : 65]
[سورة يونس : 9]
[سورة الحج : 56]
[سورة لقمان : 8]
[سورة لقمان : 9]
[سورة الصافات : 40]
[سورة الصافات : 41]
[سورة الصافات : 42]
[سورة الصافات : 43]
[سورة الصافات : 44]
[سورة الصافات : 45]
[سورة الصافات : 46]
[سورة الصافات : 47]
[سورة الصافات : 48]
[سورة الصافات : 49]
وهنا يثار التساؤل التالي: إذا كانت جنات النعيم هي جزاء كل من آمن وعمل صالحا، فهل يحصل كل من آمن وعمل صالحا فيها على الروح والريحان الخاص بالمقربين كما تصور ذلك الآيات الكريمة أحسن تصوير:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
رأينا، كلا وألف كلا، وذلك لأن الروح والريحان خاص بالمقربين فقط.
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن الله قد وعد كل من آمن وعمل صالحا بجنات النعيم خالدين فيها:
[سورة لقمان : 8]
[سورة لقمان : 9]
ولكنه وعد المقربين منهم على وجه التخصيص بجنات النعيم، وأضاف إلى ذلك الريحان والروح بترتيب معكوس:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
لتكون الأهمية في رأينا تنازلية على نحو أن أعظم الجزاء هو الروح ثم يليه الريحان وأخيرا جنات النعيم.
الدليل
لكي يتحصل لنا الدليل على زعمنا هذا، فلابد من التطرق لمعاني هذه المفردات أولا
باب الروح
نحن نظن- كما زعمنا حتى اللحظة أن وجود الروح تمكن الكائن الذي يمتلك شيئا منه أن يتشكل (بالصورة التي يريد) وأن يتخفى (تقيا) عن أعين الناظرين.
الدليل:
نحن لا نشك قيد أنملة أن المسيح عيسى بن مريم كان فيه شيء من الروح الذي نفخ فيه:
[سورة الأنبياء : 91]
[سورة التحريم : 12]
فكان المسيح نفسه نتيجة ذلك النفخ هو روح من الله:
[سورة النساء : 171]
لذا نحن نتخيل أن المسيح كان يستطيع أن يتشكل وكان يستطيع أن يتخفى عن أعين الناظرين.
الدليل
نحن نجد الدليل على ذلك في الآية الكريمة التالية:
[سورة النساء : 157]
التساؤلات
- لماذا لم يستطع من تآمروا على المسيح أن يقتلوه؟
- لماذا شُبِّه لهم؟
- لماذا اختلفوا فيه؟
- لماذا جاء كل علمهم عنه من باب الظن؟
- الخ
جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن مفترين القول من عند أنفسنا أن السبب في ذلك كله ربما يرجع إلى الظن بأن المسيح (بما فيه من ذلك الروح) كان يستطيع أن يتشكل بالصورة التي يريدها، كما أنه يستطيع أن يكون تقيا. لذا لا يستطيع الذين تآمروا عليه أن يقتلوه ولا أن يصلبوه مادام أنه قد شبه لهم.
نتيجة مفتراة: هذه ستكون – نحن نتخيل- واحدة من صفات المقربين في الجنة، إنها القدرة على التشكل والتقية. فأنت في جنة النعيم تستطيع أن تشكل صورتك كيفما تريد كما تستطيع أن تخفي نفسك عن من تريد شريطة أن تكون من المقربين.
ما رأيك – عزيزي القارئ- أليس ذلك جميلا؟ ألن يكون في ذلك متعة عظيمة؟ من يدري؟!!!
