مُقَدِّمَةٌ: [طَرْحٌ جَدِيدٌ لِقِصَّةِ يُونُسْ]
نُحَاوِلُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَسْلِيطَ الضَّوْءِ عَلَى قِصَّةِ يُونُسَ مِنْ مَنْظُورٍ نَظُنُّ أَنَّهُ فِيهِ الشَّيْءُ الْجَدِيدُ الَّذِي قَدْ يُرْضِي بَعْضَ مَنْ كَانَ هَدَفُهُ الْبَحْثَ بَعِيدًا عَنْ مَوْرُوثَاتِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادْ.
فَنَحْنُ نَزْعُمُ الْقَوْلَ أَنَّ كَلَامَنَا قَدْ يَخْتَلِفُ بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ عَنْ كُلِّ مَا وَصَلَنَا مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ مِنْ سَادَتِنَا الْعُلَمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ لَنَا أَهْلُ الرِّوَايَةِ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرْ.
فَمَنْ كَانَ هَدَفُهُ أَنْ لَا يُنَاقِشَ مَوْرُوثَاتِهِ، فَلْيُغْلِقْ هَذِهِ الصَّفْحَةَ عَلَى الْفَوْرِ وَلْيَرْجِعْ إِلَى صَفَحَاتِ كُتُبِهِ الصَّفْرَاءِ الْعَتِيقَةِ لِيَنْهَلَ مِنْ غَزِيرِ الْعِلْمِ فِيهَا.
أَمَّا مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ رُبَّمَا تَرَكَ لَنَا الْأَجْدَادُ بَعْضَ الْمُتَرَدَّمِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ نُنْفِقَ فِيهِ وَقْتَنَا، فَهَذِهِ فُسْحَةٌ مِنَ الْمَكَانِ لِيَنْظُرَ فِي تَخْرِيصَاتٍ رُبَّمَا تَطْرُقُ مَسَامِعَهُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى.
فَإِنْ أَصَبْنَا فَهَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّنَا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَخْطَأْنَا فَهَذَا مِنْ سُوءِ مَا عَمِلَتْ أَيْدِينَا. فَكَلَامُنَا هَذَا دَعْوَةٌ لِلتَّفَكُّرِ وَلَيْسَتْ عَقَائِدَ وَمُسَلَّمَاتٍ لِيُسْكَتَ عَلَيْهَا وَتَرْقَى إِلَى دَرَجَةِ الْقُدْسِيَّةِ كَقُدْسِيَّةِ النَّصِّ الَّذِي اسْتُنْبِطَتْ مِنْهُ.
فَشَتَّانَ بَيْنَ قَوْلِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ وَقَوْلِنَا (نَحْنُ الْبَشَرَ) الَّذِي غَالِبًا مَا يُخْطِئُ الْمَقْصِدَ وَقَلِيلًا مَا يُصِيبُ كَبِدَ الْحَقِيقَةْ.
وَسَيَكُونُ الْهَدَفُ الرَّئِيسُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ هُوَ مُحَاوَلَةُ إِيجَادِ بَعْضِ الْإِجَابَاتِ عَلَى التَّسَاؤُلَاتِ التَّالِيَةِ الَّتِي نُثِيرُهَا حَوْلَ قِصَّةِ هَذَا الرَّسُولِ الْكَرِيمِ (يُونُسْ).
سَائِلِينَ اللَّهَ وَحْدَهُ أَنْ يَهْدِيَنَا رُشْدَنَا وَأَنْ يُعَلِّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وَأَنْ يَجْعَلَ فَضْلَهُ عَلَيْنَا عَظِيمًا، وَأَعُوذُ بِهِ وَحْدَهُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ – آمِينْ.