باب مفردة ( ريحان )
إذا كان هذا ما ستكون عليه حال المقربين أنفسهم، فهل تقتصر متعتهم على ثمثل (أي تشكيل) وتقية أنفسهم (أي التخفي عن أعين الناظرين) فقط؟
رأينا: بعد تفقد السياقات القرآنية على مساحة النص القرآني وجدنا أن مفردة (رَيْحَانٌ) قد وردت في موضعين اثنين فقط، وهما:
- جاءت بصيغة التنكير (بدون الــ التعريف) في الآية الكريمة قيد البحث:
فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ الواقعة (89)
[سورة الواقعة : 89]
- وجاءت معرفة بـ ( الــ ) التعريف في الآية الكريمة التالية
[سورة الرحمن : 12]
السؤال: ما هو الريحان؟
لنبدأ بما قاله سادتنا العلماء أهل الدراية كما وصلنا في الطبري مثلا:
فصل 1 : الحب ذو العصف والريحان
وقوله : { والحب ذو العصف } يقول تعالى ذكره : وفيها الحب , وهو حب البر والشعير ذو الورق , والتبن : هو العصف , وإياه عنى علقمة بن عبدة : تسقي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتي الماء مطموم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 25469 - حدثني علي , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله : { والحب ذو العصف والريحان } يقول : التبن . 25470 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله : { والحب ذو العصف والريحان } قال : العصف : ورق الزرع الأخضر الذي قطع رءوسه فهو يسمى العصف إذا يبس . 25471 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب , عن جعفر , عن سعيد { والحب ذو العصف } البقل من الزرع . حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { والحب ذو العصف } وعصفه تبنه . * - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال : العصف : التبن . 25473 - ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن سفيان , عن الضحاك { والحب ذو العصف } قال : الحب البر والشعير , والعصف : التبن . 25474 - حدثنا سعيد بن يحيى , قال : ثنا عبد الله بن المبارك الخراساني , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن أبي مالك قوله : { والحب ذو العصف والريحان } قال : الحب أول ما ينبت . 25475 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث , قال : ثنا الحسن , قال : ثنا روقاء جميعا , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { والحب ذو العصف والريحان } قال : العصف : الورق من كل شيء . قال : يقال للزرع إذا قطع : عصافة , وكل ورق فهو عصافة . * - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثني يونس بن محمد , قال : ثنا عبد الواحد , قال : ثنا أبو روق عطية بن الحارث , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والحب ذو العصف } قال : العصف : التبن . 25476 - حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال : ثنا محمد بن الصلت , قال : ثنا أبو كدينة , عن عطاء , عن سعيد , عن ابن عباس { ذو العصف } قال : العصف : الزرع. وقال بعضهم : العصف : هو الحب من البر والشعير بعينه . ذكر من قال ذلك : 25477 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والحب ذو العصف والريحان } أما العصف : فهو البر والشعير . |
والريحان |
وأما قوله : { والريحان } فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله , فقال بعضهم : هو الرزق . ذكر من قال ذلك : 25478 - حدثني زيد بن أخزم الطائي , قال : ثنا عامر بن مدرك , قال : ثنا عتبة بن يقظان , عن عكرمة , عن ابن عباس قال : كل ريحان في القرآن فهو رزق . 25479 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث , قال : ثنا الحسن , قال : ثنا ورقاء جميعا , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد { والريحان } قال : الرزق. 25480 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن سفيان , عن الضحاك { والريحان } : الرزق , ومنهم من يقول : ريحاننا . 25481 - حدثني سليمان بن عبد الجبار , قال : ثنا محمد بن الصلت , قال : ثنا أبو كدينة , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس { والريحان } قال : الريح . * -حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثني يونس بن محمد , قال : ثنا عبد الواحد , قال : ثنا أبو روق عطية بن الحارث , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والريحان } قال : الرزق والطعام . وقال آخرون : هو الريحان الذي يشم . ذكر من قال ذلك : 25482 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : { الريحان } ما تنبت الأرض من الريحان . 25483 -حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { والريحان } أما الريحان : فما أنبتت الأرض من ريحان . 25484 -حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن { والريحان } قال : ريحانكم هذا . 25485 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { والريحان } : الرياحين التي توجد ريحها . وقال آخرون : هو خضرة الزرع. ذكر من قال ذلك : 25486 - حدثني علي , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية عن علي , عن ابن عباس , قوله : { والريحان } يقول : خضرة الزرع . وقال آخرون : هو ما قام على ساق . ذكر من قال ذلك : 25487 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب , عن جعفر , عن سعيد , قال : { الريحان } ما قام على ساق . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عنى به الرزق , وهو الحب الذي يؤكل منه . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب ; لأن الله جل ثناؤه أخبر عن الحب أنه ذو العصف , وذلك ما وصفنا من الورق الحادث منه , والتبن إذا يبس , فالذي هو أولى بالريحان , أن يكون حبه الحادث منه , إذ كان من جنس الشيء الذي منه العصف , ومسموع من العرب تقول : خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه , ويقال : سبحانك وريحانك : أي ورزقك , ومنه قول النمر بن تولب : سلام الإله وريحانه وجنته وسماء درر وذكر عن بعضهم أنه كان يقول : العصف : المأكول من الحب والريحان : الصحيح الذي لم يؤكل . واختلفت القراء في قراءة قوله : { والريحان } فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض المكيين وبعض الكوفيين بالرفع عطفا به على الحب , بمعنى : وفيها الحب ذو العصف , وفيها الريحان أيضا , وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين " والريحان " بالخفض عطفا به على العصف , بمعنى : والحب ذو العصف وذو الريحان . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب : قراءة من قرأه بالخفض للعلة التي بينت في تأويله , وأنه بمعنى الرزق , وأما الذين قرءوه رفعا , فإنهم وجهوا تأويله فيما أرى إلى أنه الريحان الذي يشم , فلذلك اختاروا الرفع فيه وكونه خفضا بمعنى : وفيها الحب ذو الورق والتبن , وذو الرزق المطعوم أولى وأحسن لما قد بيناه قبل |
رأينا: لمّا كانت هذه المرويّات (نحن نظن) لا تسد ظمأ الباحث عن الحقيقة، وجدنا أن هناك متسعا من المكان لأن ندلي بدلونا في هذه الجزئية. لذا أصبح لزاما علينا أن نعيد التفكر بهذه المفردات حتى نستطيع (إن أذن الله لنا بشيء من علمه) أن نخرج بتصور أكثر شمولية، والآلية التي نستخدمها هي المعهودة، أي استدعاء جميع السياقات القرآنية التي نظن أن لها علاقة بالموضوع.