التَّسَاؤُلَاتُ الْمَطْرُوحَةُ:
- مَنْ هُوَ يُونُسْ؟
- لِمَاذَا سُمِّيَ بِذِي النُّونْ؟
- أَيْنَ عَاشْ؟
- مَتَى عَاشْ؟
- مَنْ هُمْ قَوْمُهُ؟
- لِمَاذَا تَرَكَ قَوْمَهُ؟
- لِمَاذَا رَكِبَ الْفُلْكَ الْمَشْحُونَ؟
- وَمَا هُوَ الْفُلْكُ الْمَشْحُونْ؟
- لِمَاذَا سَاهَمْ؟
- لِمَاذَا كَادَتْ تَكُونُ نِهَايَتُهُ عَلَى تِلْكَ الشَّاكِلَةِ (فِي بَطْنِ الْحُوتِ)؟
- كَيْفَ الْتَقَمَهُ الْحُوتْ؟
- وَمَا هُوَ ذَلِكَ الْحُوتُ الَّذِي الْتَقَمَهُ؟
- وَأَيْنَ حَصَلَ ذَلِكَ؟
- كَمْ لَبِثَ فِي بَطْنِ الْحُوتْ؟
- لِمَاذَا نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْغَمِّ؟
- لِمَاذَا نُبِذَ بِالْعَرَاءِ؟
- لِمَاذَا تَدَارَكَتْهُ رَحْمَةُ رَبِّهِ بَعْدَ أَنْ نُبِذَ فِي الْعَرَاءِ؟
- مَا هِيَ شَجَرَةُ الْيَقْطِينِ الَّتِي أُنْبِتَتْ عَلَيْهِ؟
- وَأَيْنَ هِيَ تِلْكَ الشَّجَرَةْ؟
- لِمَاذَا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
- كَيْفَ رَجَعَ إِلَيْهِمْ؟
- كَيْفَ آمَنُوا كُلُّهُمْ؟
- لِمَاذَا كَانَ عَدَدُهُمْ مِئَةَ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؟
- إِلَخْ...
سِينِارْيُو الْأَحْدَاثِ الْمُفْتَرَى:
وَفِي مُحَاوَلَةٍ مِنَّا لِجَمْعِ إِجَابَاتٍ غَيْرِ مُتَنَافِرَةٍ عَلَى هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ الَّتِي غَالِبًا مَا اجْتُزِئَتْ مِنْ سِيَاقِهَا الْعَامِّ (وَهُوَ مَا نَظُنُّ أَنَّ أَهْلَ الدِّرَايَةِ مِنْ قَبْلِنَا قَدْ فَعَلُوهُ)، فَإِنَّنَا نُقَدِّمُ افْتِرَاءَاتٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا عَنْ قِصَّةِ يُونُسَ، مُتَخَيِّلِينَ أَحْدَاثَ قِصَّةِ هَذَا الرَّسُولِ الْكَرِيمِ (يُونُسْ) الرَّئِيسِيَّةَ وَقَدْ حَصَلَتْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
- كَانَ يُونُسُ فِي قَوْمِهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينْ.
- كَانَ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ سَيَجْتَبِيهِ بِالرِّسَالَةِ، فَمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ.
- بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى قَوْمِ يُونُسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانْ.
- كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا كَافِيًا لِيُسَبِّبَ الْغَضَبَ عِنْدَ يُونُسَ نَفْسِهِ، فَكَانَ مُغَاضِبًا.
- عِنْدَمَا لَمْ يَحْصُلِ الِاجْتِبَاءُ الْإِلَهِيُّ لِيُونُسَ لِيَكُونَ رَسُولًا، خَرَجَ مُغَاضِبًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ قَدْ جَاءَتْ غَيْرَهُ.
- ظَنَّ يُونُسُ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
- خَرَجَ يُونُسُ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مُطَارِدًا ذَلِكَ الرَّسُولَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.
- حَصَلَ اللِّقَاءُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَحْرْ.
- رَكِبَ يُونُسُ الْفُلْكَ الْمَشْحُونَ مُطَارِدًا الْمُؤْمِنِينْ.
- حَصَلَتْ مُوَاجَهَةٌ فِي الْبَحْرِ بَيْنَ يُونُسَ مِنْ جِهَةٍ وَأُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ خَرَجَ مُطَارِدًا لَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينْ.
- انْتَهَتِ الْمُوَاجَهَةُ بِهَزِيمَةِ يُونُسَ وَمَنْ مَعَهُ.
- غَرِقَتْ سَفِينَةُ يُونُسَ بِمَنْ فِيهَا مِنَ الرِّجَالِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْلِحَةْ.
- الْتَقَمَ الْحُوتُ يُونُسَ عِنْدَمَا غَرِقْ.
- عِنْدَمَا اسْتَقَرَّ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، تَذَكَّرَ هُنَاكَ أَنَّ الْمُنْجِيَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ.
- عَادَ يُونُسُ إِلَى رُشْدِهِ.
- نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ مُقِرًّا بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهْ.
- نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْغَمِّ.
- كَانَتِ النَّجَاةُ الْإِلَهِيَّةُ مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى مَاضِيهِ، أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينْ.
- أُخْرِجَ يُونُسُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، فَنُبِذَ فِي الْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمْ.
- أُنْبِتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينْ.
- شُفِيَ يُونُسُ مِنْ سَقَمِهِ.
- جَاءَتْهُ الرِّسَالَةُ هُنَاكَ، فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينْ.
- أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ أَنْفُسِهِمْ.
- آمَنُوا وَمُتِّعُوا إِلَى حِينْ.
- لَمَّا آمَنُوا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
- إِلَخْ...
مُقَارَنَةٌ بَيْنَ يُونُسَ وَفِرْعَوْنَ:
أَمَّا بَعْدُ، دَعْنَا نَبْدَأُ الْقِصَّةَ مِنْ نِهَايَتِهَا طَارِحِينَ التَّسَاؤُلَ الْكَبِيرَ التَّالِي: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا حَصَلَ مَعَ يُونُسَ وَمَا حَصَلَ مَعَ فِرْعَوْنَ فِي حَادِثَتَيِ الْغَرَقْ؟
جَوَابٌ: لَوْ تَدَبَّرْنَا النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ نِهَايَةَ الرَّجُلَيْنِ كَادَتْ تَكُونُ بِالْغَرَقِ فِي الْمَاءِ.
| فِرْعَوْنُ | يُونُسُ |
|---|---|
| يَخْرُجُ مُلَاحِقًا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فَيُدْرِكُهُ الْغَرَقْ. | يَخْرُجُ مُغَاضِبًا. |
| يُحَاوِلُ اللِّحَاقَ بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ دَاخِلَ الْمَاءِ. | يُسَاهِمْ. |
| يُدْرِكُهُ الْغَرَقُ، فَيَدْخُلُ فِي الْمَاءِ، فَيَتَذَكَّرُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُنْجِيَهُ. | يُدْرِكُهُ الْغَرَقُ، فَيَدْخُلُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَيَتَذَكَّرُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ أَنْ يُنْجِيَهُ. |
| يَطْلُبُ النَّجَاةَ بِالْإِيحَاءِ وَلَيْسَ بِالتَّصْرِيحْ. | يَطْلُبُ النَّجَاةَ بِالْإِيحَاءِ وَلَيْسَ بِالتَّصْرِيحْ. |
| عِنْدَمَا يُدْرِكُهُ الْغَرَقُ يَنْطِقُ بِكَلِمَةِ الْإِيمَانْ. | يُقِرُّ بِذَنْبِهِ بِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَيَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ. |
| عِنْدَمَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ جَاءَتْهُ النَّجْدَةُ الْإِلَهِيَّةُ بِالنَّجَاةْ. | جَاءَتْهُ النَّجْدَةُ بِالنَّجَاةْ. |
| كَانَتْ نَجَاتُهُ بِبَدَنِهِ. | يَنْجُو كُلُّهُ. |
| كَانَ فِي مَاضِيهِ مِنَ الْمُفْسِدِينْ. | كَانَ فِي مَاضِيهِ مِنَ الْمُسَبِّحِينْ. |
الْأَدِلَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ:
وَالْآنَ دَعْنَا نَبْحَثُ عَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي رُبَّمَا يُدَلِّلُ عَلَى صِحَّةِ افْتِرَاءَاتِنَا هَذِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، مُبْتَدِئِينَ النِّقَاشَ بِالْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ جَمِيعِهَا الَّتِي جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنْ قِصَّةِ هَذَا الرَّسُولِ الْكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى:
بِنَاءً عَلَى مَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الْقَوْلِ الْحَقِّ، فَرُبَّمَا نَتَجَرَّأُ عَلَى طَرْحِ التَّسَاؤُلَاتِ الْمُثِيرَةِ وَالْغَرِيبَةِ بَعْضَ الشَّيْءِ تِبَاعًا. فَلْنَبْدَأْ بِالتَّسَاؤُلِ الْأَوَّلِ الَّذِي تُثِيرُهُ مُفْرَدَاتُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ كَمَا نَفْهَمُهَا:
سُؤَالٌ 1: لِمَاذَا ذَهَبَ ذُو النُّونِ مُغَاضِبًا؟ فَمَا الَّذِي أَغْضَبَهُ؟ أَوْ مَنِ الَّذِي أَغْضَبَهُ؟
سُؤَالٌ 2: كَيْفَ ظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؟ وَمَنِ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْخِطَابِ؟ وَلِمَاذَا ظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؟
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ 1: [مَعْنَى الْمُغَاضَبَةِ]
لَا شَكَّ أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ مُغَاضِبًا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى أَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ مُغَاضِبًا؟ أَوْ مَا مَعْنَى مُفْرَدَةِ مُغَاضِبًا؟ وَكَيْفَ تَخْتَلِفُ عَنْ كَلِمَةِ غَضْبَانَ مَثَلًا؟ أَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا؟
السُّؤَالُ: لِمَاذَا رَجَعَ مُوسَى غَضْبَانَ؟ وَلِمَاذَا ذَهَبَ ذُو النُّونِ مُغَاضِبًا؟ فَمَا الْفَرْقُ؟
وَمَا وَرَدَ هَذَا الْفِعْلُ (غَضِبَ) مُصَاحِبًا لِلنَّاسِ إِلَّا فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ مِنَ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