فصل 2- العصف
أولا، لم ترد مفردة ( العصف ) في السياقات القرآنية إلا في آيتين اثنتين فقط:
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ الرحمن (12)
[سورة الفيل : 1]
[سورة الفيل : 2]
[سورة الفيل : 3]
[سورة الفيل : 4]
[سورة الفيل : 5]
السؤال: ربما يصعب علينا بداية أن نخرج بتصور لمعنى عبارة (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ)، لكن الأمر يمكن أن يكون أكثر سهولة لو حاولنا أن نتدبر كيف يكون "العصف المأكول" بناء على ما يمكن أن نتخيله مما حلّ بأصحاب الفيل عندما أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل؟ ألم يجعلهم نتيجة ذلك "كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ"؟
السؤال: كيف كان حالهم حينئذ؟
تخيلاتنا: نحن نتخيل ويكأنهم قد أصبحوا أشلاء متقطعة متناثرة يصعب إعادة تجميعها
ثانيا، نحن نظن أيضا بأن مفردة "العصف" لها علاقة بمفردة "العاصفات" التي ترد في الآية الكريمة التالية:
[سورة المرسلات : 2]
السؤال: ما هي العاصفات؟ وكيف تكون العاصفات عصفا؟
رأينا: نحن نظن بأن العاصفات هي جمع لمفردة (عاصف) و ليس جمع لمفردة (عاصفة) مادام أن المفردتين قد وردتا في النص القرآني لتصفان مفردة الريح. انظر التباين في الآيتين الكريمتين التاليتين:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا
[سورة يونس : 22]
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)
(للتفصيل في التفريق بين مفردتي الريح والرياح انظر مقالتنا تحت عنوان: ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته: باب الريح)
لكننا نحاول هنا أن نستبين الفرق بين ريح عاصف من جهة وريح عاصفة من جهة أخرى، مثيرين التساؤل التالي: كيف تختلف الريح العاصف عن الريح العاصفة؟
جواب مفترى: نحن نظن أن الريح تكون عاصف عندما تكون مسخرة للعذاب فتأتي من كل اتجاه، بينما لا تكون الريح العاصفة كذلك، وذلك لأنه يستحيل – نحن نظن- التحكم بالريح إن كانت عاصف، بينما يمكن التحكم بالريح العاصفة كما كان يفعل سليمان.
الدليل: الريح عاصف
وردت مفردة عاصف في الآيتين الكريمتين التاليتين:
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي
[سورة إبراهيم : 18]
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا
[سورة يونس : 22]
فلو تدبرنا قوله تعالى الخاص بأعمال الذين كفروا كما تصوره الآية الأولى لوجدنا أن الله قد شبهها بالرماد (الذي نظن أنه أخف وأهون أنواع التراب) الذي ضربته الريح الشديدة في يوم عاصف فلم يستطيعوا على اللحاق بشيء منه. ولو استدعينا الآية الكريمة التالية:
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا الفرقان (23)
[سورة الفرقان : 23]
لوجدنا أن فكرة التشتت والتبعثر متوافرة (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). ولتعززت لنا الصورة الذهنية التي ترتسم في مخيالنا عندما نقرأ ما حلّ بأصحاب الفيل والتي تحدثنا عنها سابقا:
[سورة الفيل : 1]
[سورة الفيل : 2]
[سورة الفيل : 3]
[سورة الفيل : 4]
[سورة الفيل : 5]
ولو تدبرنا السياقات القرآنية السابقة أكثر لوجدنا أن الريح عندما تكون عاصف تكون (نحن نظن) قادمة من أكثر من اتجاه، وانظر – إن شئت- ما يحل بالموج عندما تأتي الريح العاصف، ألا يجيء الموج حينها من كل مكان:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا
[سورة يونس : 22]
السؤال: ما الذي يمكن أن يجيء بالموج من كل مكان حول من كانوا في الفلك؟ أليس هو الريح الذي سيأتي من كل اتجاه؟ ولكن كيف ذلك؟
رأينا: عندما تأتي الريح من مكان محدد بذاته، وتذهب باتجاه محدد، ويمكن السيطرة عليها، فإن ذلك يسمى (في رأينا) بالريح "عاصفة" كما كان في حالة سليمان:
[سورة الأنبياء : 81]
فالريح في حالة سليمان هي ريح عاصفة لأنها ببساطة كانت مسخرة، لذا كانت تجري به إلى مكان محدد (الأرض المباركة) بأمره. ولا يتوقف التسخير عند الاتجاه (أي في أي اتجاه تذهب) بل يتعداه إلى السرعة والزمن، فلقد كان سليمان يتحكم بسرعة وزمن الريح العاصفة. وانظر – إن شئت- في السياقات التالية:
[سورة ص : 36]
[سورة سبأ : 12]
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأنه لو كانت ريح سليمان ريح عاصف لما استطاع سليمان (نحن نظن) أن يسيطر عليها، ولكنها لما كانت "ريح عاصفة" كان يستطيع التحكم بسرعتها وباتجاهها بكل يسر وسهولة.
نتيجة مفتراة (1): الريح تكون عاصف إذا كانت قادمة من أكثر من اتجاه، لذا يصعب السيطرة عليها والتحكم بها
نتيجة مفتراة (2): تكون الريح عاصفة إذا كانت قادمة من اتجاه واحد لذا يمكن السيطرة عليها والتحكم بها كما كان يفعل سليمان
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: عاصف هي جمع (فهي ريح قادمة من أكثر من اتجاه) بينما عاصفة هي مفرد (مادام أنها قادمة من اتجاه واحد).
ثالثا، لو تفقدنا السياقات القرآنية الخاصة بالريح على مساحة النص القرآني، لوجدنا التصنيفات التالية:
- ريح فيها عذاب أليم
[سورة الأحقاف : 24]
[سورة الأحقاف : 25]
- ريح فيها صر (صرصر)
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
[سورة آل عمران : 117]
- ريح صرصر
[سورة فصلت : 16]
[سورة القمر : 19]
[سورة القمر : 20]
[سورة الحاقة : 6]
[سورة الحاقة : 7]
[سورة الحاقة : 8]
- الريح العقيم
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ الذاريات (41)
- الريح العاصف
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يونس (22)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ إبراهيم (18)
- الريح القاصف
[سورة الإسراء : 67]
[سورة الإسراء : 68]
[سورة الإسراء : 69]
- الريح العاصفة
[سورة الأنبياء : 81]
- الريح الهاوية
[سورة الحج : 31]
- الريح التي تسبب الصفرة للزرع
[سورة الروم : 50]
[سورة الروم : 51]
- الريح المرسلة
[سورة الأحزاب : 9]
- الريح الساكنة
[سورة الشورى : 33]
ويمكن لنا أن نستنبط بناء على ما نفهمه من هذه السياقات القرآنية بأن الريح يمكن أن تكون ساكنة ويمكن أن تكون مرسلة ويمكن أن تكون عقيم ويمكن أن تكون صرر عاتية ويمكن أن يكون فيها صر، ويمكن أن تكون هاوية ويمكن أن تكون قاصفة ويمكن أن تكون عاصفة ويمكن أن تكون عاصف. إن السؤال الذي يهمنا هنا هو الفرق بين أن تكون الريح عاصفة (كما في حالة سليمان) أو أن تكون عاصف (كما في حالة العذاب).
رأينا المفترى: نحن نظن أن الريح العاصف هي ريح العذاب وهي التي تأتي من كل مكان فتحيط بالمعذّبين من كل اتجاه، فلا يقدرون على شيء مما كسبوا كما الذين في الفلك:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا
[سورة يونس : 22]
فتذرهم (إن هي أصابتهم) كالعصف المأكول كما حل بأصحاب الفيل:
[سورة الفيل : 1]
[سورة الفيل : 2]
[سورة الفيل : 3]
[سورة الفيل : 4]
[سورة الفيل : 5]
وتلك هي في ظننا العاصفات عصفا:
[سورة المرسلات : 2]
سؤال: ما هو إذن الحب ذو العصف الذي يرد في الآية الكريمة التالية؟
[سورة الرحمن : 12]
وما علاقته بالريح العاصف؟
رأينا: لما كان الحب هو ما يمكن أن ينفلق لينتج منه الحياة من جديد:
[سورة الأنعام : 95]
فإننا نفتري الظن بأن العصف الذي هو خاص بالحب (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ) هو ما يحيط بذلك الحب والذي يمكن للريح أن يذهب به بأي اتجاه، فهي إذن – في ظننا- تلك القشرة التي تحيط بالحب والنوى لتحفظه. إنها القشرة ( قشور البذور ) – أو الشيء الذي يحمي أجنة الحب (البذور) من التلف و الموت و ذلك للتكاثر والتناسل من جديد. وبذلك تظل الحبوب (الحب) و ما بداخلها من أجنة حيّة سليمة لتتكاثر المزروعات وتستمر دورة الحياة. وهي التي تكون خفيفة في وزنها لدرجة أن الريح (مهما كانت سرعتها) يمكن أن تذهب بها في كل اتجاه.