كَمَا أَنَّ "الْغَضَبَ" (كَصِفَةٍ وَلَيْسَ كَفِعْلٍ) لَمْ تُصَاحِبْ إِلَّا شَخْصًا وَاحِدًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَلَا وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ مُوسَى:
السُّؤَالُ: لِمَاذَا كَانَ مُوسَى فَقَطْ (مِنْ بَيْنِ رُسُلِ اللَّهِ جَمِيعًا) هُوَ مَنِ اتَّسَمَ بِصِفَةِ الْغَضَبِ؟ لِمَ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الصِّفَةُ مُصَاحِبَةً لِنُوحٍ مَثَلًا أَوْ لِإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ أَوْ حَتَّى لِمُحَمَّدٍ؟ فَلِمَ كَانَ مُوسَى مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ مَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ الْغَضَبُ؟
الدَّلِيلُ: [مُوسَى وَالْغَضَبُ الْإِلَهِيُّ]
لَعَلَّنَا جَمِيعًا نَعْلَمُ الْخُطُوطَ الْعَرِيضَةَ لِمَا فَعَلَهُ مُوسَى لِيَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَيَعُودَ بِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ:
وَلَكِنْ، لَوْ تَدَبَّرْنَا السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّهُ كَانَ مُتَوَقَّعًا أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى). فَلْنَنْظُرِ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ ثُمَّ نُحَاوِلُ تَدَبُّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
وَلِكَيْ نَفْهَمَ كَيْفَ كَانَتْ إِمْكَانِيَّةُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَارِدَةً، فَعَلَيْنَا بِدَايَةً أَنْ نَتَذَاكَرَ مَعًا مَا حَصَلَ فِي مِيعَادِ مُوسَى مَعَ رَبِّهِ عِنْدَمَا كُتِبَ لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ. فَهُنَاكَ جَاءَ مُوسَى الْخَبَرُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ بِحُصُولِ الْفِتْنَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِقَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ، بِسَبَبِ ضَلَالَةِ السَّامِرِيّْ:
رَاقِبْ – عَزِيزِي الْقَارِئَ- هَذَا النَّصَّ جَيِّدًا لِتَجِدَ أَنَّ مُوسَى قَدْ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا بَعْدَمَا جَاءَهُ الْعِلْمُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ بِحُصُولِ الْفِتْنَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِقَوْمِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ضَلَالَةِ السَّامِرِيِّ لَهُمْ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا نَبَّهَهُمْ مُوسَى مِنْهُ عِنْدَمَا عَادَ إِلَيْهِمْ هُوَ التَّذْكِيرُ بِاحْتِمَالِيَّةِ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِ (أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ). السُّؤَالُ لِمَاذَا؟
لَوْ دَقَّقْنَا فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ هِيَ الْفِتْنَةُ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ مَنْ فَتَنَهُمْ كَمَا جَاءَ الْخَبَرُ لِمُوسَى مِنْ رَبِّهِ: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ).
وَلَمَّا كَانَ الْقَوْمُ قَدْ وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ، فَهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا تَمَامًا عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَجُلُّ مَا حَصَلَ أَنَّهُمْ أَجَّلُوا اتِّخَاذَ الْقَرَارِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بِنَفْسِهِ:
لِمَاذَا لَمْ يَغْضَبْ بَاقِي الرُّسُلِ؟
لِجَلْبِ الدَّلِيلِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُفْتَرَى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، وَجَدْنَا أَنَّهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ نَطْرَحَ التَّسَاؤُلَ التَّالِيَ مَرَّةً أُخْرَى: لِمَاذَا كَانَ مُوسَى مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ هُوَ مَنْ غَضِبَ؟
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: لَوْ تَدَبَّرْنَا سِيرَةَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ جَمِيعًا لَوَجَدْنَا أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ إِلَى رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ لَمْ يُصَدِّقُوا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ عَنْ طَرِيقِ رُسُلِهِمْ، فَأَقْوَامُ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرِسَالَاتِ رُسُلِهِمْ إِلَيْهِمْ أَسَاسًا، فَلَمْ يُؤْمِنْ مَثَلًا قَوْمُ نُوحٍ بِرِسَالَةِ نُوحٍ (إِلَّا قَلِيلٌ)، وَكَذَلِكَ كَانَ حَالُ قَوْمِ لُوطٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَهُودٍ، إِلَخْ.