باب الريحان
[سورة الرحمن : 10]
[سورة الرحمن : 11]
[سورة الرحمن : 12]
لو تدبرنا ما جاء في هذه الآية الكريمة لوجدنا أنها تتحدث عن أنواع الثمرات التي تتواجد في الأرض والتي وضعها ربنا للأنام. ففيها:
- فاكهة
- النخل ذات الأكمام
- الحب ذو العصف
- الريحان
السؤال : ما هو الريحان؟
نحن ننفي أن يدخل الريحان ضمن مجموعة (الحب) لأن ذلك يصبح من باب الحشو، ولكن هذا لا ينفي أن يكون الريحان من صفات الحب ، فيصبح العطف هنا بين العصف من جهة والريحان من جهة أخرى، ويشتركان معا في الحب، وإن صح هذا، يصبح للحب صفتان:
- الحب ذو العصف و
- الحب ذو الريحان
أو أن يكون الريحان شيء منفصل تماما عن الحب، ويكون العطف بين الحب ذو العصف من جهة والريحان من جهة أخرى، فتصبح القراءة على النحو التالي:
- الحب ذو العصف و
- الريحان
بداية، نحن نظن أن مفردة ( الريحان ) لا تدل على تعريف لصنف أو نوع من المزروعات أو النباتات محدد بذاته، بل– نظن – أنها تدل على صفة تجتمع فيها أنواع كثيرة ومتعددة. فالحب مثلا هو الذي ينبت منه أنواع كثيرة من المزروعات، والفاكهة تجنى من أنواع كثيرة من الأشجار، والنخل ذات أكمام متعددة، وهكذا. لذا نحن نفتري القول بأن مفردة الريحان تحمل في ثناياها معنى (التعداد). فهناك أنواع كثيرة من المزروعات تقع ضمن فئة الريحان سواء كان الريحان صفة للحب (الحب ذو الريحان) أو أنه كان منفصلا عنه (الحب ذو العصف من جهة والريحان من جهة أخرى). فما هي؟
رأينا: نحن نفتري القول بأن مفردة الريحان هي جمع لمفردة "ريح" محددة بذاتها، فما هي؟
جواب مفترى: دعنا نقرأ ما جاء في قوله تعالى بخصوص ما وجده يعقوب من يوسف عندما فصلت العير:
[سورة يوسف : 94]
لو تدبرنا هذا السياق القرآني لوجدنا أن يعقوب قد وجد "ريح يوسف"، فلا شك – عندنا إذن- أن ليوسف ريح محددة استطاع يعقوب أن يشتمها بأنفه. فظن من حوله أنه لازال في ظلاله القديم:
[سورة يوسف : 95]
ولكن البشير جاءه بالخبر اليقين:
فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا...
فما زاد يعقوب على تأكيده لمن حوله بأنه على علم من ربه:
...
[سورة يوسف : 96]
فما كان ممن حوله إلا أن اعترفوا بخطئهم وطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم:
[سورة يوسف : 97]
السؤال: إذا كان ليوسف ريح محددة بذاتها، استطاع يعقوب أن يشتمها وأن يميزها، فماذا يمكن أن نسمي (نحن نسأل) ريح يعقوب أو ريح يوسف معا أو ريح كل أبناءه مجتمعين مثلا؟
السؤال: كيف تجمع مفردة "ريح" التي جاءت خاصة بيوسف في الآية الكريمة؟
[سورة يوسف : 94]
جواب: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن ذلك يسمى ريحان
سؤال: ما علاقة ذلك بالآية الكريمة التي نتدارسها هنا:
[سورة الرحمن : 10]
[سورة الرحمن : 11]
[سورة الرحمن : 12]
رأينا المفترى: نحن نظن أنه بالإضافة للفاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف هناك أيضا النباتات العطرية التي تفوح منها الروائح المتنوعة التي تشد الأنام إليها. فكثير من الكائنات الحية (بما فيها الأناسي) تشدّهم روائح تلك النباتات، فمنهم من يتغذى عليها كالنحل مثلا:
[سورة النحل : 68]
[سورة النحل : 69]
ومنهم من يستخدمها للزينة كما يفعل كثير من الأناسي، ومنهم من يستخدمها كدواء، الخ. لذا، نحن نفتري الظن هنا أن الريحان (جمع ريح) تشكل بمجموعها فصيلة مستقلة من النباتات تسمى الريحان.
عودة إلى قصة آدم
لو عدنا إلى الخطاب الإلهي الأول الموجه لآدم فيما يخص الجنة لتبين لنا على الفور أن ما وجده آدم وزوجه فيها هو الأكل (ولا شيء غيره):
[سورة البقرة : 35]
ولو حاولنا أن نربط هذا بالآيات الكريمة التالية:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
لوجدنا بأن الله قد أعد للمقربين ( روح و ريحان و جنة نعيم )، ليكون السؤال الآن على النحو التالي: ما الذي يمكن أن يستفيد منه المقربون من وجود الريحان مادام أن الأكل متوافر في جنات النعيم؟
السؤال : ما فائدة أن يعطي الله المقربين روحا وريحان وهم أصلا في جنات النعيم (حيث الأكل وافر)؟
[سورة الواقعة : 25]
[سورة الواقعة : 26]
[سورة الواقعة : 27]
[سورة الواقعة : 28]
[سورة الواقعة : 29]
[سورة الواقعة : 30]
[سورة الواقعة : 31]
[سورة الواقعة : 32]
[سورة الواقعة : 33]
جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: لأنهم سيخلقون جنّاتهم بأنفسهم حسب رغباتهم وميولهم.
نعم، نحن نظن أن عباد الله المقربين الذين لهم جزاء من الله (روح وريحان وجنة نعيم) سيكون باستطاعتهم خلق أي شيء يمكن أن يخطر على قلوبهم ويشكلونه (الحب) ويلونوه بريح (ريحان) كيفما رغبوا وأحبوا، فتلك هي جنات النعيم.
الدليل
لو تدبرنا الآية الكريمة جيدا لوجدنا أن تلك المفردات الثلاثة (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) قد جاءت في الآية الكريمة على التنكير:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
السؤال: لماذا جاءت هذه المفردات بصيغة التنكير؟ لماذا لم تأت معرفة بأداة التعريف (الـ)؟
جواب: لأن تلك الجوائز ليست مشكلّة مسبقا، وإنما لازالت تنتظر أن تُشكّل حسب ما يراه من يرثها مناسبا:
[سورة مريم : 63]
[سورة الزخرف : 72]
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ الشعراء (85)
[سورة الشعراء : 85]
فمن يرث شيئا، يصبح ملكا له و يكون له حق التصرف فيه كيفما يشاء، وذلك – برأينا- هو العطاء غير المجذوذ الذي وعد الله بعض عباده به:
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ
[سورة هود : 108]
تخيلات: نحن نعتقد أن الجنة ليست عبارة عن مكان يرتع فيه الإنسان ويلعب، وهي ليست – في ظننا- المكان الذي يكون من يدخله متلقيا فقط لما يقدّم له من خيراتها، لأن ذلك سيصبح بعد فترة من الزمن نشاطا مملا، لا يجد فيه الكثيرون المتعة المنشودة. فلا شك عندنا أن الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين هي أكثر من مجرد مكان للأكل واللهو الجنس (كما تصوّرها كتب السلف الصالح – ومن شاء أن يجادل فلينظر في الجزء الرابع من كتاب الترغيب والترهيب. أما من أراد أنيطلع على ما نقول نحن فيها، فله أن يقرأ مقالتنا تحت عنوان: ماذا ستفعل النساء في الجنة؟). فنحن نتخيل الجنة على أنها المكان الذي يستحيل أن يصيب من كان من أصحابها (والله وحده نسأل أن نكون منهم) الملل والضجر، لأن وارث تلك الجنات – نحن نرى- له حق التصرف فيها، فهو من سيصنعها ويشكلها بنفسه كيفما يريد، فيصبح دوره فيها إيجابيا، ليجد على الدوام ما يقوم فيه في كل لحظة. فلا يصاب بالإحباط والملل. ولو حاولنا أن نعقد مقارنة مع ما يتحصل للإنسان في الحياة الدنيا لوجدنا أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بالسعادة الدائمة إن هو وجد نفسه في مكان يقدّم له كل شيء دون أن يبذل هو فيه شيء من الجهد، لأنه سيصاب بالضجر والملل ولو بعد حين، ولكن المتعة الحقيقة تتحصل له (نحن نظن) عندما يستطيع أن يصنع تلك المتعة بنفسه. وهذا بالضبط ما نتخيل أن المقربين من عباد الله الذين سيرثون تلك الجنات يستطيعون فعله في جناتهم تلك. أليس ذلك جميلا؟ ألن يكون في ذلك متعة عظيمة؟ من يدري؟!!!
السؤال: ولكن كيف يكون ذلك؟
جواب: بما آتاهم الله من الروح:
[سورة الواقعة : 88]
[سورة الواقعة : 89]
السؤال: وكيف يكون ذلك؟
جواب: بالضبط كما كان يفعل المسيح عيسى بن مريم.
تخيلات: نحن نتخيل أن المقربين في الجنة سيستطيعون القيام بما كان يستطيع المسيح القيام به بسبب تلك الروح التي نفخت فيه.