لِذَا لَمْ يَكُنْ وُقُوعُ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ سَبَبُهُ ارْتِدَادَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ. فَمَا كَانَ ذَلِكَ (أَيْ وُقُوعُ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ) لِيُسَبِّبَ الْغَضَبَ عِنْدَ رُسُلِهِمْ، كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ شُعَيْبٍ مَثَلًا:
نَتِيجَةٌ: مَادَامَ أَنَّ الْقَوْمَ لَازَالُوا فِي مَرْحَلَةِ الْكُفْرِ، فَإِنَّ وُقُوعَ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِيُسَبِّبَ الْأَسَى عِنْدَ نَبِيِّهِمْ.
لَكِنَّ الْقِصَّةَ بِالنِّسْبَةِ لِمُوسَى عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا. فَالْقَوْمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِرِسَالَتِهِ (فَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، وَمَا أَنْ تَرَكَهُمْ مُوسَى مُسْتَعْجِلًا لِقَاءَ رَبِّهِ حَتَّى كَادَتْ ضَلَالَةُ السَّامِرِيِّ أَنْ تَرُدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَوَقَعَتِ الْفِتْنَةْ.
دَوْرُ هَارُونَ فِي مَنْعِ الْعَذَابِ:
السُّؤَالُ الْمُثِيرُ: إِنْ صَحَّ مَا تَقُولُ، فَلِمَاذَا لَمْ يَقَعْ عَلَى مَنْ ضَلَّ مِنْهُمْ (كَالسَّامِرِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْهُمْ مَثَلًا) الْعَذَابُ؟ يَسْتَغْرِبُ صَاحِبُنَا قَائِلًا.
رَأْيُنَا: نَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ هَذَا كَانَ تَدْبِيرًا حَكِيمًا مِنْ هَارُونَ. لِأَنَّهُ بَقِيَ مُتَوَاجِدًا بَيْنَهُمْ بِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُوهُ وَكَادُوا يَقْتُلُوهْ.
السُّؤَالُ: لِمَاذَا بَقِيَ هَارُونُ بَيْنَهُمْ؟ لِمَاذَا لَمْ يَلْحَقْ بِمُوسَى كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى عِنْدَمَا عَادَ إِلَيْهِمْ؟
جَوَابٌ: لِأَنَّ هَارُونَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَانْظُرْ – إِنْ شِئْتَ- رَدَّ هَارُونَ عَلَى سُؤَالِ أَخِيهِ:
وَأَيْنَ الدَّلِيلُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الِافْتِرَاءِ رُبَّمَا غَيْرِ الْمَسْبُوقِ؟ يَسْأَلُ صَاحِبُنَا مُسْتَغْرِبًا. جَوَابٌ: دَعْنَا نَقْرَأُ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ التَّالِيَةَ:
لَوْ تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ جَيِّدًا لَوَجَدْنَا أَنَّ مَا يَمْنَعُ حُصُولَ الْعَذَابِ الْإِلَهِيِّ عَلَى الْقَوْمِ هُمَا أَمْرَانِ اثْنَانِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا:
- وُجُودُ الرَّسُولِ فِيهِمْ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ).
- أَنْ يَكُونُوا مُسْتَغْفِرِينَ (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
نَتِيجَةٌ مُفْتَرَاةٌ: لِذَا، نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّ وُجُودَ هَارُونَ (كَرَسُولِ اللَّهِ) فِيهِمْ، وَوُجُودَ بَعْضِ الْمُسْتَغْفِرِينَ مِنْهُمْ (وَهُمُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا مَعَهُ) هُوَ الَّذِي (نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ) حَالَ دُونَ حُدُوثِ الْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ وَبِالتَّالِي نُزُولِ الْعَذَابِ عَلَى الْقَوْمِ فِي غِيَابِ مُوسَى.
بَابُ الْأَسَفِ وَالْغَضَبِ:
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: فِي سِلْسِلَةِ مَقَالَاتِنَا عَنْ قِصَّةِ مُوسَى تَحْتَ عُنْوَانِ بَابُ السَّامِرِيِّ، زَعَمْنَا الظَّنَّ بِأَنَّ أَسَفَ مُوسَى كَانَ سَبَبُهُ الْعَصَا. فَمُوسَى كَانَ آسِفًا لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعَصَا فِي يَدِ خَلِيفَتِهِ فِي قَوْمِهِ وَهُوَ أَخُوهُ هَارُونُ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ تَمَامًا قِيمَتَهَا، فَأَهْمَلَهَا، وَانْتَهَزَ السَّامِرِيُّ الْفُرْصَةَ، فَاسْتَطَاعَ بِقَبْضَةٍ مِنْ تِلْكَ الْعَصَا أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ ذَاكَ الْعِجْلَ الْجَسَدَ الَّذِي كَانَ لَهُ خُوَارٌ.
لَكِنْ يَبْقَى التَّسَاؤُلُ التَّالِي قَائِمًا: لِمَاذَا رَجَعَ مُوسَى غَضْبَانَ؟ فَمَا الَّذِي أَغْضَبَهُ خَاصَّةً إِذَا مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ رَاجِعًا مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِ وَهُوَ يَحْمِلُ الْأَلْوَاحَ الَّتِي كُتِبَ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟
مَادَامَ أَنَّ مُوسَى قَدْ عَادَ غَضْبَانَ فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةِ:
- كَانَ الَّذِي سَبَّبَ الْغَضَبَ عِنْدَ مُوسَى هُوَ سَبَبٌ عَقَائِدِيٌّ، وَهُوَ ضَلَالَةُ السَّامِرِيِّ لِقَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُمْ مُؤْمِنِينْ.
- مَادَامَ أَنَّ مُوسَى عَادَ غَضْبَانَ وَمَكَثَ فِي قَوْمِهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ، فَهُوَ كَانَ بِذَلِكَ يَمْنَعُ نُزُولَ الْعَذَابِ الْإِلَهِيِّ (كَمَا فَعَلَ هَارُونُ مِنْ قَبْلِهِ).
- مَادَامَ أَنَّ مُوسَى كَانَ غَضْبَانَ، فَهُوَ إِذًا مَنْ سَيَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ إِيقَاعَ الْعَذَابِ عَلَى مَنْ ضَلَّ مِنَ الْقَوْمِ كَالسَّامِرِيِّ، وَلْنَرْقُبْ مَا قَالَهُ مُوسَى لِلسَّامِرِيِّ بِمِلْءِ الْفَمْ:
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: [يُونُسُ وَالْمُغَاضَبَةُ]
نَحْنُ نَعُودُ مِنْ مُنَاقَشَةِ بَعْضِ جَوَانِبِ مُفْرَدَةِ "الْغَضَبِ" فِي النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ إِلَى صُلْبِ النِّقَاشِ عَنْ قِصَّةِ يُونُسَ بِالِافْتِرَاءِ الْكَبِيرِ التَّالِي: أَنَّ الْغَضَبَ يَحْصُلُ بِدَافِعٍ عَقَائِدِيٍّ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ شَيْءٍ دُنْيَوِيٍّ مَادِّيّْ.
لِذَا نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا بِأَنَّ حُصُولَ الْغَضَبِ عِنْدَ يُونُسَ كَانَ سَبَبُهُ عَقَائِدِيٌّ بَحْتٌ وَلَيْسَ مَادِّيًّا دُنْيَوِيًّا، وَلَوْ ذَهَبَ يُونُسُ بِسَبَبِ دَافِعٍ مَادِّيٍّ لَرُبَّمَا جَاءَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ عَلَى نَحْوِ أَنَّهُ كَانَ آسِفًا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: عِنْدَمَا يَحْصُلُ الْغَضَبُ فَهُوَ يَحْصُلُ - لَا شَكَّ- مِنْ طَرَفٍ بِاتِّجَاهِ طَرَفٍ آخَرَ. فَأَنَا قَدْ أَكُونُ غَضْبَانَ مِنْكَ وَلَكِنْ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ غَضْبَانَ مِنِّي، وَالْعَكْسُ صَحِيحْ.