السؤال: هل سيكون من سيدخل الجنة قادرا على الخلق؟
جواب: نعم، بكل تأكيد؟
سؤال: وكيف سيختلف إذا عن الإله نفسه؟ أليس الله بخالق ؟
جواب: نعم، ولكن الله هو أحسن الخالقين.
السؤال: وماذا يعني ذلك؟
رأينا: لابد إذن من العودة على ما سبق: الروح والنفس
لو تدبرنا الفرق بين قدرة عيسى بن مريم على الخلق وقدرة رب عيسى بن مريم على الخلق لوجدنا أن هناك وجه تشابه وأن هناك وجه اختلاف.
افتراء من عند أنفسنا (1): نحن نظن أن وجه التشابه يكمن في القدرة على النفخ. فكما يستطيع رب عيسى أن ينفخ في الأشياء لتحيا كذلك فعل المسيح نفسه
افتراء من عند أنفسنا (2): نحن نظن أن وجه الاختلاف يكمن في القدرة على التسوية. رب عيسى بن مريم يستطيع تسوية الأشياء لكن لا يستطيع المسيح عيسى بن مريم فعل ذلك.
فعيسى يستطيع أن ينفخ فقط لكن رب عيسى يستطيع أن ينفخ وأن يسوي
الدليل
انظر ماذا فعل رب المسيح عندما خلق آدم:
[سورة ص : 71]
[سورة ص : 72]
وانظر بالمقابل ماذا كان يفعل المسيح عندما كان يخلق:
[سورة آل عمران : 49]
ألا تلاحظ – عزيزي القارئ- أن عيسى بن مريم كان ينفخ فيما يخلق من الطين فيكون طيرا؟ ولكن ألا تلاحظ أيضا أن عيسى بن مريم لم يكن يسوّي ما يخلقه قبل أن ينفخ فيه كما فعل ربه عندما خلق آدم؟
[سورة ص : 71]
[سورة ص : 72]
السؤال: لماذا؟ لماذا لم يكن عيسى بن مريم يستطيع أن يسوي قبل أن ينفخ؟ ولماذا كان ينفخ بعد أن يخلق مباشرة؟
جواب مفترى من عند أنفسنا: لأن التسوية تحتاج إلى إدخال النفس في الشيء المخلوق
نتيجة خطيرة جدا جدا: نحن نظن أن الفرق بين الله (كأحسن الخالقين) وغيره من الخالقين (كعيسى بن مريم) تكمن في التسوية وليس في النفخ. لأن التسوية تعني – بمفرداتنا- إدخال النفس في المخلوق، ليصبح مكلفا بالعبادة ومحاسبا على أفعاله:
[سورة المدثر : 38]
وتصبح تلك النفس مدانة لخالقها بالعبادة لأنه هو من يستطيع أن يهديها:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78
مادام أنه هو من سواها:
[سورة الشمس : 7]
[سورة الشمس : 8]
خلاصة: لا شك عندنا أن هناك خالقين غير الله مادام أن الله هو أحسنهم:
[سورة المؤمنون : 14]
[سورة الصافات : 125]
فقد كان بعلا خالقا، كما كان المسيح خالقا:
[سورة آل عمران : 49]
ولكن هناك فرقا جوهريا بين "أحسن الخالقين" وهو الله رب العالمين وغيره من الخالقين كعيسى بن مريم مثلا، والفرق يكمن في أنه بالرغم أن كل الخالقين يستطيعون نفخ الروح في المخلوق كما كان يفعل المسيح عيسى بن مريم مثلا إلا أنهم لا يستطيعون أن يسوّوا ما يخلقون (أي أن يضعوا فيه النفس). وهذا – نحن نتخيل- ما عجز السامري أيضا عن فعله السامري عندما أخرج للقوم عجلا جسدا له خوار:
[سورة طه : 88]
وهو الذي اتخذه قوم موسى في غيابه عنهم:
[سورة الأعراف : 148]
ولكن لو دققنا في هذا السياق القرآني لما وجدنا أن العجل أكثر من جسد تدب فيه الحياة بدليل أن له خوار، ولكنه لم يصبح جسما وذلك لأن الجسم فيه النفس:
[سورة المنافقون : 4]
لتكون المقارنة بين أحسن الخالقين وغيره من الخالقين على نحو أن الله (نحن نظن) يستطيع أن يخلق جسما (فيه نفس وروح) لكن غيره من الخالقين لا يستطيعون أن يخلقوا أكثر من جسد (فيه روح فقط لا نفس فيه).
نتيجة خطيرة جدا جدا (1): نحن نظن أن النفس هي التي سواها الله بنفسه (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، وهي مناط التكليف لأنه (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، وهي التي تحول المخلوق من أن يكون جسدا يتحرك فقط (كما النائم المتوفاة نفسه منه) إلى جسم يتحرك ويتصرف (كالمستيقظ من نومه بعد أن تعود إليه نفسه التي كانت متوفاة بالنوم). فالنفس هي التي يتوفاها الله في المنام وفي الموت:
[سورة الزمر : 42]
وهذا الأمر (أي التسوية) لا يقدر عليه أحد إلا الله الذي هو أحسن الخالقين.
نتيجة خطيرة جدا جدا (2): نحن نظن أن الروح هي تلك النفخة في المخلوق التي تحوله إلى جسد، تدب به الحياة (الحرارة) ولكنه لا يصبح مكلفا. وهذا الأمر يقدر عليه كثيرون من الخالقين كعيسى بن مريم، وكبعل مثلا. ولا يصبح هذا الجسد المنفوخ فيه جسما مكلفا بالعبادة لخالقه ما لم يتم تسويته بإدخال النفس فيه، وهذا الأمر لا يقدر عليه إلا الله الذي هو أحسن الخالقين.
السؤال النهائي: ما هي الأمانة التي أبت السموات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها؟ وما هي الأمانة التي حملها الإنسان فكان ظلوما جهولا؟
[سورة الأحزاب : 72]
جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه الشيء ذاته الذي يتوفاه الله بنفسه فلا يفرط فيه: إنها الأنفس
[سورة الزمر : 42]
ففي حين أن كثيرا من مخلوقات الله قد دبت فيها الحياة بالنفخ فيها من روح الله (كما كان يفعل المسيح مثلا عندما كان يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا) إلا أن نوعا واحدا من الخلائق قد تمت تسويته بوضع النفس فيه:
[سورة الحجر : 28]
[سورة الحجر : 29]
[سورة ص : 71]
[سورة ص : 72]
الدليل
بداية، نحن نجد الفصل واضحا بين الإنسان ونفسه في كل السياقات القرآنية الخاصة بذلك، فهما كينونتان منفصلتان تماما:
[سورة البقرة : 9]
[سورة البقرة : 57]
[سورة النساء : 49]
[سورة التحريم : 6]
ثانيا، نحن نجد أن خلق الأنفس قد سبق خلق الإنسان:
[سورة الكهف : 51]
ثالثا، جاء التكليف للأنفس:
[سورة المائدة : 105]
فكانت كل نفس بما كسبت رهينة:
[سورة المدثر : 38]
[سورة الأنعام : 164]
[سورة يونس : 30]
[سورة يونس : 54]
[سورة الرعد : 33]
[سورة الرعد : 42]
رابعا، قضت مشيئة الله أن يجعل على كل نفس حافظا:
[سورة الطارق : 4]
خامسا: عندما تذوق تلك الأنفس الموت
[سورة العنكبوت : 57]
[سورة الأنبياء : 35]
[سورة آل عمران : 185]
يتوفاها الله فيمسكها بنفسه:
[سورة الزمر : 42]
لكن ملك الموت هو من يتوفانا نحن (بعيدا عن أنفسنا):
[سورة السجدة : 11]
نتيجة خطيرة جدا جدا (سنحتاج لها لاحقا بحول الله وتوفيق منه): الله هو من يتوفى الأنفس لكن ملك الموت هو من يتوفانا.
حتى يأتي يوم الحساب لتنظر كل نفس ما كسبت:
[سورة البقرة : 281]
[سورة آل عمران : 25]
[سورة آل عمران : 30]
[سورة آل عمران : 161]
[سورة إبراهيم : 51]
[سورة النحل : 111]
[سورة طه : 15]
[سورة السجدة : 13]
[سورة الزمر : 70]
[سورة غافر : 17]
[سورة الجاثية : 22]
[سورة ق : 21]
وهناك نقوم نحن (من توفانا ملك الموت) بإخراج أنفسنا (التي توفاها الله):
[سورة الأنعام : 93]
لتنظر لتوفى كل نفس ما كسبت
[سورة البقرة : 281]
التساؤلات:
- ما هي النفس إذن؟
- متى عرضها الله على السموات والأرض والجبال ليحملنها؟
- كيف أبت السموات والأرض أن يحملنها؟
- لماذا أشفقن منها؟
- متى عرضت على الإنسان؟
- لماذا قبل أن يحملها؟
- لماذا لم يشفق منها؟
- متى كان الإنسان ظلوما جهولا حتى تصدى لحمل تلك الأمانة؟
الخ.
هذا ما سنحاول النبش فيه في الأجزاء القادمة بحول الله وتوفيقه، فالله وحده أسأل أن يهدينا رشدنا، وأن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم إنه هو الواسع العليم – آمين
وللحديث بقية
المدّكرون
رشيد سليم الجراح محمد عبد العزيز السيسي... علي محمود سالم الشرمان
بقلم د. رشيد الجراح & م. محمد عبد العزيز السيسي
تعليقات