لَكِنْ – بِالْمُقَابِلِ- نَحْنُ نَتَجَرَّأُ عَلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ بِأَنَّهُ فِي حَالَةِ مَنْ كَانَ مُغَاضِبًا (كَيُونُسَ)، فَإِنَّ الْغَضَبَ يَكُونُ مُتَبَادَلًا، أَيْ أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ قِبَلِ الطَّرَفَيْنِ اتِّجَاهَ بَعْضِهِمَا الْبَعْضْ.
فَإِذَا مَا حَصَلَ الْغَضَبُ مِنْ طَرَفِي بِاتِّجَاهِكَ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ حَصَلَ الْغَضَبُ مِنْ طَرَفِكَ بِاتِّجَاهِي، فَإِنَّ كُلًّا مِنَّا يَغْضَبُ عَلَى الْآخَرِ، فَيَكُونُ هُوَ سَبَبَ غَضَبِ الْآخَرِ، وَيَكُونُ هُوَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ غَضَبُ الْآخَرِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ (نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ) يَكُونُ كُلٌّ مِنَّا مُغَاضِبًا، فَيَكُونُ الْفِعْلُ تَبَادُلِيًّا (أَوْ reciprocal بِاللِّسَانِ الْأَعْجَمِيِّ).
بَابُ ذَهَبَ:
عِنْدَمَا حَاوَلْنَا تَفَقُّدَ مَعْنَى هَذِهِ الْمُفْرَدَةِ فِي السِّيَاقَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَجَدْنَاهَا مُصَاحِبَةً لِلنَّاسِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي بَعْدَ أَنْ حَاوَلْنَا أَنْ نَتَدَبَّرَهَا خَرَجْنَا بِالِاسْتِنْبَاطَاتِ الْمُفْتَرَاةِ التَّالِيَةِ الَّتِي هِيَ لَا شَكَّ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:
- الذَّهَابُ يَعْنِي وُجُودَ مُشْكِلَةٍ مَا (كَمَا فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَالذِّئْبِ).
- أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ عَنْهُ مُشْكِلَةٌ مَا.
- الذَّهَابُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ الْغَيْرِ (كَمَا فِي طَلَبِ مُوسَى مِنَ السَّامِرِيِّ: فَاذْهَبْ).
- وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مُهِمَّةٍ مُحَدَّدَةٍ (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ).
- وَقَدْ يَتَطَلَّبُ الذَّهَابُ طَلَبَ الْإِذْنِ (أَيْ الِاسْتِئْذَانَ).
- وَقَدْ يَحْصُلُ فِي فِعْلِ الذَّهَابِ نَوْعٌ مِنَ التَّشْوِيشِ عَلَى مَا حَصَلَ فِعْلًا، فَيَقَعُ أَمْرٌ مَا فِي بَابِ الْحِسْبَةِ (الظَّنِّ).
عَوْدَةٌ عَلَى بَدْءٍ: لِمَاذَا ذَهَبَ ذُو النُّونِ؟ وَكَيْفَ ذَهَبَ؟ وَمِنْ أَيْنَ ذَهَبَ؟ وَإِلَى أَيْنَ ذَهَبَ؟
بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنَّنَا نَتَجَرَّأُ عَلَى تَقْدِيمِ الِافْتِرَاءَاتِ التَّالِيَةِ:
- كَانَ ذَهَابُ ذِي النُّونِ بِسَبَبِ مُشْكِلَةٍ مَا.
- حَصَلَ نَتِيجَةَ ذَهَابِهِ مُشْكِلَةٌ مَا.
- لَمْ يَذْهَبْ ذُو نُونٍ بِنَاءً عَلَى طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ قَرَارًا شَخْصِيًّا.
- ذَهَبَ ذُو النُّونِ فِي مُهِمَّةٍ مُحَدَّدَةٍ.
- حَصَلَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ تَشْوِيشًا عَلَى الْهَدَفِ مِنْ ذَهَابِهِ.
تَفْنِيدُ الْفِكْرِ السَّائِدِ:
لَعَلَّ أَكْثَرَ الَّذِي أَشْكَلَ فِي قِصَّةِ ذِي النُّونِ هُوَ الْفَهْمُ الْمَغْلُوطُ بِأَنَّ ذَا النُّونِ كَانَ رَسُولًا عِنْدَمَا خَرَجَ مُغَاضِبًا. فَدَعْنَا نَجْلِبُ مَا وَجَدْنَاهُ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ عَنْ قِصَّةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ كَمَا وَصَلَنَا عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الرِّوَايَةِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ مَثَلًا.
"وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا... اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَهَابِهِ مُغَاضِبًا، وَعَمَّنْ كَانَ ذَهَابُهُ، وَعَلَى مَنْ كَانَ غَضَبُهُ... فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَهَابُهُ عَنْ قَوْمِهِ وَإِيَّاهُمْ غَاضَبَ... وَقَالَ آخَرُونَ: ذَهَبَ عَنْ قَوْمِهِ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، إِذْ كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَمَا وَعَدَهُمُوهُ... وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِنَّمَا غَاضَبَ رَبَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْمَصِيرِ إِلَى قَوْمٍ لِيُنْذِرَهُمْ بَأْسَهُ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُنْظِرَهُ لِيَتَأَهَّبَ لِلشُّخُوصِ إِلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ... فَذَهَبَ مُغَاضِبًا."
إِنَّ أَوَّلَ مَا يَهُمُّنَا رَدُّهُ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ "الْعَظِيمِ" هُوَ افْتِرَاؤُهُمُ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ بِيُونُسَ رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ قَبْلَ ذَهَابِهِ، فَلَعَلَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنَّ يُونُسَ قَدْ ذَهَبَ مِنْ قَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ اللَّهُ قَدِ اجْتَبَاهُ بِالرِّسَالَةِ، أَيْ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ رَسُولًا.
رَأْيُنَا الْمُفْتَرَى: نَحْنُ نَفْتَرِي الْقَوْلَ إِذًا بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُمْكِنِ إِطْلَاقًا أَنْ تَكُونَ الرِّسَالَةُ قَدْ جَاءَتْ ذِي النُّونِ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ (أَيْ قَبْلَ أَنْ يُنْبَذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَيُنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينٍ)، وَنَتَجَرَّأُ عَلَى افْتِرَاءِ الظَّنِّ بِأَنَّ يُونُسَ عِنْدَمَا ذَهَبَ مُغَاضِبًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدِ اجْتَبَاهُ بِالرِّسَالَةِ بَعْدُ. وَرُبَّمَا يُؤَكِّدُ ظَنَّنَا هَذَا مَا جَاءَ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:
نَتَائِجُ مُفْتَرَاةٌ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا:
- لَمْ يَحْصُلِ الِاجْتِبَاءُ الرَّبَّانِيُّ لِذِي النُّونِ بِالرِّسَالَةِ قَبْلَ ذَهَابِهِ مُغَاضِبًا.
- مَا حَصَلَ الِاجْتِبَاءُ الْإِلَهِيُّ لَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَانْبَتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ يَقْطِينْ.
- أَرْسَلَهُ رَبُّهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى قَوْمِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةْ.
نَحْنُ نَفْتَرِي الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذُو النُّونِ رَسُولًا قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ مُغَاضِبًا، لَمَا خَرَجَ دُونَ أَمْرٍ مِنْ رَبِّهِ، وَلَمَا كَانَ مُغَاضِبًا، مَادَامَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُؤْمِنُوا إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ حُصُولِ الِاجْتِبَاءِ الْإِلَهِيِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَلَرُبَّمَا تَوَلَّى عَنْهُمْ غَيْرَ آسِفًا عَلَيْهِمْ كَمَا حَصَلَ فِي حَالَةِ شُعَيْبٍ مَثَلًا.
دَعْنَا نُنْهِي الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِالِافْتِرَاءِ الْخَطِيرِ التَّالِي الَّذِي نَكَادُ نُخَالِفُ فِيهِ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَلَا وَهُوَ: لَمْ يَكُنْ ذُو النُّونِ قَدِ اجْتَبَاهُ اللَّهُ بَعْدُ بِالرِّسَالَةِ عِنْدَمَا خَرَجَ مُغَاضِبًا، لِأَنَّ الِاجْتِبَاءَ بِالرِّسَالَةِ جَاءَهُ فِي نِهَايَةِ رِحْلَتِهِ الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا.
وَسَنُعَاوِدُ فِي الْأَجْزَاءِ الْقَادِمَةِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ النَّبْشَ فِي تَفَاصِيلِ الْقِصَّةِ مِنْ مَنْظُورِنَا – كَمَا فَهِمْنَاهُ- طَارِحِينَ تَسَاؤُلَيْنِ اثْنَيْنِ:
- لِمَاذَا خَرَجَ ذُو النُّونِ مُغَاضِبًا؟
- وَمَنِ الَّذِي سَبَّبَ لَهُ ذَلِكَ الْغَضَبَ؟
تعليقات